|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
لماذا الـ « نعم » الثانية؟ ـــ د.اسكندر لوقا مع اقترابنا من يوم أداء السيد الرئيس القسم الدستوري لولاية الثانية، نستذكر مجريات اليوم السابع والعشرين من شهر أيار الماضي، ودلالات التجديد لسيادته، بعبارة «نعم» التي توّج بها شعبنا وفاءه لقائد الوطن، مؤكداً ولاءه لنهجه الوطني والقومي الذي اعتمده سيادته لتحصين أمن البلاد واستقرارها في الحاضر والمستقبل. في يوم الاستفتاء كان لعبارة «نعم» نكهتها، مثلما سيكون لها موقعها المؤثر والدائم على مسيرة الوطن. في يوم الاستفتاء تجلت مصداقية المواطنة التي تربى عليها شعبنا الطيب منذ أن قاد سفينة الوطن لعقود ثلاثة مضت ربانها فارس الشام والعروبة القائد الخالد الرئيس حافظ الأسد. وبذلك يكون شعبنا قد التزم الوفاء لمن أنجبتهم مدرسة العروبة وهم اليوم أبناء المستقبل على درب مواجهة ما يعترض وسوف يعترض مستقبلاً مسيرة الوطن من ضروب الإعاقة للحيلولة دون استكمالنا حلم استعادة أراضينا التي استلبت منا بالتآمر أو بقوة السلاح على حدّ سواء. إن استفتاء العام 2007 سيبقى حدثاً مفصلياً وعلى مدى السنوات السبع الآتية، في حياة وطننا، مثلما سيكون حدثاً مفصلياً في حياة من تربّى في مدرسة القائل ذات يوم قبل الرحيل: نهاري نهار وليلي نهار. في يوم الاستفتاء بقولنا عبارة الـ «نعم» ثانية للسيد الرئيس بشار الأسد، نكون قد عبرنا عن التزامنا نهج ممارسة النظريات لا التحلّي بها فقط، وبمعنى آخر نكون قد خرجنا من مواقع المتفرجين إلى مواقع المنخرطين في العمل، إحياء لمقولة المِعْول بيد والبندقية بيد. إن النهج الذي سار عليه السيد الرئيس بشار الأسد، منذ أن اختير لمنصب الرئاسة في تموز من العام 2000، أثبتت السنوات السبع الماضية أنه لم يحد عنه، بل بقي متمسكاً به وزاده وضوحاً، ما أدى إلى التفاف أبناء شعبه من حوله مؤيدين له وداعمين لصموده في مواجهة التيارات المناهضة للمسيرة الوطنية والقومية في زمن تردّي هذا الوضع العربي الذي نعايشه بعد سقوط بعض العرب في تجربة الحفاظ على الحلم العربي، هذا الحلم الذي بات، في عصرنا الراهن تحديداً، على قاب قوسين من عتبة الاندثار إلى أمد غير محدود. لهذه الاعتبارات، جملة وتفصيلا، يخامرنا الشعور بأن نتائج استفتاء السابع والعشرين من أيار الماضي، قد باتت ترتب علينا عبئاً مضاعفاً لقولنا عبارة «نعم» ذلك لأن وعي تبعات هذه العبارة، مسبقاً، تلزم قائلها واجب المشاركة، بمصداقية، في صون كرامة الوطن والمواطن معاً. ويتجلى هذا الواجب في أيّ موقع من مواقع العمل اليومي، داخل المؤسسات الرسمية وخارجها، داخل أطر القطاع العام أو الخاص أو المشترك. إن ما عناه السيد الرئيس في خطاب القسم يؤكد على مصداقية تمسكه بواجب مشاركة أبناء شعبه خارج إطار المنصب، أي ليس بوصفه رئيساً فقط، بل أيضاً بوصفه المواطن بشار الأسد. وقد شاهد أبناء شعبنا هذا المواطن وأفراد أسرته مرات عديدة في مواقع عملهم داخل مؤسساتهم الرسمية وخارجها، وأيضاً في الأماكن التي يرتادها أيّ مواطن عادي للتسلية أو لتناول الطعام وسوى ذلك. وإذا كنت أتخطى التفصيل في المراحل التي سبقت اعتلاءه سدّ الحكم، منذ أن كان طفلاً حتى سنّ الشباب، وما كان وما يزال يتحلى به من صفات بينها الخجل والتواضع بعيداً عن مرض تضخيم الذات استناداً إلى مرجعية الأسرة أو المكانة، فإنني أقف، على سبيل المثال، عند قوله أمام المؤتمر التاسع للحزب: سيكون هاجسي، كما كان دائماً، العمل الدؤوب لتحقيق كل ما فيه مصلحة المجتمع ورفعة الوطن. إن وقفة تأمل أمام معاني هاتين العبارتين "سيكون هاجسي" و"كما كنت دائماً" تبيّن لنا أن الذي نجدد الولاء لنهجه في يوم الاستفتاء، لم يأت من فراغ، كما هو لم يأت من دون أجندة. فهو كما كان كذلك سيكون. ولا نعتقد أن من تربّى في مدرسة القائد الخالد حافظ الأسد يمكن أن يكون غير الذي أراده الرئيس بشار الأسد أن يكونه. من مدرسة القائد الخالد تعلمنا: القيادة بسلوكها وممارساتها. كلما ارتفعنا في سلم المسؤولية يجب أن نكون قدوة. العمل شرف يجب أن نغرق فيه كلنا وبقوة. شرف العمل يكون بممارسة العمل لا بالورقة فقط. هذه الأقوال، وما يماثلها، عندما تتفتح مدارك طفل أو شاب يافع عليها، مثلما تفتحت أعيننا عليها، نحن أبناء جيل ما قبل العام 2000، من البديهي أن تدفعنا للوقوف خلف من هو قادر على ترجمتها إلى واقع. وهذا ما أكدت السنوات السبع الماضية حدوثه على أرض الواقع: قيادة السيد الرئيس بشار الأسد كانت انعكاساً مبدئياً لتلك الأقانيم المتصلة بمفهوم القيادة والمسؤولية وشرف العمل. ولا أخالني أتجاوز حدودي إذا ما أضفت بأن السنوات السبع الماضية أثبتت مصداقية المقولة التي كثيراً ما نرددها في أدبياتنا الاجتماعية "الابن سرّ أبيه أو هذا الشبل من ذاك الأسد". وبقول شعبنا عبارة «نعم» الثانية يكون قد أكد تفهمه للظروف التي واجهها وطننا على مدى سنوات الولاية الأولى للسيد الرئيس، في سياق المتغيرات التي أطاحت بالكثير من الثوابت الإقليمية والعالمية، ولكنها ارتدت على ذاتها عند أبواب الوطن، لإحكام إغلاقها في وجه الطامعين في النيل من ثوابت وطننا شعبنا وقيادة. وفي السياق المتصل، أذكر بتحذير السيد الرئيس من خطر الانزلاق مع الطروحات التي تدّعي بخلو عالم اليوم من الإيديولوجيات لجهة المصالح الاقتصادية والتقنيات الحديثة في تحديد السياسات. ولهذا الاعتبار، كما نتذكر، سارع إلى إعلان رفضه لها موضحاً أن في التاريخ القديم والحديث، ثمة أمثلة يصعب تعدادها، تشير إلى سقوط الإنسان في التجربة عندما لا يكون مؤهلاً بشكل جيد لتحمّل ظرف قاس أو مفرزات حالة طارئة، كما هو حال عالم اليوم وهو يواجه مخاطر سياسات التطبيع والعولمة والاستقواء بالخارج حتى إذا كان هذا الاستقواء على حساب المصلحة الوطنية. وبطبيعة الحال، يكون السقوط هنا سقوط الإنسان لا النظرية أو القيمة، وذلك بغض النظر عن تجسد هذه النظرية أو تلك، هذه القيمة أو تلك، في مجال من مجالات العمل السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي، ذلك لأن المتغيرات الطارئة، نتيجة ظرف من الظروف، إذا لم تصب الجوهر، لسبب من الأسباب، فإن آثارها الضارّة، مهما بلغت قوتها أو شدّتها، لن تمسّ بالأذى غير الشكل أو المظهر. هذا ما يمكننا استنتاجه من قول السيد الرئيس: إنني من المتحمسين جداً للتطور التكنولوجي والاقتصادي، ومع ذلك فإنني أرفض الفكرة بالمطلق، والفكرة كما أشرت إليها الطروحات التي تدّعي خلوّ عالم اليوم من الإيديولوجيات. تأكيداً على أهمية هذه الرؤية لمستقبل التعامل مع أجواء التطبيع والاستزلام فإن الإيديولوجيات، منذ أن أوجدها الإنسان، بفعل المبدعين والملهمين، لا تزال باقية إلى اليوم ولها أتباعها ومريدوها، حتى إذا لم يعد لها ثقلها المؤثر في الوقت الراهن. فالحق، كما نعلم، أيديولوجية، كذلك العدل، كذلك الصدق، كذلك الوطنية، وكل ما يعبر عن رقيّ الإنسان في سلم البشريّة، ومع هذا، فإن كل ما أبدعه الإنسان خلال التاريخ البشري، تعرّض أو هو يتعرض الآن لعدوان بين الحين والآخر، وخصوصاً في زمن المتغيرات التي تحدث على أرضيّة اشتهاء حكم العالم من دون منازع. وثمة تصريحات توضح هذا المسار المعاصر تحكي عن "حروب استباقيّة" وعن" شرق أوسط جديد" وعن"دمقرطة" هنا وهناك على الطريقة الأمريكية تحديداً، ما يؤكد أن للتاريخ وجهين وهما الوجه النبيل والوجه القبيح. في النبل يرى النبيل نفسه في المرآة العادية كما هو لا يزيّفها، وفي القبح يرى القبيح نفسه في مرآته التي هي من صنع يديه. وعبر هذه الصورة القبيحة يتكون الظلم والنفاق والخيانة وكل ما يشير إلى افتقار الإنسان إلى مقومات تحصين الذات أمام مغريات زمانه، من أينما كان مصدر هذه المغريات أمام البحار أم وراءها وذلك على نحو ما يُرى الآن. وعلى نقيض هذه الصورة، يكبر الإنسان في عين ذاته كما في عيون الآخرين. وفي هذا السياق لا يفوتني التوقف، ولو بأسطر قليلة، أمام شهادات حيّة صدرت عن علماء ومفكرين أجانب في العام 2000 كانوا قد عرفوا السيد الرئيس قبل أن يكون الرئيس في وطنه. وليكون المواطن الذي سيدلي بصوته في يوم الاستفتاء على بيّنة من مكانة المرشّح لمنصب الرئاسة في الوطن. على سبيل المثال لا الحصر: ــ يقول إدموند شلينبرغ، الطبيب الذي ساعد في تدريب السيد الرئيس لمدة سنتين يوم كان طالباً يتخصص في جراحة وطب العيون: لن أستغرب حين أسمع غداً وبعد غد أن الدكتور بشار الأسد أصبح قائد سورية الجديد. إنه صورة عن الطالب الذي يحترم الآخرين ويقدرّهم كما يحترم نفسه ويقدّرها. كنا نعرف من هو وابن مَنْ، لكنه لم يتصرّف سوى أنه طالب أتى إلينا كي يتعلم ما هو بحاجة إلى معرفته في مجال اختصاصه. ــ ويقول العاملون في مستشفى العيون الغربي الذي هو جزء من مستشفى سانت ماري في بادننغتون في بريطانيا: الدكتور بشار الأسد طالب هادئ ومتحفظ. وقد أخفى، عن قصد، حقيقة أن أباه واحد من أقوى الشخصيات في الشرق الأوسط. إنه سوف يكون رئيساً ناجحاً جداً. ــ ويقول البروفسور كلاديف ميغدال، مدير مستشفى ويسترن إي هوسبيتال لطب العيون في لندن: لقد كان الدكتور بشار الأسد طوال فترة دراسته ذا ضمير حيّ. كان يرغب في نيل العلم ويعمل من أجله. لا يخامرنا أدنى شك بأنه سيكون الرئيس الناجح في سدة الحكم في بلاده. ـ ويقول البروفسون كالدويل، أستاذ علم السموم الكيميائي الحيوي في جامعة امبريال كولج في لندن: الجميع في قسم العيون التابع للجامعة، يكنون للدكتور بشار الأسد المودّة، لما يتحلى به من الخصال الحميدة. ــ ويقول البروفسور مايكل هدسون، مدير مركز الدراسات العربية في جامعة جورج تاون الأمريكية: الدكتور بشار الأسد إنسان متواضع محب للمعرفة والدراسة. إنه شاب لطيف ومهذب بكل معنى الكلمة. وثمة آخرون عرفوا السيد الرئيس خارج سياج الدراسة، لهم شهادات مماثلة في شخصه لا تقل شأناً عما أوردناه على لسان أساتذته وزملائه خلال سنوات إقامته في بريطانيا. والكل أجمعوا على أنه بقي كما عرفوه قبل أن يكون رئيساً، عرفوه إنساناً يستحق مكانته في سدة الرئاسة مثلما هو يستحق التجديد له في يوم الاستفتاء بعبارة الـ «نعم» الثانية. ولا ننسى اعترافات كبار الإعلاميين الذين أجروا مقابلات مطولة مع سيادته، الذين أجمعوا كما أساتذته وزملاؤه على القول إنه دقيق ولا يجانب المنطق والموضوعية في اختيار الكلمات التي يجيب بها عن أسئلتهم، وبذلك اكتسب لديهم صفة المحاور الذكي والحكيم، بغض النظر عن الأحكام المسبقة التي كانت قد صدرت عن وسائل إعلامية عربيّة ـ عربية أو عربية ناطقة باللغة الأجنبية أو حتى أجنبية ـ أجنبية كانت غائبة عن حقيقة ما جرى وما يجري في منطقتنا إلى أن اتضحت لديهم الصورة بعد اللقاء. كذلك هو حال من كان بعيداً عن ملامسة الواقع في منطقتنا من رجال السياسة قبل أن يتحدث السيد الرئيس إليهم أو أن يروا الأمور على حقيقتها خلال جولات قاموا بها في أرجاء المدينة على هامش زيارة رسميّة في غالب الأحيان. إن السيد الرئيس، خلال التجربة التي خاضها في زمن ولايته الأولى، استطاع أن يرسّخ في البلاد قاعدة الفعل لا الانفعال، قاعدة الشراكة لا الانقياد، قاعدة التأثير لا التأثر، قاعدة التحلي بالصبر والتضحية، قاعدة الانتماء إلى الثوابت الوطنية والقومية ما أدى إلى إبقاء سورية ما بعد العام 1971 في مواقعها الحالية على الخارطة الإقليمية والدوليّة معاً. ولهذا الاعتبار يرى أبناء شعبنا في شخصه كل الحاضر وكل المستقبل، أميناً على تطلعاتهم في كل ما يتعلق بتنقية الداخل من الملوثات المسيئة إلى سمعة الوطن والمواطن وإلى كرامته، كما يرون في شخصه الأمل الذي ستتحقق عليه يوماً أمنية تحرير ما اغتصب من أرض الوطن وفي الجولان على وجه الخصوص. إن نشأة السيد الرئيس بشار الأسد في مدرسة العروبة جعلته يمدّ يديه إلى قادة الأمة وزعمائها، ورأى فيهم القائد والزعيم العربي الآخر، وبذلك تبوأ المكان اللائق بشخصه في كل بيت من بيوت الوطن ومكاتبه. ومن هنا اكتسب ويكتسب محبة الآخر وثقته بأنه عندما قال «نعم» كان كمثل من يثني على أحد أفراد أسرته. فماذا بعد هذه الإحاطة بالرجل الذي أدلينا بأصواتنا له في يوم الاستفتاء قائلين «نعم»؟ هذه الـ «نعم» قلناها: ـ لاستمرار نهج التمسك بحقوقنا الوطنية. ـ لاستقرار الأوضاع الأمنية في بلادنا. ـ لرفد مرافق العمل بالدماء الشابة. ـ للحد من موجة الهدر في الدولة. ـ لتطبيق القوانين المحدثة وتحديث القوانين القديمة ولا تزال نافذة. ـ لإجراءات تنقية أجواء القضاء وأجهزة الدولة من مرض الروتين والبيروقراطية. ـ للضرب على أيدي المفسدين في مؤسسات الدولة وخارجها. ـ لتحصين مرافق الإعلام والتربية والتعليم من السقوط في فخ الاستغلال. ـ لتعزيز قدرة الوطن العسكرية. إذا تفهم أحدنا ما ترمي إليه هذه المحاور، كتمنيات يتطلع أبناء الشعب إلى تحقيقها في زمن الولاية الثانية للسيد الرئيس بشار الأسد، لن يكون مؤهلاً لفعل الشراكة فقط بل إنه سيكون أيضاً قادراً على ترجمة الأمنيات، في موقعه، إلى فعل. في زمن اقتحامنا، في بيوتنا وفي مكاتبنا، فضائياً وتكنولوجياً، وفي زمن اكتشاف خارطة المخزون الوراثي البشري منذ سنوات قليلة، لابدّ أن نعي أهمية التفاعل مع المستجدات العالمية المعاصرة كي نتخطى مساوئ انتظار حصتنا مما سيتحقق على مدى سنوات قادمة على أيدي الآخرين. إن الانتقال إلى مرحلة الشراكة في التفاعل مع المستجدات أياً كان مصدرها أو زمن حدوثها، تتطلب قيادة واعية لأهميتها في صناعة الحاضر والمستقبل، وبيننا الآن رجل الحاضر والمستقبل، رجل الوفاء للوطن أرضاً وتاريخاً وأبناءً. ويبقى علينا أن نبرهن على وعينا لما هو كائن، وبالأخص لما هو آت. هذا الوعي جسدته عبارة الـ «نعم». وهي العبارة الأكثر تعبيراً عن التزامنا بنهج السيد الرئيس بشار الأسد في تحصين بلادنا في الزمن الصعب، زمن محاولات تطويقنا بشتى أنواع التآمر كي نقول للمتآمرين وحدهم لا لسواهم عبارة الـ «نعم»، وهو ما لن يكون لا الآن ولا في المستقبل ثم إن أحدنا في مناسبة الوقفة أمام الحدث الوطني والقومي الذي تجسد في يوم الاستفتاء، على مستوى الوطن كافة، لابد أن يتوقف لقراءة دلالاته التي سبق أن عزّزت ولا تزال تعزز عزم جماهير شعبنا على الالتفاف حول قيادة السيد الرئيس بشار الأسد، وإن هي استعطت عليه كي يحيط بها بالشمولية الكاملة، ونحن نقارب يوم القسم وفاء لمسيرة الوطن على مدى السنوات السبع الآتية. على هذا، أشير إلى بعض المنعطفات التي مكنت شعبنا من تخطي عنق الزجاجة بحكمة القائد، بصبره، بدقة قراءته للأحداث التي عصفت بالمنطقة، سواء ما سبق منها وما كان منها آتياً على الدرب. في هذا السياق أيضاً، لم ينفصل السيد الرئيس يوماً عن قضايا الأمة ومصلحة أبنائها. فرغم الواقع الذي شهد يوماً تردي العلاقات بين الدول العربية، على سبيل المثال، كان دأبه التصدي لعوامل الإحباط واليأس الذي دفع بعض القيادات العربية لوضعية الاستسلام له ودفعهم، بالتالي، كي يستكينوا للأمر الواقع، وذلك ليقينه بأن ما شعر به هؤلاء البعض كان نابعاً من الذات، ولهذا السبب، كما نعلم جميعاً، طغى عليهم شعور الهزيمة قبل وقوع الحرب. لهذا الاعتبار بقيت الحاجة ماسة لدى السيد الرئيس لتعزيز الأمن القومي العربي، بقيت لديه هاجساً يومياً لا يبرح عقله. كذلك بقي هذا الهاجس يرافقه أينما ذهب. ففي مؤتمر القمة العربية الدورية التي عقدت في عمان بتاريخ 27 آذار عام 2001، من قبيل التذكير، كان واضحاً كل الوضوح عندما خاطب قادة الأمة بقوله: "نحن ثلاثمائة مليون عربي، وعندما نتخذ القرار الجريء والواضح فالثلاثمائة مليون سوف يدعموننا مادياً ومعنوياً، وعدا عن ذلك لن يقف معنا عربي ولا غير عربي وسننتقل من ضعف إلى ضعف". بمثل هذه الرؤية جعل السيد الرئيس أبواب سورية مشرّعة لكل راغب بطرقها من الإخوة العرب بلا استثناء ومن كل المستويات. وفي ضوء هذه الرؤية جاءت إجابته عن سؤال محرر جريدة الشرق الأوسط بتاريخ السابع من شباط عام 2001: "نحن، من المنطلق القومي لا يمكننا أن نرفض أي عربي على الأرض السورية. هذا منطلق عربي". ومن هذا المنطلق تحديداً عزز السيد الرئيس، في الوقت نفسه، عزّز مكانته خارج حدود الوطن وذلك بعدم تخطيه أهمية السعي وصولاً إلى قبول الرأي الآخر، بغض النظر عن استجابة هذا الآخر أو عدم استجابته، مستذكراً أننا حالياً في طور تعميق أسس الديموقراطية في بلدنا. والديموقراطية، كما تعلمناها، تتمثل في قبول الرأي الآخر. ولكن حتى نقبل هذا الرأي الآخر، فلنقرأ وجهة نظر السيد الرئيس التي أوردها في كلمته أثناء مأدبة العشاء التي أقامها على شرفه الرئيس جاك شيراك في باريس بتاريخ الخامس والعشرين من شهر حزيران عام 2002. قال: "لكي نقبل الرأي الآخر علينا أن نفهمه، وهذا يعني أنه يجب أن نسمعه، كما يجب أن نعرف عنه الكثير". كان قصد سيادته، في هذه المناسبة، أن ينبّه إلى ضرورة أن تتواصل الشعوب والحضارات والثقافات مع بعضها بعضاً، وبذلك، يجري الانتقال من ترجمة اللغة إلى ترجمة المفاهيم وتفهّم الخصوصيات لدى الغير. ولأن شيئاً من هذا القبيل لم يكن حاضراً في يوم من الأيام في الذهنية الاستعمارية، قديماً وحديثاً على حدّ سواء، سمعنا وقرأنا عن آخرين ما حفزهم على مناهضة المنطق الموضوعي، وإلى درجة جعل سياسة "الشخصنة" القاعدة لا استثناء في التعامل السياسي، والعلاقات بين الدول، ما أدّى إلى سقوط بعض الكبار من سياسيي عصرنا الحالي في تجربة احترام الذات. والأمثلة أمامنا لا تحتاج إلى شرح. وحين يشير السيد الرئيس إلى أهمية بل إلى ضرورة التواصل بين الشعوب، فذلك ليقينه بأن الظروف المعقدة التي نعيشها وتعيشها منطقتنا والعالم برمته تستدعي التبصّر وبمعنى آخر تستدعي عدم الاستجابة لمنطق الفعل وردّة الفعل، لأن خطأ اللحظة، كما كان يصفه قائدنا الخالد الرئيس حافظ الأسد، ربما كان الخطأ القاتل. لقد أدرك السيد الرئيس بشار الأسد أبعاد ومعاني هذه المعادلة، ولهذا الاعتبار دعا إلى التبصر كما في كلمته إلى قواتنا المسلحة في الذكرى الستين لتأسيس الجيش بتاريخ الأول من شهر آب عام 2005. كما هو لم يغفل يوماً استذكار المراحل التي حذرت فيها سورية الأشقاء العرب من الوقوع في شباك الانفعال التي نصبت لهم ليكونوا أسرى بين أيدي نسّاجها، ودائماً كان البادئ بالتحذير. قبل كارثة العراق في العام 2003 كان قد حذر من خطر انتشار الإرهاب إلى الأمكنة الأبعد من الأرض التي نشأ وترعرع فيها في حال استقر الاحتلال من قبل هذا الطرف أو ذاك ضد طرف آخر في البلد الواحد، على غرار ما هو جار الآن في لبنان. كذلك لم يغفل سيادته ما قدمت سورية للأشقاء العرب من خدمات، العديد منها لا يزال عالقاً في الذاكرة الوطنية، سواء ما يتعلق بقضية فلسطين أو العراق أو لبنان، ودون أن يرتب على أحد من هؤلاء الأشقاء عبء واجب الرد اعترافاً بالجميل على ما قدمته، لأن نهج سورية المعروف، هدفه المستدام دعم الحقوق الكاملة لأبناء شعبنا العربي بصرف النظر عن أماكن إقامتهم. فعلى سبيل المثال في الشأن الفلسطيني له قول: نحن، في سورية مع أي قرار يتخذه الفلسطينيون. وفي الشأن العراقي تساءل مرات ومرات: نحن، في سورية، مع ما يريد الشعب العراقي. هذا بالنسبة إلينا شيء أساسي. إننا مهما فكرنا بمعزل عن الشعب العراقي يبقى تفكيرنا قاصراً. وفي الشأن اللبناني يردّد القول دائماً: سنبقى في سورية تقف مع لبنان وندعمه في قضاياه الوطنية كافة. وإذا كنت قد اقتطفت بعضاً من أقوال سيادته فيما يتصل بهذه القضايا الثلاث، فذلك لكونها قضايا ملحة على الساحة السياسية إقليمياً في الوقت الراهن، وكان لابد من التذكير بها، كأمثلة لا غير، لأن سورية تقف دائماً على مسافة واحدة من كل الأطراف المتنازعة على مواقع السيادة في أي من أقطار الوطن العربي، وذلك من منطلق السعي للتقريب بين أجنحتها. كذلك كان دأب سورية بالأمس، وهي مستمرة على اتباع النهج ذاته. وفي إطار هذا النهج تسعى لأن يكون التضامن العربي ـ العربي سبيل الأمة العربية لخروجها من هذا النفق المظلم الذي يهدّد حاضر ومستقبل أبنائنا، وخصوصاً في زمن المواجهة مع عدو شرس يطمح لترجمة شعاره من الفرات إلى النيل، إلى واقع جغرافي على الأرض. ولعلي لا أطيل الكلام حين أشير إلى أن السيد الرئيس، لم يهمل قط دعوته لإقامة أفضل العلاقات مع كل بلد يشاركنا هذا المسعى، فبقي يذكر بها دائماً، ذلك لأن لسورية وللعرب عموماً مصلحةً مشتركة في الاستقرار وتحقيق السلام العالمي، ولكن السلام، كما فهمه وأعلن عنه، ليس كلاماً. السلام كما يقول هو هدف، وإذا لم يكن شاملاً فسيحقق اتفاق سلام وليس سلاماً. هذا ما أكد عليه في كل مناسبة سنحت، وخصوصاً في كلمته أمام مؤتمر القمة العربية غير العادية التي عقدت في القاهرة بتاريخ الحادي والعشرين من شهر تشرين أول عام 2000. إن ما أشرت إليه هو القليل القليل مما عزز ويعزز مكانة السيد الرئيس بشار الأسد بين أبناء شعبه. وفي سياق هذه الوقفة مع يوم القسم الآتي، استذكر قوله في كلمته في مناسبة تأديته القسم الدستوري أمام مجلس الشعب بتاريخ السابع عشر من شهر تموز العام 2000. قال سيادته: "والآن، بعد أن شرفني الشعب باختياره لي رئيساً للجمهورية، وبعد أن أدّيت القسم الدستوري وتسلمت مهامي أقول: إنني تبوأت هذا المنصب ولكنني لم أتبوأ الموقع، أي أن المنصب تبدل لكن الموقع بقي ذاته ولم يتغير منذ خُلقت، وذلك حيث أرادني الله سبحانه وتعالى أن أكون، وحيثما رغب الشعب أن أقف، منذ أن عرف أن شخصاً هناك أحب الشعب بصدق وأحبه الناس بإخلاص وكانوا أوفياء له". نعم، كلمة قلناها بالأمس القريب، وسنبقى نرددها دائماً، تقديراً لمن أحب شعبه وأحبه أبناء شعبه بإخلاص وكانوا أوفياء له. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |