مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 28 السنة الثامنة شتاء 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

قمة الفرصة الأخيرة ـــ عصام خليل

انتهت القمة العربية؛ وصدر إعلان الرياض الذي انقسم الشارع العربي حوله إلى مرحب متحفظ، ومحبط لم يعد قادراً على تصديق ما تصدره مثل هذه القمم من قرارات؛ لاسيما أن الضغط الأميركي على بعض المشاركين في القمة، تجاوز حدود الإيحاء والإملاء، إلى الشراكة والتنسيق!‏

ولم يكن الإعلان ـ فيما احتوى عليه من توجهات ـ قدّمها بصيغة ثوابت لا تقبل التنازل، أكثر من استعراض لغوي، حول وحدة الموقف والصف، يحيل المتابعين إلى شكوك عميقة بجدية الإجماع عليه، وقدرة مصدريه على تنفيذه؛ خصوصاً أن قراءة أولية للجهود الدبلوماسية المكثفة التي سبقت انعقاد القمة، تظهر تبايناً واضحاً في توجهات المشاركين فيها. ولعل القلق المضمر في نص البيان كان نقطة الإجماع الوحيدة المؤكدة، وغير المعلنة، في أذهان القادة المجتمعين، على إيقاع توترات إقليمية ودولية بالغة التعقيد، تجعل المنطقة العربية ساحةً لتقاطع المصالح، وميداناً لنزاع محتمل بين أصحابها. فقد شهد الشارع العربي مقدمات انقسامات طائفية، برعاية رسمية من بعض الأنظمة العربية، في إطار التجييش ضد مشروع إقليمي إيراني، عملت الولايات المتحدة الأميركية على تهويله، وزراعة الخوف من توجهاته ونتائجه؛ إلى الحد الذي جعل الاحتلال الأميركي للعراق خلفيةً غير منظورة، وغير مسؤولة لدى البعض، عن مشهد العنف والفوضى الذي يسود العراق، مهدداً كيانه، ووحدته الوطنية، ومؤسساً لحرب أهلية تؤدي إلى تقسيمه، وتمتد تداعياتها لتطال بنية الأنظمة العربية المطمئنة كلياً إلى بعدها عن هذه التداعيات، لتدمّر سلطتها، قبل تدمير الشعب الذي تتحكم به.‏

وربما كان أبرز ما في البيان، مما يتصل بمجمل الظروف السياسية الساخنة، ويشير إلى الوحدة اللغوية للموقف، ولتباينه الواقعي والعملي، نقطتان رئيستان:‏

الأولى: تتعلق بالدعوة إلى نشر ثقافة التسامح، وتعديل المناهج الدراسية بما يتلاءم معها.‏

والثانية: تتعلق بالمبادرة العربية للسلام، ومسألة الصراع العربي الصهيوني.‏

تتسم النقطة الأولى بقابلية التأويل، وفقاً لموقع النظام الذي يتعامل معها، ولطبيعة علاقاته بالولايات المتحدة الأميركية، ولتأثر هذه العلاقات برضى أو غضب هذه الأخيرة. وما هو موضع إجماع في هذه النقطة، هو نبذ الإرهاب! لكن المعترف به أيضاً، قصد القادة أم لم يقصدوا، أن المجتمع العربي يصدّر ثقافةً تشجع العنف، وتتناقض مع التسامح، وتدعو إلى نفي الآخر؛ وبالتالي فإن الدعوة إلى نشر التسامح هي ـ على نحو ما ـ محاولة لتأصيل فعل ثقافي مغاير للسائد عربياً!‏

أما قابلية التأويل، فتتعلق بتعدد مواقف الدول العربية من مفهوم الإرهاب، وبتوصيفه، والقبول بالمحددات الأميركية لـه، أو الإصرار على التمييز بين الإرهاب والمقاومة المشروعة وسيلة للدفاع عن النفس، ولتحرير الأرض، واستعادة الحق. وعلى هذا الأساس فإن عدداً من الدول العربية سوف يستخدم "الإجماع العربي" لتربية أجيال لا يحتوي قاموسها على مفرداتٍ كانت أساسيةً في الخطاب السياسي الرسمي حتى وقت قريب؛ ولاسيما في الأدبيات المتعلقة بالصراع العربي ـ الصهيوني، وما تشكله من حالة تحريضية في الذهن العربي، ضد المشروع الصهيوني وأخطاره على الوطن العربي، راهناً ومستقبلاً. وفي هذا السياق يحال "الجهاد" على التقاعد! بوصفه محرّضاً على العنف، وتصبح المقاومة إرهاباً؛ ويصبح الحوار، وتبادل الرأي، والمناقشات، والمؤتمرات، وحق الآخر في الوجود ولو على حساب وجودنا، يصبح ذلك كله مظهراً من مظاهر "التفهم الحضاري" لطبيعة الواقع السياسي، ومعطياته، ومقتضيات التعاطي مع استحقاقاته؛ علماً أن من أَقَرّه، ودعا إليه، وسوف يعمل لاحقاً على تكريسه، وفق هذا المفهوم، يعلم جيداً ضلال المسعى، وسراب المآل. وعلى الجانب الآخر؛ هناك دول عربية أخرى تعتبر التسامح مفهوماً داخلياً، بين مكوّنات المجتمع الواحد، ينتج، بالضرورة، تسامحاً مع الآخر غير المعتدي، وينفي مقدمات الانقسامات الطائفية التي تعمل قوى ليست خافيةً على أحد، لتطويرها باتجاه إنتاج حروب أهلية؛ ومن شأن المفهوم الداخلي للتسامح، أن يعمّق الولاء الوطني والقومي، ويقود إلى التمييز بوضوح بين عنف مجاني، وإرهاب يطال القريب والشريك في الوطن، ويستهدف الأبرياء خارجه، وبين مقاومة مشروعة تقتضي، وفق كل الشرائع والقوانين، باستثناء شريعة الإدارة الأميركية، استنفار طاقات الأمة الثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية جميعها، ضد خطر جدي حقيقي، يهدد كياننا، ووجودنا، وهويتنا، وعمقنا الحضاري.‏

أما رفض القادة العرب لرسم مستقبل أوطانهم خارج أوطانهم، ومن قبل الولايات المتحدة الأميركية التي لم يسمّها الإعلان ـ فسوف يظل حبراً على ورق! ما لم يؤيد بممارسات فعلية واقعية، تعبر عن هذا الرفض، من خلال الخروج على النص المرسوم، أو تجاوز الإملاءات الأميركية، والتنسيق مع الأطراف العربية الأخرى لخدمة المصالح العربية، بعيداً عن الارتهان للضغط الأميركي؛ وهو ما نزعم أن عدداً من الدول العربية لن يجرؤ على مجرد التفكير فيه، فضلاً عن الإقدام عليه!!‏

وفيما يتعلق بالنقطة الثانية المتصلة بالمبادرة العربية للسلام، ومسألة الصراع العربي الصهيوني؛ فليس مفهوماً لماذا يعيد القادة العرب التأكيد على مبادرة لم تلق استجابةً من أحد!!؟ ولماذا جرى توصيف إصرار القمة على عدم تعديل المبادرة كواحد من إنجازاتها!؟‏

إن ما ورد في الإعلان حول استراتيجية خيار السلام، يعني إلغاء مفهوم الصراع العربي الصهيوني؛ والاستقالة الكاملة من أية مواجهة مستقبلية، على المستوى القومي، مع "إسرائيل"؛ والاكتفاء "بالنضال السياسي"، لتحرير الأرض واستعادة الحقوق! وما لم يقله الإعلان: ما هي الخيارات البديلة إذا أخفقت المحاولات السياسية المزمعة، كما أخفقت سابقاتها، في استعادة الحد الأدنى من الحقوق العربية، التي اكتفت المبادرة بالمطالبة بها؟‏

إن خلو الإعلان من أية إشارة إلى بدائل أخرى، في حال أجهضت المساعي السياسية، يشكل اعترافاً فاضحاً من الرسميين العرب على عجزهم، وعدم قدرتهم على التفكير في المواجهة، فضلاً عن خوضها!‏

ولما كان لا جديد في هذا الأمر، فإن إعادة التأكيد على المبادرة، على وقع تبدل مفاجئ في الموقف "الإسرائيلي" المعلن منها، وترحيب أوروبي بالإصرار عليها، يطرح عدداً من الأسئلة تتصل بمضمون النشاط الدبلوماسي الأميركي المكثف عشية انعقاد القمة، والتعهدات التي قدمت، تحت الطاولة، للوزيرة "رايس"؛ وما ترتبه هذه التعهدات من التزامات سوف تضطلع بمسؤولية تنفيذها دول عربية، في سياق تقاطع مخاوفها من المشروع الإيراني، مع التوجه الأميركي لضرب إيران كقوة إقليمية تهدد أمن "إسرائيل"، والمصالح الأميركية الحيوية.‏

ومع ملاحظة إصرار الإدارة الأميركية على إبقاء جميع خياراتها للعمل ضد إيران مفتوحةً، بما في ذلك الخيار العسكري؛ فربما كان التبدل المفاجئ في الموقف "الإسرائيلي" من المبادرة، موقفاً تكتيكياً ينسجم مع توزع الأدوار السياسية، في إطار تحييد الخطر الصهيوني، من خلال إشاعة أجواء تبشر بقرب تحقيق السلام، وتوجيه المخاوف وتركيزها على المشروع الإيراني؛ وهو ما يعني إلغاء المواجهة مع خطر قائم، وتحويلها إلى مواجهة مع خطر مفترض قادم!! إذ على الرغم من نفي إيران المتكرر محاولة امتلاك سلاح نووي، وتأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية على عدم وجود أي إثبات لمثل هذا التوجه لدى إيران، واعتراف بيان الرياض بحق الدول في امتلاك التقنية النووية لأغراض سلمية؛ إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية تصرّ على إقناع الرأي العام العربي والعالمي، بأن إيران تعمل بجدية لحيازة سلاح نووي؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تجييش العالم ضدها، تمهيداً لتوجيه ضربة عسكرية لها، إذا اقتضت المصالح الأميركية ذلك، بالتزامن مع عدوان تشنه "إسرائيل" على سورية ولبنان، استكمالاً لمخطط إخضاع المنطقة، وانتقاماً للهزيمة التي منيت بها في مواجهة "حزب الله"، أثناء عدوانها الأخير على لبنان في تموز 2006.‏

وإذا سلمنا جدلاً بصحة القلق الأميركي، وجدية مخاوف بعض الأطراف العربية حول المشروع النووي الإيراني؛ فإن ما ورد في البيان، لجهة العمل على جعل المنطقة برمتها خاليةً من أسلحة الدمار الشامل، يشكل ضمانةً حقيقيةً في هذا الاتجاه؛ فهو يزيل خطراً قائماً يتمثل في امتلاك "إسرائيل" سلاحاً نووياً، بحسب ما اعترف به رئيس وزرائها، وينزع، بالتالي، أي مسوغات تلجأ إليها أطراف أخرى لامتلاك مثل هذا السلاح، ويحول دون التدخل الأجنبي في المنطقة بذريعة الحؤول بين إيران وامتلاكها السلاح النووي.‏

ومثل هذا التوجه لإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل، يضع الولايات المتحدة الأميركية أمام اختبار القدرة على ممارسة سياسة بعيدة عن ازدواجية المعايير، والكيل بمكيالين؛ ويضع مصداقيتها على المحك أمام أصدقائها "المعتدلين"، الذين يروّجون أن "طبخة" السلام قد نضجت، وأن الإدارة الأميركية جادة تماماً في تحقيق سلام في الشرق الأوسط، يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، وانسحاب "إسرائيل"، من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وتوقيع اتفاق سلام مع سورية ولبنان.‏

إلا أن مقدمات السياسة الأميركية في المنطقة، لا تقود إلى مثل هذه الاستنتاجات المتفائلة. فهل سيكون بوسع الإدارة الأميركية التي أنفقت ولايتها الأولى، ونصف الثانية، في تصدير الحروب، أن تتفوق على نفسها، وتعمل بموضوعية على تحقيق السلام، وتنجز ما عجزت عنه إدارات أميركية سابقة، كان بعضها أكثر التزاماً وجدية في العمل على تحقيقه؟ وهل تستطيع هذه الإدارة أن تتجاوز التعنت "الإسرائيلي" الذي أجهض جهوداً سابقة، وأطاح بفرص جدية للوصول إلى اتفاق نهائي؟‏

وإذا صدّقنا ـ ولو على سبيل السذاجة ـ أن التبدل في الموقف "الإسرائيلي" من المبادرة العربية، ليس تكتيكاً سياسياً، وإنما تعبير عن رغبة جدية في التوصل إلى السلام؛ فهل تتمتع الحكومة "الإسرائيلية" بالحد الأدنى من ثقة الناخبين، بما يكفل تشكيل حاضن اجتماعي لمشروعها السياسي السلمي، إن وجد!؟‏

لقد تدنت شعبية رئيس الحكومة "الإسرائيلية"، إلى حضيض غير مسبوق في تاريخ الكيان الصهيوني، بسبب هزيمة جيشه أمام "حزب الله"؛ فضلاً عن سوء أدائه على المستوى الداخلي، مما جعله هدفاً لخصومه السياسيين في السلطة والمعارضة؛ عدا عن كونه، في الأساس، "بديلاً مؤقتاً" وظلاًّ "لشارون" صاحب السجل الأسوأ في الجرائم، وفي تدمير أي احتمال للسلام؛ وذلك كله سيجعله عاجزاً عن إقناع الناخب "الإسرائيلي" بقدرته على قيادة المفاوضات، للتوصل إلى اتفاق، خارج ائتلاف حكومي يضم المكوّنات السياسية الأساسية، ويوسع قاعدته الشعبية، ويسوّق هكذا اتفاق، في حال التوصل إليه.‏

أما القول: إن التطبيع الكامل سيكون "هدية" السلام، فلم يعد مغرياً "لإسرائيل"؛ لأنها استطاعت، عملياً، اختراق عدد كبير من الدول العربية، وهي تحتاج إلى نفي حالة الصراع مع هذه الدول، لإنهاء البعد القومي للقضية الفلسطينية، ولأن "التطبيع العلني" هو محصلة طبيعية للأداء السياسي العربي المترهل، والمصاب بانفصام في الشخصية بين المعلن والمضمر!!‏

إذاً، إن ما ورد في إعلان الرياض يشكل، واقعياً، إحراجاً وتحدياً للأنظمة العربية وليس "لإسرائيل"! فإذا كان القادة العرب جادين في تبني ما صدر عن قمتهم من قرارات، على أساس العمل العربي المشترك، وأولوية القومي على القطري، بما ينطوي عليه ذلك من استعداد لقطع جميع أشكال الاتصالات، وإنهاء جميع العلاقات مع "إسرائيل"، إن لم تستجب لما قبلوا به من حد أدنى من الحقوق؛ فربما كان أمامهم فرصة أخيرة لاستعادة بعض ما أهدرته سياسة الانقسام والتشرذم؛ وإذا اقتنع الرأي العام العربي والدولي، ومن خلال إجراءات ملموسة، بجديتهم، فسوف يكون إلى جانبهم، مسانداً لهم، ومعززاً لموقفهم. أما إذا كانوا متكلين على حسن النوايا الأميركية، ومراهنين على تغيرات في المشهد السياسي الداخلي الأميركي؛ فإن خيبتهم بأمريكا ستكون أمرّ من خيبة مواطنيهم بهم؛ وسوف ينضم المرحبون المتحفظون إلى قافلة المحبطين؛ وقد لا يجد القادة العرب مواطناً مهتماً بمتابعة اجتماعاتهم، وبلاغة ما يصدر عنها من بيانات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244