مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 28 السنة الثامنة شتاء 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

بعض انطباعات حضارية حول طبيعة الأشياء ـــ نبيل فوزات نوفل

مقدمة:‏

لا ريب في أن "التناظر" الذي ينظم الأكوان يشكل سرَّ الوجود. وفي الوقت الذي ميز الإنسان بين الظلام والنور، تمكن من إدراك التمايز بين الحق والباطل، وتعلم من خالقه، رب العالمين عز وجلّ، ما لم يعلم وهو يتقدم في بناء مجتمعه البشري، وذلك كما قال الله عز وجل في محكم كتابه:‏

(وعلم آدم الأسماءَ كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسمائهم هؤلاء إن كنتم صادقين, قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون،( (القرآن الكريم، البقرة، 32). وحيثما تيسرت سيطرة للنور على الظلام، تقدم المجتمع البشري نحو رضىً حضاري. وتجلت الحقيقة الإلهية الطيبة في مختلف أبعادها المادية والروحية، وذلك على النحو الذي فضل الله به العرب، وجعل منهم "أميَّاً، صادقاً أميناً، خاتم الأنبياء والمرسلين، وحملهم بالتالي إنهاض رسالة الإسلام الحضارية الخالدة عبر العالمين. ولولا هذا التجلي الإلهي ما عرف الناس عن الحق شيئاً. ومن هذه البداية العظيمة انبثقت "طبيعة الأشياء الحضارية" وأشرقت شمس الإنسانية لتمحو ظلام التوحش الشيطاني الرهيب، ومكنت الأخيار ـ في البشرية جميعاً على هذا الكوكب ـ من تمييز سبيلهم وهم يتقربون من الله العلي العظيم. وفي هذا الصدد يقول أحد محرري إنسايكوبيديا بريتانيكا (Encyclopedia Britannica, 2005) ما معناه: "لقد أصبح العالم الإسلامي (ويقصد به الوطن العربي مركز الدائرة فيه) حضارة ذات "طبيعة متعاظمة الطاقة والشمول". ففي القرن السابع الميلادي أرسى هذا العالم أصول وحدة الإيمان والحضارة ضمن جنوب غربي آسيا وشمال أفريقيا. ومن منظور الانتشار التقني، أرست عقيدة الإسلام حافز التجاهد العربي لاستيعاب المنجزات العلمية والتقنية التي جاءت بها الحضارة الهلينية (اليونانية). وبواسطة هذه القوة الحضارية العربية حقق العرب من خلالها فتوحات حضارية، انتشرت ـ عبر الفتح العربي للأندلس وصقلية والأراضي المقدسة ـ في كيان الغرب...". والآن، إذ يبدو أننا في زمن ضعفت فيه عزيمة العرب عن متابعة قصد "طبيعة الأشياء الحضارية" في وجودهم الإنساني، تتعاظم اليوم مظاهر "نفوذ" التوحش الإمبريالي الضد، حيث تتضافر هذه المظاهر عموماً في هذا العصر الظلامي لتجعل من لا يقف دفاعاً عن أصوله الخيرة الطيبة في حكم العدم. وجلاءً لهذا المقام الخطير يرد مسوّغ عزمنا على كتابة هذا العمل المتواضع، ولنتحدث فيه عن بعد واحد من أبعاد "طبيعة الأشياء العربية "وهو بعدُ" العزيمة الذاتية العربية" المنحسر اليوم تحت شمس كوكب الأرض.‏

رؤية انحسار العزيمة الذاتية العربية:‏

لا ريب في أن العزيمة الذاتية العربية قد تجلت قوية مع مرور الأزمان من خلال بقاء الأمة العربية حيث أمدّ زخم هذه العزيمة مجمل الحياة العربية بالبقاء، والازدهار المميزين. ويبدو اليوم أن هذه العزيمة قد انحسرت لأسباب قاهرة شتى لعل أهمها ما يلي:‏

أولاً: تضاؤل الشعور الوطني العربي:‏

نعتقد أن أهم المقاييس التي تقوّم قدر التراجع في العزيمة العربية الذاتية، متجسد في هبوط الهمة والعمل باتجاه الوحدة العربية والتكامل والتضامن العربي وطغيان الإقليمية على القومية وبروز الطحالب والدمامل في الجسد العربي المتمثلة في الإقليمية والطائفية والإثنية ومحاولة التفكك والابتعاد عن التماسك، والتعاضد وسيادة ثقافة الإحباط واليأس، ثقافة الأقبية وثقافة الكهوف على ثقافة الأمل والمقاومة والحياة.‏

ولعل في مقدمة الأسباب المؤدية لهذا الواقع العربي الأسود، والمظلم اليوم هو الأنظمة العربية الحاكمة بأطيافها المختلفة، وإن كانت تتحمل المسؤولية بنسب متفاوتة، فلا أحد تعوزه الفطنة ليدرك أن الوحدة العربية، ضرورة حياتية للعرب من أجل حريتهم وقوتهم، فالتوحد يعني القضاء على التجزئة التي هي رمز الاستعمار والتبعية والضعف والتهالك، وهي الطريق للاستعداد للتحرر والتحرير والسيادة والتنمية الشاملة. ولكن للأسف الأنظمة العربية كانت بعيدة عن أي خطوة وحدوية صحيحة، بل وكأن العرب أمم متصارعة حتى وصلنا إلى الوقت الذي أضحى فيه الحديث عن الوحدة حديث عن الوهم بل نوعاً من الخيال، بل أصبح بعضهم يوصف بأنه رومانسي حين يتحدث عن وحدة الأمة متناسين أن الوحدة تتفق مع التطور الموضوعي الراهن لعالمنا المعاصر نحو تشكيل الكتل ا لكبرى للشعوب أساساً طبيعياً لتطور العلم والتكنولوجيا في الوطن، العربي فعلى العرب اليوم حكومات وشعوباً إذا أرادوا ألا يكونوا تابعين وعبيداً لسيد إمبراطورية التوحش الإمبريالي، الانطلاق من أجل العمل الوحدوي بعيداً عن الشعاراتية والرومانسية انطلاقاً من الواقع، ونرى ضرورة مراعاة الأمور التالية في تعاطينا مع قضية الوحدة العربية:‏

1. اتخاذ خطوات وحدوية على ضوء الواقع العملي للمجتمع العربي، وإعادة التلازم بين الوحدة كمبدأ والوحدة كأسلوب للتحقيق. ففي المبدأ لم تعد الوحدة مجرد حق طبيعي للأمة وسمة من سماتها واستعادة لوضعها الطبيعي، وإنما البناء على هذا الحق الطبيعي وتحديد الوحدة كحق طبيعي، وضعي، مصلحي، يدخل في إطار مصالح الأمة الملموسة.‏

2. إن الوحدة لا تقوم دفعة واحدة، كما أنها لا تؤجل إلى ما لا نهاية، وقد يكون من مصلحة العرب الحقيقية والمحددة اليوم أن يوطدوا شكلاً من أشكال التعاون الاقتصادي يؤسس للتكامل في المجالات الأخرى.‏

ويلغي هذا المفهوم جوهر التناقض بين ما هو قطري وما هو قومي لأن المصلحة القطرية الحقيقية لا تنافس المصلحة القومية العليا، ويسمح باحترام التفاوت والاختلاف بين ظروف الأقطار العربية ودرجة نموها وتطورها اقتصادياً وثقافياً، وتلبية حاجات هذا التطور المتفاوتة بما يؤكد على القواسم المشتركة والمصالح العامة المتفقة مع مصالح كل قطر على حدة ويسمح باستعمال صيغ متنوعة ومتفاوتة من أجل تحقيق الهدف الواحد، بما يتماشى مع ظرف وأوضاع كل قطر على حدة، ومستوى نموه وطبيعة القوى الحاكمة فيه مثل (تعاون، تشاور، تنسيق، تضامن، تكامل...الخ) وبالتالي يجب أن تكون المفاهيم العامة للوحدة قابلة للتحقق على مستوى الوطن العربي بكامله من جهة أولى، كما أنها يجب أن تكون مناسبة للمصالح والظروف الحالية لكل الأقطار العربية من جهة أخرى، وهنا لا يمكن إنكار الدور الهام الذي تلعبه القوى الوحدوية والمنظمات والنقابات والتنظيمات الأهلية من اجل العمل على حركة عربية واحدة، انطلاقاً من الإيمان بأن لا أحد محظور عليه العمل الوحدوي، وليس ثمة وحدوي أكثر وحدوية من الآخر إلا بمقدار ما يقدم للوحدة، فالعمل الوحدوي ليس مشروطاً بشيء إلا تحقيق الوحدة لأن الوحدة هي رسالة الأمة التي لا تتحمل التراجع أو المساومة أو التسويف، ولا شك أن تجربة العقود السابقة لم تصل بالأمة إلى الوحدة، على الرغم من أنها رسخت العديد من المقدمات الوحدوية في الوعي والواقع، حيث أسهم الحق الطبيعي في ترسيخ شعور الانتماء للأمة وهذا الشعور شرط لابد منه للتحرك نحو الوحدة، وهنا يبرز الدور الملقى على عاتق الأمة العربية في تعزيز مهمة الارتقاء بمؤسسات العمل العربي المشترك، شكلاً ومضموناً ويجب أن يترافق ذلك مع تعزيز وتسريع عملية البناء على أساس الإمكانيات والطاقة العربية الذاتية بما يقوي استقلالنا السياسي ويوطد استقلالنا الاقتصادي بربط التنمية الاقتصادية القومية بالتنمية الاجتماعية لتحقيق طرفي التقدم كليهما النمو الاقتصادي والنمو الاجتماعي والعمل على إرساء أسس لحركة عربية واحدة تقوم وحدتها على أساس التنوع والاختلاف واحترام الظروف والإمكانيات والطاقات المختلفة، وتفعيل العلاقة بين العروبة والإسلام، واستنهاض جماهيري يحشد طاقات الأمة ويجند إمكانياتها، وهي عملية تَدْخل في صلب مهام جميع القوى الجماهيرية العربية بمختلف تياراتها، وفتح حوار بين القوى الجماهيرية كافةً بشكل واسع النطاق منطلق من قاعدة القواسم المشتركة إلى تجمع كل أبناء الأمة من أجل مواجهة التحديات الكبرى المطروحة أمام أمتنا العربية والاتفاق على تحديد الأولويات بالنسبة للأمة العربية، والابتعاد عن بدعة الخلاص الفردي وإن غرق الآخرون، وإيلاء مصلحة الجماهير الأولوية والخلاص من التكتيك الأعمى والانتقال إلى الاستراتيجية المبصرة، وهذا يتطلب وضع استراتيجية عربية شاملة تشارك فيها كافة وحدات النظام العربي، وترسم ملامحه الجوهرية وهذا بالنتيجة يؤدي إلى الخلاص من الواقعية الكسيحة، التي يحياها النظام العربي بمعظمه اليوم، وينقلنا إلى الجرأة في التعامل مع الواقع، واتخاذ المواقف المبتكرة لمعالجة المشكلات الراهنة مع إمكانية التنبؤ باحتمالات المستقبل وامتلاك الأمل فيه، لأن قضايا الأمم ليست حكراً على مرحلة ضيقة من الزمن ولا تحسمها عوامل ومستجدات لا جذور لها أو أنها سطحية الجذور, ولقد ولد العجز العربي الرسمي شعوراً بالمهانة واليأس والقنوط والإحباط، لكنه لم يقض على الإيمان بعدالة القضايا القومية العربية ولأن الشعور بالظلم لدى الشعب العربي والذي يختزن خلفه طاقات نضالية تنتظر الظروف الموضوعية الملائمة. فالعجز العربي اليوم عن مجابهة التحديات الوطنية والقومية الخطيرة التي تواجه الأمة، ليس دليلاً على عدم صوابية أو مشروعية القضية القومية وستظل الوحدة العربية والشعور القومي والانتماء للعروبة العمود الفقري للرأي العام العربي مهما اضطربت حال الأمة، لأنه كما نعلم وكما أثبتت الأيام والسنين أن قوميتنا العربية، جماهيرية، إنسانية، ديمقراطية لا تقبل العنصرية أو الانغلاق أو الاستغلال وأكبر معنى إيجابي وإنساني هو إحساسها بأنها حليف دائم لحركات التحرر من الاستعمار بأشكاله المختلفة.‏

ثانياً: انحسار الرأي العام العربي:‏

ومما يدل على تراخي وتراجع العزيمة الذاتية، هو انحسار الرأي العام العربي في هذا الزمان. فكما تدل حال الأمة اليوم، أن الرأي العام العربي يعاني من حالة انحسار كبير وهذا يعود إلى غياب الديمقراطية الحقيقية في الوطن العربي بسبب طغيان الأنظمة العربية الحاكمة وأدواتها على مفاصل الحياة في معظم وطننا العربي ونتيجة لهذه الحال انتشر الفساد وتحول بكل أشكاله السياسي والاقتصادي والإداري إلى نظام اجتماعي في الوطن العربي له طبقته السياسية والإدارية وجيشه وأجهزته، وتعفنت أوضاع الدولة إلى حد يشك فيه أن الطبقة السياسية الحاكمة قادرة أن تنجز مشروعاً سياسياً دون أن تعرض مصالحها للخطر. ولابد من الإقرار بأن معظم أنظمة الحكم العربية يتسم بالطائفية والعشائرية وذات توجه إقليمي، ترتبط بشكل أو بآخر بالخارج وتتحالف في الداخل مع قوى الرأسمال العربي المرتبطة بشكل ذيلي بالقوى الخارجية المعادية للأمة العربية، وبالتالي لكي ننهض بالرأي العام العربي الذي يستطيع بعودته إلى الحياة بشكل فعلي أن يحد من طغيان الأنظمة ويجلب إلى سدة الحكم أنظمة عربية الهوية والانتماء مؤمنة بالوحدة العربية والتكامل العربي والقيم العربية الأصيلة عاملةً على صون الحقوق وفي سبيل ذلك لابد من أن ينشغل الرأي العام العربي بالقضايا التالية:‏

1. قضية التحديث والتطوير التي أصبحت اليوم ضرورة في حياة المجتمعات العربية والتخلص من الشوائب التي تعترضها سواء في التوجه الفكري أو التطبيق ومعرفة ما يجب تطويره وتحديثه وما يجب تجذيره والإبقاء عليه والحذر من الوقوع في فخ القضاء على الجذور الحقيقية لانتمائنا العربي والأخذ بالقشور على حساب الجوهر.‏

2. الالتزام بالقومية العربية والعروبة: وهذا يتطلب دوماً القيام بالآتي:‏

*محاربة جميع الممارسات والأفكار التي تعادي أو تنفي القومية العربية، وتدعو إلى الإقليمية وتجزئة الأمة العربية والحفاظ على لغتها العربية ولهذا فإن الرأي العام العربي مطالب على الصعيد الثقافي بنشر اللغة العربية وتعميمها وتحويلها إلى أداة فعالة في الحياة اليومية للمواطنين العرب جميعاً، ومن هنا فإن التصدي للإقليمية بجميع صيغها يجب أن يظل خطاً مبدئياً ثابتاً في الرأي العام العربي.‏

*إحياء التاريخ العربي ونشره وتحويله إلى ثقافة حية جماهيرية تكون الخلفية الأساسية مع اللغة العربية للانتماء القومي، وهذا يتطلب الفهم العلمي والموضوعي للتراث، لأن عبادة التراث تؤدي إلى العقم واجتزاء التراث بنزعات إيديولوجية اصطفائية وسلطوية يحوله إلى أداة قمعية لحرية الفكر والإنسان.‏

*التزام الصدق في مخاطبة الجماهير والدفاع عن مصالحها والالتزام بالديمقراطية الحقة لأن الديمقراطية الحقيقية هي أعلى أشكال الحكم الملتزم بمصالح الجماهير والمعبر عن أهدافها وتطلعاتها والذي يسمح لها بالمبادرة والأخذ بقضيتها وبناء المستقبل. وهذه الديمقراطية هي الصيغة النهائية لنظام الحكم الذي تطمح الجماهير العربية لإقامته على أرض الوطن، مجتمع انتهت منه التجزئة، وقضي فيه على الاستغلال والاضطهاد والتفاوت الطبقي.‏

3. الاهتمام بقضية التنمية الإدارية، وذلك من خلال:‏

*عدم إبقاء الجماهير العربية مشغولة بهمومها ومشاكلها الإدارية بصيغ (أضعف الإيمان) الفردية فاقدة الثقة بالعمل أو ممنوعة عن ممارسته.‏

*عدم إبقاء المعرفة الإدارية بعيدة عن متناول رجل الشارع العربي، الذي يتواكب وجوده مع ضعف التطور الإداري حيث اتسعت الفجوة بين مسؤولياته في التغيير والتطوير، وبين ما تعود عليه من عادات وتقاليد إدارية، وتكمن أهمية توفر رأي عام إداري في المجتمع، من أنه يعتبر مصدراً أساسياً تستقي منه المنظمات والقيادات المعلومات والحقائق، ووجهات نظر الجماهير ومطالبها ورغباتها، وبذلك يكون الرأي العام كالمرآة التي تعكس صورة المنظمة أو المؤسسة كما يراها الجمهور، ويعتبر مدرسة للتنشئة والتعليم ولغرس القيم والأخلاق المهنية التي تعتبر بمثابة المؤشرات والضوابط الموجهة للسلوك اليومي لجماهير المنظمة أو المؤسسة ولموظفيها. ووسيلة بيد المنظمات الإدارية لإيصال الحقائق والمعلومات لجمهورها، وتوضّع سياساتها وخططها، وهكذا تعمل المنظمات الناجحة على كسب حب وتقدير جمهورها قبل كسب أموالهم، والكشف عن ترتيب أولويات الاهتمام في أجندة صناع القرار أو قادة الرأي والقطاعات المختلفة من الجمهور.‏

4. تجذير الرأي العام العربي تجاه القضية الفلسطينية ومواجهة الصهيونية والعمل على الانتصار على الأطماع الصهيونية والرأي العام العربي رغم كل المحبطات والمؤثرات التي تواجهه ما زال متمسكاً ومجمعاً على العداء للكيان الصهيوني والتمسك بالحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، وفي سبيل تعزيز هذا التوجه لابد من المبادرة إلى:‏

*كشف الطبيعة العنصرية للصهيونية وممارساتها النازية الإرهابية. ومن أجل ذلك يفضل إنشاء مركز توثيق قومي لجرائم الصهيونية، التي ارتكبتها بحق العرب، والعمل على تأكيد الطبيعة العنصرية للصهيونية بتكثيف النشاط الفكري العربي في جميع المحافل والمجتمعات الدولية، ومقاومة التطبيع بكافة أشكاله مع الكيان العنصري الصهيوني، والتأكيد على أن الصراع العربي الصهيوني صراع وجود، وتعزيز سلاح المقاطعة العربية سياسياً واقتصادياً وثقافياً للكيان الصهيوني، والقوى المؤيدة والداعمة له.‏

5. التزام الرأي العام العربي بقضية المرأة العربية، لأهمية إشراك المرأة في مختلف القضايا المتعلقة بشؤون الوطن والأمة، وتأثير دائم ومستمر على قرار مؤسسات الدولة ومواقفها، وهذا يتطلب توعية الرأي العام، بتصحيح المظالم التي تفسد حياة ورفاه المرأة، باعتبار أن تمكين المرأة إحدى القضايا المحورية، التي يجب على الرأي العام العربي أن ينشغل بها من أجل عملية التنمية وتطوير وتقدم المجتمع، وبمقدار ما تتقدم المرأة يتقدم المجتمع.‏

6. محاربة التطرف والتعصب:‏

يشكل التطرف والتعصب العدوان الرئيسيان للرأي العام، كونهما يجرفانه عن جوهره وحقيقته لذلك يبدو من الحاجة الملحة والعاجلة أمام الأمة العربية محاربة التطرف والتعصب ويتطلب ذلك:‏

*إذكاء حوار الدين مع الفكر الحديث، ورفض الخصومة المفتعلة بين الدين وتوجهات الفكر الثقافي الحديث، وعدم التسرع في إعلان القطيعة معه، والتصدي لمن يزعمون أن الدين الإسلامي مضاد للعقلانية والإيمان، بأن الإسلام الحقيقي ليس كما يصوره المتطرفون فقد تلاقح مع الديانات الأخرى والثقافات الأخرى، فالإنسان بحاجة للدين والعقيدة كما هو بحاجة إلى المعرفة والعقل والعلم.‏

*الفهم العلمي الموضوعي للتراث البعيد عن التمسك بالتراث بكل ما فيه لأن التراث والتخندق فيه يؤدي إلى العقم والموت، فعلينا أن نأخذ من التراث ما يحرك فينا العقل ويفجر الحيوية ويضمن تقدمنا إلى الحرية.‏

*ابتكار فكر عربي جديد يشتبك مع أمور السياسة الداخلية، ويساهم في بلورة سياسية عربية قومية يتصدى لاستغلال القوى الاستعمارية العولمية والخلاص من بعض مظاهر الخلل التي أصابت فكرنا العربي الإسلامي وأهمها:‏

الانحياز إلى السائد على حساب المتجدد، والنفور من الاختلاف والتعدد، والتركيز على مبدأ الحوار مع الآخرين كأساس في الثورة التربوية المنشودة وإذكاء الحوار الداخلي فيما بيننا نحن العرب والمسلمين، وبعدها الانتقال للحوار مع الغرب والشعوب الأخرى مركزين على الحوار مع الشعوب بالدرجة الأولى.‏

*محاربة الاستبداد بكل أنواعه باعتباره آفة تهدد الوجود الإنساني، لأنه يمسح حقوق الإنسان ووجوده ويدمر الأخلاق والفضيلة والمؤسسات الاجتماعية، ويكرّس التخلف والتبعية وقتل العلم وخنق الإبداع. حيث تتكاثر في ظل الاستبداد مجموعة الوشاة والمنافقين ويضعف الرأي العام الحقيقي ويفقد مصداقيته ويمكن القول إن الاستبداد هو العدو الرئيسي للرأي العام.‏

7. التصدي للدعاية الصهيونية والإمبريالية في العالم التي تحاول تشويه حقيقة العروبة والإسلام، وجوهر الصراع العربي الصهيوني، وذلك بإنشاء مركز عربي لبحوث الرأي العام والاستفادة من الجاليات العربية والإسلامية والطلاب المتواجدين في الغرب لممارسة دور أكبر في إبراز الجوانب الحضارية لأمتنا العربية وتوضيح قضاياها العادلة وفضح زيف وممارسات الصهيونية وأعوانهما في المنطقة، وتعزيز دور السفارات العربية في الخارج، وتقديم صورة صادقة وموضوعية عن قضايانا العادلة.‏

8. دعم الفكر المقاوم والثقافة المقاومة البعيدة عن اليأس والاستسلام، ودعم المفكرين والمثقفين الحقيقيين الملتزمين بقضايا الوطن والأمة، وذلك لمقاومة ثقافة الكهوف وثقافة الأقبية.‏

ثالثاً: الاستهانة بالقيم الوطنية ـ الأخلاقية ـ العربية:‏

وهو قدَرٌ يتعاظم مع الرياح المتوحشة التي تردُ مع محاولات التدخل الإمبريالي الظلامي في حياتنا العربية عموماً، وتعليم الشعب العربي ما يُعرف اليوم بأصول الديمقراطية التي تحمل في ثناياه معالم الاستعمار الاستيطاني، إضافة إلى تغيير ثقافة الشباب العربي نحو المثل اللاأخلاقية الشمالية التلمودية حيث تعمل القوى الإمبريالية لتعزيز تدخلها لتغيير طبيعة هذه الأشياء وذلك من خلال:‏

*نشر بدعة أن العرب ليسوا أهلاً للعلم ولا هم صانعوا حضارة، ولا صالحين لخدمة المدنية مستغلين الواقع المتخلف العربي الذي تعيشه الأمة العربية الآن وابتعادها عن العلم والأخذ به كما كانت في سالف الأزمان، مما يساعد على ابتعاد الشباب العربي عن الاهتمام بالتعليم والمناهج العربية والالتحاق بالقيم الأجنبية وهذا ما بدأ ينتشر من خلال خصخصة التعليم في الوطن العربي واستبدال التعليم باللغة العربية باللغات الأجنبية وخاصة الإنكليزية بدلاً من استكمال مشروع التعريب الذي يعد من أهم الأسس الراسخة للنهوض بالتعليم في الوطن العربي.‏

*تعميق إشكالية الصراع العربي الصهيوني من خلال تلويث الحس الشعبي الوطني القومي عند الشباب العربي وذلك الحس المطالب بالعودة وتحرير القدس والأرض العربية المحتلة.‏

*اغتيال النزوع العربي للتحرر من خلال تشويه عقيدة التحرر العربي نفسها. وفي هذا الشأن تم ربط الإرهاب الدولي بالمسلمين عموماً والعرب خصوصاً، فوفقاً لفلسفة القوة الطاغية بات يندرج في إطار الإرهاب الدولي اليوم كل عمل جهادي وطني تكون غايته تحرير البلاد والعباد من سطوة الاغتصاب والاحتلال.‏

*ابتزاز روح الديمقراطية الحضارية في الوطن العربي وذلك من خلال فرض نمط معين من الديمقراطية الشكلية على مجتمعنا العربي من خلال محاولة القوى الإمبريالية المتوحشة نشر بدعة الديمقراطية الغربية بواسطة الدبابات والطائرات والعملاء والخونة والتدخل بالشؤون الداخلية للبلدان ورسم ما يصلح لها وما لا يصلح تحت شعار الإصلاح والتغيير والديمقراطية.‏

*إمداد العديد من المفكرين والمعلمين والمدرسين العرب بكل ما يريدونه من تمويل للمشاركة في تشويه طبيعة المناهج التعليمية بمختلف مستوياتها المطروحة على الطلاب بدعوى أنها لا تحوي الحقيقة التاريخية على حد زعمهم والتبشير بضرورة إعادة هذه الكتب واستبدالها حتى بتنا نخاف أن يأتي يوم ويعرض على أحد صفوف المرحلة الإعدادية مثلاً كتاب ينكر على شعبنا العربي في أقطاره المختلفة دحره من خلال الثورات العظيمة التي قام بها لقوى الاستعمار القديم أو أن يسمى قادة هذه الثورات إرهابيين مثلاً.. معاذ الله.‏

*تغذية وتقوية الزواحف الفكرية والسياسية والاقتصادية في المجتمع العربي التي تطوعت لإظهار إعجابها ومواكبتها وقيادتها للتبشير بالعولمة المتوحشة حيث نجحت مراكز قوى الهيمنة الشمالية لتعيث فساداً وإحباطاً ويأساً تمهيداً للقضاء على روح المقاومة وثقافة المقاومة.‏

*العمل على مسح أبرز الأصول الحضارية العربية والإسلامية المجيدة للشباب العربي، بهدف تغيير طبائع الأشياء الحضارية الخيرة ولتحقيق ذلك لابد من العمل على الاغتصاب الحضاري لشباب الأمة العربية فلم يعد يخفى على أحد أن رياح مسمومة مدنية شمالية بدأت تعبث في وجودنا تحت عبارة العولمة وتهدف إلى تحقيق الاستلاب الكامل لروح الشعوب مستخدمة عصرنة مظهرية، تهدف إلى خلق إنسان ممسوخ الشخصية فاقد الهوية تحت شعارات براقة تهدف إلى تغريب الثقافة الوطنية مستغلة العلم لتوظيفه لإظهار تفوق الحضارة الغربية الحالية وتغلغل قيم الرأسمالية المتوحشة في المؤسسات التعليمية حتى وصل الأمر بمحاولة تغيير البنى الثقافية والتعليمية والتربوية للدول لتهيئة التربية المناسبة للهيمنة وتغريب الإنسان وعزله عن قضاياه والتشكيك في جميع قناعاته الوطنية والقومية وفي مقدمتها وحدة الأمة العربية ورسالتها وعقيدتها الحضارية.‏

خاتمة:‏

لا جدال في أن الحقائق المثارة أعلاه تدل بشكل جليّ على أن أمتنا العربية العظيمة تمتلك "طبيعة أشياء" راسخة تتركز في تميز ذاتها الحضارية، تلك الذات التي كانت ولم تزل تحمل سرَّ بقائها وعزيمة صمودها. وإن اعترى هذه الأمة العظيمة الوهن، وأصابها الانكسار، نتيجة العوامل الداخلية والخارجية المشار إليها أعلاه، يبقى الأمل معقوداً على نهوض قوى الرأي العربي العام في المنظور العاجل وتمسك الشباب بتاريخ وتطلعات وأمجاد آبائهم ومتابعة الكفاح لإعزاز وطننا العربي من المحيط إلى الخليج.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244