مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 29 السنة الثامنة عدد خاص بمناسبة أداء القسم لولاية دستورية ثانية للسيد الرئيس 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

المنظومة المفاهيمية ومسألة المصطلح في فكر القائد بشار الأسد(() ـــ د.خلف الجراد

أولاً: مقدمة في دلالات المفهوم‏

المفهوم لدى اللغويين خلاف المنطوق. ويطلق المفهوم على مجموع الصفات التي يتضمنها تصور الشيء، أو النقاط الجوهرية المتماثلة بين أفراد الصنف الواحد، ويسمى بالمفهوم الإجمالي، ويطلق أيضاً على جميع محمولات القضايا الصحيحة ذات الموضوع الواحد، كقولنا: الإنسان ناطق، والإنسان كائن فان... الخ.‏

ويطلق المفهوم أيضاً على مجموع الصفات التي يدل عليها اللفظ في ذهن فرد معين أو في أذهان معظم الأفراد في إحدى الجماعات، ويسمى بالمفهوم الذاتي.‏

ومن معاني المفهوم أنه لا يطلق على مجموع الصفات المشتركة بين جميع أفراد الصنف فحسب، بل يطلق كذلك على الصفات الخاصة بقسم من ذلك الصنف على سبيل التناوب. مثال ذلك أن المثلث يمكن أن يكون حاد الزاوية.. أو منفرج الزاوية، أو قائم الزاوية، وأنّ الحيوان الفقاري يمكن أن يكون لبوناً أو طيراً، أو زاحفاً أو ضفدعاً، أو سمكاً. ويسمى هذا المفهوم بالمفهوم الرفيع.‏

في حين أنّ «اللا مفهوم» هو ما لا يتسق مع المنطق، أو ما لا تتقبله العقول ولا تجد له تفسيراً، لأنه مرادف للا معقول أو التناقض والتهافت (1).‏

وعليه فإنّ دقة المفهوم ترادف العلم اليقيني، لأنه يشكّل حصيلة ذهنية لسلسلة من العمليات التي تشمل تطبيق عدد من مناهج المعرفة، مثل المقارنة والتحليل والتركيب والتجريد والصياغة في فكرة التعميم والاستقراء والاستنباط، واستخلاص النقاط الأساسية أو المكونات الجوهرية وإطلاقها على صورة مفهوم محدّد. من خلال تعيين المفاهيم نحصل على معرفة أكثر عمقاً بالواقع عن طريق فرز جوانبه الجوهرية وتعميمها. إضافة إلى ذلك فإنّ العيني الذي ينعكس بشكل كامل في المفاهيم الجزئية يمكن أن يظهر بصورة أقرب إلى الاكتمال عن طريق تجميع المفاهيم التي تعكس جوانبه المختلفة «إنّ أي مفهوم علمي باعتباره انعكاساًَ للواقع، هو مفهوم متحرك ومتدفق، شأنه في هذا شأن الأشياء والعمليات (السيرورات) التي هو تعميم لها»(2).‏

والواقع إنّ من أبرز مشكلات الفكر السياسي العربي التداخل بالمفاهيم والمصطلحات المستخدمة في كتابات المثقفين العرب والسياسيين، وعدم تطابق مدلولاتها ومعانيها إلى حد التناقض والتعارض. فينعكس ذلك على أخطاء في الفهم والإدراك، بل يتعداهما إلى السلوك والتصرف. الأمر الذي جعل الفكر السياسي العربي المعاصر يضيع في متاهات معقدة انعكست على الحياة العربية في مناحيها وجوانبها المختلفة.‏

وقد أشار باحث عربي معروف، إلى أنّ خطر الاضطراب في المفاهيم يشمل العلاقات مع الخصوم والأصدقاء على السواء. فالوطن العربي يعيش مرحلة خطيرة ناشئة من التحديات التي تواجهه من أعدائه، وفي مقدمتهم «إسرائيل» وحلفاؤها. ويرى أن ذلك يتطلب «تفكيراً موحداً حول مفاهيم مضبوطة. وحينما يختلف بعضنا مع بعض في مفهوم السلام أو الحرب مثلاً، يستطيع الخصم أن يركب الموجة ليعطي للقضايا الأساسية مفهومه الخاص: الحرب، السلام، السلطة، القانون الدولة، الحرية، الأمن..»(3).‏

إنّ اهتمام قائد سياسي عربي بإشكالية المفاهيم وخطورة خلط المصطلحات وتركيزه المستمر على ضرورة وعي المعاني والدلالات الثانوية خلفها، أو الاستهدافات المشبوهة لتوظيفها في هذا الخطاب السياسي أو ذاك، يؤكد ناحيتين مهمتين: أولاهما أن القائد يتابع بدقة ما يكتب أو يطرح في ميدان الفكر السياسي والثقافي والإعلامي، وثانيتهما أنه يتناول إشكالية تكاد تكون مغيبة في كلمات القادة العرب وبياناتهم ولقاءاتهم السياسية والإعلامية... الأمر الذي يضعنا أمام نقلة نوعية غير مسبوقة في هذا المجال، من شأنها إكساب خطاب كهذا أهمية استثنائية، لجهة عقلانيتة وعلميته ومنظومته المفاهيمية المتميزة.فلنأخذ عيّنة من بعض مكوّنات المنظومة المفاهيمية للسيد الرئيس بشار الأسد.‏

أولاً: «المنصب» و«الموقع» و«المسؤولية»‏

تختلط في أذهان الناس وكتابات كثيرين من المثقفين وتصريحات السياسيين مفاهيم «المنصب» و«الموقع» و «المسؤولية».‏

وقد افتتح السيد الرئيس بشار الأسد خطاب القسم الدستوري أمام مجلس الشعب (في السابع عشر من تموز عام 2000)، مؤكداً أنه لا يسعى إلى تبوأ منصب ولا يهرب من المسؤولية. بل إنه تبوأ منصب رئاسة الجمهورية، لكنه لم يتبوأ الموقع... لماذا؟.. لأنّ الموقع اختيار ذاتي وقرار مبدئي في حين أن المنصب مهمة محددة يختارها الوطن للشخص.‏

فموقع القائد بشار الأسد ارتبط عضوياً بمدرسة حافظ الأسد النضالية وتصميمه وإرادته ووعيه ووفائه لمبادئها وقيمها وأهدافها.«هذا الموقع الذي لا يتبدل يوماً من الأيام هو خدمة الشعب والوطن».‏

وهو يربط بصورة قاطعة بين « الشرعية» لأي منصب وإرادة الشعب ورغباته، بينما تعكس المسؤولية مصالح الشعب. ومن هنا فإنّ المسؤولية قضية شعور ووعي يجب أن يكونا حاضرين لدى كل مواطن، بصرف النظر عن منصبه ووظيفته الرسمية.‏

ويخطئ من يعتقد أنّ المنصب يخلق المسؤولية، لأنّ الشعور بالمسؤولية أوسع نطاقاًً وأشمل من المناصب المتبدّلة، وإن كانت المناصب تعطي للشخص الصلاحيات والقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة.‏

والدليل على عدم التماثل بين مفهومي «المسؤولية» و«المنصب» أنه «عندما يصل إلى المنصب شخص لا يحمل شعوراً بالمسؤولية فإنه لا يستطيع أن يأخذ منه سوى السلطة، والسلطة دون مسؤولية هي الأساس في انتشار التسيب والفوضى وتدمير المؤسسات».‏

وما دام مفهوم «المسؤولية» يعني المواطنين جميعاً سواء أكانوا في مناصب قيادية أو إدارية...أم لم يكونوا، فإن ذلك يستتبع المساءلة، وهي «عملية متكاملة».‏

مفهوم القائد بشار الأسد للمسؤولية يستند إلى الممارسة العملية وإلى أدبيات علم السياسة في هذا الباب. فالمعروف أنّ الموسوعات المتخصصة (4) تعرِّف «المسؤولية» بأنها استعداد الشخص للالتزام بعمل قام به والاعتراف بأنه صاحبه وتحمل التبعات والنتائج المترتبة عليه.‏

والمسؤولية على أنواع: فهناك المسؤولية الاجتماعية، والمسؤولية الأخلاقية، والمسؤولية السياسية. ولكل من هذه المسؤوليات خصائصها التي تميزها من الأنواع الأخرى.‏

فالمسؤولية الاجتماعية تأخذ بشكل عام طابعاً خارجياً لكونها تتصل بالحياة داخل الجماعة التي تفرض على صاحبها الالتزام بسلوكه تجاهها ولها شكلان: شكل شائع يتصل بالرأي العام وجزاؤه التقدير أو الاحتقار أو الاستحسان والتأييد أو الاستياء والنبذ. وشكل قانوني يتصل بقرارات السلطة وغالباً ما تكون نتيجتها العقوبة أكثر من الاستحسان. أما المسؤولية الأخلاقية فهي مسؤولية داخلية وترتكز على كوننا بشراً مدركين وراشدين وأحراراً يجب علينا الالتزام بأعمالنا أمام ضميرنا أو أمام الخالق.‏

وترتبط المسؤولية بالثواب والعقاب. فكل مسؤولية يرافقها ثواب أو عقاب، وهما الشرطان الضروريان لوعيها إضافة إلى عنصر العقل. لهذا يجب التفريق بين عدة درجات للمسؤولية نذكر منها: المسؤولية الناتجة عن فعل إرادي متعمد حصل دون إرادة الشخص. وعليه فإن المسؤولية الكاملة متصلة بالحرية، لأن الفرد غير مسؤول عن فعل يتم بالإكراه.‏

فالمسؤولية السياسية تعني التزام كل من يمارس سلطة سياسية (فرداً أو جماعة) بأفعاله وأقواله أمام الجماعة التي يمثل، وتحمل النتائج المترتبة على هذه الأفعال والأقوال.‏

وتنشأ المسؤولية السياسية عادة عن خطأ أو أخطاء يرتكبها الشخص السياسي في أثناء ممارسته للسلطة، ويكون من نتائجها إلحاق الضرر بمصالح الجماعة. أو قد تنشأ أيضاً عن فشل في تحقيق الأهداف الأساسية للجماعة المتمثلة بتوفير الحماية على الصعيد الخارجي و الاستقرار والرفاهية على الصعيد الداخلي.‏

لكن في كلتا الحالتين يرتبط تحديد المسؤولية السياسية بعناصر تشكل الدعامة الرئيسية للعمل السياسي الذي من دونه لا وجود لهذه المسؤولية، وهذه العناصر هي: الهدف السياسي والوسائل المستخدمة لتحقيقه، والنتائج الملموسة. فالمسؤول السياسي أو الإداري الذي يفشل في مهمته أو يرتكب الأخطاء بحق بلده أو مجتمعه لا بد أن يخضع للحساب.‏

لهذا يشدد السيد الرئيس بشار الأسد على مبدأ المساءلة، بوصفها «عملية مستمرة تتوازى مع العمل أو تكون جزءاً منه. لأن الخطأ بأشكاله المختلفة سيبقى ملازماً للحياة، وإذا لم يعالج فإنه يتفاقم، والعلاج لا يهدف إلى الانتقام والتشفي، وإنما للردع... ولا يقصد به صاحب الخطأ فقط، بل كل من يخطر في باله أن يقع فيه».‏

ثانياً: مفهومه «للشفافية»‏

يطابق القائد بشار الأسد بين الصدق والشفافية. مشيراً إلى ضرورة تحديد أبعاد مصطلح «الشفافية» عبر تعيين مضمونه بصورة دقيقة من جهة، ومعرفة الأرضية التي يمكن أن يبنى عليها أو يستخدم في سياقها. وتكمن أهمية تناول القائد الأسد لهذا المصطلح ليس في إطار مجاراة وسائل الإعلام أو الأدبيات المتخصصة (الاقتصادية والسياسية والإدارية...إلخ)، بل في مدى ملاءمته وانسجامه مع البنية الثقافية القيمية والتقاليد الاجتماعية القائمة في هذا المجتمع أو ذاك. أي أن المسألة متصلة بحالة مجتمعية واستعداد نفسي ذاتي... بمدى وعي الشخص وتربيته القيمية على الصدق والأمانة في القول والممارسة. ولهذا طالب المستويات المجتمعية والسياسية والإدارية المختلفة بأن تطرح على أنفسها قبل أن تطرح على الآخرين السؤال الجوهري ـ المبدئي التالي: «هل أتعامل بشفافية مع نفسي أولاً، ومع أسرتي ثانياً، ومع محيطي القريب والبعيد والدولة والوطن ثالثاً؟!».‏

فالشفافية تبعاً لهذه الرؤية المنهجية الدقيقة تبدأ بسلوك الشخص ومدى انسجامه مع ذاته وما يتحدث به من شعارات وقيم وأهداف، ثم مدى شفافية علاقاته بالمحيطين به، سواء أسرته المباشرة وجيرانه وزملائه في العمل، وصولاً إلى الدولة والوطن. لأن الصدق والشفافية ليست عبارات نرددها أو مصطلحات نكتفي بإطلاقها في مقالاتنا وأبحاثنا وندواتنا وبياناتنا السياسية وغيرها، بل إنه سلوك عملي يومي نابع من قناعات مبدئية ثابتة، يمارسه الشخص مع نفسه في غياب الآخرين وحضورهم..مع القريبين والأبعدين سواء كان في منصب رسمي أو اجتماعي أم كان مواطناً عادياً دون منصب أو موقع. إنه شعور بالمسؤولية لا يرتبط بأي لقب أو صفة أو منصب. ولهذا ـ يؤكد القائد الأسد ـ أننا لا يمكن أن «نطلب من إنسان لا يصدق في حياته الشخصية ومع أقرب الناس إليه أن يكون مسؤولاً صادقاً تجاه مسؤوليته وتجاه الشعب. وإذا كان غير واضح في طروحاته فكيف نطلب منه أن يكون شفافاً عندما يتولى منصباً ما؟!».‏

ثالثاً: «الواقعية» في مفهوم القائد بشار الأسد‏

أثار القائد بشار الأسد في كلمته المهمة أمام القمة العربية الطارئة في القاهرة (في الحادي والعشرين من تشرين الأول عام 2000) جملة أمور ومسائل أساسية متصلة بالانتفاضة وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قتل وتدمير وإرهاب صهيوني منظم ومن محاولات تضليلية ومفاهيم مغلوطة، كالزعم ـ مثلاً ـ «أن باراك أفضل من نتنياهو»...إلخ والمؤسف (يقول السيد الرئيس) إنه عندما تحصل أزمات ترتفع الدعوات الإحباطية أو التنازلية بحجة «الواقعية» وعدم تجاهل موازين القوى والظروف الدولية القائمة.‏

فالسيد الرئيس يطالب أصحاب هذه الأطروحات بتحديد معنى «الواقعية» قبل كل شيء.فهناك «شخص يخضع للواقع و هناك شخص يقرأ الواقع بدقة، وهناك شخص يغير الواقع. ونحن ندعو لقراءة الواقع بوضوح وبدقة ومن ثم تغيير الواقع».‏

ويضرب القائد الأسد مثالاً على الدعوات القائلة «بعدم واقعية» مواجهة الشعب اللبناني ومقاومته الوطنية للاجتياح الصهيوني وقواته الغازية للبنان (في عام 1982). في حين أن صمود الشعب اللبناني وتصميم مقاومته والتضحيات الكبيرة وواقعية المواجهة، اضطرت «إسرائيل» للتراجع من بيروت ومن ثم من جبل لبنان و إلى أن أجبرت على سحب قواتها المنهزمة في أيار عام 2000، الأمر الذي أظهر مدى تهافت تلك المقولات الانهزامية من جهة، ومدى أهمية المقاومة كسلاح واقعي، استطاع تحقيق النصر، أي تغيير واقع الاحتلال بواقع التحرير من جهة أخرى.‏

وقد رأى أننا كعرب لا يمكن أن نكون «بين بين» أو محايدين بين الصهاينة القتلة المجرمين، وشعبنا الفلسطيني الذي يتعرض للإبادة العنصرية على أيدي أولئك الصهاينة فالمطلوب منا أن ندرك حقيقة ما يجري وأهدافه، والعمل باتجاه حقوقنا المشروعة، واستخدام طاقاتنا وقدراتنا الكبيرة، لتغيير الواقع لمصلحة أمتنا ومستقبلنا.‏

إذاً يفرق القائد الأسد هنا بين «الواقعية» و«الوقوعية». فإذا كانت الواقعية السياسية تعني قراءة الواقع القائم وحقائقه الملموسة بدقة وعمق وعملية، لتكوين صورة صادقة وصحيحة عن الأشياء وحركة القوى وموازينها، وهو أمر ضروري بل مطلوب جداً لاتخاذ القرارات السليمة والمواقف الصحيحة، فإن «الوقوعية» تعني بالمقابل تضخيم الجوانب السلبية والاستسلام لظواهر الأشياء، وتغليب عوامل التراجع والإحباط والخضوع، على العناصر الإيجابية التي يمكن إدخالها في الحسابات وحشدها للوصول إلى نتائج لمصلحة أهداف الأمة وتطلعاتها.‏

فالواقعية التي يتحدث عنها هي الواقعية النضالية في حركتها وديناميتها، التي تحترم الواقع الموضوعي في حساباتها وتربط النتائج بالمقدمات، وتحسب سلفاً نتائج أية خطوة دون انفعال أو إدخال للتمنيات والعواطف في هذه المعرفة الدقيقة البرامج الضرورية لتطوير الواقع وتطويعه باتجاه الأهداف المرسومة. وهي نقيض (الوقوعية) أو «الواقعية الانهزامية» التي تستسلم للظروف القائمة في اللحظة الراهنة دون محاولة قراءة ما بعد الظواهر والتفاعلات الممكنة.. من ثم تتخذ من هذه الظروف مسوغاً للانهزام وعدم المقاومة، والاستسلام للقوى المعادية دون محاولة التأثير بالأحداث، واستنفار العناصر الإيجابية لمصلحة الأهداف المرسومة والتطلعات المشروعة.‏

من جهة أخرى هناك «الرومانسية الفكرية» القائمة على التمنيات والعواطف والرغبات..وهناك «الواقعية الفكرية». والمعيار أو الفيصل بينهما برأي القائد الأسد هو إمكانية التطبيق «ولا يمكن أن يكون هناك تطبيق فعلي لهذه الأفكار، إلا إذا كان هناك ابتعاد عن الرومانسية الفكرية.. ولا يمكن أن تتحقق الواقعية الفكرية إلا من خلال أشخاص دخلوا في معترك التجربة».‏

وحول ما يطرح من «تنظيرات» غير واقعية وأفكار وآراء مختلفة في ميدان تطوير المجتمع وتحديثه، يؤكد القائد بشار الأسد أننا نستند في مسيرة التطوير «إلى تجاربنا السابقة ونعتمد على الأشخاص الذين خاضوا تلك التجارب... ناجحة كانت أم غير ناجحة في مجالات التطوير المختلفة. من ثم نستطيع أن نبتعد عن مجال المزايدات الفكرية ونتحاشى أن تكون عملية التطوير تربة خصبة للباحثين عن الزعامات أو لراكبي الموجات المختلفة.. وبالتالي نصل إلى التطوير الذي نراه مناسباً لمصلحة الوطن». مع ضرورة المراجعة المستمرة للخطوات والبرامج في ضوء الواقع «وعندها لابد أن نقرّر: هل نتابع المضي في هذا الطريق أم نغير الاتجاه أم نعود ونخرج منه لنسلك طريقاً آخر...» والهدف من ذلك كله تحديث المجتمع بأسرع وأفضل الأساليب وأقل التكاليف، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الثوابت الوطنية والقومية للبلاد.وهي معادلة دقيقة تحتاج إلى الدراسة والتحليل والتحقق من كل خطوة ونقلة وإجراء.‏

رابعاً: «المجتمع المدني» مفهوماً وممارسة‏

جواباً على سؤال ممثلي صحيفة «الشرق الأوسط»(5). حول نظرة القائد بشار الأسد إلى مصطلح «المجتمع المدني» المتداول بشكل واسع...بين سيادته أن هناك خلطاً بين مفهوم المجتمع المدني ومؤسّسات المجتمع المدني.‏

المجتمع المدني هو مجتمع حضاري نشأ عن تراكم الحضارات عبر مئات أو آلاف السنين...وسورية لها تاريخ يمتد لأكثر من ستة آلاف عام من التاريخ الحضاري.. والقول إننا نريد أن نبني مجتمعاً مدنياً يعني أننا نريد أن نلغي كل هذا التاريخ لنبدأ بتاريخ جديد.. طبعاً هذا غير واقعي بل خيالي، عدا أنه يعني رفضاً لهذا التاريخ ومحاولة للخروج منه، ومن يحاول إخراج نفسه من تاريخه فهو يخرج نفسه من الحاضر ومن المستقبل.‏

والحقيقة أن مفهوم القائد بشار الأسد للمجتمع المدني جاء هنا تلخيصاً دقيقا ومحكماً لمئات المؤلفات المختصة بهذه الأطروحة المتداولة بين الفلاسفة والمفكرين، وعلماء الاجتماع والسياسة الغربيين على مدى القرون الأربعة الأخيرة(6).‏

فالمجتمع المدني مقولة تاريخية حضارية وليست نظرية جاهزة أو المفتاح السحري لقضايا المجتمع ومشكلاته المختلفة.«أما مؤسسات المجتمع المدني فهي شيء مختلف، وهي موجودة في سورية وقد لا يكون ذلك بالشكل المثالي» (كما يؤكد القائد بشار الأسد). والأمر المثير للدهشة والاستغراب أن عدداً من الكتاب وأدعياء الفكر و التنظير، ومحترفي المعارضة والرفض، هواة استخدام المصطلحات الوافدة لا يكلفون أنفسهم العودة إلى أصول تلك النظريات والمفاهيم والمصطلحات، أو التعمق بمعرفة الظروف، والخلفيات والسياقات التي ولدت في إطارها. وهم في سعيهم الشديد للفت الأنظار واجتذاب المعجبين من الشباب وقليلي الاطلاع المعرفي، لا يجرؤون على مصارحة الناس بأنهم يقدمون تصورات عمرها حوالي أربعة قرون، وحصيلة تطور اجتماعي سياسي، اقتصادي، وعلمي أنجز الثورة العلمية ـ التقنية، ناهيك عن سلسلة من الثورات الفكرية، والفلسفية والسياسية.‏

أي إن نشأة مفهوم المجتمع المدني في الأدبيات الفكرية الغربية مرتبطة عضوياً بميلاد ونشأة وتطور المجتمعات الغربية في العصر الحديث. وهذا يعني أن المفهوم جاء لاحقاً لما حدث من تحولات في بنية المجتمع، وأنساقه، وعناصره، واتجاهاته وليس العكس.‏

من هنا يمكن الجزم بأن فهم القائد بشار للمجتمع المدني كتراكم تاريخي حضاري سابق على المقولات والمصطلحات الفكرية والفلسفية، جاء دقيقاً، متطابقاً مع الحقائق العلمية من جهة ومع الواقع القائم من جهة أخرى.‏

أما مسألة مؤسسات المجتمع المدني فهي قابلة للتطوير والتوسيع والتفريع، تبعاً لحاجات المجتمع ومتطلبات التطور لكنها لا يمكن أن تكون «بديلة عن مؤسسات الدولة كما يطرح البعض، ويجب ألا تكون سابقة لها في البناء... بالعكس هي لاحقة لها وداعمة وهي تستند عليها ولا تبنى على أنقاضها».‏

إنّ ما ركز عليه القائد بشار الأسد في هذا السياق يتمثل في الانطلاق من حقيقة أن أطروحة «المجتمع المدني» ليست غير مفهوم من المفاهيم الإيديولوجية، لا يقدم ـ من وجهة نظرنا ـ تفسيراً للواقع الاجتماعي القائم ولا حلولاً سحرية لمشكلاته الاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية، بقدر ما يشكل ـ لدى البعض ـ شعاراً يراد منه التشكيك بسياسات هذا النظام أو ذاك، وكسب تعاطف الرأي العام، دون تقديم حلول أو أفكار عملية وتصورات متكاملة مفيدة. وأن الاعتراض الأساسي على التشبث المصطنع بهذا المفهوم الوافد، ناجم عن رفضنا لعملية بتره، أو اجتثاثه من جذوره التاريخية والاجتماعية، والمعرفية، وإبرازه خلافاً للحقيقة كما لو أنه مطلق القيمة، والدلالة، وربطه بالديمقراطية، والحرية الفردية والتقدم الحتمي.. إلخ، في حين أنه يجسد الصراع بين قوى، وتيارات، واتجاهات مختلفة باختلاف مواقعها الاجتماعية، ومنطلقاتها السياسية وأهدافها القريبة والبعيدة، إضافة إلى أن عملية تطوير مؤسسات المجتمع المدني ليست سابقة على تطوير البنى الإدارية وهيئات الدولة ومؤسساتها التنفيذية المختلفة. أما الفصل بين تاريخ المجتمع والمراحل التي قطعها في مسيرته الحضارية، وعملية تحديثه (وفق النماذج الغربية) على أساس ما يسمى «القطيعة المعرفية» فهو أمر في غاية الخطورة ولا يخدم سوى دعاة التغريب والانخلاع القومي والعدمية التاريخية.‏

خامساً: مفهومه لـخيار السلام‏

في كلمته المهمة أمام القمة العربية الطارئة في القاهرة (في تشرين الأول 2000م) ناقش القائد بشار الأسد عدداًَ من المفاهيم الخاطئة المتداولة، كالقول إنه يتوجب على الأطراف المتحاربة في فلسطين المحتلة ضبط النفس !! فتساءل سيادته عن ماهية هذه الأطراف، وعن وجودها الفعلي. وقال: إن كلمة أطراف تعني أن هناك جهات متقابلة لها مقومات متشابهة.‏

والحقيقة.. هناك طرفان، إذا صح التعبير: طرف إسرائيلي وطرف فلسطيني الطرف الأول الإسرائيلي لديه دولة، الطرف الثاني الفلسطيني، لم يحقق هذه الدولة بعد. الطرف الأول لديه سيادة، الطرف الثاني لم يحقق هذه السيادة. الطرف الأول لديه جيش جرار، الطرف الثاني لديه الحجر. الطرف الأول قاتل، الطرف الثاني مقتول. فكيف تسمونهم أطرافاً وتطلبون منهم أن يضبطوا النفس. مهمة القاضي أن يحدد من هو القاتل ومن هو المقتول ولا يطلب القاضي عندما تعرض عليه جريمة من الأطراف ضبط النفس، بل عليه أن يحدد وضع النقاط على الحروف، ماذا تكون النتيجة لو أن القاضي قال لأهل المقتول: عليكم أن تبحثوا عن تسوية... نحن بهذه الحال ندفع الناس إلى الانتقام والثأر، وهذا يعني الفوضى (7).‏

وقد بين القائد بشار الأسد في المؤتمر ذاته أن الحقوق الوطنية والقومية لا يمكن أن تخضع للمفاهيم النسبية، القابلة للمناقشة والأخذ والرد.«الحق خاصة عندما يكون أرضاً هو مفهوم مطلق محدد واضح. الأرض تحدد بالكيلومترات وبالأمتار وبالسنتيمترات ولا يمكن أن يكون هناك مفاهيم نسبية في الأرض»(8).‏

وحول السلام، أكد سيادته في مرات كثيرة على أن السلام ليس مجرد كلمة تقال أو شعار يرفع، وأنه «ليس كل من قال نريد السلام يعني فعلاً أنه يريد السلام» (كما تفعل «إسرائيل» وهي ألدّ أعداء السلام)‏

أما بالنسبة إلى العرب فإن السلام هو هدف. وعلى الأطراف التي تؤمن بهذا الهدف أن تسلك الطريق الموصلة إليه، وإلا فلن تصل إلى السلام. والواقع أن العرب صادقون وجادون في الوصول إلى السلام العادل والشامل... ويسيرون نحوه بصورة مستقيمة ومباشرة «أما بالنسبة للإسرائيليين فإننا نرى أنهم يسيرون باتجاه معاكس، لكنهم يقولون أنهم يريدون السلام».‏

أما بشأن عبارة «خيار السلام الاستراتيجي» فإن القائد بشار الأسد يتوقف عند كل كلمة منها ليحلل دلالتها المفاهيمية والنسبية والبعيدة، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ كل واحدة منها بحاجة لدراسة مستفيضة، لئلا يجري استخدامها بصورة مغلوطة أو تحويلها إلى غير معانيها الحقيقية.‏

فالخيار برأي القائد بشار الأسد ينطوي أساساً على توافر إمكانية الحركة وحرية الموقف تبعاً للقدرات الموجودة والموظفة، وامتلاك بدائل عديدة بآن معاً لأنّ «كلمة خيار تعني أن هناك خيارات مختلفة، ولا تعني فقط خيار السلام أو خيار الحرب».‏

أمامنا ـ مثلاً ـ الخيارات التالية (9):‏

أ ـ خيار السلام الاستراتيجي.‏

ب ـ خيار الحرب الاستراتيجي (خيار حرب هجومي استراتيجي).‏

ج ـ خيار القوة الاستراتيجي.‏

د ـ خيار الردع الاستراتيجي.‏

هـ ـ خيار دفاعي استراتيجي.‏

إضافة إلى مجموعة واسعة من الخيارات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والسياسية وغيرها.‏

وإذا كنا كعرب اخترنا السلام الاستراتيجي بديلاً لخيار الحرب، إلا أن ّمن الخطأ الاعتقاد أن خيار السلام ليس بحاجة للقوة التي تحميه.‏

وهنا يبين القائد الأسد أنّ مفهوم القوة لا ينحصر بالناحية العسكرية. فالقوة هي عوامل متعددة والردع أيضاً هو عوامل وعناصر مختلفة.‏

ويضيف سيادته موضحاً: خيار القوة والردع ليس بالضرورة عسكرياً. قد تكون له أشياء مختلفة. قد يكون بشكل عسكري، وقد يكون بشكل تضامني.. التضامن العربي هو خيار قوة وخيار ردع. وقد يكون من خلال مشروع قومي، قيام المشروع القومي أيضاً هو عامل ردع وهو عامل قوة.‏

إذاً، أمامنا خيارات مختلفة بشكل عام: سلام، حرب، قوة، ضعف.. وأفضل الخيارات هو السلام مع القوة، أي سلام الأقوياء، يأتي بعده خيار الحرب مع القوة. أي حرب الأقوياء..، أسوأ شيء هو سلام مع ضعف، أو حرب مع ضعف، حرب الضعفاء هي خسارة، وسلام الضعفاء هو خسارة.‏

فإذاً، إذا كنّا اخترنا السلام فليكن سلام القوّة أو سلام الأقوياء. أما ونحن ضعفاء، فلا نستطيع أن نقول: إن هناك خياراً، بل هناك فرض علينا من الخارج.‏

من ناحية أخرى أكّد القائد بشار الأسد في المؤتمر نفسه خطأ أولئك الذين يعتقدون أنّ العرب لا يملكون شيئاً من عناصر القوة: «فالواقع يدلّ على أن الضعف الذي نعيشه هو شعور ذاتي نقنع أنفسنا به لأسباب مختلفة، في الوقت الذي نمتلك فيه الكثير من عوامل القوة.‏

وهذه هي الهزيمة من دون حرب... هزيمة العقيدة والإرادة هي أصعب وأسوأ أنواع الهزائم»(10).‏

في هذا المؤتمر وفي مؤتمرات القمم العربية والإسلامية اللاحقة، وفي زياراته للعواصم، العربية والإقليمية والدولية، وفي لقاءاته مع قادة دول العالم والشخصيات السياسية والأكاديمية وممثلي وسائل الإعلام المختلفة، حدّد القائد بشار الأسد بصورة شديدة الوضوح والدقة رؤيتنا للسلام ومفهومنا للشرعية الدولية وعدالة المواقف، مؤكداً أنَّ الأمة العربية اختارت السلام على أساس تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام، الذي يؤكد على عودة جميع الأراضي التي احتلتها«إسرائيل» في حزيران عام 1967 في الجولان وفلسطين، وضمنها القدس بالإضافة إلى عودة الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحت الاحتلال، ضمان حقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية كاملة، وتحرير جميع الأسرى العرب والمعتقلين في السجون والمعتقلات الإسرائيلية.‏

الخلاصة: (بينما نحن نسعى إلى السلام تسعى «إسرائيل للحرب»، بينما اخترنا نحن السلام خيارا استراتيجياً كان بالنسبة لـ «إسرائيل» خياراً تكتيكياً. أراد العرب الوصول إلى سلام عادل وشامل وأرادت «إسرائيل» سلاماً مجتزأ منقوصاً)(11).‏

سادساً: التفريق بين المقاومة والإرهاب‏

يؤكد القائد بشار الأسد باستمرار على الفرق الهائل بين مفهومي المقاومة والإرهاب.ويستنكر ازدواجية المعايير والمواقف في هذا المجال، قائلاً: إنه لا يجوز «أن توصف المقاومة من أجل تحرير الأرض نضالاً في مكان ما وإرهاباً في مكان آخر».‏

ولعلّ من المفارقات الناتجة عن تلك النظرة الازدواجية والادعاء بأن مقتل جنديين من القتلة في الجيش الإسرائيلي هو أهم بكثير من استشهاد العشرات من الأبرياء العرب المسلمين والمسيحيين في فلسطين والآلاف في لبنان ودول عربية وإسلامية أخرى. كما أنّ أسر ثلاثة محتلين في الأراضي اللبنانية المحتلة يقيم الدنيا ولا يقعدها، بينما عشرات من المختطفين اللبنانيين والسوريين والمئات من المعتقلين الفلسطينيين والعرب لا تحرك شيئاً لدى المجتمع الدولي (12).‏

في المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقد في دمشق بين السيد الرئيس بشار الأسد وتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا، جدد القائد الأسد إدانتنا لما حصل في الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة، مشيراً إلى معاناتنا من الإرهاب خاصة في منتصف السبعينات والفترة التي تلتها، وفي الوقت نفسه تفريقنا الواضح بين المقاومة والإرهاب. هناك فرق كبير: المقاومة هي حق اجتماعي، هي حق ديني، هي حق قانوني، وهي حق مكفول من خلال قرارات الأمم المتحدة..وأن الأديان السماوية كلها تدعو للسلام ومكافحة الإرهاب في الأرض.‏

وقد توقف القائد الأسد عند سبب يشعر به الكثير من المواطنين سواء في المنطقة العربية أو المنطقة الإسلامية، وهو شعور بفارق القيمة بين المواطن في هذه المنطقة والمواطن في الغرب بشكل عام.. وعلى الدول الغربية أن تتعامل معها بشكل دقيق، الإنسان إنسان في أي مكان في العالم، الإرهاب إرهاب سواء كان في الولايات المتحدة أم في أوروبا أم في الشرق الأوسط أم في آسيا أم في أي مكان آخر، وقيمة الإنسان واحدة.‏

وأكدّ سيادته لرئيس الوزراء البريطاني أن معالجة الإرهاب تبدأ من تحديد هذا المصطلح، لا يمكن أن نقاتل عدواً لا نعرف من هو.. ما هو شكله، أين يوجد: شرقاً، غرباً، شمالاً، جنوباً.. لابدّ من أن نعرف هذا العدو، ولابد من أن نحدد شكله وطبيعته، ومن ثم ننتقل إلى تحليل الأسباب التي أدت لوجود هذا الإرهاب، وبالتالي علينا لكي نكافح هذا الإرهاب أن نتعامل مع الأسباب وليس مع النتائج. حتى الآن هناك تعامل مع نتائج الإرهاب، لكن لم تبدأ المعالجة الحقيقة للأسباب أو أنها في بداياتها... الإرهاب ينتشر في كل مكان وبالتالي معالجة هذا الإرهاب، ومعالجة أسبابه تكون بشكل تعاون دولي، وليس بنفس الطريقة أي أن جهة واحدة تقاوم الإرهاب.‏

الإرهاب منتشر في كل مكان ويجب أن تكون مكافحته من كل الدول في العالم.‏

وتعقيباً على أحد الأسئلة على هامش اللقاء المشار إليه أعلن القائد الأسد: أن «المقاومة لتحرير الأرض هي حق دولي لا أحد يستطيع إنكاره، وبالتالي نحن لدينا جهات مختلفة وشخصية وتيارات تدعم التحرير أو تدعم المقاومين الذين يسعون لتحرير أراضيهم. العمل المقاوم هو غير الإرهاب»(13).‏

وفي معرض حديثه الشامل لصحيفة «كورييري ديلاسيرا» الإيطالية، أكد القائد بشار الأسد أن المقاوم الفلسطيني الذي يذهب مندفعاً إلى الموت، لا يقوم بذلك بناء على أوامر وتوجيهات مسؤولين أو دول معيّنة. فقسمٌ كبيرٌ يهرع لهذا الأسلوب نتيجة إحباطات شديدة جداً وقمع يمارس على الشعب الفلسطيني.‏

وبالتالي سواء توافق معهم الغرب أم اختلف فهي نتيجة لإرهاب «إسرائيل».‏

وتساءل في هذا الإطار عن جدوى إدانة الزعماء الغربيين لهذا السلوك الحتمي، قائلاً: «هل تعتقد بأن شخصاً مستعداً للموت يهتم بإدانة أو بمديح؟ لماذا لا يكونون واقعيين ويعودون إلى السبب؟ لماذا لا يعالجون السبب المباشر وهو القتل الإسرائيلي؟ هؤلاء الأشخاص إذا لم يذهبوا ليموتوا في «إسرائيل» فسيقتلون في بيوتهم كما يفعل بهم الآن شارون. إنهم يريدون أن يقولوا لشارون لن نموت وحيدين... وبالتالي فإن الحل الوحيد والواقعي، بغض النظر عن أفكارنا الخاصة، هو أنه يجب معالجة السبب بالضغط على «إسرائيل»»(14).‏

وفي كلمته القومية الشاملة أمام مؤتمر القمة العربية الرابعة عشرة في بيروت (آذار 2002) جدد القائد بشار الأسد دعوته «لرفض أي مصطلح لا يأتي من منطقتنا». فأشار إلى أنه من الممكن لطبيب في غرب العالم أن يكون مختصاً بمرض ما في غرب العالم، لكن من المستحيل لأي شعب أو جهة أو دولة أن تكون مختصة بقضايا شعوب أخرى. قضايا الشعوب هي من اختصاص الشعوب فقط.. وبالتالي فإن قضايانا هي ملكنا، ولا نقبل بأي تقويم يمسنا يأتي من الخارج، وبالتالي نحن من يحدد القيم التي يجب أن نسير عليها.‏

هم لا يحق لهم أن يحددوا قيمنا ولا مبادئنا ولا مصلحتنا ولا كيف نشعر ولا متى نشعر. هذا شيء مرفوض تماماً، طالبناهم بالتفريق بين المقاومة والإرهاب، ولكنهم طبعاً تهربوا(15).‏

وأكد القائد بشار الأسد في المؤتمر نفسه أننا نملك تعريفاً للمقاومة ونفرق بوضوح تام بين المقاومة والإرهاب. هو كالفرق بين صاحب الحق ومغتصب هذا الحق، أما بالنسبة للإرهاب فيمكن أن نطرح الأسئلة التالية: هل التهجير هو إرهاب؟ إنه بكل تأكيد إرهاب. الكل سيقول هو إرهاب. هل إبادة شعب هي إرهاب؟! بكل تأكيد سيقول هي إرهاب.. هل الاحتلال هو إرهاب؟ لا يستطيعون أن ينكروا ذلك. هل هذه الأمور هي عكس المقاومة أو أن المقاومة هي عكس هذه التعابير أو هذا الصفات؟ وهذه الصفات أو هذه الأمور هي التي تقوم بها «إسرائيل» وتمارسها. على كل الأحوال «إسرائيل» نموذج حي بالنسبة لنا. لمن لا يفهم الإرهاب عليه أن يذهب ويراه بشكله العملي وأعتقد بأن كل العالم الآن أصبح يعرف، لكن أحياناً لا يريدون أن يعترفوا بهذه الحقيقة (16).‏

وفي السياق ذاته فند القائد الأسد مصطلح «ضرب المدنيين والأبرياء» الذي يستخدمه البعض للإشارة إلى سكان الكيان الصهيوني غير المسلحين أو غير المنخرطين مهنياً في جيش الاحتلال. وبين كيف أن هؤلاء الوافدين من أنحاء العالم المختلفة أسهموا بقتل الفلسطينيين وتهجيرهم، وأن المستوطنات الصهيونية مبنية أساساً على شكل نقاط استناد عسكرية، وفي «إسرائيل» الكل مسلح «وبكل الأحوال المصطلح المعتمد بالنسبة لنا هو المقاومة كحق مشروع ضد الاحتلال»(17).‏

سابعاً: مفهومه «للتدّخل» و«الضغط»‏

في ردّه على سؤال لصحيفة «الحياة»عما إذا كانت هناك خشية سورية من التدخل أو العلاقة المتنامية لإيران داخل المجتمع العراقي، وكذلك التدخل التركي، قال السيد الرئيس بشار الأسد: «كلمة تدخل تعني بشكل دقيق أن تقوم بدور غير مرغوب فيه. أما إذا كان مرغوباً فيه فهو لا يعني أنه تدخل. وحتى تحدد ما إذا كان تدخلاً أم لا.. يجب أن تسأل العراقيين (18).‏

وعن سؤال الصحيفة، ما إذا كان السيد الرئيس شعر من خلال الاتصالات مع الأميركيين أن الولايات المتحدة مستعدة في زمن ما ووقت معين لممارسة نوع من الضغوط على سورية؟!.. أجاب: كي أكون دقيقاً فإن كلمة ضغط هي شيء ذاتي. ونحن نعطي انطباعاً بأننا مضغوطون، و الأمر متعلق بكيفية الاستجابة للكلمة. فهل نفسّرها ضغطاً أم مطالب؟... هذا موضوع ذاتي.‏

ويضف سيادته: الكل طلب من سورية فهل ضغطت سورية أم لم تضغط؟؟ نسير في نفس التوجه الذي نسير فيه حسب قناعاتنا.. وقد كانت هناك دائماً طلبات من سورية.‏

ولكن في كل الأحوال نقول لهم إن أي شيء يخالف مصالحنا لا نقوم به تحت أي ظرف من الظروف، سواء سميت مطالب أو سميت ضغوطاً أو سميت إلحاحاً. لاتهم التسمية.‏

لن نقوم بأي شيء يعاكس مصالحنا (19).‏

ثامناً: مفهومه للتطوير والإصلاح والأولويات‏

يؤكد القائد بشار الأسد أن التطوير يجب أن يكون دائماً في المجالات كافة.‏

فيقول: نحن نعطي أولويات عندما لا تستطيع أن تطوّر كل الأمور دفعة واحدة، فلا بدّ أن تضع أولويات. والأولويات تعتمد على شيئين، تعتمد على أهمية محور من المحاور، أهمية بالنوعية وأهمية بالزمن، وتعتمد بشكل آخر أيضاً على سهولة التقدم في هذا المحور فإذا كانت لديك عدة محاور، فمن الطبيعي أن أدفع بالأسرع، لأن الأسرع يؤثر على المحور الآخر. هناك خلط بين كلمة أولوية وبين كلمة «تتالي». الأولوية لا تعني التتالي. لا يعني أن أطوّر أولاً الإدارة ومن ثم أطوّر الاقتصاد ومن ثم أطوّر السياسة. الموضوع مختلف.‏

الأولوية تعني التركيز على مجال قبل مجال. تعني الإلحاحية أكثر، أعني مثلاً المواطن، مشكل اليوم هي المشكلة المعاشية بالدرجة الأولى. من الطبيعي أن يكون تركيزك على المشكلة المعاشية بالدرجة الأولى. هي رقم واحد. لا يعني ألاّ تطور في المجالات الأخرى.‏

مثلاً أنا أعطيت الحكومة أولويات.هذه الأولويات ترتبط دائماً بوزارات معيّنة. فهل يعني ذلك أن الوزارات التي ليست ضمن هذه الأولويات يجب ألا تتطوّر؟.. لا يعني ألا تطّور لكن الآن يجب أن نركز على هذا المجال لأنه يمسّ المواطن. فإذاً التطوير دائماً يكون في كل المجالات، لكن الأولوية قد تعني أن أعطي أفضلية للزمن، قد يعني أن أعطي أفضلية للتمويل إذا كانت بحاجة للتمويل. قد يعني أن أعطي أفضلية للتفكير. لا تستطيع أن تفكر بكل الأمور دفعة واحدة وهكذا، لكن لا يجوز أن تتوقف. أن تعطي أفضلية للكمية. أن تستمر عشر خطوات في مجال وتسير خطوتين في مجال آخر. هذا هو تفسيري لكلمة أولوية. لأنه دائماً أسأل نفسي السؤال: أنت تطّور في هذا المجال ثم في هذا المجال. كلا في كل المجالات في نفس الوقت(20).‏

وفي ردّه على سؤال طرحه وليام جورج كيلر رئيس تحرير صحيفة «نيويورك تايمز» ونيل غراهام ماكفلكر مراسل الصحيفة في منطقة الشرق الأوسط (في مقابلة لهما جرت بدمشق في كانون الأول 2003) حول الإصلاح وآفاقه في سورية (21)، وقال السيد الرئيس أي جهد للإصلاح لا بد من أن يواجه صعوبات. هناك بعض العقبات المرتبطة بالعقلية. أعني كيف يمكن للآخرين أن يفهموا أو يستوعبوا فوائد هذا الإصلاح. وهذا شيء طبيعي. ومن جهة أخرى، هناك المقدرة الفعلية على إجراء هذا الإصلاح. عندما يقولون إن الحركة بطيئة فأنا أعتقد إنها إشارة إيجابية وليست سلبية. والسبب أن طموحاتنا كبيرة جداً والشعب السوري بطبيعته طموح. لكن بنفس الوقت أعتقد أنه من الصعب جداً وضع سرعة محددة يجب الالتزام بها. هذا أمر ذاتي بحت. في بعض المجالات يمكن أن تسير بسرعة وفي البعض الآخر تكون الحركة بطيئة... المشكلة التي تواجهني بصفتي مسؤولاً في هذا البلد.. هي مشكلة الكوادر والكفاءات والناس المدربين على تطبيق الإصلاح، خاصة الإصلاح الإداري. ذلك أنه إذا لم تكن لديك إدارة ناجحة فلن تستطيع في واقع الأمر أن تحقق تقدما ً في أي مجال ولذلك أصدرنا العديد من القوانين الطموحة والهادفة لإجراء الإصلاح لكنه كان من الصعب جداً تطبيقها بسبب عدم وجود الناس المدربين القادرين على تطبيق هذه القوانين بصورة فعالة.‏

ولذلك بدلاً من تحقيق الحد الأقصى من النتائج التي تصبوا إليها من إصدار قانون ما، فإنك تطبق فقط جزءاً صغيراً من ذلك القانون.‏

وهذه فعلياً إحدى المشاكل الرئيسية التي يمكن حلها فقط بالتعاون مع الدول الأخرى الأكثر تقدماً عبر الإفادة من خبرات هذه الدول (22).‏

وفي هذا السياق أكد السيد الرئيس مجدداً: أننا بحاجة إلى مزيد من التقدم الاجتماعي والتعليمي والثقافي وفي المجالات كلها. مشيراً إلى أن هذه المبادئ مترابطة مع بعضها، ولا يمكن فصل أي منها عن غيره.‏

تاسعاً: رؤيته لمصطلح «الـحرس القديم» و«الـحرس الـجديد»‏

جوابا ًعلى سؤال صحيفة «نيويورك تايمز» حول مسألة «الحرس القديم» و «الحرس الجديد»، قال القائد بشار الأسد: الأمر لا يتعلق بحرس قديم أو حرس جديد... وإنما بالعقلية. فهناك أناس لا يريدون الإصلاح وهناك أناس يدعمون الإصلاح.. هذا أمرٌ طبيعيٌ جداً ولا علاقة له بجيل معين. فبعض الشخصيات من الجيل الموصوف بـ «الحرس القديم» متحمسون لتحقيق الإصلاح بشكل كبير (23).‏

فالحرس القديم بمفهوم السيد الرئيس: يعني (العقلية القديمة التي تريد أن تبقى في مكانها وفي هذا الموقع.. هم لا يريدون أن يتحركوا قدماً إلى الأمام. هناك أناس كبار في السن، هناك أناس شباب ممن يمتلكون هذه العقلية... هناك أناس أعرفهم وهناك أناس أجهلهم. وهناك أناسٌ منهم في القطاع العام وفي القطاع الخاص.. لذلك فهم موجودون في كل مكان. لكن هذا ما أسمّيه بـ «العقلية» أنا لا أطلق عليهم اسم «الحرس القديم»)(24).‏

ويضيف القائد الأسد: يجب عليك أن تخلط بين الأجيال وبين التجارب.. أنا أؤمن بهذا. يجب عليك أن تخلط بين العقليات المختلفة. فبالنسبة لي كرئيس أنا أعتقد أنه من الأفضل أن يكون لديك رأيان مختلفان من أن يكون لديك شخصان برأي واحد، حتى ولو كانا ضد بعضهما بعضاً، لأنني سأستخلص منهما الأفضل من كليهما. لذلك إذا استخدمت مصطلح «حرس قديم» و«حرس جديد» فإنّ هذا سيكون أكثر نفعاً إذا تحدثت عن الحوار، لأن أية عملية تحديث يجب أن تستند إلى الحوار...أنا لا أرغب بتبسيط الأمور، أعني فقط التخلص من «الحرس القديم» وبذلك يتحقق التحديث !!. هذا ساذج جداً.. نحن نتحدث عن دولة. لا يمكن أن تجعل الأمور بهذه البساطة (25).‏

عاشراً: الديمقراطـية في رؤية السيد الرئيس بشار الأسد‏

في حوار أجرته مع القائد بشار الأسد مجلّة «الأسبوع» المصرية (26)، قال:«أنا من المؤمنين بالديمقراطية واحترام رأي الآخر إلى أوسع مدى. وأنا لست من هؤلاء الذين يحتكرون الحكمة لأنفسهم، بل من المؤمنين بضرورة الانفتاح على كافة الآراء والاستماع إلى كل وجهات النظر مهما تباينت أو تعارضت».‏

وفي الكلمة التي ألقاها سيادته في مجلس الشعب بمناسبة انتخابه رئيساً للجمهورية (في السابع عشر من تموز عام 2000) تحدث بإسهاب وعمق عن معنى الديمقراطية، حيث أكد على ضرورة الربط بين تحقيق الأهداف والفكر المؤسساتي والعمل الجماعي، في إطار واضح من التعاون والتنسيق والشفافية والحوار المنفتح. فيقول إنّ تطلعاتنا لا يمكن أن تتحقق بالشكل المطلوب إلا إذا تم التأكيد على دور المؤسسات في حياتنا. والمؤسسات ليست البناء ولا النظام الذي يحكمها فقط أو الأشخاص الذين يعملون فيها... بل هي قبل كل شيء الفكر المؤسساتي الذي يؤمن أن كل مؤسسة تمثل كل الوطن مهما كان حجمها واختصاصها وتمثل سمعته ووجهه الحضاري، والذي يؤمن أيضاً أن العمل المؤسساتي عمل جماعي لا فردي. عمل مبني على الصدق والإخلاص في التعامل، وعلى استغلال الوقت بحدّه الأقصى وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية وعقلية الدولة على عقلية الزعامة.‏

ويشير السيد الرئيس بشار الأسد إلى حقيقة أن منطق التعاون والانفتاح على الآخرين لا ينفصل عن الفكر الديمقراطي، بل يتقاطع معه في مواقع عديدة. وهذا يعني أن امتلاك الفكر الديمقراطي يعزز الفكر والعمل المؤسساتي (27).‏

وبروح نقدية مباشرة يطرح القائد الأسد السؤال الجوهري التالي: إلى أي مدى نحن ديمقراطيون، وما هي الدلائل على وجود الديمقراطية أو عدمها؟!..هل هي في الانتخاب أم في حرية النشر، أم في حرية الكلام.. أم في غيرها من الحريات والحقوق؟!!.‏

وبأسلوبه الصريح والواضح يؤكد القائد بشار الأسد أن الديمقراطية لا تنحصر في أي من النشاطات والفعاليات المشار إليها. لأن «هذه الحقوق وغيرها ليست الديمقراطية، بل هي ممارسات ديمقراطية ونتائج لها. وهي تنبني جميعها على فكر ديمقراطي. وهذا الفكر يستند على أساس قبول الرأي الآخر، وهو طريق ذو اتجاهين حتماً وبشكل أكيد، أي ما يحق لي يحق للآخرين، وعندما يتحول الطريق باتجاه واحد يتحول إلى أنانية وفردية.أي لا نقول يحق لنا كذا أو كذا بل يجب أن نقول يحق للآخرين حقوق معيّنة.‏

فإذا كان هذا الحق يجوز للآخرين من وجهة نظرنا أصبح لنا الحق نفسه. فإذاً الديمقراطية واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقاً لنا... والفكر الديمقراطي هو الأساس والممارسات الديمقراطية هي البناء. وبكل تأكيد جميعنا يعلم أن الأساس عندما يكون ضعيفاً فإن البناء يكون مهدداً بالتداعي والسقوط عند أول هزة أو من دون أي سبب‏

ظاهر. وبمعنى آخر أن كل أساس صمم لبناء معين ليناسب ما سيحمله، أي هذا الأساس لهذا البناء وذاك الأساس لذاك البناء.. أي تبديل بين الأساسين يعني إنذاراً بالخطر»(28).‏

أما بالنسبة إلى النموذج الديمقراطي الذي يمكن أن نسعى لتحقيقه، فقد أكد القائد بشار الأسد أنه: لا يجوز أن نطبّق ديمقراطية الآخرين على أنفسنا. الديمقراطية الغربية على سبيل المثال هي محصلة تاريخ طويل.. نتج عنه عادات وتقاليد وصلت معها مجتمعاتهم إلى ثقافتها الراهنة ولكي نطبق ما لديهم.. علينا أن نعيش تاريخهم وإسقاطاته الاجتماعية، وعندها يكون هذا الاحتمال ممكناً. وبما أن هذا مستحيل.. فعلينا أن تكون لنا تجربتنا الديمقراطية الخاصة بنا المنبثقة عن تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا الحضارية.. والنابعة من حاجات مجتمعنا ومقتضيات واقعنا، وعندها ستكون النتيجة بناء متيناً قادراً على الصمود في وجه الهزات مهما كانت شدتها.. والتجارب الهدامة ماثلة أمام أعيننا في دول مختلفة قريبة وبعيدة عنّا (29).‏

حادي عشر: مفهوم «التغبير» وأهدافه في فكر القائد الأسد‏

يؤكد السيد الرئيس بشار الأسد في مناسبات كثيرة على أهمية الربط بين متطلبات الواقع والمنهجية المتبعة للتغيير، فهو يقول: معروف أن المنهجية في سورية، والتي اتبعتها أنا شخصياً، هي منهجية التغيير التدريجي. أنا لا أقوم بقفزات مجهولة. أنا أقوم دائماً بخطوات مدروسة، وعندما تقوم بتغيير، ليس بالضرورة أن يكون هدفك التغيير الحالي. أنت تنظر دائماً للأبعد لكن المهم أن تسير باتجاه الهدف النهائي. غالباً لا تستطيع أن تحقق كل الطموحات لأن الطموحات ليست واحدة. هناك دائماً طموحات، لنقل إنها مشروعة وعالية المستوى. هذا شيء إيجابي، لكن نعني أنها موحدة أيضاً كل مجموعة من الناس لها رأي يختلف عن مجموعة أخرى كما أن كل شخص يختلف عن الآخر.‏

ولكن يجب أن يكون هناك من خلال التغيير تقاطع بين الآراء المختلفة.. أن يحقق، وأن يجسد هذا التغيير تقاطع هذا الآراء.‏

ويعمق السيد الرئيس هذه الفكرة المحورية مضيفاً: «أن يكون هذا التغيير كبيراً أو صغيراًَ هذا الشيء طبيعي، أحياناً يكون كبيراً، أحياناً يكون صغيراً بحسب المتطلبات، بحسب الرؤية الموجودة لدى الرئيس ولدى القيادة. فالمهم أن نسير باتجاه التغيير بخطوات ثابتة. البعض يعتقد بأنها بطيئة ربما صحيح، والبعض يعتقد بأنها معقولة أيضاً ربما يكون صحيحاً. لكن المهم النتائج»(30).‏

أما بشأن التغييرات الحكومية، فالقائد بشار الأسد يؤكد أن التغيير الحكومي ليس خطوة ارتجالية، وتبديل حكومة ليس خطوة تأتي بيوم تبديل الحكومة.. يجب أن تحضر نفسك في كل فترة لتضع الأرضية للتبديل الذي يأتي لاحقاً. وما نتمناه أن يأتي التبديل اللاحق أفضل من الحالي.‏

والخلاصة (كما يؤكد القائد الأسد): أن «التقييم لا يأتي من الأسماء وإنما يأتي من الأداء. فإذاً علينا أن ننتظر الأداء قبل أن نحدد ما هو حجم التغيير»(31).‏

إن تحليلاً دقيقاً وشاملاً للمنظومة المفاهيمية ومسألة المصطلح في خطاب القائد بشار الأسد وفكره وتوجهاته، تحتاج إلى وقفة متأنية و متعمقة وموسعة وإلى مقاربات عديدة وقراءات متنوعة، من شأنها الإحاطة الشاملة بالموضوع المطروح في جوانبه ونقاطه الفكرية الارتكازية والسياسية والتطبيقية.‏

ونختتم هذه المشاركة المتواضعة بالإشارة إلى تأكيد القائد بشار الأسد بأن «المجتمعات تتطور في سياقها الطبيعي وليس من خلال مصطلحات يفترضها البعض ويريد أن يجعل منها قوالب صغيرة، نحشو فيها مجتمعات كبيرة فيعيق حركتها ويدفعها للضمور.. المصطلحات لا تنتج مجتمعات بينما المجتمعات هي التي تنتج المصطلحات المناسبة لها وتعطيها شكلها ومضمونها، الذي يتناسب مع ظروفها المختلفة، بحيث تكون مرنة لتتماشى مع حركة هذا المجتمع»(32).‏

* * *‏

هوامش البحث ومصادره:‏

(1) انظر: الدكتور جميل صليبا، المعجم الفلسفي (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1973)، المجلد الثاني، ص ص 403 ـ 405.‏

(2) الموسوعة الفلسفية، بإشراف روزنتال ويودين، ترجمة سمير كرم (بيروت: دار الطليعة، الطبعة الثانية، 1980)، ص 488.‏

(3) عبد الكريم غلاب، أزمة المفاهيم وانحراف التفكير (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، ص11.‏

(4) انظر: موسوعة السياسة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1990)، الجزء السادس، ص ص 178 ـ 180.‏

(5) انظر نص المقابلة في صحيفة "تشرين"، العدد 7925، تاريخ 8/2/2001‏

(6) من المؤلفات العربية الأكثر منهجية ودقة في دراسة مفهوم المجتمع المدني يبرز كتاب الدكتور عزمي بشارة "المجتمع المدني: دراسة نقدية" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، وانظر في هذا السياق أيضاً بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها "مركز دراسات الوحدة العربية" خلال الفترة 20 ـ 23 كانون الثاني 1992 وشارك فيها حوالي مئة من الباحثين والمفكرين والسياسيين العرب ممن يمثلون اتجاهات مختلفة وصدرت تحت عنوان:" المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية" (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1992).‏

(7) انظر: النص الكامل للكلمة في صحيفة "تشرين" العدد، 7825 تاريخ 22/10/2000‏

(8) و(9) و(10) و(11) المصدر السابق.‏

(12) انظر كلمة السيد الرئيس بشار الأسد في مؤتمر القمة الخامسة والخمسين الإسلامي في الدوحة المنشورة في صحيفة "تشرين" العدد 7851، تاريخ 12/11/2000.‏

(13) انظر: النص الكامل للمؤتمر الصحفي في صحيفة "تشرين" عدد 1/ 11 / 2001/.‏

(14) انظر نص اللقاء الصحفي في صحيفة "تشرين"عدد 17/ 2/ 2002.‏

(15) انظر النص الكامل للكلمة في صحيفة "تشرين" عدد 28/ 3 / 2002‏

(16) و(17) المصدر السابق.‏

(18) انظر نص حديث سيادة الرئيس لصحيفة "الحياة" في كتاب "أربعة أعوام على الانطلاقة الواثقة"، الصادر عن مؤسسة تشرين للصحافة والنشر، 2004، ص 27‏

(19) المصدر نفسه، ص ص 33 ـ 34.‏

(20) المصدر نفسه، ص 41.‏

(21) النص الكامل للمقابلة في كتاب "أربعة أعوام على الانطلاقة الواثقة"، ص 60 ـ 69‏

(22) المصدر السابق، ص ص 68 ـ 69.‏

(23) المصدر نفسه، ص 69.‏

(24) المصدر نفسه.‏

(25) المصدر نفسه، ص 70.‏

(26) صحيفة " الأسبوع" (المصرية)، عدد 12/6/1999.‏

(27) انظر النص الكامل لكلمة السيد الرئيس بشار الأسد بعد أدائه القسم الدستوري أمام مجلس الشعب في /17/ تموز عام /2000/، المنشور في كتاب "عام على الانطلاقة الواثقة "، الصادر عن مؤسسة تشرين للصحافة والنشر عام 2001، ص ص 15 ـ 23.‏

(28) المصدر نفسه، ص 19.‏

(29) المصدر نفسه، ص 29 ـ 30.‏

(30) "أربعة أعوام على الانطلاقة الواثقة"، ص ص 38 ـ 39.‏

(31) المصدر نفسه، ص 40.‏

(32) من حديث القائد بشار الأسد الشامل إلى صحيفة "الشرق الأوسط"، المنشور في صحيفة "تشرين"، العدد 7925، تاريخ 28/2/2001.‏

(() نشر الجزء الأساسي من الدراسة في مجلة «المعرفة» الصادرة عن وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، العدد /478/، تموز /2003/، ثم جرت عليها تعديلات وإضافات جديدة.‏

والدراسة بصيغتها الحالية أعدّت للنشر في كل من مجلّتي «الفكر السياسي»و«المعارج» ما اقتضى التنويه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244