مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 29 السنة الثامنة عدد خاص بمناسبة أداء القسم لولاية دستورية ثانية للسيد الرئيس 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

رئاسة بشار الأسد حصاد سنوات سبع وأمانٍ لسبع قادمة ـــ د.جورج جبور

تتيح مناسبة تجديد البيعة للرئيس بشار الأسد فرصة للحديث عن حصاد سنوات الولاية الأولى في السياستين الخارجية والداخلية، وعن أمانٍ تقفز إلى الذهن إذ نتطلع إلى سنوات الولاية القادمة.‏

ويلاحظ أنني في الكلمات السابقة، جعلت السياسة الخارجية أولى، والسياسة الداخلية ثانية. لماذا؟ لأن السياسة الخارجية السورية كانت المهيمنة دائماً على السياسة الداخلية. لدينا في الداخل هموم عميقة، إلا أن هم الخارج كان دائماً أعمق.‏

ولعل الأديب أكرم زعيتر، ممثل فلسطين، كان أبلغ من وصف الحالة السورية حين خاطب يوم 17/4/1946، المحتفلين بعيد الجلاء قائلاً لهم ما معناه: لا تفرحوا بالجلاء فجنوب سورية ما يزال تحت الاحتلال.‏

وبالفعل، فقد سيطرت قضية فلسطين على معظم السياسة الخارجية السورية، وسيطرت السياسة الخارجية السورية على معظم السياسة السورية.‏

لذلك كان من المنطقي أن أبدأ هذا الحديث بالسياسة الخارجية.‏

نودي بالدكتور بشار الأسد رئيساً منذ اللحظات الأولى لانتقال القائد الخالد حافظ الأسد إلى رحمة الله يوم 10/6/2000.‏

كانت أخر زيارة قام بها الرئيس حافظ الأسد تلك التي جمعته في جنيف، بالرئيس كلينتون في آذار 2000. يومها سجل وقفة تاريخية شجاعة. اجتمع مع الرئيس كلينتون بعد أن أعطي الانطباع بأن الرئيس الأمريكي سوف يقدم له اتفاقاً يتضمن إعادة الجولان بالكامل. ويبدو أن الرئيس كلينتون كان قد تولد لديه ذلك الانطباع نتيجة اتصالاته مع القيادة الإسرائيلية. في اللحظة الأخيرة، كما يبدو، تراجعت القيادة الإسرائيلية عن وعودها. وكان من نتيجة ذلك أن الرئيس الأمريكي سأل الرئيس السوري أن يتنازل عن بضع مئات من الأمتار. لم يكد الرئيس الأمريكي يكمل "عرضه" حتى أنهى الرئيس السورية جولة المحادثات. موقفه واضح: لا تنازل عن أي جزء ـ مهما صغر ـ من الأرض السورية.‏

سبعة وثلاثون يوماً مرت بين انتقال الرئيس حافظ الأسد إلى رحمة الله وبين خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس الجديد يوم 17/7/2000. وفي كل يوم منها كنت أتلقى السؤال ذاته، مرة واحدة أو مرتين أو أكثر، من قبل وسائل الإعلام العالمية، ومن قبل زائري دمشق، ومن الدبلوماسيين الأجانب المعتمدين لديها. أليس متوقعاً من الطبيب ـ الرئيس، الذي عرف الغرب وعاش فيه، والذي لم يكن، كوالده، وزيراً للدفاع حين احتلت إسرائيل جزءاً من سورية، أليس متوقعاً منه أن يعود إلى العرض الذي قدَّمه إلى أبيه الرئيس كلينتون، فيقبل به؟ وكنتُ أجيب أنني لا أحسبه سيفعل.‏

ثم جاء خطاب القسم. قال الرئيس بشار: يتحدثون عن بعض مئات من الأمتار لا قيمة لها. إذا لم تكن ذات قيمة تلك البضع مئات من الأمتار، فلماذا لا يعطوننا إياها، ويضيفون إليها مثلها؟ كان جواب الرئيس بشار حاسماً. وعلى هذا الحسم الباهر بنى الرئيس الجديد سياسته الخارجية التي يمكن وصفها بأنها استمرار عنفواني لسياسة الرئيس حافظ الخارجية.‏

وأتى خطابا الرئيس بشار في مؤتمري القمة اللذين عقدا أواخر عام /2000/ في القاهرة، وفي آذار /2001/ في عمان، أتى الخطابان ليظهرا بوضوح هذا الاستمرار العنفواني.‏

ويلاحظ في خطاب الرئيس بشار أمام قمة عمان إصراره على أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، ويلاحظ أيضاً أن هذا الإصرار وجد صدى له في بيان المؤتمر الختامي.‏

ومن هنا بدأت نذر الاصطدام بين الرئيس الجديد وبين الإدارة الأمريكية الجديدة التي باشرت عملها مطلع عام /2001/ ومعها من يتابع خطها من دول العالم ومن دول المنطقة.‏

أحد المطالب الأمريكية المستمرة من سورية، كانت وما تزال، قطع العلاقة بين دمشق ـ عاصمة بلاد الشام، وبين المقاومة الفلسطينية. ونعلم الإجابة السورية المستمرة على هذا المطلب.‏

إلا أن الاصطدام الحاد بين دمشق وواشنطن إنما أتى نتيجة الغزو الأمريكي للعراق، الذي أتى بدوره ـ كما يقال وللغزو جذور أعمق كما نعرف ـ نتيجة الأعمال الجرمية التي عرفتها أمريكا يوم 11/9/2001.‏

في 11/10/2001 هدَّد ارمتياج، معاون وزير الخارجية الأمريكية، سورية بأن عليها أن تتعاون مع أمريكا في حرب أسماها بوش "الحرب على الإرهاب"، وإلا فإن عليها أن تتوقع تدابير عقابية منها العمل العسكري. ثم في التحضيرات التي سبقت غزو العراق، رفضت سورية أن تنقاد إلى "تحالف الراغبين"، فكان عليها، بعد أقل من أربعة أسابيع بعد سقوط بغداد، أن تتلقى ما يشبه الإنذار الذي أسمعه باول، وزير خارجية أمريكا، للرئيس بشار. كانت تلك آخر زيارة يقوم بها وزير خارجية أمريكا لدمشق، إلا أن التهديد بعزل سورية، الذي أسمعه الوزير باول للرئيس الأسد، لم يطل ولم يثمر، في أيار 2007، بعد أربع سنوات بالضبط من زيارة باول كانت وزيرة خارجية أمريكا تتباحث، بناء على طلبها، مع وزير خارجية سورية.‏

وكانت ذروة الاصطدام بين دمشق وواشنطن إثر الاتفاق الفرنسي ـ الأمريكي على عزل لبنان عن جارته الكبرى، سورية. في أيلول 2004 صدر قرار مجلس الأمن /1559/ الذي طالب بسحب القوات الأجنبية من لبنان. ثم أتى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14/2/2005 فبدا كأنه أداة لتنفيذ القرار /1559/. وبحكمة، سحبت سورية قواتها من لبنان في نيسان 2005. إلا أن الضغط الأمريكي على سورية، تحت ذريعة تدخلها في شؤون لبنان، لم ينتهِ. آخر معالم هذا الضغط صدور القرار /1757/ في 30/5/2007 وبه أقرّ مجلس الأمن إنشاء محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة من سيوجه إليهم الاتهام باغتيال الشهيد الحريري. موقف سورية من الموضوع واضح كرره مراراً الرئيس بشار وهو كما يلي: سورية ليست لها أية علاقة بالاغتيال، فإذا ثبت أن ثمة سورية ضالعاً في الاغتيال، فستكون محاكمته أمام المحاكم السورية. وهكذا فإن سورية ليست معنية بالمحكمة ذات الطابع الدولي، ولا بالقرار /1757/ الذي أنشأها.‏

وتبقى المحكمة مع ذلك أداة ضغط على سورية، تريد أمريكا من خلالها أن "تقايض" سورية على مواقفها القومية المؤيدة للمقاومة في لبنان وفلسطين والعراق.‏

تعرض الرئيس خلال ولايته الرئاسية الأولى لمحاولة أمريكية هادفة إلى إضعافه وإلى عزل سورية عربياً ودولياً. قابل الرئيس الشاب هذه المحاولة بحكمة وشجاعة كللتا بالنجاح. في مستهل الولاية الرئاسية الثانية، تبدو سورية حاضرة، بقوة وتفاؤل، في الساحتين العربية والدولية.‏

كذلك تبدو سورية في مستهل الولاية الرئاسية الثانية قوية داخلياً، متفائلة بإمكانات التحسن في الصعد الاقتصادية والإعلامية والتعليمية والصحية وغيرها.‏

وليس سراً، في مجال السياسة الداخلية أن سورية كانت تعاني، قبل عهد الرئيس بشار، من جمود اقتصادي، كما كانت تعاني من صعوبات في حقول داخلية شتى، كالإعلام والتعليم والصحة.‏

واستطاعت الإصلاحات التي أتى بها الرئيس بشار الأسد أن تنجح بشكل لافت للنظر في مجال استقطاب استثمارات القطاع الخاص الوطني والاستثمارات الأجنبية، مما أدى إلى حراك اقتصادي واضح.‏

وكان للقطاع الإعلامي نصيبه من الإصلاح. وتجلى الإصلاح الإعلامي في مظاهر متعددة منها بروز القطاع الإعلامي الخاص، ومنها الإفساح الأوسع أمام الرأي الآخر، ومنها التساهل في الرقابة الإعلامية على نشر الكتب، حتى كأن هذه الرقابة أصبحت في حالة إلغاء عملي.‏

وترافق كل ذلك بمحاولات جادة تؤتي أكلها، من أجل تحسين مستويات التعليم والتقانة والصحة والرعاية الاجتماعية وغيرها من شؤون الحياة.‏

ولا يستطيع أي مطالع للخطة الخمسية العاشرة التي أقرها مجلس الشعب إلا أن يشعر بالتفاؤل، ولا سيما أنها خطة "تشاركية" تتيح المجال واسعاً أمام مشاركة المواطن ومشاركة المنظمات غير الحكومية في التنفيذ. وفي الحقيقة فقد امتاز عهد الرئيس بشار الأسد بالاهتمام بالحراك الاجتماعي وتشجيع هذا الحراك. وهكذا فقد شهدت السنوات السبع الماضية اشهار عدد كبير من المنظمات غير الحكومية المعنية بمختلف الشؤون، وكان من بين هذه المنظمات غير الحكومية المشهرة "الرابطة السورية للأمم المتحدة" التي أتشرف برئاستها.‏

بعد هذا الموجز الذي حاول التعريف بأهم معالم السياستين الخارجية والداخلية في عهد الولاية الرئاسية الأولى، أنتقل إلى التعبير عن أمانٍ تقفز إلى الذهن إذ نتطلع إلى سنوات الولاية الرئاسية القادمة.‏

أتشارك مع الناس كافة في ضرورة العمل من أجل تحسين مستوى المعيشة وفي ضرورة الحزم في مكافحة الفساد، وفي ضرورة متابعة برنامج الإصلاحات في مختلف الصعد.‏

ثم إنني كمهتم بحقوق الإنسان، وكنت ذات يوم مرشحاً رسمياً سورية لشغل واحد من المناصب الدولية الهامة في مجال حقوق الإنسان، ألاحظ بفرح أن الخطة الخمسية العاشرة نصت على ضرورة الاهتمام بحقوق الإنسان وكرّست لهذا الأمر فصلاً برأسه. كذلك ألاحظ بفرح أن شعبة حزب البعث العربي الاشتراكي في مجلس الشعب، خلال الدور التشريعي الثامن، رفعت إلى القيادة القطرية اقتراحاً بإنشاء لجنة دائمة في المجلس تعنى بمراقبة كيفية تنفيذ السلطة التنفيذية للفصل الرابع من الباب الأول من الدستور. وقد فصلت القول في هذا الشأن في كتاب عنوانه: "نحو لجنة في مجلس الشعب للحريات والحقوق والواجبات العامة" (دمشق، دار نينوى، أيلول 2006، /126/ صفحة). وقد يستطيع مجلس الشعب في دوره الحالي إنشاء هذه اللجنة.‏

كذلك يهمني، بصفتي عضواً متقاعداً في اتحاد الكتاب العرب ـ والكاتب لا يتقاعد ـ أن يكون ثمة اهتمام أكبر بالثقافة وبالكتاب. أحسن الرئيس بشار الأسد بتكريم عدد من رواد الثقافة في سورية، كما أحسن بإنشائه هيئة عامة للكتاب. فأما التكريم فأقترح أن يكون له موعد سنوي ثابت مترافق مع معرض الكتاب. وأما الهيئة العامة للكتاب فأرجو لها أن تقوم بإقلاع قوي.‏

ثم إنني أعترف بأنني لا أستطيع حصر الأماني التي يتوالى ورودها إلى الذهن واحدة تلو الأخرى. إلا أنني أحب، على وجه خاص، أن أذكّر بأمنية عملت لكي تتحقق قبيل تسلم الرئيس بشار ولايته الأولى. حاولت أن يأتي خطاب القسم، عام /2000/، على ذكر حلف الفضول من حيث أنه يصح اعتباره أول هيئة لتنظيم الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم إلى أن يثبت العكس.‏

أتابع المحاولة الآن وعن طريق مجلتنا العزيزة: الفكر السياسي، في مجلة المناضل، مجلة حزب البعث الداخلية، ترد إجابة من السيد الرئيس فحواها أنه مهتم بإنشاء آلية للعناية بحقوق الإنسان (العدد /236/، كانون الثاني /2006/، ص /42/). ستكون خطوة ذات معنى أن يرصع السيد الرئيس خطاب القسم بالإشارة إلى حلف الفضول. ألم يكن الحلف آلية للعناية بحقوق الإنسان، آلية يصح أن نقتدي بها، وكنا قد سبقنا بها العالم؟‏

تتيح مناسبة تجديد البيعة فرصة للحديث عن أمور شتى. إلا أن معنى تجديد البيعة بين لا يتطلب البيان. والتبيين: نحن معك أيها السيد الرئيس.‏

من أقوال السيد الرئيس‏

نحن في سورية نسعى مخلصين لإقامة أفضل علاقات الصداقة والتعاون مع كل بلد يشاركنا هذا المسعى، ومن هذا المنطلق كان حرصنا على تنمية الشراكة بين الجمهورية العربية السورية والاتحاد الأوروبي، وتطوير العلاقات بين الدول العربية والمجموعة الأوروبية بما يخدم المصالح‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244