مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 29 السنة الثامنة عدد خاص بمناسبة أداء القسم لولاية دستورية ثانية للسيد الرئيس 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

بعض جوانب التطور في حياة الرئيس بشـار الأسـد ـــ يوسف الفيصل

إن تناول هذا الموضوع أمر دقيق وحساس، فالكاتب فيه، يجب أن يتحلى بالموضوعية الكاملة ويتناول بدقة بعض الجوانب الأساسية في تطور هذا القائد الشعبي والسياسي والحزبي.‏

في البدء نقول: إن الدكتور بشار الأسد أتى إلى خضم السياسة على نحو مفاجئ، ولم يدخل هذا المعترك ويتطور فيه تدريجياً من الأدنى إلى الأعلى، بل قفز من ميدان العلم والطب إلى ميدان القيادة الأولى في دولة اسمها سورية قال عنها الرئيس شكري القوتلي «إن كل فرد فيها يعتبر نفسه رئيساً». وبهذا المنحى يمكن اعتبار أن الدكتور بشار الأسد، قد مارس مهمة حرق المراحل ليصل إلى المرحلة العليا، ويشغل منصب الرئاسة بكل جدارة واقتدار.‏

كان والده القائد الراحل حافظ الأسد، يُعدّه سياسياً وعسكرياً وحزبياً، ليحتل مركز القيادة من بعده. لكن القدر لم يعطه الوقت الكافي لإنجاز هذا الإعداد بالطريقة الكلاسيكية، وإنما فاجأه ووضعه أمام الامتحان الكبير والمعقد، الأمر الذي أبرز الصفات القيادية التي يتمتع بها. ومنذ الوهلة الأولى، وفي خطاب القسم الأول، رسم برنامجاً للدولة والحزب وعمل على تنفيذ هذا البرنامج خلال ولايته الأولى في ظروف بالغة الدقة والتعقيد وفي مواجهة ضغوط شديدة، وأشار إلى أن هناك هوة بين السياستين الخارجية والداخلية، وطالب بردم هذه الهوة.‏

وخلال سنوات قليلة، استطاع أن يكسب عواطف جماهير الشعب، وأن يقود الدولة بكل تعقيداتها، وأن يحتل مكانة مرموقة في العلاقات الدولية، ويحقق اختراقات تاريخية، وأن يبقي علم السيادة الوطنية مرفوعاً، عبر تعرجات الوضع الإقليمي والعربي، وعبر سياسة الضغوط الفظة والوحشية التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على الشعب السوري.‏

أبرز صفات الرئيس بشار الأسد هو الوطنية‏

وكان الحرص على الاستقلال الوطني، والمحافظة على السيادة الوطنية، ومقاومة كل ضغط سياسي أو اقتصادي يمكن أن يمس هذه السيادة، شاغله الأول والأساسي.‏

لقد نظر إلى الوطنية باعتبارها المقياس الرفيع الأول، فأي خلل فيها يمكن أن يؤدي إلى خلل في مجمل البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وكل التجارب القديمة والجديدة تبرهن على ذلك أصدق برهان، ونرى حتى حولنا تجارب العراق ولبنان، فحين تغيب الوطنية، يدخل الخلل إلى مجمل البناء وتنشأ الصعوبات والتعقيدات.‏

إن الوطنية كما رسمها القائد الراحل حافظ الأسد، وغذى بها نجله الرئيس بشار الأسد، لا تقتصر على موضوعة السيادة الوطنية فقط، وهي تشمل جوانب عديدة، تشكل عواملها وأسسها الرئيسية، فالأمن الغذائي هو عامل أساسي من عوامل الوطنية، وأي شعب لا يضمن رغيفه، لا يستطيع أن يمارس مقاومة للتآمر الاستعماري. ونحن في سورية رغيفنا وزبدتنا وخضرتنا هي كلها مضمونة ومؤمنة. ولا تستقيم الوطنية بدون أمن داخلي ضد التخريب الاستعماري وضد المؤامرات الرجعية وضد الجرائم، ويعتبر الأمن الداخلي إحدى السمات المهمة التي يتصف بها الشعب السوري، ولا تستقيم الوطنية بدون أمن مائي، ومن هذا المنطلق بنيت السدود الكبيرة والسطحية، ولا يزال هذا البناء مستمراً.‏

الوطنية ليست شعاراً في الفراغ، بل هي عمل ملموس في الحياة، ويتجلى بشكل خاص في الوحدة الوطنية التي تبرز بأشكال مختلفة.‏

وقد ظهر الحرص الشديد للرئيس بشار الأسد، على صياغة هذه الوحدة وتعزيزها، في جوانبها المختلفة. فسورية التي ورثت حضارة آلاف السنين تتميز بفسيفسائها القومي والديني، وتظهر وحدة متينة عبر هذه الفسيفساء المتكونة تاريخياً. ويحرص الرئيس بشار الأسد، على رعاية هذه الوحدة وتعزيزها بكل عوامل النمو والارتقاء، بزيارته المختلفة، وباحترامه الشديد لعادات وتقاليد ومقدسات هذه المكونات وبالتحاور معها.‏

في إطار هذه الوحدة الوطنية يعير الرئيس الأسد اهتماماً خاصاً للجانب الاجتماعي، وقد عبر عن ذلك بكل وضوح في كلمته أمام مجلس الشعب لدى بدء أعمال دوره الجديد. فقد جاء في هذه الكلمة المقطع التالي الذي يحمل معاني عديدة وعميقة. لقد قال: «يتعين علينا في المرحلة المقبلة إعطاء الأولوية في توجهاتنا ومحاور عملنا للشرائح الأوسع من جماهيرنا التي تشكل العماد الأساسي لمجتمعنا والسند الرئيس في صمودنا كالعمال والفلاحين وصغار الكسبة، الذين يعتبر تحسين أوضاعهم والحفاظ على مصالحهم وتعزيز مكتسباتهم، الأساس الحقيقي للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في بلدنا». كم هي بليغة هذه الفقرة، وكم هي غنية بالمعاني والتوجهات. ويجب أن تكون برنامجاً للدولة ولجميع المؤسسات الحكومية ولسائر القوى السياسية الفاعلة.‏

في لقاء السيد الرئيس مع المكتب السياسي لحزبنا، عبرنا عن هذا التوجه وقلنا أن مقاومة الضغط الخارجي ومحاولات التآمر المتعددة ضد السياسة الوطنية لسورية يتطلب بالدرجة الأولى تحصين الوضع الداخلي فالعمال والفلاحون وصغار الكسبة هم عماد هذا الوضع الداخلي، وتراص صفوفهم حول السياسة الوطنية لسورية وحول الإنجازات الاجتماعية المهمة التي تحققت عبر سنين طويلة، هو الحصن الذي لا يمكن اختراقه والذي يحقق المهمات الأساسية للشعب السوري. ولدى سورية تجارب مهمة جداً في هذا المجال خارجية وداخلية، ففي الحرب الوطنية عام 1973 ظهرت هذه الحقيقة بأسطع صورها وكذلك ظهرت حديثاً، مع العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز الماضي، واستقبال مئات آلاف اللبنانيين لاجئين إلى سورية. كما ظهرت هذه الحقيقة ساطعة عندما تحركت القوى الرجعية في نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات وحاولت إنجاح إضراب عام في البلد، فقد فشلت هذه المحاولة فشلاً ذريعاً بفضل وعي جماهير شعبنا وتلاحمها، وبسبب الدور المركزي الذي أدته المؤسسات الاستهلاكية وغيرها من مؤسسات القطاع العام التي تتحكم بمصادر الطاقة، ولذلك كان طبيعياً أن يؤكد الرئيس في كلمته حرصه الشديد على القطاع العام، ويشكل الحرص على القطاع العام وعلى حقوق الطبقة العاملة ودورها في رقابة الإنتاج وتنظيمه، وعلى حقوق جماهير الفلاحين في الأرض، على تحقيق تناسب الأجور والأسعار، جوهر ما عرضه السيد الرئيس في كلمته التاريخية.‏

لقد أعطى الرئيس بشار الأسد اهتماماً خاصاً للجبهة الوطنية التقدمية، وأعلن صراحة، أنه لو لم تكن هذه الجبهة قائمة وموجودة، لكان علينا العمل لإيجادها. واهتمام السيد الرئيس بالجبهة الوطنية التقدمية ليس فقط في رعايتها وترؤسها بل في الإنجازات المهمة التي تحققت لها، فقد منحت أحزاب الجبهة حق إصدار صحافتها الخاصة، وأعطيت مكاتب لفروع الجبهة، في بعض المحافظات وكان هاماً على نحو خاص تعديل ميثاق الجبهة وإلغاء البند الذي كان يحظر على أحزاب الجبهة العمل بين الطلاب، واستمر عقد مؤتمرات الجبهة الوطنية التقدمية سنوياً والاستماع إلى تقرير عن الوضع السياسي يقدمه نائب رئيس الجمهورية، وتقرير عن الوضع الاقتصادي يقدمه رئيس مجلس الوزراء، الأمر الذي يفسح المجال لمناقشات واسعة ومتنوعة وعميقة للأوضاع العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد، وتلخص قيادة الجبهة جميع الأسئلة التي ترد في هذه المناقشات وترفعها إلى الحكومة لمتابعة تنفيذها وقد أسهم ذلك بتحسين عمل الجبهة الوطنية التقدمية على نطاق القيادة المركزية وعلى نطاق الفروع.‏

ويتابع الأمناء العامون، برئاسة نائب رئيس الجبهة الوطنية التقدمية الدكتور سليمان قداح مناقشة العديد من مشاريع القوانين، و يضع الأمناء العامون ملاحظات أحزابهم حول هذه المشاريع، وأحياناً يجري النقاش مع الوزراء المختصين، كما هو الحال مع وزير الإدارة المحلية لمناقشة القانون الجديد لهذه الإدارة، ومع وزير الصناعة لمناقشة قانون إصلاح القطاع العام، وقد وضع الأمناء العامون ملاحظاتهم حول مشروع قانون الأحزاب وحول قانون الانتخابات التشريعية ولتعديل قانون الطوارئ وحول قانون الإعلام، ولكن هذه المشاريع جرى تأجيل البحث فيها، ونتمنى ألا يطول ذلك.‏

إن الحديث عن نشاط وعمل السيد الرئيس بشار الأسد يطول.. وقد حاولت التركيز على جوانب أساسية من عمله واهتماماته. وأعتقد بأن تقديم كل الدعم اللازم لنهج الرئيس بشار الأسد الوطني والاجتماعي، هو عنصر مهم وأساسي في مجمل تطور سورية الراهن واللاحق.‏

رئيس الحزب الشيوعي السوري‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244