مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 29 السنة الثامنة عدد خاص بمناسبة أداء القسم لولاية دستورية ثانية للسيد الرئيس 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الآفاق المستقبلية لسورية في ظل قيادة الرئيس بشار الأسد ـــ أ.د. حسين جمعة

إن بدء الحديث عن أي اتجاه مستقبلي، إنما يقع في باب التصور المسبق للدراسات المستقبلية ولما يتجه إليه بلد من البلدان في العالم. ويكشف لنا هذا التصور ـ أيضاً ـ أن الخطط الخمسية محكومة بالسياسة الوطنية الملبية لحاجات المجتمع وتطلعاته، وساعية إلى حالة نوعية من التقدم والازدهار والتطور على مختلف الصعد داخلياً وخارجياً، عربياً ودولياً وعلى كل المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعلمية.‏

ويظل للقيادة السياسية الشرعية صاحبة القرار السيادي الأثر الأعظم في ذلك كله. ولمّا كانت الولاية الدستورية الأولى للسيد الرئيس (2000 ـ 2007) قد خَلَّفَتْ تراثاً ثرَّاً في حياة الوطن على مختلف الصعد، فإنه يصح أن نرى النهوض مبنياً وفق رؤية نفاذة ميزت سياسات سيادته. وعلى ذلك فإن خطاب القسم في (17/ 7/ 2000م) يعدُّ أصلاً لقراءة الخارطة المستقبلية لتلك الولاية ـ آنذاك ـ في التطوير والتحديث ومكافحة الفساد والهدر وبناء الديمقراطية الحقيقية. لهذا خاطب أعضاء مجلس الشعب قائلاً: «بما أن الفكر الديمقراطي والفكر المؤسساتي مترابطان؛ ولا أقول متطابقان، فإن الإدارة تتأثر بهما، وبالتالي فالإصلاح الإداري الذي يقع علينا القيام به في القطاعين العام والخاص يرتبط بهما بعلاقة طردية، أي يتطور بتطورهما أو يتراجع بتراجعهما، وهو اليوم حاجة ملحة لنا جميعاً»(1).‏

وهذا يؤكد أن أي إصلاح ينبغي أن يظل محكوماً بتنمية شاملة تحميها الشرائح الاجتماعية الواسعة، باعتبارها المنتجة لها أولاً، والمستفيدة منها ثانياً، وعلى مجلس الشعب أن يحرص على حماية ذلك كله بما يعبر عن نبض الشعب ووجدانه.‏

فخطاب القسم رسم الصورة المستقبلية لتلك الولاية وفق رؤية استراتيجية تؤصل التربية الوطنية والقومية والأخلاقية. وهو عينه ما نراه في الخطاب التاريخي الذي ألقاه سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد يوم الخميس (10/ 5/ 2007) في جلسة لمجلس الشعب الجديد في دوره التشريعي التاسع بحضور أعضاء الجبهة الوطنية التقدمية، وعدد من أعضاء القيادتين القومية والقطرية والوزراء ورجال الدين ورؤساء المنظمات الشعبية والنقابات المهنية ورؤساء الجامعات وسفراء الدول العربية والأجنبية وشخصيات إعلامية... فهذا الخطاب يعدُّ حجر الزاوية في السياسة التي ترسم ملامح المستقبل لاستكمال مسيرة الإصلاح والتطوير ومحاربة كل أشكال الانحراف والفساد والتقصير والتخلف والظلم والقهر، يضاف إلى ذلك أن الخطاب تميز على نحو دقيق في تحليل الواقع العربي الراهن في الوقت الذي استشرف فيه كيفية إعادة بناء الوطن بناء علمياً راقياً، ولهذا يمكننا أن نجعله أصلاً لرؤية الآفاق المستقبلية وأبرزها:‏

1 ـ ممارسة مجلس الشعب لمهامه الدستورية:‏

أكد الخطاب دور مجلس الشعب في التنمية الحقيقية التي تعتمد إصدار القوانين المتطورة المواكبة لمسيرة التقدم والإصلاح والتطوير، واعتماد المراقبة الفعالة على الأجهزة التنفيذية ومحاسبة المنحرفين والمقصرين، إذ قال: «نأمل أن يؤدي مجلس الشعب دوراً أكثر اتساعاً في المرحلة القادمة سواء في تقديم الأفكار، أم في مجال ممارسة الدور الرقابي على المؤسسات التنفيذية» ولما كان مجلس الشعب يمثل السلطة التشريعية، وهو السلطة المنتخبة مباشرة من الشعب، فإن عليه مهمة كبرى في «تعزيز العمل المؤسسي.. وكذلك وضع الآليات المناسبة لتجاوز الحالات السلبية في أداء الدولة.. ومكافحة مظاهر الخلل والفساد التي يمكن أن تظهر.. وردع المتجاوزين على مصالح الشعب.. ومحاسبة المقصرين في تلبية احتياجات المواطنين». فهذا المقطع من الخطاب يثبت مدى التطور الذي جرى في سورية إبان العقود السابقة، وإذا كان قد وقع خطأ هنا أو تقصير هناك، وانحراف في هذا المكان أو ذاك فلا بد من مواجهته بوضوح وجرأة للتخلص منه. وعلى هذا الأساس فقد وضع السيد الرئيس السلطة التشريعية أمام مسؤولياتها الوطنية والأخلاقية، ما يعني ألا تتهاون في أداء واجبها المخولة لها من الشعب ومن رئيس الجمهورية الذي يمثل أعلى سلطة منتخبة من قبل الشعب، فلم يعد هناك مكان لمتهاون أو مهادن لهذا المسؤول أو ذاك مهما كان حجمه وأينما كان موقعه. فالأمان الحقيقي لاستقرار السيادة الوطنية يتجسد بالرعاية الحقيقية لهذه الجماهير، والإخلاص للقسم الذي جرى تحت قبة مجلس الشعب.‏

2 ـ مهام السلطة التنفيذية والمنظمات‏

بين الخطاب مهام هذه السلطة بكل شرائحها من وزارت ومؤسسات ومنظمات شعبية ورسم سياستها المستقبلية للمرحلة المقبلة، وأناط بها إيلاء العناية بالجماهير الكادحة الفقيرة لأنها تمثل القطاع الأوسع من جماهير الشعب، إذ قال: «يتعين علينا في المرحلة المقبلة إعطاء الأولوية في توجهاتنا ومحاور عملنا للشرائح الأوسع من جماهيرنا التي تشكل العماد الأساسي لمجتمعنا... والسند الرئيس في صمودنا... كالعمال والفلاحين وصغار الكسبة الذين يعتبر تحسين أوضاعهم، والحفاظ على مصالحهم... وتعزيز مكتسباتهم... الأساس الحقيقي للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في بلدنا».‏

فالجماهير الواسعة هي الأصل الذي يقوم عليه بناء الوطن وتطويره والحفاظ على استقراره وسيادته(2). وإذا كانت هذه الرؤى مبثوثة في أدبيات حزب البعث فإن الجديد فيها أنها أتت في زمن تعالت فيه أصوات كثيرة تنادي بالانفتاح وحرية المبادرة الاقتصادية.‏

وليس هناك مراء في أن الجماهير الشعبية أساس البناء وغايته ومن دونها يفقد الوطن بهاءه وألقه ووجوده. ولعل أهم شريحة فيها هي شريحة الشباب التي تعد مستقبل الوطن وجوهره الفاعل، لذلك توجه إلى المسؤولين لرعايتها وتنمية قدراتها فقال: «يجب إيلاء شبابنا المفعم بالاندفاع والأمل كل الاهتمام... وتوفير البيئة الملائمة لتطويره وانطلاقه...».‏

أما عنايته بالمرأة فلم تغب عن باله، ليس على اعتبار أنها شريكة في البناء وتطوير التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ورعايتها للطفولة ـ فقط ـ، ولكن على اعتبار إقامة التوازن الحضاري الفاعل الذي تبنى عليه المجتمعات في بناء مستقبلها، فقال: «ولا بد من متابعة خطانا الثابتة في مجال تطوير واقع المرأة ورعاية الطفولة في سبيل نماء مجتمعنا... وضمان توازنه وسلامة مستقبله..».‏

ولعل فهمه الدقيق لدور المرأة ومكانتها في تنمية الوطن وتطويره في المستويات كلها، جعله يوليها العناية الخاصة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً وإدارياً وعلمياً و... وممارسة كل الأنشطة التي تسهم في عملية التنمية، ودعم العمل الخاص بها، فدخلت في مؤتمرات الحزب ولا سيما المؤتمر القطري العاشر (2005), وقد بلغ عدد النساء في اللجنة المركزية للحزب (18) عضواً وبنسبة تقارب الأربعين في المئة، وصارت ممثلة للمرة الأولى في القيادة القطرية للحزب. ثم اختارها سيادته لمنصب نائب رئيس الجمهورية في (13/ 3/ 2006)، ومستشارة أدبية ثقافية في رئاسة الجمهورية، ووزيرة، وعضواً في مجلس الشعب فبلغ عدد النساء في الدور التشريعي الثامن (2003 ـ 2007) (28) امرأة بنسبة (12%)، على حين وصل العدد في الدور التشريعي التاسع (2007 ـ 2014م) إلى أكثر من (31) امرأة... وبهذا طور ما كان قد بدأه القائد الخالد حافظ الأسد، حين دخلت مجلس الشعب وصارت وزيرة. وكذلك تابع المسيرة الكريمة بتكريم الأمهات والمبدعات فالسيد الرئيس مكن قدرة المرأة على المواجهة حين عزز مكانتها في اتخاذ القرارات وتقرير سياسات المؤسسات على أساس المشاركة الحقيقية في ذلك كله. فالقانون رقم (78) لعام (2001) أعطى المرأة ميزات إضافية عن الرجل كمزية التقاعد بأقل بخمس سنوات من الرجل، وتوريث معاش المؤمن عليها بعد وفاتها إلى أولادها وزوجها و فق الأنظمة الواردة في قانون التأمينات الاجتماعية. وقضى المرسوم التشريعي رقم (330) تاريخ (25/ 9/ 2002) بالمساواة بينها وبين الرجل. أما القانون رقم (18) لعام (2003) فقد نص على رفع سن الحضانة للغلام إلى تمام السنة الثالثة عشرة والفتاة إلى الخامسة عشرة، على حين رفع القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم (50) لعام (2004) إجازة الأمومة حرصاً على صحة الأم والطفل، ونص قانون العلاقات الزراعية على تحديد إجازة الأمومة المأجورة إلى (75) يوماً، ومنحها أيضاً إجازة إضافية.‏

لقد شكلت عملية الاهتمام بالمرأة، والنشاطات التي أسفرت عنها الأرضية المناسبة لتمكين المرأة من ممارسة دورها وتجسيد وجودها وتكرس واقعاً ملموساً وتوجهاً مستقبلياً خلال الخطة الخمسية العاشرة 2006 ـ 2010.‏

أما في مجال الطفولة، فقد عقد مؤتمر وطني لأول مرة برعاية السيدة أسماء الأسد عقيلة السيد الرئيس في مدينة حلب في شهر شباط 2004، وكذلك أعدت الهيئة السورية لشؤون الأسرة خطّة وطنية لحماية الطفل في سورية عام 2005.‏

إن مسار التطوير والتحديث لا يمكن تحقيقه بمعزل عن مصالح السواد الأعظم من الشعب وإرساء حياة كريمة له، وهذا شرط حاسم وأساسي، وعلى ذلك يبدو الارتقاء بالمستوى المعيشي هدفاً دائماً، وقد تجسَّدت سياسات سيادة الرئيس وتوجيهاته في عمل الحكومات المتعاقبة التي أصدرت عدداً من المراسيم لزيادة الرواتب والأجور، واتخذ هدف رفع مستوى المعيشة بعداً آخر في ضرورة متابعة قضايا الخدمات الاجتماعية والجماعية والشخصية ولا سيما في قطاعي الصحة والتعليم، فتعالت في محافظات القطر مشروعات جديدة، وطورت ووسعت مشروعات قائمة في النقل والطرق والرعاية الاجتماعية والكهرباء والزراعة والمعلوماتية، وفي كل ميدان تتعالى الصروح الهادفة إلى التنمية البشرية والاجتماعية والعلمية، كل ذلك بهدف بناء الإنسان، وتحقيق مجتمع الحق والعدل والمساواة. فحيثما فكر المرء وجده حاضراً.‏

إن خطاب سيادة الرئيس مضافاً إلى كلماته السابقة كان تعبيراً حقيقياً عن نبض جماهير الشعب في وطننا الناهض سورية، وغدا السيد الرئيس بشار الأسد كما كان دائماً القائد الجماهيري الذي جسد العلاقة الحية التي تصله وتربطه بالجماهير، على قاعدة صدق الوعد وحراسة العهد، فبادلته الجماهير بذلك وفاء مخلصاً تجلى في الوقفة التاريخية الفاصلة التي أولت به الجماهير يوم الاستفتاء التاريخي في (27/5/2007م).‏

لقد صدق الشعب وأجمع لأنه يرى في الرئيس بشار قائداً يتحلى بكل مناقب القائد الجماهيري الذي يتمتع برؤية شمولية نافذة، وببصيرة قادرة على ابتكار المبادرات الخلاقة، ليس في رعايته لشؤون العامة ورفع أداء مؤسسات العمل الاجتماعي ـ فقط ـ وإنما في تأسيس العمل الاجتماعي والاقتصادي العلمي التقني والأخلاقي لتحديث أدوات الإنتاج، وزيادة القدرات المعرفية للموارد البشرية.‏

إن الرئيس بشار الأسد مثال للتواضع يعيش حياة المواطنين ويتحرك بين ظهرانيهم متنقلاً في المدن والشوارع وبين الجموع، دون أن يحول بينه وبينهم عائق، آمن بكرامة المواطن العربي وقدرته على مواكبة التطورات والتغيرات السريعة في عالم اليوم، واستيعاب أحدث ما ينتجه من تقنيات وعلوم معقدة.‏

وبهذا مثل القائد المبدئي الذي يتصف بكل مستلزمات المناقب القيادية لقائد جماهيري خرج من الشعب، وظل أميناً على مصالحه، وحريصاً على حياته الكريمة، ما يفرض علينا السعي الجاد والمخلص لتحقيق طموحاته.‏

3 ـ السيادة الوطنية ووحدة الشعب:‏

ثمة علاقة تربط بين السيادة الوطنية، وبين وحدة الشعب الوطنية وقدرته على مقارعة الخصوم، ومنازلة التحديات. وقد أدرك السيد الرئيس أهمية هذه الوحدة، وكثيراً ما كان يلح على أن تأخذ الوحدة مضمونها الفعال لتقوم على المشاركة الحقة في صياغة القرار السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي. ولم يغب عن باله أبداً الوحدة الأساسية التي تنطلق منها الوحدة المتمثلة في الإنسان الفرد، الإنسان العربي السوري المتنامي الذي تتحدد هويته على أساس انتمائه للوطن، والإخلاص له قولاً وفعلاً وإرادة.‏

إن إصرار الرئيس القائد على مواكبة التجديد واللحاق بروح العصر جعله يعتمد تطوير المعرفة الذاتية تقنياً ومعرفياً، ما يجعل السيادة الوطنية تقوم على بناء مفهوم الوحدة الوطنية وفق مبدأ الديمقراطية التي تعبر عن روح الإنسان العربي وتقدمه. وهو مبدأ ينطلق من ملامح التجربة الخاصة لقطرنا، وفق مفهوم التعددية السياسية والاقتصادية، ووفق مفهوم ديمقراطية المؤسسات التي تتعزز يوماً بعد يوم.‏

ولعلّ من مفهوم المواطنة الصحيحة يتجسد في التفاف الشعب حوله كما أظهرت مسيرات الوفاء في محافظات القطر لأن السيد الرئيس جسد طموح الوحدة الوطنية وأكد القدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وفي ذلك يقول: «أثبتت هذه السنوات... أن إرادة الصمود قادرة على فرض ذاتها مهما بلغت التحديات، ومهما توفر للخصوم من إمكانيات مادية وتقنية، وأثبتت في مواجهة جميع المشككين أن تماسك الشعب ووحدته خلف عناوين وطنية كبيرة واستعداده للبذل والعطاء قادر على فرض وقائع جديدة على الأرض أكثر رسوخاً ودلالة من أن يتجاهلها هؤلاء، أو يتمكنوا من القفز فوقها».‏

لهذا أثمر ذلك الحرص بالمقومات المشار إليها فيما سبق عن يانع من ثمر الصمود ونهج الممانعة، فكانت أساساً في بناء سورية العصية على العدوان، الشامخة في الدفاع عن مقدسات الأمة وخياراتها الوطنية..‏

وقد برز مفهوم السيادة الوطنية في العديد من أقواله ومواقفه، وكأنه يرسم الدرب الوطني الصحيح لكل منا، ولاسيما حين فندّ كل ما يتعلق بلجنة التحقيق الدولية والمحكمة المنوي إنشاؤها من قبل منظمة الأمم المتحدة فقال: «إننا نعتبر موضوع المحكمة ذات الطابع الدولي موضوعاً خاصاً بين لبنان والأمم المتحدة، ولا نرى أننا معنيون بها بصورة مباشرة، كما نرى أن أي تعاون مطلوب من سورية، ليس تجاه المحكمة، أي تعاون تجاه أي صيغة أو أي بنية أو أي فكرة أخرى بشأن القضايا، أي تعاون مطلوب من سورية في حال تطلب تنازلاً عن السيادة الوطنية هو أمر مرفوض بالنسبة لنا جملة وتفصيلاً.‏

لقد تعاونا مع مختلف قرارات الشرعية الدولية، ونحن جاهزون للتعاون معها، الآن، وفي المستقبل. كما تعاونا مع لجنة التحقيق الدولية، ونحن نبدي استعدادنا الدائم للتعاون معها في إطار سيادتنا وقوانيننا، ولكننا سنرفض حتماً، وسيرفض شعبنا في سورية كل ما من شأنه المساس باستقلالنا وسيادتنا، فالتنازل عنهما هو تنازل عن الكرامة والشرف، وما كان ذلك يوماً من شيم الشعب العربي السوري الأبي. أما بالنسبة للمحكمة الدولية وأي قرار يصدر عن مجلس الأمن فكما قلت ـ سابقاً ـ: بأن أي قرار وطني هو أعلى من القرار الدولي».‏

بذلك كله رسم لأبناء الوطن مستقبل الوحدة الوطنية والسيادة الوطنية، في عالم مضطرب وقع في أنياب دولة تقودها إدارة محافظة عنصرية قسمت العالم إلى محور للشر ومحور للخير، ومارست سيادتها وفق أساطير العهد القديم وخرافات شعب الله المختار.‏

4 ـ الـهم الوطنـي والقومي:‏

حاز خطاب سيادته أمام مجلس الشعب مساحة واسعة من الكلام على الهم الوطني والقومي وفق الثوابت المبدئية والأخلاقية، والجرأة الأدبية والموضوعية في التعبير عنهما، ما جعل الشعب العربي كله يلتف حوله باعتباره الأمين على تطلعاته، وحين حرص على تحليل الواقع العربي تحليلاً علمياً وموضوعياً كان يؤكد مفهوم التضامن العربي، وتحسن وضعه مؤخراً إذ قال: «وما يبعث الأمل فينا أن الوضع العربي على الرغم من كل ما نسمعه من انتقادات المواطنين الذين تمثلونهم أو في دول عربية أخرى لهذا الوضع فإنه في الآونة الأخيرة أفضل حالاً من ذي قبل نسبياً، لكي نكون واقعيين، بفضل الجهود التي يبذلها الجميع لتغليب ما هو أساسي على الثانوي، وما هو مصيري على ما هو طارئ، ونحن على ثقة بأن مثل هذه الروح الإيجابية في العمل العربي إن استمرت كفيلة بإيجاد الحلول للكثير من المشكلات التي تواجهنا».‏

هكذا كان يصر على امتزاج الهم الوطني بالقومي في الدفاع عن الهوية العربية والانتماء المخلص إلى أمتنا العريقة حتى لا تمحى الشخصية العربية، أو تذوب أمام المخططات والمشاريع التي يعدها أعداء الأمة ابتداء من المشروع الصهيوني الاستيطاني، وانتهاء بمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تقوده الإدارة الأمريكية المحافظة وفق سياسة (الفوضى الخلاقة) و(الحرب الاستباقية). ولذلك فقد رفضت سورية احتلال أي جزء من الأرض العربية إذ قال سيادته في شأن العراق: «كنا قد حذرنا من الانهيار الذي ينتظر الأمة العربية.. ومن حجم المخاطر التي تتربص بها في حال افتقادنا لروح المسؤولية القومية في التصدي لنذر لهذه المخاطر قبل وقوعها ـ وكنا في رؤيتنا وتحذيراتنا ننطلق من إدراكنا الموضوعي لأهداف الآخرين ومراميهم البعيدة.. ومن استيعابنا لحجم التهديدات المحيقة بنا.. بحاضرنا ومستقبلنا»...‏

ثم رسم سيادته آليات المجابهة لكل المشاريع الاستعمارية في العراق فقال: «ومن هنا كان رفضنا لغزو العراق وما نجم عنه من مآس وآلام نرى فداحتها كل يوم، ومن هذا المنطلق عملنا بكل إمكاناتنا لمواجهة المحاولات الرامية لتصفية معاقل المقاومة... والتصدي لمشاريع التسوية المهينة لشعبنا والمناقضة لمصالحه... وغيرها من المشاريع التي أتت تحت عنوان الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، وما تتضمنه من إعادة تشكيل منطقتنا بما يلبي المتطلبات الإسرائيلية». فسورية صمدت في وجه الضغوطات الأمريكية والدولية، واجتازت المحن الصعبة، ولم تغير مواقفها الوطنية والقومية، في الوقت الذي شهد فيه العالم دولاً كثيرة تبدل مواقفها لتتكيف مع الشروط الأمريكية والصهيونية.‏

وقد مثل السيد الرئيس رمزاً وطنياً وقومياً في قدرته على التمسك بالثوابت الوطنية والقومية والدفاع عنهما بحنكة ووعي بالمرحلة التي تمر بها الأمة العربية، وجسد القدرة المؤثرة على إدارة الأزمات التي تواجهها، ما جعل سورية تتعرض لضغوط خارجية كبيرة من الإدارة الأمريكية المحافظة وأنصارها في الغرب، فضلاًُ عن الممارسات العدوانية الهمجية للدولة اللقيطة التي تعد كلب الصيد الأمريكي بامتياز... وقد استخدم أعداء سورية الحالة العراقية واللبنانية وسيلة للضغط عليها لكي تغير مواقفها، إذ قال: «وكما توقعنا، وكما حدث في الواقع كانت سورية لأجل ذلك هدفاً للضغوط التي لم تنقطع خلال الفترة الماضية، وذلك في محاولة لثنيها عن مواقفها ودفعها إلى التراجع عن خياراتها الاستراتيجية، وفي حال فشل ذلك لحصارها وضرب استقرارها من خلال اتخاذ ساحات الصراع المفتوحة حولها ذريعة من جهة وأداة من جهة أخرى للنيل من مكانتها ودورها في محيطها العربي والإقليمي». ولهذا كله حاولت الإدارة الأمريكية ـ الصهيونية عزل سورية عربياً وإقليمياً ودولياً، وفق ما صدر عن إدارة البيت الأبيض، وأنصارها، وما انتهى إليه الكونغرس الأمريكي في إصدار ما يسمى (قانون محاسبة سورية، ثم إصدار قرار مجلس الأمن (1559) والقرار (1701) الذي تضمن الرغبة الأمريكية حين انطوى على تشكيل المحكمة الدولية. لذلك كله قال: «وقد جرى اختيار عزلنا ولم يصادف سوى الفشل.. والوقائع أثبتت أن من يريد أن يعزل سورية فهو يعزل نفسه عن قضايا المنطقة، لأن سورية لها دورها ومكانتها، وهذا لم يأت مِنَّة من أحد، بل فرضه موقعها وتاريخها ونضالات شعبها، إن العزل يتحقق فعلياً ويؤتي ثماره لدى من رهن نفسه وقرار بلاده للأجنبي، أما من ربط مصيره بشعبه وبتاريخ بلاده فلا يمكن لأحد أن يعزله سوى الشعب نفسه».‏

ومن هنا نرى أن هناك فارقاً كبيراً بين زيارة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق (كولن باول) لسورية قبل ثلاث سنوات ونيف في (حزيران 2003م) إثر غزو العراق وبين زيارة السيدة (نانسي بيلوسي) رئيسة مجلس النواب (الكونغرس) لسورية في أواخر آذار (2007م)، فزيارة (باول) كانت تحمل كل أنماط التهديد لسورية كي تلحق بركب السياسة الأمريكية في المنطقة وإلا أصابها ما أصاب العراق، وزيارة (بيلوسي) كانت تريد الاستماع لصوت العقل والحكمة السورية في رؤيتها لما يجري في المنطقة، بعد أن وقعت الإدارة الأمريكية المحافظة بقيادة بوش الابن في مأزق المستنقع العراقي وأوقعت الشعب الأمريكي كله فيه، لأنها لم تستمع للنصائح السورية أيام غزوها للعراق في (20/ 3/ 2003م) واحتلاله وتدميره وقتل أبنائه، فزيارة (بيلوسي) أكدت أن بوش الابن وإدارته هما المعزولتان وليس سورية.‏

ولهذا كله رسم السيد الرئيس السياسة الوطنية القومية بشكل واضح وثابت يلتزم بقضايا الأمة، وتعميق ثقافة المقاومة، ما أدى إلى التفاف الشعب العربي كله إلى جانب سورية، لأن دمشق وكما كان دورها على الدوام، عاصمة الصمود، وقلعة المواجهة. هذا دورها عبر التاريخ تَصَدَّت للغزاة بكل أطيافهم، وواجهت عظمة الإمبراطورية الرومانية، ومدت حدودها وآفاق نفوذها إلى قرطاجة، وأسست دولة عربية إسلامية اتسعت من بلاد الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، ووقفت صامدة في وجه الغزوة الهمجية التترية، وأوقفت زحف الحملات الصليبية... إن هذا التاريخ المشرق، والإرث النضالي العميق، هو الذي يستلهمه اليوم السيد الرئيس بشار الأسد، فيصارع موجات التلون، ويجابه أنواع التآمر، متمسكاً بالهدف النبيل لتبقى دمشق وفية لعهدها متمثلة قول أمير الشعراء شوقي «وعز الشرق أوله دمشق».‏

إن سورية قلب العرب، وقلعتهم الصامدة وقفت وتقف إلى جانب الشعب العربي ومواقفه البطولية النضالية في التحرر والسيادة والتقدم، وتمسك السيد الرئيس بشار الأسد بنهج المقاومة استجابة طبيعية للإرث النضالي من جهة؛ وتنفيذاً لنصوص الشرائع السماوية، وما أجمعت عليه الأمم وشرعية حقوق الإنسان من جهة ثانية وعلى ذلك فقد أكد «حق الشعب العراقي في المقاومة» في حين لم يرفض مبدأ التفاوض السياسي مع المحتل الأمريكي وفق جدول زمني، وكذلك دعم «العملية السياسية في العراق على قاعدة عدم استبعاد أي مكون من المكونات الوطنية للشعب العراقي، ليس إرضاء لأحد، بل لإيماننا بتحقيق الاستقرار لأبناء الشعب العراقي أولاً، ولتحقيق الاستقرار في المنطقة ثانياً... نحن نعمل من أجل مساعدة الشعب العراقي لتجاوز محنته، وليس من أجل مساعدة قوات الاحتلال للخروج من ورطتها».‏

ومن يتأمل هذه الفقرة يدرك مدى ما تتجلى فيه من عمق الرؤية، إنها رؤية تؤكد عظمة تلازم النضالين الوطني والقومي، وتدحض مشاريع الهيمنة والسيطرة الساعية إلى تقسيم الوطن الواحد، ومن ثم تفتيت الموقف العربي، وتجزئته بعد تجزئة الأرض العربية. فالسيد الرئيس أدرك المخططات الأمريكية ـ الصهيونية التي أعدت للوطن العربي واستهداف وحدته وموارده، ولاسيما حين رفعت الإدارة الأمريكية المحافظة بقيادة بوش الابن وتيرة عدوانها على العراق الشقيق، وتحميل سورية كل ما يجري لجيشها في العراق من قبل المقاومة العراقية الباسلة.‏

فحين أرادت تلك الإدارة الهيمنة على الوطن العربي ووفرت كل الأساليب لذلك مستخدمة ترسانتها العسكرية، وجبروت الإعلام الذي تملكه، وكثرة العملاء الخونة الذين باعوا أنفسهم للشيطان، وجدنا السيد الرئيس يلتزم أخلاقياً وإنسانياً وقومياً بالوقوف إلى جانب الشعب العراقي للحفاظ على وحدة أرضه، وهويته الأصلية، عاملاً على فضح السياسة الأمريكية الساعية إلى إحراز المكاسب العديدة على الرغم من استمرار غرقها في المستنقع العراقي، وهي السياسة التي أغرقت العراق في فتنة طائفية ومذهبية. فالإدارة الأمريكية المحافظة حاولت التخلص من مأزقها في العراق بتوجيه أصابع الاتهام إلى سورية وإيران وهما براء من ذلك كله، فالمشكلة إنما تتجسد في الاحتلال الأمريكي للعراق ولابد من أن يخرج منه.‏

ولعل هذه الرؤية النافذة للشأن العراقي تماثله رؤيته للشأن اللبناني إذ دعمت سورية مقاومته ضد العدوان الوحشي الصهيوني في كل مرة، ودافعت عن عروبته ووحدته، وأيدت أي خيار يراه اللبنانيون إذ قال: «ندعم أي خيار يحقق التوافق اللبناني ويمكن لبنان، الشعب والدولة من تجاوز الأزمة الراهنة، إن الاستقرار في لبنان هو استقرار لسورية، والسلام في لبنان هو سلام لسورية».‏

فهو في هذا المنطق السديد يفند المؤامرات التي تتعرض لها سورية للنيل من مواقفها الوطنية والقومية بمثل ما فند في عدد من كلماته السابقة مزاعم الدوائر الغربية الأمريكية والصهيونية الساعية على تأجيج الأزمة السياسية بين اللبنانيين. ولهذا وقف مع لبنان أرضاً وشعباً ومقاومة بكل عزيمة الإصرار والقدرة والكفاءة، ما وفَّر الحماية الحقيقية للمقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة (حزب الله). ولعل هذه السياسة الحكيمة هي التي حققت الإنجاز التاريخي العظيم للأمة العربية في حرب (12/ 7/ 2006) وأسست لأزمنة الانتصار في المستقبل، في الوقت الذي أثبتت أن الأمة العربية قادرة على هزيمة العدو الصهيوني الذي روّج لنفسه بأنه الجيش الذي لا يقهر. ولمّا تكشفت تلك الحرب عن تلك الهزيمة الصاعقة للجيش الصهيوني أرادت الإدارة الأمريكية ـ الصهيونية إغراق لبنان بالفتنة الطائفية والمذهبية وتحميل سورية ذلك، وهي منها براء.‏

وكذلك هي رؤيته لقضية العرب الأولى قضية فلسطين سواء ما يتعلق بالوحدة الوطنية أم بعملية السلام، إذ قال: «عملنا مع إخوتنا الفلسطينيين من أجل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية»، ووقفت سورية مع هذه الحكومة لرفع «الحصار الدولي المفروض عليها وعلى الشعب الفلسطيني، والذي يهدف إلى دفعه للاستجابة للشروط الإسرائيلية»، ثم أكد وقوف سورية مع المقاومة الوطنية الفلسطينية، لتحقيق الحقوق المشروعة في الحرية والاستقلال وعودة اللاجئين وفق القرار الأممي رقم (194)، فضلاً عن تمكين الأخوة الفلسطينيين في داخل الأرض المختلفة ومساعدتهم بكل الوسائل على التشبث بوجودهم. فالمشروع الصهيوني يريد اقتلاعهم من أرضهم التاريخية، ويسعى بكل الوسائل المضلّلة المدعومة بإرادة أمريكية صهيونية وإرادة غربية مزيفة من أجل تهويد فلسطين المحتلة بكاملها، بل إن الكيان الصهيوني العنصري ما زال يعمل على حرمان العرب داخل الخط الأخضر من المواطنة والمساواة بينهم وبين الصهاينة الذين يريدون نزع حق الانتخاب من العرب. ومازال هذا الكيان يطرح مقولة الأرض الخالية من الشعب الفلسطيني، وتحقيق مقولة الصهاينة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، علماً بأن عرب الخط الأخضر يكذبونها؛ إذ تشبثوا بأرضهم، على الرغم من إفقار الكيان لهم، إذ وصل الفقر فيهم إلى (58%).‏

ومن هنا وقف سيادة الرئيس مع الشعب الفلسطيني أينما كان من داخل الأرض المحتلة وزاد عملية الترابط به، ورأى في قيادته الداخلية رموزاً وطنية يعملون على ربط الشعب الفلسطيني بأمته العربية. ومن هنا نفهم دعم سيادته لاستقبال تلك الرموز في سورية أمثال المناضل الكبير (عزمي بشارة)، وفي هذا الإطار نفهم أن ذلك كله يصب في إطار التواصل بين الداخل الفلسطيني والمحيط العربي.‏

وكشف السيد الرئيس عن تطورات السلام وعمليته المتوقفة قائلاً: «إن موقفنا من عملية السلام كان وما يزال واضحاً وحاسماً وثابتاً، فتحقيق السلام يجب أن يرتكز إلى مجموعة من الأسس، في مقدمتها وجود معايير لعملية السلام، واستعداد جميع الأطراف للالتزام بمرجعية هذه العملية منذ انطلاقتها في مدريد عام (1991)، وهي مبدأ الأرض مقابل السلام والقرارات الدولية (242) و(338) الصادرة عن مجلس الأمن... هي قرارات دولية لم نضعها نحن، فهي شروط دولية وضعت عام (1967م) كنا ضدها، والآن وافقنا عليها من أجل دعم عملية السلام، أما الأرض فهي أساس وهي ليست شرطاً، والعملية بحاجة لأساس، ومن دون هذا الأساس لا توجد عملية سلام».‏

هكذا أوضح السيد الرئيس طريق المستقبل للأمة العربية كلها، فحين تمسك بعروبة الجولان وإيمانه بتحرره كاملاً دون نقصان متر واحد، وعودته إلى حضن أمه سورية، فإنه أكد التزام سورية، والأمة كلها بالسلام العادل والشامل، وأن الجولان من أولويات السياسة السورية ولابد من مقاومة المحتل الصهيوني الغاصب بكل السبل المتاحة سلمياً، وإلا أصبح الجهاد فريضة على كل قادر أينما كان موقعة ومكانه، وهو ما أكده أهلنا في الجولان في رسالتهم إلى مجلس الشعب. ونؤكد أن هذه المواقف الثابتة لسورية من الجولان المحتل والقضايا القومية جعل الاتحاد الأوروبي يغير مواقفه ويدعم حق سورية في الجولان، كما وقع على لسان المنسق الأعلى للسياسة الأمنية والخارجية في الاتحاد الأوروبي (خافيير سولانا)، وهو الموقف الذي أغضب الكيان الصهيوني فصدرت عن قادته ردود فعل غاضبة، كما ورد على لسان (سيلفان شالوم) وزير الخارجية الصهيوني السابق ومنه: «بعدما قررت أوروبا التحدث مع حماس أعلنت اليوم عن دعمها لتسليم الجولان لسورية. وهذا تطور خطير ومقلق يلزم بإجراء استعدادات طارئة لإيقاف الانهيار»(3).‏

إن السلام لا يمكن أن يتحقق بغير تحرير الجولان كاملاً وتحرير كل ذرة تراب عربية، مذكرين بأنه لا يمكن الوصول إلى السلام من دون سورية. من هنا نفهم موقف السيد الرئيس في القمة العربية التي عقدت في الرياض يومي (28/ 29/ 3/ 2007) إذ شدد على أهمية إعادة الجولان بكامله، في الوقت الذي أكد قبوله بمبدأ ترسيم الحدود مع لبنان دون تدخل دولي، في حين أبلغ الزعماء العرب موقف سورية من مبادرة السلام العربية التي أكد قبوله بها في ضوء المعايير الدولية، علماً بأن سيادته قد وضح للأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون) حين التقاه ثنائياً أن الإدارة الأمريكية لا تفهم الشرق الأوسط، بأنه لا يؤمن بفرص المبادرات التي يقوم بها الأمريكيون، على الرغم من تمسكهم الظاهري بخارطة الطريق.‏

وفي هذا المقام علينا أن لا ننسى أن الكيان الصهيوني يرفض مبادرة السلام العربية وفق ما تقدم به الملك السعودي عبد الله عام (2002)، ويسعى إلى تعديلها، بما يؤكد أن ذلك الكيان لا يرغب في السلام والعودة إلى خط الرابع من حزيران لعام (1967) ولا يؤمن بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى فلسطين.‏

لقد غدا السيد الرئيس بشار الأسد رمزاً نضالياً وبطولياً لتمسكه بالثوابت الوطنية والقومية والإنسانية ورمزاً لكل حر شريف في العالم يحمل راية الكرامة والعزة، ما جعل الرئيس الفنزويلي (هوغو تشافيز) يرى فيه رفيقاً مخلصاً في النضال من أجل تحرر الشعوب، وحين كان يصوغ مبادئ الصمود والمقاومة كان يعيد صياغة مفاهيم الثورة التحررية على أساس الأولويات العلمية الموضوعية البعيدة عن الشعارات الجوفاء.‏

5 ـ الـحوار والانفتاح على الآخر:‏

لم يعد هناك شك في أن السيد الرئيس كان القائد التاريخي المبدع الذي حمل أمانة قيادة الوطن والأمة لتحرير أرضها، والعمل على تقدمها، ثم بين أن عليهما الحفاظ على الهوية الوطنية والقومية ومواجهة العدوان الوحشي الذي تجابهه، ورسم طريق الإصلاح والتطوير، في كل مجال وموقع، في التربية والأدب والعلوم والثقافة والإعلام، والسياسة والاقتصاد والتقنيات، ووجه بعقد الاتفاقيات الكفيلة بتنفيذ ذلك كله وفق مفهوم التنمية الشاملة.‏

وحين آمن بأن الثقافة ملك الناس جميعاً، فإنه مضى إلى رسم طريق المستقبل من خلال الحوار مع الآخر، والانفتاح على ثقافته، ومدنيته والإفادة منه، والحصول على التقنيات المتطورة ـ لهذا ازدانت سورية. بالتقنيات الحديثة في كل مجال، وانفتحت على إرسال البعثات العلمية إلى عدد من الدول المتقدمة شرقاً وغرباً ـ.‏

فالسيد الرئيس كان القدوة الحسنة في كل شأن وطني وقومي وإنساني، من خلال ظهوره محباً للعمل والعطاء، والثقافة لصيانة الذات الوطنية والقومية، والمحافظة على الثقافة والتراث وفق مبدأ الانتماء المخلص، والدافعية الذاتية، دون أن يقع أي منا في مظاهر الحَيْرَة والاستلاب. لذلك، تراه يخط الطريق في المحافظة على التراث الوطني والعربي من خلال توجيهه إلى ترميم قلعة دمشق، وحلب ومتحفهما وإعادة ترميم المواقع الأثرية المختلفة والوقوف شخصياً على مراحل البدء والتنفيذ، ثم تراه يخط الأرض بيده فيزرع ياسمينة هنا وشجرة هناك..‏

ولعل من أبرز مراحل الانفتاح على الآخر ما جرى في التجارب الاقتصادية والثقافية، حين جعل سورية باباًَ مفتوحاً للاستثمار وتطوير الاقتصاد بكل اتجاهاته زراعياً وصناعياً وتجارياً وجذب رأس المال المحلي والعربي والدولي لتطوير المشاريع الاقتصادية في سورية، فبغير هذا التوجه لجذب رأس المال لن يتم تحديث الأجهزة والأداء في جوانب الحياة كلها... فسيادته يريد الانتقال بسورية إلى الدولة العصرية دون أن تتنازل عن سيادتها الوطنية... ولذلك صدرت القوانين اللازمة التي تشجع الاستثمار في طول البلاد وعرضها، ولاسيما القوانين المصرفية، وقد أرسى مبدأ الحوار مع الآخر المغاير والانفتاح عليه في أشد القضايا السياسية تعقيداً، وبكل ما يتعلق بإدارة الأزمات مع المحافظة على الإرادة والسيادة من دون تفريط أو إفراط إذ قال: «نحن مع الانفتاح على الجميع، ونسعى لعلاقات جيدة ومتوازية مع الجميع، نحن مع الحوار الذي يحترم عقولنا وإرادتنا، والعلاقات التي تحترم سيادتنا، نحن مع الحوار دون شروط مسبقة دون التنازل عن الحقوق والكرامة، إنه الحوار الذي لا يحتمل الخضوع للإملاءات، أو مسايرة الآخرين على حساب مصالحنا».‏

بهذا كله تتجلى الآفاق المستقبلية لسورية المعاصرة بقيادة السيد الرئيس وفق مبادراته الفكرية والعلمية الخلاقة، ورؤيته النفّاذة والموضوعية والعلمية على مختلف الصعد... فهو بحق يملك من حيوية الشباب والحماسة والاندفاع في سبيل بناء الوطن المزدهر بمثل ما يملك حكمة الشيوخ العقلاء، فضلاً عن خلق سام ورفيع يستند إلى سداد الرأي وآفاق العلم الحديث... وهو المنهج الذي جعله يمضي بتوجيهاته لفتح الجامعات الجديدة خاصة ورسمية، ورعايته للعملية التربوية والثقافية بكل جوانبها ومستوياتها، ويزودها بأحداث التقنيات، ويشجع على إرسال المختصين إلى الخارج لزيادة كفاءتهم العلمية والإدارية.‏

حقاً إنه أمل سورية المشرق، وقد صدقت نبوءة مؤتمر الطلبة في كلية الطب يوم أطلق عليه الطبيب الأمل في (13/ 3/ 2000م).‏

رئيس اتحاد الكتاب العرب‏

(1) جريدة تشرين ـ العدد 9884 ـ الأحد 27/5/ 2000.‏

(2) يعدُّ هذا التوجه استجابة طبيعية لرؤية حزب البعث الذي ولد من بين الجماهير، وعاش بين ظهرانيها، والسيد الرئيس هو الأمين القطري للحزب المعني بتنفيذ تلك الرؤية.‏

(3) انظر نشرة الصحف الصادرة عن وزارة الخارجية ـ إدارة الإعلام الخارجي ـ يوم الخميس (15/ 3/ 2007) ـ ص 2.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244