|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
تاريخ موجز ... للمستقبل ـــ د.فايز عز الدين يعدُّ المفكر السياسي والاقتصادي (جاك أتالي) من أهم المؤلفين الفرنسيين في عصر فرنسا الحاضر من خلال ما يملك من رؤى استشرافية، ومن قدرة علمية منهجية على قراءة التاريخ، وكان أتالي قد أغنى المكتبة الإفرنسية خلال حياته العلمية بأكثر من ثلاثين كتاباً وعشرين دراسة طافت ما بين السياسة والاقتصاد والثقافة، وللمؤلف جاك أتالي صلات وصداقات سياسية مع الطبقة السياسية الإفرنسية، ولا سيما مع الرئيس الإفرنسي الراحل فرانسوا ميتران ما جعله قريباً من آليات اتخاذ القرار السياسي، ومن معرفة شؤون كثيرة عن الدولة وتحولاتها، والعصر وتحولاته العولمية الراهنة. في كتابه الذي بين أيدينا (تاريخ موجز للمستقبل) وهو يحتوي على سبعة فصول يحاول أتالي أن يستشرف تاريخ البشرية القادم خلال خمسين عاماً، أي حتى عام /2050/م وفي هذا الخصوص يقول أتالي: "اليوم يتقرر ما سيكون عليه العالم عام 2050، ويتحضر في العالم ما سيكون عليه عام 2100 وهذا يعني أننا نكتب اليوم تاريخ أبنائنا وتاريخ أبنائهم". وفي عناوينه التي سعى من خلالها أن يقدم رؤيته للكيفية التي سوف تتطور بها العلاقات بين الأمم، ثم ماذا ستكون عليه التطورات الديمغرافية للعالم؟ وكيفية تبدل آلية السوق، ثم ما هو عليه مستقبل الإرهاب والعنف، وكذلك آثار التبدلات المناخية، وأهمية الدور المتنامي للأديان، وما هي محصلة هذه المسائل في المتغيرات الجوهرية اليومية للبشر على كل رقعة من هذه الكرة. وفي النظرة المستقبلية للعالم يحدد أتالي في صيرورة العالم القادمة موجات ثلاثاً: الأولى ستشهد قيام الإمبراطورية الكبرى. والثانية: النزاع الكبير. والثالثة: سوف ترسى فيها الديمقراطية الكبيرة. وما يؤكده المؤلف هو أن النظر إلى المستقبل يتطلب أولاً رسم اللوحة العيانية للواقع القائم اليوم كما هو وبكل معطياته. ويحدد أتالي ـ بناء على ذلك ـ أن السمة الأولى للوضع العالمي اليوم هي سيادة قوى السوق على العالم، الأمر الذي يراه في انتصار النزعة الفردية، وانتصار المال ولذلك يقول المؤلف: "إذا وصل التطور الحاصل اليوم إلى نهاياته القصوى، فإن المال سوف يقضي على كل ما يسيء له حتى يصل إلى الدول التي سوف يدمرها شيئاً فشيئاً بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية". وحين يصبح السوق هو القانون الوحيد للعالم ستبدأ ما أسماه المؤلف الإمبراطورية الكبرى وفي الإمبراطورية الكبرى كل شيء قابل للخصخصة بما في ذلك الجيش والشرطة والعدالة، وبهذا المنظور سوف يصبح الإنسان نفسه سلعة لها سوق وخاصة قطع التبديل، وفي إطار هذا المعنى سوف يختفي الإنسان نفسه. ثم يرى المؤلف أن البشرية إذا استطاعت أن تنهي العولمة بوساطة اللجوء إلى العنف، وقبل أن تتحرر من أشكال استلابها السابقة فإن سلسلة من الممارسات البربرية، والمعارك المخربة التي سوف تستخدم فيها أسلحة ليست معروفة اليوم وبحيث تتواجه فيها الدول، والمجموعات الدينية، والكيانات الإرهابية، والقراصنة من كل نوع ستعصف بحياة العالم وأحواله وهنا يكون قد بدأ النزاع الكبير كما كتب المؤلف الذي من الممكن له أن ينهي هذا العالم إلى نهاية محتملة وغير مرغوب فيها. وفي المطلوب من المواجهة للاحتمالين المأساويين السابقين وهما احتمالان متشائمان يرى أتالي أنه من الممكن أن يبدأ فجر الديمقراطية الكبيرة حين يستطيع البشر ضبط العولمة دون رفضها، وحصر السوق دون حذفه. وبذلك تصبح الديمقراطية ذات بعد كوني فتتوقف سيطرة إمبراطورية واحدة على العالم كله، وتتفتح أبواب الحرية والمسؤولية والكرامة الإنسانية أمام الجميع على مصراعيها. وبعد أن شرح المؤلف المحطات الرئيسية للتاريخ الإنساني عامة، ولتاريخ الرأسمالية بشكل خاص، يقدم فصلاً تحت عنوان (نهاية الإمبراطورية الأمريكية) ويستند بذلك إلى تاريخ الإنسانية الطويل، الذي منذ قرون وبعد ظهور الديمقراطية والسوق يسير باتجاه واحد هو ترسيخ الحرية السياسية، وقواعد السوق، وهجرة الفلاحين إلى المدن وتعاظم القطاع الصناعي. وعلى الرغم من سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية اليوم على العالم (عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً) تسيطر إلى حد ما ديمغرافياً فهي تحتل المرتبة الثالثة في عدد السكان بالعالم، وسوف تظل كذلك حتى عام 2040 على الأقل، وحتى عام 2025، كما يرى المؤلف ستبقى أمريكا والدولار أفضل ملاذ اقتصادي وسياسي ومالي لكافة أثرياء العالم وللبنوك المركزية كذلك. وفي المجال الديمغرافي يقدم المؤلف رؤية حول العالم (2025م) إذ يرى أن الهند ستصبح أكبر دولة في العالم من جهة عدد السكان الذي سوف يبلغ /1.4/ مليار نسمة وستكون القوة الاقتصادية الثالثة بعد الصين والولايات المتحدة الأمريكية، أما روسيا من وجهة نظر المؤلف، فيتوقع أن يصل عدد سكانها عام 2025 إلى /120/ مليون نسمة، وفي هذه القراءة السكانية يشير المؤلف إلى أن القارة الإفريقية السوداء ستزيد على /1.4/ مليار نسمة لكنها لا تتحول إلى قوة اقتصادية فاعلة، وفي عام 2030 سيكون في العالم أكثر من /33%/ في أمريكا تزيد أعمارهم عن (65/ سنة مقابل /45%/ في اليابان، و/22%/ في الصين، وسوف يتضاعف عدد سكان المدن ويزداد الطلب على المواد الأولية، ويستنتج عبر هذه الأرقام أن أمريكا سوف تنجح حتى عام 2025 بدعم زراعتها، وحماية صناعتها المتقدمة، وتطوير تكنولوجيات متقدمة جديدة، وتحديث منظومات أسلحتها والدفاع عن مناطقها التجارية وضمان نفوذها الإستراتيجي، لكن المؤلف يصل إلى ما يعني أن أمريكا رغم هذا التقدم ستكون عام /2030/ مجبرة على مواجهة صعوبات من الطبيعة نفسها التي واجهتها مواطن الازدهار السابقة لدى الأمم، أي أن الأدوات التي تصنع قوة أمريكا الحاضرة سوف تصبح قوى قائمة بنفسها، وكيانات مستقلة ذاتياً، ويقول المؤلف: إذا كان الإنترنت مثلاً هو الآن مستوطنة أمريكية تتحدث اللغة الإنكليزية وتتدفق ثرواتها على الوطن الأم، فإن هذه القارة السابعة سوف تنال ذات يوم استقلالها الذاتي، وستنفصل المؤسسات الأمريكية الحقيقية المنتجة عن أمريكا، ويمكن للصناعات الإستراتيجية في أمريكا أن تنقل إنتاجها وأبحاثها إلى مناطق أخرى الأمر الذي ستبقى معه أمريكا قوة كبرى لكنها بخيار ذاتي لن تبقى الإمبراطورية المسيطرة ولا قلب النظام التجاري العالمي. وهنا لا يحاول المؤلف أن يضع تصوره لزمان هذه الحالة الأمريكية المستشرفة استقبالياً لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن التاريخ قد علمنا أن عمر الإمبراطوريات يتناقص. فالإمبراطورية الرومانية الشرقية عاشت 1058 عاماً وإمبراطوريات الشرق عاشت 400 عام والإمبراطورية السوفييتية عاشت 70 عاماً وبالتالي فإن الإمبراطورية الأمريكية التي تسود منذ 120 سنة نرى أنها قد عاشت حتى الآن متوسط عمر الإمبراطوريات التي أشرنا إليها، وهذا يعني أنها سوف تتوقف بالقريب العاجل عن بقائها سيدة العالم. ويتحول جاك أتالي في نهاية كتابه ليقدم رؤية إلى بلده فرنسا وماذا يتوقع لها في المستقبل؟ فيحدد أن بلاده كانت أمامها إمكانية أن تصبح القوة المسيطرة في أوروبا لثلاث مرات، لكنها لم تصبح هذه القوة للأسباب التالية: أعطت الأولوية للزراعة على حساب الصناعة. ولم تمتلك قوة بحرية عسكرية وتجارية. ولم تنجح في تكوين طبقة مبدعة من التجار والصناعيين. ويختم بأن فرنسا كانت قد فشلت في القرون /17 ـ 18 ـ 19/ في الوصول إلى الإمبراطورية المعنية، وإن حظها في عالم اليوم، وما هو قادم في الزمان لا يبدو أوفر هذه المرة. ومما هو جدير بالانتباه في هذا الكتاب هو أن المؤلف يرى أن أشكال التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل المعروفة اليوم سوف تغير من بنية العمل الدولي، وأوقات الفراغ، والتربية، والصحة، والثقافات، والمنظومات السياسية، ولا يتردد المؤلف من مقولة أن الكثير من الممارسات التي يتم النظر إليها اليوم على أنها تثير الفضائح سوف تكون مقبولة في الغد. وأخيراً للمؤلف جاك أتالي أعمال كثيرة مثل: قاموس القرن الحادي والعشرين، واليهود والعالم والمال، وتحليل اقتصادي للحياة السياسية، والصوت الإنساني، وله رواية نالت شهرة كبيرة بعنوان: اليوم الأول بعدي، لكنه اشتهر كرجل سياسي أكثر من بقية الأوصاف لعلاقاته الوطيدة بالطبقة السياسية الإفرنسية، وهو من أهم علماء المستقبل والإستقبالية في عصرنا اليوم. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |