|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
بشار الأسد: نعم من قلب الشعب ـــ د.فيصل المقداد رغم ما خطّته أقلام أهل الأدب والفكر والسياسة والإعلام والفن عن معاني ومدلولات كلمة «نعم» المدوية التي قالتها جماهير سورية بكافة شرائحها، وبصوت واحد على امتداد الوطن يوم السابع والعشرين من أيار 2007، فأرى أن المزيد يمكن إضافته أيضاً عن مضامين ومدلولات ومعاني هذه الكلمة. فقد تحدثت في أماكن عدة خلال مشاركتي أبناء شعبي فرحته بترشيح السيد الرئيس بشار الأسد لولاية دستورية جديدة مفصِّلاً وشارحاً كافة الأسباب والدوافع والمحفزات التي تملي على ضمائرنا ووجداننا وعقولنا قول كلمة «نعم» للسيد الرئيس بشار الأسد، وهي كثيرة جداً على الصعيدين الداخلي والخارجي... أما في هذا الموضوع فسأتناول مدلولات ومعاني هذه الكلمة من خلال بعدٍ آخر ومن منظور ورؤية تاريخية ممزوجة بالسياسة وببعض الأدب. أبدأ بالقول إذا كان التاريخ هو الوعاء الذي يحفظ ذاكرة الأمة فإنَّ أعداءها يسعون دوماً إلى محوه من الذاكرة وتقطيع أواصره من عقول ووعي الأجيال لتجريدها من انتمائها وأصالتها وثقافتها وهويتها وبالتالي يسهل على العدو أو الخصم فعل ما يشاء بها من هوان واستكانةٍ واستغلال وتحكمٍ بمستقبلها ومصيرها. وتاريخ أمتنا تاريخ حضارات وإبداعات ثرية متنوعة فرضت نفسها على العالم. فمن دمشق وصل العرب شرقاً إلى بخارى وسمرقند، وغرباً إلى شمال غرب فرنسا وكان الأمر الذي يصدر في دمشق يصبح قانوناً من جنوب غرب أوروبا إلى إفريقيا الشمالية وحتى غرب آسيا وأواسطها، وسطعت أشعة الحضارة العربية على أوروبا فمنحتها المعارف العلمية والأدبية والفلسفية، فمدّنوها وهذَّبوها وظلوا أساتذة لها مدة ستة قرون. إلا أن مسيرة أيّة أمة لا يمكن أن تكون دوماً خطاً بيانياً تصاعدياً، وكما في قوانين العلم والطب عندما يضعف الجسم الآدمي تفتك به الأمراض بسهولة، فكذلك الأمم في قانون الحياة عندما تضعف يتجاسر عليها الأعداء والمتربصون ويسهل عليهم قهرها والنيل منها. وأمتنا العربية عبر تاريخها مرّت بمراحل قوة ومنعة وعزة، وبالمقابل تعرضت في مراحل أخرى للضعف والغزو والتمزيق والظلم والقهر، إلا أنها بقيت تحت كل الظروف متمسكة بهويتها وتاريخها وتراثها، وكل مرّة كانت تنتفض، كما طائر الفينيق من تحت الرماد، لتبدأ سفراً جديداً في التاريخ وتسطر ملامح للأجيال تشكل ركائز وأسس ومنطلقات لنهضة جديدة وحياة حضارية معطاءة جديدة. وفي كل مرة كان يتوافر لها قائد عظيم يأبى أن تستكين الأمة وتستسلم للأعداء... فيكمل مسيرة التاريخ بشجاعته وبسالته وحنكته ويحفظ ذاكرة الأمة وخصائصها ويصون هويتها من الضياع. والقائد العظيم في التاريخ هو من يعرف كيف يقود شعبه وأمته نحو النصر والعزة والكرامة ولا يفرط بالحق أو الهوية مهما اشتدت المحن وتضاعفت الضغوط والمصاعب. وإن بشار الأسد، الذي تربى وترعرع في صفوف الفكر القومي العربي العظيم وتشبّع بمبادئه وقيمه وأفكاره ما هو في عصرنا اليوم إلا أحد أولئك القادة الذين تمثلوا كاملاً هذا الوعي للثقافة والهوية، واستحضروا تاريخ العرب في أزهى عصوره وفهموا بعمق حقائقه ومعانيه، فأدرك أن صيانته هي أمانة تاريخية وعظيمة وأن التهاون والتفريط بها من أي كان، هو خط أحمر لا يجوز القفز عليه. فاتشح القائد الأسد بهذه المهمة، وتزين بعلَم الوطن ورفع عالياً راية العروبة من فوق ثرى سورية منادياً العالم بصوتٍ عالٍ، أن اسمعوا هذه دمشق العرب حاضنة التاريخ وحاملة إرث العروبة والإسلام، ومانحةً الخصب للأمة، إنها في قلب ما يحصل من شرقها وغربها وجنوبها، ولا يمكنها أن تركع أو تستكين، وستبقى شامخة ثابتة كقاسيون، كي تَقَرَّ عيون صلاح الدين وسيف الدولة، وكي يكمل التاريخ مسيرته... وأنه من دمشق لن تخرج أبداً نعوةَ الفكر والثقافة والهوية التي حصّنت الأمة على مر الزمن وولدت انتصاراتها عبر مسيرتها، وإنما بيارق الصمود والثبات وثقافة المقاومة للمحتلين والمعتدين والأشرار وكل من يشاء أن يحولنا إلى هنودٍ حمرٍ، أو يعيد التاريخ إلى زمن تجارة الرق والعبودية... فخيول الأمة لم تمتْ وفي قلب الظلام يضيء الشهاب. هذا الإرث التاريخي العظيم هو الذي يحمل لوائه الرئيس بشار الأسد، وهو الذي قال عنه شاعر دمشق: والدهرُ يبدأ من دمشقَ... وعندها تبقى اللغات، وتُحفظ الأنسابُ ودمشق تعطي للعروبة شكلها. وبأرضها، تتشكل الأحقاب. نعم هذا هو /بشار الأسد/ الذي أدرك بحسٍ مرهفٍ أهمية وحتمية العوامل التالية في حياة الأمة وانتصارها، وضياع الأمة في حال فقدانها: أولاً: الوفاء للتاريخ والحفاظ على الهوية والثقافة: وهذا ما أكّد عليه الرئيس بشار الأسد في مناسبات عدة، وأقتبسُ بعضاً مما جاء في كلمته على مدرج جامعة دمشق في 11 تشرين ثان 2005 حيث قال: (إن ما تتعرض له الأمة العربية بشكلٍ عام وسورية بشكل خاص من حملات في السنوات الأخيرة، أمر في غاية الخطورة، ومكمن خطورته أنه يستهدف البنية المعرفية والنفسية والمعنوية للإنسان العربي في إطار حرب إعلامية وثقافية ونفسية تتركز على أجيالنا الشابة بصفة خاصة بهدف فصلهم عن هويتهم وتراثهم وتاريخهم... وجعلهم يفقدون ثقتهم بأمتهم ووطنهم وبأنفسهم وإمكاناتهم... ومن ثم دفعهم للاستسلام لوهم الهزيمة المؤكدة... عند أول محاولة للمواجهة والصمود في وجه الضغوط الخارجية التي تتعرض لها المنطقة عامة... وسورية بوجه خاص). وفي كلمته أمام مؤتمر المحامين العرب في 22/1/2006 أكّد السيد الرئيس قائلاً: (حربنا طويلة جداً.. وهي حرب هوية.. معاركها ثقافية ومعنوية.. أدواتها سياسية وعسكرية واقتصادية وإعلامية). ثانياً: الربط بين العروبة والإسلام: فقد خاطب السيد الرئيس بشار الأسد في المؤتمر العام للأحزاب العربية في 5/3/2006 قائلاً (أنتم الدماء التي أتت من مختلف أنحاء الجسد العربي حاملة معها كل العناصر العربية الغنية.. والغنية جداً.. الموجودة في أنحاء هذا الجسد والتي تعطيه القوة والمناعة بارتكازها على شيئين أساسيين: الأول: هو الإسلام بارتباطه الوثيق والمتين بالعروبة وبارتباط العروبة الذي لا ينفصل عن الإسلام. الثاني: وهو المسيحية التي انطلقت من بيننا وانتشرت عبر العالم بلهجة عربية وهي الآرامية). وفي مناسبة أخرى على مدرج جامعة دمشق في 11/11/2005، قال سيادته: (العروبة هي مفهومٍ حضاري يستوعب كل الثقافات وربما يكون أهمها الرغبة المشتركة في العيش المشترك، وغالباً ما ترتبط الرغبة المشتركة بالمصالح، والمصالح ترتبط بالجغرافيا، والجغرافيا ترتبط بالتاريخ، أغلب هذه العوامل مرتبطة ولكن لا يوجد أي مفهومٍ يقول أو أيّة قضية تقول إنّ القضية القومية مبنية على العرق). ثالثاً: تكامل الأمن العربي والكرامة العربية: فقد أكد السيد الرئيس مراراً على المفهوم، وفي حديثه يوم 5/3/2006 أمام المؤتمر العام للأحزاب العربية قال: (إن ما يحصل ضد وطن من الأوطان العربية أيضاً... لا يمكن فصله عن بقية الأوطان... وبالتالي ما نراه الآن هو وعي بأن ما يحصل هو مرحلة من المراحل. الآن سورية ولبنان... وسابقاً العراق.. قبلها فلسطين ولبنان في مرحلة ما... وستكون هناك أدوار أخرى). وفي هذه المحطة سأسمح لنفسي أن أتوقف قليلاً لأرتاح على ذُرى مرحلة تاريخية مجيدة وأعود إلى أيام /سيف الدولة/ لنرى كيف أن شاعرنا الكبير (أبا الطيِّب المتنبي) قد ربط منذ ذاك الزمن بين أمن بلاد الرافدين وأمن مصر عندما خاطب سيف الدولة قائلاً:
أي لو ترك سيف الدولة الأعداء يسرحون ويمرحون لربطوا خيولهم على شجر النخيل في العراق وشجر السِدر في مصر (فما أشبه اليوم بالأمس). رابعاً: أهمية التضامن ووحدة الموقف العربي: إن العمل العربي المشترك يشكل أساساً في الرؤية والاستراتيجية السياسية لسورية، وقد دعا السيد الرئيس بشار الأسد وفي مناسبات عدة إلى وحدة الموقف العربي لمواجهة التحديات والأخطار التي تواجهها الأمة وذكر في كلمته أمام مؤتمر القمة العربي المنعقد في الرياض ما بين 28 ـ 29/3/2007 قائلاً: (إذا كانت الظروف الصعبة والاستثنائية التي مرّت بها أمتنا في الأعوام الماضية حالت دون تحقيق ما نصبو إليه في إطار العمل العربي المشترك فإن هذه الظروف التي لم تَخُفّ وطأتها بعد هي نفسها التي تدفعنا اليوم باتجاه التمسك أكثر بجامعتنا العربية وبتضامننا العربي المشترك قدماً إلى الأمام). وفي خطابه أمام مجلس الشعب يوم 10/5/2007 قال السيد الرئيس: (علينا أن نعزز علاقاتنا مع أشقائنا العرب الذين يقاسموننا آلامنا ومصيرنا... والذين يرون معنا أن لا مستقبل لهذه الأمة إلا بالوحدة والتضامن والتنسيق). خامساً: أهمية الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات والمحن: لقد سعى السيد الرئيس بشار الأسد وبشكل دؤوب ودائم على ترسيخ أسس الوحدة الوطنية في سورية بالمشاركة الشعبية الواسعة في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية، من خلال مجلس الشعب، ومجالس الإدارة المحلية، ومجالس البلديات والمنظمات والنقابات والأحزاب، وتحسين أوضاع الشرائح الأوسع من جماهير الشعب الذي هم السند الرئيس في الصمود كالعمال والفلاحين وصغار الكسبة، والاهتمام بجيل الشباب وتوفير البيئة الملائمة لتطوره وانطلاقه، وقد أكد السيد الرئيس أمام مجلس الشعب يوم 10/5/2007 (أن تماسك الشعب ووحدته خلف عناوين وطنية كبيرة، واستعداده للبذل والعطاء، قادر على فرض وقائع جديدة على الأرض.. أكثر رسوخاً ودلالة من أن يتجاهلها هؤلاء... أو يتمكنوا من القفز فوقها..). نعم من أجل كل ذلك. ومن أجل رص الصفوف ونبذ أسباب الفرقة والانقسام... من أجل التصدي لكل الأصوات الخارجة على إجماع شعبنا على امتداد الساحة العربية، والتي تزين الخنوع والاستكانة والارتباط بمشاريع الآخرين... من أجل أن لا تموت المروءات ويرجع إلى الوراء الوراء... من أجل هذا، وقبل ذلك... من أجل الوفاء لتاريخ الأمة وتراثها وهويتها وحضارتها كانت كلمة (نعم) للسيد الرئيس بشار الأسد التي انطلقت من أعماق الأفئدة وملْ الحناجر يوم الأحد، السابع والعشرين من أيام 2007. من أقوال السيد الرئيس الديمقراطية واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقاً لنا. والفكر الديمقراطي هي الأساس، والممارسات الديمقراطية هي البناء |