|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
العـروبة والإسلام والانتماء القومي في فكـر القـائد الرئيس بشـار الأسـد ـــ الرفيق عبد الله الأحمر خلال السنوات السبع المنصرمة من الولاية الدستورية الأولى للسيد الرئيس بشار الأسد الأمين القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي، رئيس الجمهورية العربية السورية، برزت شخصيته القيادية بأجلى ما تتصف هذه الشخصية من مزايا الحكمة والشجاعة وسداد الرأي والإقدام والتواضع، إضافة إلى ما تمتع به من مواهب إبداعية، وما اكتسبه من خبرات كونه نشأ في بيت قيادي ونهل من ينبوع البعث وأهدافه وقيمه مما مكنه أن يكون مفكراً بارعاً وقائداً ملهماً يستقي من تراث الأمة وحضارتها، ويمعن في قراءة واقعها ليستخلص ما هو ملائم للنهوض بهذا الواقع باتجاه تطوير المجتمع وتقدمه والسير نحو وحدة الأمة واستعادة دورها الحضاري والإنساني. والتزم في مسيرته من خلال الرؤى التي استخلصها نهج التطوير والتحديث والإصلاح،..هذا النهج تركزت عليه المسيرة خلال سنوات ولايته الدستورية الأولى، وترك هذا النهج بصماته الواضحة على واقع سورية ومسيرتها الوطنية والقومية، وأثمر منجزات يراها القاصي والداني في واقع سورية، وفي دورها الوطني والقومي. وقد تحدث الكثير من الباحثين عن منجزات المرحلة خلال ولايته الأولى بإسهاب، وكتب آخرون أيضاً عن مزايا شخصيته القيادية... وما يهمنا في هذه الدراسة التي أسهم بها لمجلة الفكر السياسي، أن أركز على جانب مهم من الاهتمامات المعرفية للسيد الرئيس بشار الأسد حول العروبة والإسلام والانتماء القومي، لإدراكي أن التركيز على هذا الجانب ضروري في هذه المرحلة لأجيالنا الشابة، آخذاً بعين الاعتبار تسليط القوى المعادية على تشويه العروبة والإسلام وزرع التناقض بينهما، مستفيدة من قصور الرؤيا لدى مجموعات من أبناء أمتنا ممن انسلخوا عن ثقافتها، وتحولوا بقصد أو دون قصد إلى مروجين لما يحيكه الحاقدون على أمتنا. وقبل تناول موضوع العروبة والإسلام والتكامل بينهما لابد من إيراد مقدمة تتعلق بالمسألة المعرفية في واقعنا العربي نستند إليها في موضوع دراستنا. تأخذ المسألة المعرفية في واقعنا العربي اليوم حيزاً من الاهتمام لا يقل عن ما تحتله الممارسة المحسوسة، وخاصة في مجال تكوين التوجهات السياسية. بل إن واحداً من أهم عوامل منهجية السياسة العربية السورية وثباتها استنادها إلى قواعد معرفية، بمعنى استنادها إلى مرتكزات ورؤى تفسر الواقع في كليته وترسم سبل تغييره. قال السيد الرئيس بشار الأسد في افتتاح الدورة الرابعة لمؤتمر الأحزاب العربية العام (5 آذار 2006): "الضعف العربي العام ينتج عن مؤامرات خارجية وعن قصور ذاتي، هذا القصور الذاتي له عوامل كثيرة، لكن أسوأ الأشياء التي يمكن أن يبتلى بها شخص أو مجموعة هي القصور في الرؤية". إن الربط بين العقل والتجربة، المعرفة والممارسة، الوعي والحركة، أسهم في وضوح مواقف سورية وثباتها في منطقة عربية تميل فيها غالبية المواقف إلى التذبذب وفقاً للأهواء، أو تأثراً بتقلبات وتغيرات على الساحة الدولية، وهي تغيرات أنتجت سياسات الهيمنة والإقصاء وأحادية الرأي. ومن الواضح أن من لا يقف على أرض معرفية صلبة يكون عرضة للميل مع الرياح. فإذا ما اشتدت هذه الرياح سوف تقتلعه وترمي به بعيداً عن أرضه وجذوره. الخيار مطروح إذاً: إما أن نكون عارفين أو أن نكون بلا وزن أي أن لا نكون. هكذا تصبح المعرفة شرط الوجود والاستمرار، بمعنى ارتباطها الوثيق بالوجود وعدم ذوبانها في التأمل والفكر الخالص بهذا لا تكون المعرفة شرطاً للوجود فقط بل يصبح الوجود ذاته شرطاً للمعرفة وهو ما يعطيها الحياة.. لذلك قد يحتار المراقب في فهم المواقف العربية السورية إذا لم يضعها في إطارها المعرفي المبدئي، وقد يصفها بنعوت شتى من بينها الجمود، وعدم فهم المتغيرات الدولية، وعدم قراءة ما يحصل في العالم.. الخ. يقول الرئيس الأسد ساخراً من هذا الرأي: "نتحدث دائماً في سورية بألم ومرارة لسوء فهم الموقف السوري من قبل بعض الدول العربية.. كنا نتهم بأننا غير واقعيين، متشددون، لا نقرأ الخريطة السياسية، لا نعرف أن العالم تبدل..". لكن ما أن يضع المراقب المواقف السورية في إطارها المعرفي حتى يكتشف أنها مواقف تستند إلى فهم عميق لسيرورة التاريخ ولطبيعة الأشياء، بمعنى أنها مواقف تخترق الحدث إلى ما ورائه من محدثات، وتضعه في نسق الحدوث التاريخي وتستنبط قوانينه ومعاييره الحقيقة وتفهمه على هذا الأساس. إن استقراء سريعاً لمواقف سورية منذ حركة التصحيح يؤكد هذا المعنى. كما أن قراءة متأنية في خطاب السيد الرئيس بشار الأسد تشير إلى مدى التزام هذا الخطاب بالإطار المعرفي، وقدرته على وضع أي حدث في نسقه الصحيح.. ولا يمكن في هذه العجالة عرض جميع القضايا التي تطرح في واقعنا العربي اليوم وتستند إليها سورية العربية في مواقفها وخطابها السياسي. لكن لاشك في أن واحدة من أهم هذه القضايا قضية الهوية القومية والعروبة والإسلام، باعتبارها قضية معرفة وقضية حياة ووجود. العروبة والإسلام: في افتتاحه للدورة الرابعة لمؤتمر الأحزاب العربية العام (5 آذار 2006)، رأى السيد الرئيس بشار الأسد في الارتباط بين العروبة والإسلام مرتكزاً أساسياً لقيام ما أسماه بالجسد العربي. فقد أكد أن العناصر التي تعطي الجسد العربي مناعة وقوة ترتكز على أمرين أساسيين: الأول هو الإسلام بارتباطه الوثيق والمتين بالعروبة وبارتباط العروبة الذي لا ينفصل عن الإسلام، والثاني هو المسيحية التي انطلقت من بيننا وانتشرت عبر العالم بلهجة عربية هي الآرامية.. هذا التركيز على الرباط الوثيق بين العروبة والإسلام له ما يسوغه، إذ إن العلاقة بين الأمرين كانت دائماً مثار جدل في تاريخنا العربي المعاصر. لا أريد هنا التطرق إلى محاولات معروفة قامت بها تنظيمات سياسية إسلامية محاولة لجعل الإسلام نفياً للعروبة ولفكرة القومية العربية، لكن هذه المحاولة لا تسيء إلى العروبة فقط بقدر ما تسيء إلى الإسلام أيضاً، لأن إيجاد تناقض بين أمرين متكاملين يعتبر نفياً للأمرين كليهما.. العروبة هي وعي الأمة العربية لذاتها. وهذا الوعي يرتبط بالإسلام عبر حقيقتين أساسيتين: أولاً: وعي الأمة العربية لذاتها وعي للإنسانية أيضاً. لذلك لم يكن وعي العرب لذاتهم ولدورهم في التاريخ وعياً عرقياً شوفينياً استعلائياً، وإنما كان ينطلق من فكرة التماثل بين العروبة والإنسانية.. ثانياً: هذا الرابط بين العروبة والإنسانية لم يكن رابطاً تأملياً مجرداً، وإنما كان رابطاً محدداً جاء في إطار نتاج حضاري وثقافي إنساني. ويعدُّ الإسلام خير ما في هذا الغنى الثقافي من عطاء. إن الإسلام في مضمونه الثقافي العام رمز التماثل بين العروبة والإنسانية. لكن الإسلام ليس عطاءً ثقافياً وحسب، وإنما هو دين سماوي يحدد العلاقة بين الإنسان وخالقه مما يعطي هذا التماثل بين العروبة والإنسانية بعداً خالداً يتخطى المحددات الزمنية والتاريخية والجغرافية ليسمو بالوجود الإنساني إلى مراتب الرفعة والعزة.. فعلى الرغم من أن الخالق عز وجل كرم العرب وحدد رسالتهم الإنسانية عندما أنزل القرآن الكريم بلغتهم، إلا أن الخطاب كان موجهاً للإنسان حيثما كان وليس للعرب وحدهم (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا....). لذلك كانت قيم الإسلام قيماً عربية، يؤمن بها كل العرب من مسلمين وغير مسلمين، وفي الوقت نفسه هي قيم إنسانية جاءت لهداية الناس في جميع بقاع الأرض... إن العرب من المسلمين وغير المسلمين يعتزون بالإسلام باعتباره يجسد قيماً هي من خصائص العرب، فالإسلام لم يكن مجرد دين، وإنما كان الثورة على كل ما سبقه، ثورة على حالة التشتت التي كان يعيشها العرب في جزيرتهم العربية، ثورة على الهيمنة التي كانت تفرضها الدول المهيمنة التي كانت موجودة في تلك المرحلة، ثورة على الظلم والعبودية والاستغلال الذي كان يمارس من قبل بعض العرب على بعضهم الآخر ومن الدول الأجنبية الأخرى على العرب المفتتين، إنه دعوة إلى العدالة والتسامح، إنه دعوة إلى الحرية... هذه العروبة التي ينفي الإسلام عنها التعصب والشوفينية والاستعلاء. إنها رسالة حضارية للإنسانية وليست فكرة استعلائية تقوم على التمييز بين البشر... يقول السيد الرئيس بشار الأسد في خطابه في جامعة دمشق (11 تشرين الثاني 2005): "لم يقل تاريخ منطقتنا القومي بأننا كنا نفكر في يوم من الأيام تفكيراً عرقياً. والأنموذج هو سورية بتنوعها على الرغم من أنها دولة قومية عربية. فالعروبة مفهوم حضاري يستوعب كل الثقافات وأهمها الرغبة المشتركة في العيش المشترك... لا يوجد لدينا مفهوم يقول أن القضية القومية مبنية على العرق"... العدمية القومية... عدمية إنسانية... هذا التحديد لمفهوم العروبة يكتسب أهمية خاصة في هذه الأيام حيث يروج البعض إلى العدمية القومية بذريعة أن العروبة منافية لمنطلق العصر، أو أنها تتنافى مع واقع الناس وحياتهم. ليست العدمية القومية جديدة بين بعض المثقفين والصحفيين والسياسيين في الوطن العربي. فبالإضافة إلى تيار الإخوان المسلمين الذي اعتبر منذ نشأته الإسلام نفياً للعروبة، هناك أفكار ونظريات نفت القومية العربية من منطلق الأممية أو القطرية أو الانعزالية أو الإقليمية. لكن القومية العربية صمدت لأنها كانت تستند إلى الشعور العام لدى العرب من المحيط إلى الخليج. والحديث هنا عن الناس العاديين الذين لم يسلموا عقولهم للفذلكات الكلامية والفلسفات القائمة على التأمل أكثر مما هي قائمة على الإحساس بالواقع. كان الحدس هو الطريقة المعرفية للملايين من العرب العاديين. فالقومية لديهم قضية إحساس وحدس ومعرفة بديهية. وإذا كانت الأمم في كل أقطار الأرض تدافع عن قوميتها، فلماذا لا يحق للعرب أن يدافعوا عن قوميتهم؟... ومن ناحية أخرى حصل خلط كبير بين مفهوم الدولة ومفهوم الأمة، فلقد اعتقد البعض بما أنه لا توجد دولة عربية واحدة، ومن الصعب أن توجد في المستقبل المنظور فهذا يعني أنه لا توجد أمة عربية واحدة. هذا الخلط يستند إلى المفهوم الأمريكي للأمة حيث يعتبر الكيان السياسي المحدد الرئيس للأمة الأمريكية. لكن مفهوم الأمة في الفكر العربي والآسيوي والأوروبي يؤكد على العوامل الجغرافية والتاريخية والثقافية والوجدانية والإدارية في تحديد الأمة.. فإذا كان الألمان منقسمين في دولتين، فهذا لا ينفي وجود أمة ألمانية. وقد لاحظنا أن الألمان أسرعوا ببناء وحدتهم السياسية بعد تحطم جدار برلين استناداً إلى شعورهم القومي وإيمانهم بوجود أمة ألمانية. هذا حصل في خضم عصر العولمة، وهو العصر الذي رأى فيه بعض العرب نقيضاً لفكرة الأمة والقومية.. لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماماًَ، إذ إن العولمة عززت عصر القوميات، وأكدت مقولة الأمة، وفتحت الآفاق كي تبتلع الأمم الكبيرة الأمم الصغيرة عبر نمط من الهيمنة الشاملة. إن مفهوم "ذوبان الحدود" هو مفهوم اقتصادي هيمني لا يعني ذوبان الأمم. حتى في أوربا، فعلى الرغم من الإطار الاتحادي بين أممها إلا أن الحس القومي الألماني والفرنسي والإيطالي والبريطاني في ازدياد وليس في تراجع.. وهذا التطور المدهش يؤكد أن الحدود السياسية ومنطق المصالح المشتركة لا علاقة لها بوجود الأمم، بل هي سياسات تنظمها الأمم من أجل تعزيز مكانتها ودورها في العالم.. إن العدمية القومية لدى بعض العرب منافية لروح العصر ومنطقه. بل إنها منافية أيضاً للوعي السائد لدى قوى الهيمنة في الغرب. فهذه القوى تنظر إلى منطقتنا العربية باعتبارها كلاً متكاملاً، وتعاملها على هذا الأساس. حتى عندما يصدرون الأحكام عنا، وغالباً ما تكون أحكاماً سلبية، فهم يتحدثون عن العرب وليس عن السوريين أو اللبنانيين أو المصريين.. تماماً هم اكتشفوا وجودنا القومي لأنهم استطاعوا معرفة بنية الواقع الحقيقية في هذه المنطقة، ويتعاملون معنا على هذا الأساس رابطين في مخططاتهم مصائر أقطارنا ضمن برنامج واحد.. ومن جهة أخرى تجدر الإشارة إلى أن الهوية القومية واحدة من أهم محددات الوجود الإنساني لأنها تتعلق بكينونته التاريخية والثقافية. ولا يمكن أن يوجد ما يسمى "بالفراغ القومي" بمعنى انتفاء الوجود القومي عن الإنسان. إن الفراغ القومي للإنسان يعني فراغاً ثقافياً وفراغاً كيانياً. لذلك ترى العدميين القوميين يميلون إلى استخدام تعابير ومصطلحات وكلمات بلغات أخرى. هذا بسبب الفراغ الثقافي، كما تراهم معجبين بالثقافات الأخرى نابذين لثقافتهم الأم. لكن الأمم والثقافات الأخرى لا تقبلهم، فيصبحون كالهباء، وهذا هو الفراغ الكياني.. خـاتمــة: وأود أن أختم بالقول: إن الوقوف على ما تحقق خلال أعوام سبعة على قيادة السيد الرئيس بشار الأسد يشكل محطة مهمة لمواصلة العمل بغية إنجاز المهام المطلوبة، وإن ما أنجز خلال هذه الولاية يشكل عامل تفاؤل بالمستقبل، ويعد حافزاً لنا، ولكنه لا يعني الركون والخلود إلى الراحة، فنحن نطمح إلى الكثير، وما حققناه هو خطوة على طريق طويلة سوف نسلكه بثبات لتحقيق أهدافنا القومية. هناك مهام جليلة تنتظرنا وتحديات واسعة تواجهنا، فما زال هناك عمل كبير، يتطلب تعزيز الجهود من أجل متابعة مسيرة التطوير والتحديث والإصلاح التي يقودها السيد الرئيس بشار الأسد، لتعزيز قوة مجتمعنا وفعالياته، وتعزيز دور سورية القومي والدولي، لمواصلة الاستمرار في مهامها القومية، وتفعيل دور أمتنا الإنساني في الحضارات العالمية، من أجل استعادة الحقوق وبناء المجتمع العربي الحديث والمشروع القومي العربي النهضوي، وتحقيق الهدف الأسمى الوحدة العربية الشاملة. الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |