مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 29 السنة الثامنة عدد خاص بمناسبة أداء القسم لولاية دستورية ثانية للسيد الرئيس 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

النص الكامل لخطاب القسم للسيد الرئيس بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية في مجلس الشعب (17/7/2007)

السيد رئيس مجلس الشعب..‏

السيدات والسادة أعضاء المجلس..‏

أيتها الأخوات.. أيها الإخوة..‏

تغمرني وأنا أتحدث إليكم في هذا اليوم الوطني الذي نقف فيه على أعتاب مرحلة جديدة في مسيرتنا الوطنية..مشاعر شتى مازالت تتنامى في داخلي منذ اختار الشعب..قبل أعوام سبعة ماضية.. أن أكون في موقع القيادة منه.. لتصبح رصيدي الأغلى الذي أستلهمه في كل عمل أقوم به أو مسؤولية أنهض بها أو قرار أتخذه..إنها مشاعر الحب والتقدير..الفخر والاعتزاز..مشاعر الشكر والعرفان نحو وطن عظيم وشعب أبي..نحو أسرتي السورية الكبيرة التي أحاطتني بفيض من العواطف النبيلة وأمدتني في الأوقات الصعبة بالقوة والعزيمة. وكان عهدي للمواطنين على امتداد بلدنا الحبيب أن أكون عند قدر خيارهم وأحمل المسؤولية الكبرى وأتمثل أخلاقياتها..وأن أفي الشعب حبه وتأييده بالمزيد من الإرادة والعمل من أجل تحقيق تطلعاته..وأن أبادله ثقته ووفاءه بالارتقاء بالأداء والفعل إلى تلك المكانة التي يستحقها.. وأن أبادله صموده وصلابته بالعطاء وبذل كل الجهد في سبيل صون مصلحة الوطن والمواطنين. لقد كانت مظاهر المحبة التي عبرتم عنها..بمناسبة الاستفتاء على ولاية دستورية جديدة..وعناوين التأييد التي تجلت في مختلف نشاطاتكم وفعالياتكم الجماهيرية في المدرسة والجامعة..في القرية والمدينة..في الحي والمؤسسة..في سورية وفي المغترب..تعبيرا بالغ الدلالة عن سمو العلاقة الوجدانية التي نعيشها في سورية..وإفصاحاً عن تلك الإرادة الشعبية في استمرار نهجنا الوطني والقومي..وتجسيداً لهذه الوحدة الوطنية العملاقة العصية على الاختراق..والتي كانت وستظل سندنا الحقيقي في كل ما قمنا به أو أنجزناه..كما حملت رسائل عديدة واضحة للجميع..مفادها أن هذا الشعب لا يزال يحتضن مشروع الأمة الواحدة..مشروع نهضتها واستقلالها..ولا يزال الداعم الفعلي لكل من يحمل هذا الفكر ويجسد هذا المشروع..وهو يرفض لأجل ذلك فكر التفريط والاستسلام..فكر الانغلاق والجمود..ويتصدى لمشاريع التفتيت والتقسيم..مهما اتخذت من عناوين براقة. لقد انعقدت بيننا.. أيها الأخوات والإخوة.. خلال السنوات الماضية والتي عرفتموني فيها عن قرب..وخبرتموني في مختلف المواقف والمواقع..صلة حية مفعمة بالمعاني الوطنية والإنسانية..جسدت حالة حقيقية للقاء الشعب مع واحد من أبنائه حمل هموم هذا الشعب..وعبر عن رغباته وتبادل معه معاني الحب والانتماء. وعملت خلال تلك السنوات..على ترسيخ القيم البناءة في علاقتي بالمواطنين..عبر الابتعاد عن الشعور بصاحب السلطة إلى الشعور بصاحب المسؤولية.. وتكريس صورة المواطن قبل صورة الرئيس.. بهدف الوصول إلى مفهوم المواطن المسؤول..والمسؤول المواطن.‏

وإذا كان من نجاح في ذلك..فإنما يعود الفضل فيه إليكم..إلى شعب حي أصيل استوعب جوهر العلاقة بين المواطنة والمسؤولية. وترسخت معها لدي قناعة لا تتزعزع بأن ما يحفظ سورية..وما يصون استقرارها.. ليس الثروات والإمكانات المادية على أهميتها..بل التراث المعنوي الغنى بجوانبه وقيمه المختلفة..لاسيما منها الجانب القومي.. بالإضافة إلى المواقف السياسية السليمة التي تستلهم هذه القيم وتحقق أكبر قدر من الإجماع الشعبي. ولكي تكون المواقف كذلك..لابد من أن تنطلق من الشعب.. من أفكاره وطموحاته.. من مبادئه وعقائده.. ولابد أن تعبر عن مشاغله ومصالحه.. وهذا يستند إلى القراءة الصحيحة لهذا الشعب لأن النجاح في قراءته.. أي في قراءة الشعب.. هو نجاح في رؤية الواقع وهو الطريق للنجاح في المهام الوطنية لأي مسؤول يكلف في أي مهمة وطنية على الساحة الوطنية. وقد أثبت شعبنا عند المحطات التاريخية التي مررنا بها.. امتلاكه إحساساً صادقا ورؤية نافذة تجاه ما واجهناه من استحقاقات.. مكنه من تمييز الجوهري من الطارئ.. والأصيل من الزائف. لذلك لم تكن مصادفة أن يعيش هذا البلد الصامد سليما معافى وسط هذا المحيط الزاخر بالاضطراب. لم يكن مصادفة أن يتمتع بأرقى درجات الانسجام والاستقرار في قلب هذه الأمواج العاتية من الصراعات الدولية التي تكاد تغرق المنطقة في حال من الفوضى العارمة..ويخوض معاركه بشرف وإباء في سبيل نهضة الأمة واستقلالها مهما كلفه ذلك من ثمن.‏

أيتها الأخوات.. أيها الإخوة الأحبة..‏

لقد واجهنا في السنوات الماضية.. تحديات صعبة.. ضغطت على مواردنا واستحوذت على جانب كبير من وقتنا وجهدنا..وقد جاءت هذه التحديات في وقت كنا قد شرعنا في عملية تطوير واسعة المدى والأبعاد..كانت تتطلب هي الأخرى تعبئة طاقاتنا ومواردنا واستثمار الزمن بأقصى ما يمكن من فاعلية. ولكن بمقدار ما شغلتنا هذه التحديات نفسيا وفكريا..وبمقدار ما استنفرت إمكاناتنا وقوانا..بمقدار ما جعلتنا أصلب عودا وأكثر قدرة على المواجهة..وهذا ما كان ليتحقق بهذه الدرجة من الثقة والثبات..لولا متانة مجتمعنا الذي صقلته التجارب والتحديات خلال العقود الماضية..فأضافت إلى خصاله التاريخية ميزة الوعي الوطني والقومي العميق..والرؤية البعيدة الصائبة..التي كانت بالنسبة لي السند الذي أعتمد عليه والبوصلة التي أهتدي بها في أي قرار اتخذته كبيراً كان أم صغيراً. ووضعنا نصب أعيننا أن تصب كل خطوة قمنا بها أو نحن في صددها في قوة الدولة ورفعتها.. فالدولة القوية هي التطوير وهي الاستقرار. والدولة لا تكون قوية إلا بقوة مواطنيها النابعة من شعورهم بمواطنتهم والمرتكزة إلى مشاركتهم جميعا وتحملهم المسؤولية حسب مواقعهم. والمواطنة والتشاركية لا تكتملأن إلا عندما نعرف واجباتنا بالقدر الذي نعرف فيه حقوقنا.. ومسؤولياتنا تجاه الآخرين بمقدار مسؤولياتهم تجاهنا. وعلى ذلك كان المبدأ الذي انطلقت منه في عملية الإصلاح الداخلي التي اعتمدناها وهو إشراك كل مواطن باعتباره فاعلا رئيسيا فيها..وحرصت لأجل ذلك على بناء علاقتي بالشعب على أسس ثابتة من الوضوح والشفافية بحيث تكون المعطيات الأساسية التي تبنى عليها سياساتنا بين أيدي الجميع وكذلك المبررات التي نستند إليها في قراراتنا..والمعوقات التي تعرقل تنفيذها. وكنت حريصا على احترام الشعب..من خلال حرصي على الصراحة والوضوح معه.. انطلاقا من قناعتي بأن إنجاز أي أمر مرهون بمجموعة مركبة من العوامل والاعتبارات..يأتي في مقدمتها الدعم الشعبي للتوجه المطروح..ونجاحنا في ذلك يرتبط بمواظبتنا على تزويد المواطنين بالمعلومات الصحيحة ليكونوا على صلة وثيقة بما يجرى..بالتوازي مع الحوار الصريح والمتواصل معهم لتشكيل قناعات مشتركة تشكل الداعم الأساسي لعملية التنمية. وكان نقاش واسع قد جرى مع بدء عملية التطوير حول مفاهيم هذا التطوير وأسسه..والسرعة المطلوبة في تحقيقه وترتيب الأولويات الوطنية بداخله.. وغير ذلك من مفردات النقاش الذي كان رائده طموح واسع من المواطنين لإنجاز كبير في زمن قياسي. واختلفت الرؤى وتباينت الاجتهادات.. وكان ذلك أمرا طبيعيا لأن كلا منا يرى بأن مسؤوليته أن يقدم إسهامه في هذا الشأن أو ذاك من شؤوننا الوطنية..ويجد في نفسه القدرة على ذلك..وهو ما حرصنا على تشجيعه وتغذيته بكل رحابة صدر..لأننا وجدنا في ذلك إغناء لتجربتنا التطويرية وإطلاقاً لها إلى آفاق أرحب. وبغض النظر عن واقعية بعض الأفكار أو مثاليتها وعن منطقية بعضها الآخر أو عدم منطقيته..وبغض النظر عن أن من يرى عن بعد ليس كمن يكون في قلب الحدث..وأن من يطرح فكرة ليس كمن يتخذ قراراً أو يتحمل مسؤولية تطبيقه..فإنني كنت أرى في هذا النقاش الدائر عنوانا لحيوية شعبنا ودعما مباشراً لعملية الإصلاح الجارية..حيث أصبحت الساحة الاجتماعية ملتقى واسعاً للحوار وتبادل الأفكار التطويرية. ولكن إذا كان التطوير يعتمد بشكل أساسي.. على إرادة المسؤول ورؤيته.. وعلى أداء مواقع القرار في الدولة.. أفرادا ومؤسسات..فهذا لا يعنى أنه يمكن لعملية التطوير أن تقفز فوق الواقع الذي نعيش فيه..أو تتجاوز الحقائق التي تحيط بها.. وخاصة ما يرتبط منها بسياق تطورنا التاريخي وبالحالة الثقافية والاجتماعية والمفاهيم السائدة في مجتمعنا..والتي تشكل الأرضية التي يبنى عليها أي تطوير.. وهنا يصبح الحديث عن إنجاز أي إصلاح أو تطوير مرتبطا بتغيير هذه الأرضية أو بقائها إلى حد كبير.. وتغيير هذه الأرضية يرتبط بمدى رغبتنا وقدرتنا أيضاً على أن نفرز ما يفيد وما لا يفيد من عناصرها..وعلى أن نعزز العناصر الايجابية التي تدفع عملية التنمية إلى الأمام..وتصون في الوقت نفسه..استقرار مجتمعنا وأمنه الداخلي. وهذا كله يندرج كما هو معلوم..في سياق عملية صعبة ومعقدة تتطلب جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً.. وقبل كل شيء أدوات ملائمة. وكل تلك الاعتبارات كانت واضحة في أذهاننا ونحن نمضي في مشروعنا الإصلاحي آخذين بعين الاعتبار مجموعة من الأولويات التي حددنا ترتيبها بحسب حيويتها وإلحاحها بالنسبة إلى جماهيرنا من جهة.. وبحسب أهميتها في تعزيز قدراتنا الذاتية من جهة ثانية.. وبحسب إمكانية التقدم فيها بأسرع وقت ممكن.. ريثما يتم تذليل العقبات التي تعترض التقدم في المجالات الأخرى..من جهة ثالثة. أي اعتمدنا ثلاثة أسس لوضع الأولويات.. وكانت الأولوية الأولى الواضحة من خلال التواصل المباشر مع شعبنا بقطاعاته المختلفة.. هي الهم المعاشي.. لذلك أولينا هذا الجانب الاهتمام الأكبر.. وحرصنا على إصدار القرارات الخاصة بزيادة الرواتب والأجور كلما توفرت الإمكانات لذلك.. وهو ما سنستمر فيه وفق نهج مدروس.‏

طبعاً دائما هناك حديث عن موضوع الرواتب وخاصة الآن في مرحلة الانتخابات والقسم. أنا لا أحب أن نربط هذا الموضوع بالمناسبات. بالحقيقة هو حق لكل مواطن أن يفكر يوميا بتحسين وضعه المعاشي.. وحق لكل موظف في الدولة أن يفكر كل يوم في زيادة الراتب. بنفس الوقت.. هو واجب على الدولة في كل يوم أن تفكر في تحسين الرواتب للموظفين والعاملين فيها. ففي المرحلة الماضية.. لم نوفر فرصة عندما يكون لدينا مبلغ متوفر جارٍ.. يعنى يمكن أن يستمر دائماً.. إلا وقمنا بزيادة الرواتب بنسب مختلفة حسب الإمكانية. وعندما لم يكن يتوفر مبلغ جارٍ.. كنا نقوم بإعطاء مبلغ لمرة واحدة على شكل منحة بمناسبة وبغير مناسبة.. بهدف أن نحاول مساعدة المواطنين ذوي الدخل المحدود ولو مساعدة جزئية.. وخاصة إذا ارتبطت مناسبات معينة بحاجة لبعض المصاريف كالأعياد أو كبدء العام الدراسي. فإذا سنستمر في هذا الموضوع. ولكي لا نقول الآن نحن نفكر في هذا الموضوع.. نحن كل يوم نفكر به.. ومنذ أيام كنت أتحدث مع السيد رئيس الحكومة حول هذا الموضوع لنرى ما هي الإمكانيات المتوفرة. وبكل تأكيد.. ومن دون مطالب.. عندما يتوفر مبلغ.. سنقوم بذلك بشكل آلي لمصلحة المواطن ولمصلحة الدولة بنفس الوقت. وكان قرارنا الاستراتيجي يقضى بضرورة بناء أسس متينة للاقتصاد الوطني تلامس مختلف أوجهه..كي نتمكن من تحسين المستوى المعاشي للمواطنين بصورة جدية ومستدامة.. مع الحفاظ على المكتسبات التي تحققت للشرائح الواسعة وتعزيزها.. لذلك باشرنا باتخاذ مجموعة من القرارات والتدابير الحاسمة والتي شكلت بمجموعها منعطفا فعليا في تطورنا الاقتصادي. وكانت نقطة البدء في كل ذلك.. توفير المناخ السياسي والفكري والتشريعي الملائم.. حيث صدرت القرارات السياسية التي هيأت البيئة المناسبة لإجراء التحولات الاقتصادية المطلوبة.. وفتحت المجال واسعاً أمام حركة جديدة للاقتصاد الوطني. وتم إقرار مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يفتح المجال واسعاً أمام المبادرة الفردية والاحتكام إلى آليات السوق.. في إطار قيادة الدولة للعملية التنموية.. وإدارتها لحركة النشاط الاقتصادي.. وتهيئتها البيئة التنظيمية المحفزة.. وفي ضوء استمرار الدولة في أداء دورها راعيا لحقوق الشرائح الشعبية.. بما يتضمنه ذلك من تحقيق العدالة الاجتماعية.. ومكافحة الفقر والبطالة.. وتدعيم شبكات الأمان الاجتماعي. أيضاً كان هناك حديث وحوار كثيران حول موضوع مصطلح السوق الاجتماعي.. وكان معظم النقاش ينطلق مما نقرؤه. طبعاً هناك نظريات وهناك أفكار وهناك أبحاث أكاديمية.. لكن بالنسبة لنا كدولة.. لا نخضع إلا للمصلحة الشعبية. أي لا يفرض علينا مصطلح.. أو شيء معين يجب أن نسير فيه. نحن نحدد أي مصطلح نريد وأي شكل لهذا المصطلح. تذكرون عندما كان هناك كتلة اشتراكية كان هناك تناقض كبير بين الاشتراكيات الغربية والشرقية.. حتى ضمن الكتلة الشرقية كان هناك تباعد في بعض الأحيان بين نمط الاشتراكية. المهم..عندما يأتي أحد إلينا ويقول.. هذا هو القاموس وهذا المصطلح يختلف عما تقومون به.. نقول له: لا تؤاخذنا هذا ما نريد وهذه مصلحتنا. فإذاً يجب أن ينطلق أي نقاش حول أي مصطلح نتبعه في أي مجال من المجالات من تجربتنا ومن رؤيتنا. نأخذ بالتجارب الأخرى. بكل تأكيد هناك أشياء مشتركة كثيرة.. ولكن دائماً هناك تفاصيل تختلف من بلد إلى آخر يجب أن نضعها بعين الاعتبار. هذا ما نقوم به.. لذلك.. لكي لا يكون هناك تشويش.. ليبقى النقاش حول هذا الموضوع هو ضمن المؤسسات التي تحدد المصالح. عندها سنصل للمصطلح الذي يكون عليه أكبر قدر من الإجماع الشعبي.. والذي يحقق مصالحنا بعيداً عن أية تفسيرات أخرى. وكان في مقدمة المهام التي واجهتنا ضرورة ردم الفجوة القائمة بين متطلبات عملية الإصلاح وبين التشريعات النافذة.. أو غير الموجودة أساساً.. الأمر الذي كان يشكل عائقاً كبيراً أمام انطلاقة الاقتصاد. لذلك أصدرنا مئات التشريعات والقرارات التي شكلت قفزة واسعة إلى الأمام ووفرت الأساس القانوني لتحقيق الإصلاح المنشود.. وجعلت الإصلاح يطال مختلف مجالات النشاط الاقتصادي ويغير مجمل الصورة الاقتصادية والمالية والنقدية.. حيث تم إصدار قانون النقد الأساسي.. وتشكيل مجلس النقد والتسليف وإدارته للسياسة النقدية..وإعادة هيكلة المصارف العامة..وتعزيز دور المصرف المركزي. بالإضافة إلى تطوير المالية العامة وتحسين الإدارة الضريبية وتحرير التجارة وتعديل الرسوم الجمركية وتبسيط نظام سعر الصرف وتمويل الواردات. أيضاً حول موضوع التشريعات.. في البداية كان هناك حماس لصدور التشريعات بعدد كبير؛ هذا في بداية مهامنا؛ لاحقاً كان هناك حديث بين الناس لماذا تصدر التشريعات ولا تنفذ؟!. ونحاكم لماذا يصدر الرئيس تشريعات ولا تنفذ؟!. من ثم قالوا لي: يجب ألا يصدر الرئيس تشريعات إن لم تكن ستنفذ. كان جوابي.. لا.. أنا أسير بطريقة مختلفة. لا نستطيع أن نطلب من الناس أن يسيروا في طريق وهو غير موجود. أولاً علينا أن نفتح الطريق.. ومن ثم نطلب منهم أن يسيروا. ربما يبقى هذا الطريق شاغراً لسنة أو لسنتين..ولكن نقطع الطريق على أي جهة تحاول عرقلة الإصلاح أن يكون لديها المبرر، كأن تقول: لا توجد التشريعات الضرورية للانطلاق في هذا العمل، فإذاً سنستمر في هذه الطريقة.. وفي إصدار القوانين طالما أننا نشعر بالحاجة؛ طبعاً السرعة لها سلبيات..وهذه السلبيات لكي لا ننتظر ونقول سندرس الموضوع ومن ثم نتأخر سنوات. قلنا: نصدر هذه التشريعات بالرغم من بعض الثغرات التي ربما.. وغالباً لا نراها في البداية.. ولكن عندما نشعر بأن هناك ثغرة.. فعلينا أن نقوم مباشرة بتعديل هذا القانون. وهكذا كانت ديناميكية إصدار القوانين. أيضاً أضفنا شيئاً مهماً لكي نتلافى هذه الثغرات.. وما قيل في البداية عن أنها لا تطبق، هناك أسباب كثيرة لأنها لم تكن تطبق، أسباب لها علاقة أحيانا بصياغة القانون وأحياناً بلغة القانون وأحياناً بالتعليمات التنفيذية. ما اتبعناه على مرحلتين.. المرحلة الأولى بدأنا نشاور الفعاليات المعنية في هذا القانون.. الفعاليات الاقتصادية في القانون الاقتصادي.. والصناعية في القانون الصناعي.. والفلاحين فيما يتعلق بالزراعة.. وهكذا. طبعاً ربما لم تكتمل هذه الآلية.. ولكن بدأنا بها بكل تأكيد منذ بضعة أعوام، ويجب أن نطورها لكي تصبح أكثر فاعلية. هذا يخفف من الثغرات التي من الممكن أن تظهر. انتبهنا لاحقاً لشيء آخر.. بأن القانون حتى لو ظهر بشكل أفضل لا يطبق.. وكنا نسمع حديثاً موسعاً عن موضوع خلل في التعليمات التنفيذية. لاحظنا أن التعليمات التنفيذية تصدر أحيانا مطابقة للقانون.. والتعليمات التنفيذية مهمتها ترجمة القانون إلى خطة عملية تطبق على الواقع. من منا الأقدر على مناقشة هذه التعليمات التنفيذية... إنه المسؤول عن تطبيقها.. ربما الوزير فما دون.. ربما المدراء.. ربما الموظفون في المستوى الأدنى. بدأنا مؤخراً نطلب إصدار التعليمات التنفيذية بالنقاش مع هؤلاء الأشخاص لأن الكثير من النقد كان يصدر من الموظفين حول التعليمات التنفيذية فإذا هناك الكثير من الأشياء يجب أن نقوم بها لتطوير هذه الآليات بالشكل الذي نتمكن به من الإسراع في إصدار القوانين بأقل ما يمكن من الثغرات. كما صدرت القوانين والقرارات التي أطلقت.. إلى ميدان العمل.. المصارف وشركات التأمين الخاصة وسوق الأوراق المالية.. وتم فتح أغلب القطاعات الاقتصادية أمام المشروعات الخاصة..وأعطت الإجراءات الإصلاحية دفعة مهمة للاستثمار في مختلف المجالات. وصدر العديد من القرارات الخاصة بتطوير القطاع العام.. ومعالجة أوضاعه الإنتاجية والإدارية والمالية.. بهدف تخليصه من المعوقات التي تحد من قدرته على المنافسة.. وهناك خطوات قريبة لتصحيح أوضاع القطاع العام الصناعي.. وسيشكل نفاذ القانون المالي الأساسي في بداية عام 2008 نقطة تحول مهمة لمجمل القطاع العام. كما عمدنا إلى إنشاء عدد من المدن الصناعية والمناطق الحرة التي نجحت في استيعاب استثمارات واعدة.. وحققنا تقدما ملموسا في مجال البنى التحتية.. والسكن الشعبي والشبابي.. وشرعنا بتنفيذ مشروعات كبرى في مجال إنتاج الطاقة وفي مجال الري واستصلاح الأراضي. وسيكون من أولوياتنا تزويد قطاع الزراعة بمتطلبات النماء.. ودرء الانعكاسات السلبية عنه..لحيوية هذا القطاع للاقتصاد السوري.. وأهميته لاكتفائنا الغذائي وأمننا الوطني. وأشير هنا إلى بعض الأرقام والمؤشرات التي تعكس ما حققناه في الفترة الماضية من إنجازات.‏

عادة لا يتضمن خطاب القسم مثل هذه المؤشرات.. لكن لاحظت أن أغلبنا..حتى العاملين في الدولة.. لا يعرف الجزء الأكبر من هذه الأرقام: وصل معدل النمو الاقتصادي إلى 1ر5 بالمئة في عام 2006 بدون الأخذ بالاعتبار تراجع النفط. إذ مع تراجع الإنتاج النفطي يقدر بين 5ر6 إلى 7 بالمئة.. وهذه الإحصائية ليست إحصائية سورية.. أعتقد من صندوق النقد الدولي. يعنى هي حيادية.. ليس فيها نوع من التسويق أو التشكيك بأننا نحاول أن نجمل شيئاً. هذا رقم جيد في مثل هذه الظروف التي مررنا بها. الحقيقة.. هو أقل من الطموح.. لكن أعلى من التوقعات بالنسبة لهذه الظروف. ولكن ربما يكون معنا أشخاص يشاهدون على التلفاز ويقولون بأن هذا الرقم لم ينعكس علي أنا كمواطن.. وهذا صحيح. فإذاً.. علينا أن نسال أنفسنا سؤالاً آخر.. الرقم جيد ولكن ما هو الانعكاس... في هذه المرحلة التي كنا نمر بها.. وهي مرحلة تحول بالإضافة لظروف معاكسة للتطوير لابد في البداية أن نبحث عن الرقم.. وطالما إننا استطعنا أن نحقق هذا المعدل في مثل هذه الظروف.. فهذا يعنى أن لدينا اقتصادا متينا..ونحن قادرون على تفعيله أكثر..ولكن التحدي المستقبلي الآن وفي المرحلة المقبلة هو أن هذا الرقم الذي انعكس على عدد معين من الأشخاص في هذا الوطن.. أو شرائح معينة. التحدي الأكبر.. كيف نوسع الفائدة من هذا الرقم لكي تنعكس على الجزء الأكبر.. أو الشرائح الأوسع في سورية. هذا هو التحدي المستقبلي.. وهذا بحاجة للكثير من التشريعات والآليات والأفكار والإبداع من المجتمع السوري ككل. وارتفعت الموازنة العامة للدولة إلى 588 مليار ليرة سورية.. أي بزيادة 113 بالمئة عن عام 2000. ازدادت الرواتب والأجور في القطاع الحكومي بنسبة تتجاوز الـ 125 بالمئة.. مع العلم أن الدولة تقدم في اليوم الواحد من الدعم للمحروقات فقط 750 مليون ليرة سورية.. يعنى هذا يظهر كم هي الدولة تسعى فعلا لتحسين وضع المواطن.. وأن كل ما لدينا نضعه من أجل تحسين الوضع المعاشي.. ولو أن الطريق مازال طويلاً أمامنا. وفي مجال الصحة.. جرى افتتاح 45 مشفى عاما بنسبة زيادة تصل إلى 80 بالمئة و 350 مركزاً صحياً و 30 مشفى خاصاً. وجرت تسوية الديون الخارجية الكبيرة.. وهذه كانت قفزة مهمة بالنسبة لمكانة الاقتصاد السوري إذ انخفضت من 106 بالمئة عام 2000.. طبعاً بالنسبة للناتج المحلى الإجمالي.. إلى أقل من 8 بالمئة.. أي أن الديون كانت 20 مليار دولار. أما اليوم.. الديون فقط 3 مليارات دولار.. وصارت سورية من أقل دول العالم مديونية. ازدادت الاستثمارات 12 ضعفا.. وارتفعت الصادرات السورية إلى الضعف..أي إلى 505 مليارات ليرة سورية. أما على مستوى الإصلاح الإداري.. فقد بذلت جهود لأحداث تطوير هيكلي في بنية الحكومة والعمل الحكومي..وكذلك في تيسير الإجراءات الخاصة بمعاملات المواطنين وتخفيف الصعوبات البيروقراطية..وتفعيل آليات العمل والتقييم والمراقبة.. واعتماد معايير موضوعية في التوظيف. نقول بذلت جهود.. ولكن لا نقول كم أنجزنا.. لكن نقول أين كنا نتوجه في ذلك الوقت. كما قمنا بخطوات واسعة في مجال تطوير نظامنا التربوي والتعليمي.. عبر إقرار خطة متكاملة تهدف إلى تطوير العملية التربوية.. بكل أبعادها.. ومعالجة أوجه القصور فيها وتجويد مخرجاتها.. وإحداث قفزة نوعية في المناهج ورفد قطاع التربية بالإمكانات اللازمة من الناحية المادية والبشرية.. وفي إطار ذلك مثلا تم توسيع مرحلة التعليم الإلزامي المجاني إلى تسع سنوات.. وتم نشر المعلوماتية وأدواتها على نطاق واسع وبشكل مفتوح للجميع. أيضاً خلال السبع سنوات الماضية.. في مجال التربية.. تم افتتاح أكثر من 2500 مدرسة.. وما يعادل 33 ألف شعبة مدرسية.. ووصلت الزيادة بعدد المدرسين وأعضاء الهيئة التعليمية إلى 70 ألفاً خلال السبع سنوات الماضية. وعلى المستوى الجامعي افتتحنا العديد من الجامعات العامة والخاصة والافتراضية والتعليم المفتوح.. كما تم افتتاح عدد كبير من الكليات في مختلف المحافظات.. وكذلك العديد من مراكز الدراسات التخصصية. أيضاً بالنسبة لكليات وزارة التعليم العالي.. افتتحنا 50 كلية في سورية استوعبت مئة ألف طالب جامعي إضافي.. بالإضافة للجامعات الخاصة وعددها حوالي 8 وهناك جامعات خاصة في طريقها إلى الإنشاء. وتوجهنا الأساسي الذي سنركز عليه بعد هذا التوسع الكبير.. هو رفع نوعية التعليم العالي وتحسين جودته ووضع المعايير لضمان ذلك.. إضافة إلى تحسين ظروف البحث العلمي.. والاستمرار في بناء القدرات العلمية والتقانية.. وإغناء الثروة الفكرية الوطنية.. من خلال تبنى سياسة وطنية ناجعة للعلوم والتقانات والإبداع. وعلى مستوى التأهيل والتدريب.. تم افتتاح العديد من المعاهد العامة والخاصة.. وفي مقدمتها المعهد الوطني للإدارة العامة.. والمعهد العالي لإدارة الأعمال.. وبذلت جهود كبيرة من أجل تطوير الموارد البشرية والاستثمار فيها.. وتمت الاستعانة بالخبرات الدولية في هذا الشأن.. ونعمل لكي يتحقق المزيد بحيث يصبح التأهيل المستمر عنواناً أساسياً في خططنا الحكومية. وعلى المستوى السياسي.. قمنا بإنجاز عدد من الخطوات لتطوير البنية السياسية.. من خلال تطوير تجربتنا الديمقراطية باتجاه توسيع المشاركة السياسية.. وإتاحة المجال لكل الطاقات الوطنية للإسهام في البناء الوطني. حيث تم تطوير ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية وتفعيل عملها.. وإفساح المجال واسعاً أمام الأحزاب الجبهوية لممارسة دورها في قيادة الدولة.. فتم إصدار صحف خاصة بها وفتحت فروع لها في المحافظات.. كما انضم إلى الجبهة أحزاب جديدة أسهمت في إغناء تجربتها. وكانت قرارات المؤتمر القطري العاشر للحزب.. نقطة انطلاق باتجاه تفعيل الأداء الجماهيري والحكومي.. خاصة فيما يتصل بتوصياته بتوسيع المشاركة السياسية وإصدار قانون للإعلام ومكافحة الفساد..بطبيعة الحال.. إن هذه الخطوات في مجال التطوير السياسي.. على أهميتها.. هي أقل مما نطمح إليه.. حيث أعاقت ظروف عديدة بعض التوجهات السياسية التي كنا نرمى إلى إنجازها. وقد كانت الغاية العليا بالنسبة لنا.. وسط الفوضى العارمة.. التي يصدرها البعض إلى منطقتنا.. وباتت تحيط بنا..الحفاظ على الأمن والأمان الذي يعيشه مواطننا وضمان الحياة المستقرة التي ينعم بها شعبنا.. فهما.. فوق كونهما مطلباً حيوياً لكل مجتمع.. عماد السيادة الوطنية وأساس الكرامة وأصل الازدهار والتطور. إن لدينا الإرادة الأكيدة.. لتطوير تجربتنا السياسية.. انطلاقا من قناعتنا بضرورة إفساح المجال واسعاً أمام الجميع لممارسة دوره.. وإغناءً لمناخ الحرية والديمقراطية.. ونؤمن بأن الديمقراطية ليست جانبا واحدا فقط.. وإنما هي مجموعة متكاملة من الجوانب التي تحتاج إلى التطوير معا.. بما يستجيب لخصائص الشعب واحتياجاته.. وهي ليست هدفا بحد ذاتها بل أداة من أجل التطوير والازدهار.. وهذه الأداة تحتاج إلى إعداد وظروف نهيئها لخدمة هذا الهدف.. ومن دون ذلك تفقد جوهرها كأداة للبناء.. وهذا ما عملنا وما نزال من أجل الوصول إليه. لذلك فإننا نتطلع إلى إنجاز عدد من الخطوات التطويرية في المرحلة القادمة التي نراها في غاية الأهمية في تدعيم بنائنا الوطني. وفي مقدمتها إصدار قانون للأحزاب السياسية يعزز المشاركة السياسية ويرفد الحياة الديمقراطية.. وتشكيل مجلس للشورى من شأنه الإسهام في العملية التشريعية وتوسيع دائرة اتخاذ القرار.. كما نعمل على تطوير قانون الإدارة المحلية.. باتجاه مزيد من اللامركزية بما يضمن مشاركة المجتمعات المحلية فيما يخصها ويضمن الفاعلية والكفاءة في وضع الخطط وتنفيذها..وكذلك نعمل على إيجاد حل موضوعي لإحصاء 1962 الذي حالت بعض الظروف دون إصداره. أيضاً كان هناك نقاش واسع حول هذا الموضوع.. موضوع التطوير السياسي. الخطوة الأساسية كانت بالنسبة لنا هي المؤتمر القطري العاشر. تذكرون ذلك المؤتمر وتلك التوصيات التي صدرت عنه.. وكان المؤتمر قد انعقد في بداية الهجمة الشرسة التي تعرضت لها سورية في ذلك الوقت. طبعاً هذه الهجمة غيرت الأولويات بالنسبة لنا.. ولكن هناك جانبا آخر يجب أن نعرفه بالنسبة لآلية التطوير. هناك المبدأ عندما نعلنه.. وهناك تطبيق هذا المبدأ.. سواء كان هذا التطبيق قانوناً أو قراراً أو آلية أخرى. عندما نصدر المبدأ.. لا يعنى بأننا سنطبق هذا المبدأ غداً.. لأن هذا المبدأ بحاجة إلى ظروف معينة كي يكون قابلاً للتحول إلى عمل.. وقابلاً للتطبيق مع الفوائد التي نرجوها منه. وأنا سوف أعطي مثالاً في مجال الاقتصاد. قانون المصارف. صدر قانون المصارف ولم يطبق إلا بعد أكثر من سنتين.. لماذا أصدرناه ونحن نعرف أننا غير قادرين على تطبيقه مباشرة... لأن عدم إصداره كان يعنى بأن الدولة غير جادة في توجهاتها الإصلاحية.. ونحن نعتبره جزءاً أساسياً.. ومحوراً.. فأصدرناه. أما التطبيق.. فكان له جانب تقني.. كان هناك ظروف معينة برأي الخبراء السوريين والعرب والأجانب الذين كانوا يأتون إلى سورية. كانوا يطرحون أفكاراً مختلفة ومتناقضة ولكن الغالبية كانت تقول.. لا تستطيعون أن تبدؤوا بإطلاق البنوك أو المصارف الخاصة قبل أن تقوموا بهذه الخطوات التطويرية وفي مقدمتها المصرف المركزي. الحقيقة لم نتمكن في نفس الوقت أن ننتظر كل الفترة التي طلبوها لكي نقوم بعملية الإصلاح كاملة.. لأن ذلك يعنى أن الإصلاح لن يبدأ إلا بعد سنوات طويلة. فقمنا بإطلاق المصارف الخاصة.. واعتبرها البعض في ذلك الوقت مغامرة.. ولكن الحمد لله نجحت هذه المغامرة.. ونحن نطور هذه التجربة في كل يوم. الكثير من الأشياء التي أقريناها كمبادئ بقيت فترة دون تطبيق حتى نهيئ الظروف. في هذه الحالة.. بالنسبة لموضوع مقررات المؤتمر القطري والجانب السياسي.. كان هناك قرار طبعاً.. ولو لم يكن هناك قرار لما أصدرنا هذه القرارات.. ولكن كان هناك عاملان.. العامل الأول.. نحن بحاجة لتهيئة الظروف.. وبحاجة لتجاوز الظروف الحرجة التي مررنا بها. بدأنا في ذلك الوقت بالحديث عن بدء حوار وطني على سبيل المثال.. ما هو قانون الأحزاب الذي نريده...وشكلت لجنة لكي تبدأ بدراسته.. ولكن في الحقيقة..وكما قلت في البداية.. أنا تعودت على الصراحة معكم.. لم يكن لدينا الوقت حتى لمناقشة أية فكرة لا بالنسبة لقانون الأحزاب ولا لغيرها.. وحتى في مرحلة من المراحل.. حتى الأولوية كانت الاقتصاد.. لم يكن لدينا الوقت لمتابعة الوضع الاقتصادي.. كنا نخوض معركة مصيرية.. وكان لابد من أن ننجح في هذه المعركة.. لم يكن هناك خيار أمامنا.‏

طبعاً هذا العام أيضاً.. عام 2007.. هو عام مصيري..نحن طبعاً في النصف الثاني وبقى منه بضعة أشهر.. هذا العام وربما أشهر من هذا العام ستحدد مصير ومستقبل المنطقة وربما العالم كله. طبعاً سيقول البعض.. كيف نحن نقول إن الإصلاح الداخلي لا علاقة له بالخارج... لماذا نربطه بالخارج... نحن نقول لا علاقة له بالخارج بالمضمون. نحن نحدد ما هو المضمون الذي نريده من خلال حوار وطني.. أما التوقيت فيرتبط بالظروف السياسية أولا أي توفر الوقت المناسب.. ثانيا بمدى تأثرنا بهذه الظروف التي ستأتي.. أو ربما لا تأتى.. لا نعرف. نحن لسنا منعزلين.. ولا نعيش في جزيرة، نحن نتأثر بكل ما حولنا.. نتأثر بالعراق ونتأثر بلبنان.. ونتأثر بفلسطين.. وبأشياء أخرى.. ربما تكون أبعد. فتأثير هذه الأمور أيضاً يحدد الاتجاه الذي نسير فيه. فإذاً نحن بالنسبة للإصلاح السياسي لا نقوم بقفزات..سنقوم بعمل تدريجي وندرس كل تجربة بالوقت المناسب.. عندما نرى ثغرات.. سنتوقف ونراجع ونؤجل.. ونغير الاتجاه. هذا هو الشكل الطبيعي. لدينا الأن ألف تصور لإصلاح سياسي واحد.. لا يجوز أن يعتقد كل شخص بأن هذا الإصلاح هو العمل الوطني.. وكل إصلاح آخر لا يجوز.. أو أن هذه المرحلة يجب أن نصل إليها خلال عام بينما نحن نعتقد بأننا يجب أن نصل إليها خلال أعوام. يبقى هذا الخلاف.. ولكن ما أؤكد عليه بأننا سنتابع السير في هذا الاتجاه خاصة في العام المقبل بعد أن تتضح الصورة بشكل كامل. أما بالنسبة للأولويات في الموضوع السياسي.. فطبعاً كما قلت في البداية بأن الأولوية هو الموضوع الاقتصادي بسبب حاجة المواطنين في سورية.. ولكن ما قيمة الاقتصاد إن لم يكن هناك استقرار... ما حصل في السنوات الماضية أن الوضع الأمني بظهور بعض العمليات الإرهابية.. محاولات التدخل الخارجي.. الضغوطات على سورية وضعت الاستقرار في المرتبة الأولى لأنه من دون الاستقرار لا يوجد اقتصاد.. ومن دون الاستقرار والاقتصاد وتحقيق الاحتياجات الأساسية للمواطن ولأولاده من الصحة والطعام إلى آخره.. بالإضافة للأمن.. ما قيمة التطوير السياسي... فيجب أن تكون الأولويات واضحة. في نفس الوقت مفهوم الأولويات لا يعنى واحد ثم اثنان ثم ثلاثة.. نحن نقول بالتوازي.. لكن مفهوم الأولوية هو مفهوم تركيز الجهود. أين نركز الجهود... نركز جهودنا بالوقت وبالتفكير.. بالموضوع الأكثر إلحاحاً بالنسبة للوطن.. هذا هو مفهوم الأولوية. لذلك نحن لن نتوقف في عملية الإصلاح السياسي.. ولكن لن تكون هي الأولوية الأولى في الظروف التي مررنا بها. إن شاء الله أن تكون الظروف أفضل في العام المقبل.. ونتمكن فعلا من انطلاقة واسعة.. خاصة أن الشعب السوري أثبت.. بالرغم من صعوبة نقل المعلومات في ظل وجود هذه الفضائيات والهجمة الإعلامية الشرسة على عقله.. تمكن من تمييز الأمور بشكل واع جدا.. وكما نقول بشكل صريح كأسرة واحدة.. لدينا ضعف في نقل المعلومات.. ومع ذلك تمكن من القيام بهذا الشيء وحافظ على استقراره. هذا يعنى بأن الشعب السوري مهيأ لعملية تطوير سياسي واسعة.. لكن يبقى أن تأخذ عملية النقاش وقتها الضروري لكي نصل لتجربة فيها إجماع. لا يجوز أن نصل لتجربة تؤدي للانقسام. هذا من جانب. من جانب آخر.. موضوع إحصاء 1962 كان هناك أيضاً عدم معرفة بالنسبة للكثيرين في سورية ما هو مضمون هذا الموضوع والأشياء الأخرى التي تطرح. أنا كنت في زيارة لمحافظة الحسكة عام 2002 في شهر آب.. والتقيت بكل الفعاليات.. كل الفعاليات من مختلف الشرائح من دون استثناء تحدثوا عن هذا الموضوع.. قلت لهم.. لا توجد مشكلة.. سنبدأ به. طبعاً كنا في ذلك الوقت في بدء المرحلة التي بدأت فيها الولايات المتحدة بالتحضير لغزو العراق.. وكنا في مجلس الأمن وكنا في قلب المعركة.. لم يكن هذا الأمر أولوية.. كان عمره أربعة عقود.. سرنا به بشكل بطيء.. ولكن كنا نتحرك.. وأتت حرب العراق وأتت الظروف المختلفة التي أيضاً أوقفت الكثير من الأمور بالنسبة للإصلاح الداخلي.. إلى أن وصلنا إلى عام 2004 وحصلت أحداث الشغب في محافظة القامشلي.. ولم نكن نعرف تماما ما هي خلفية هذه الأحداث.. لأن البعض حاول استغلالها لأهداف غير وطنية.. ولكن لاحقاً اتضح بأن هذه الأحداث هي أحداث شغب لا علاقة لها بأي طرح غير وطني.. ولو أن البعض حاول استغلالها. مع ذلك تم إيقاف الموضوع لإعادة دراسته بشكل واضح على خلفية هذه الأحداث.. وأعدنا تفعيله في العام الماضي بمبادرة من الدولة.. قمنا بإعادة تفعيله طالما أن الأحداث مرت ومر الزمن وواضح تماما أنه لا يوجد حالة غير وطنية. ولكن بقيت محاولة استغلال هذا الموضوع. أيضاً هناك التباس بين موضوعين.. فهناك التباس بين موضوعين..موضوع إحصاء 1962 وهم الأشخاص الذين أعطوا الجنسية السورية لجزء من العائلة مثلا ولم يعط للجزء الآخر.. وهو حق لهم. وهناك موضوع ما يسمى المكتومين.. كان هناك أيضاً من يعتقد بأنهم جزء من المشكلة في ذلك الوقت. المكتومون هم أشخاص في سورية من جنسيات مختلفة وليسوا على قيود سورية.. ليسوا على قيود السجل المدني في سورية أو أي سجل آخر. يعنى هو موضوع آخر. كان هناك من يمزج بين موضوع المكتومين وموضوع إحصاء 1962. أيضاً هناك من أتى إلى سورية من جنسيات مختلفة.. ومعظمهم من الأكراد الذين أتوا من تركيا أو من العراق لأسباب معاشية سياسية أمنية وغيرها. هذا الموضوع لا علاقة لنا به. نحن نتحدث عن موضوع الإحصاء. في المراحل الأخيرة تقريبا انتهي العمل التقني بالنسبة للقانون. أين توقفنا... توقفنا.. قلنا نريد لكي نمنع الاستغلال.. نريد من كل الفعاليات المعنية بهذا الموضوع أن تعرف بأن الموضوع هو فقط موضوع إحصاء 1962.. لا نريد أن ننتقل من قضية إحصاء 1962 لكي يقولوا لدينا بعد أربعين عاما هناك مشكلة أخرى.. مشكلة اسمها إحصاء 2007.. أو يكون هناك أشخاص لم يأخذوا الجنسية. أنا أقول هذا الكلام.. لأن هناك من يحاول أن يستغل هذا الموضوع مع الهيئات في أوروبا ومع الوفود التي نلتقيها وتتحدث معنا في هذا الموضوع. واضح تماماً بأن هناك من يستغلها. نحن نريد أن يصدر القانون بعد أن نكون قد اتفقنا على أن هذا القانون هو الحل الوطني النهائي.. وأي طرح بعد حل موضوع الإحصاء يعتبر محاولة لهز استقرار الوطن. هذا هو الموضوع الأن.. والمشاورات مازالت مستمرة.. عندما ننتهي من هذه القضية.. القانون موجود.. وهي قضية بسيطة.. وأعتقد أن هناك إجماعاً وطنياً في سورية حول ضرورة حل هذه المشكلة. أردت أن أعطيكم فكرة عن هذا الموضوع. كيف نفكر، في قانون الإعلام.. لم نمر عليه.. ولكن طرح كثيراً. هناك مقترح في وزارة الإعلام مؤخراً حول ضرورة تعديل قانون الإعلام الحالي.. وأنا سمعت الكثير من الشكاوى من الإعلاميين وغيرهم حول عدم رضاهم عن قانون الإعلام الحالي.. فربما تكون هناك مقترحات سريعة في هذا الإطار من وزارة الإعلام تدرس في مجلس الشعب ومن ثم يتم إقرار هذا القانون. أعتقد هذه هي القضايا الأساسية. طبعاً مجلس الشورى هو موضوع آخر أوسع، وبحاجة لنقاش أوسع.. لا يوجد لدينا الأن تصورات. ولكن يجب أن يوضع هذا التصور لأن هناك تجارب أخرى.. والتصور يجب أن يوضع بالتعاون مع كل مؤسسات الدولة.. وأيضاً أن يكون هناك حوار وطني.. ما هو دور هذا المجلس... ما هو دور مجلس الشعب... كيف نوسع المشاركة من دون أن يكون هناك أي تناقض في الصلاحيات... يجب أن يكون داعم لعمل مجلس الشعب وليس العكس. على كل الأحوال.. كما قلت.. هناك تجارب كثيرة نستطيع أن نستفيد منها.‏

أيتها الأخوات.. أيها الإخوة..‏

إن ما أتيت على ذكره من أعمال قمنا بها وقرارات اتخذناها تمثل بعضا مما تم إنجازه خلال المرحلة الماضية التي كانت حافلة بالعمل والإنجاز.. وكانت مرتسماتها واضحة فيما تحقق على أرض الواقع من تطوير طال مختلف أوجه حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والخدمية.. وقد هيأت لنا بمجملها الأساس المتين لتطوير الواقع المعاشي لشعبنا.. وحصنت استقرارنا الوطني..ودعمت قدراتنا على الصمود والمواجهة.. وشكلت الأرضية الصلبة التي ارتكزنا عليها في اتخاذ قراراتنا الوطنية التي تهدف إلى صيانة استقلالنا وضمان سيادتنا.. والأهم من ذلك كله.. فقد كان ما تم إنجازه مرتكز الانطلاق نحو المستقبل. وإن هذا الذي تحقق.. لا يجعلنا نغفل عما لم نحققه.. وما نفذناه لا يجعلنا نعتقد إننا قمنا بكل ما كنا نخطط له. هناك أمور لم نستطع تحقيقها بسبب أحداث أحاطت بنا وتحديات تطلبت مواجهات سريعة وملحة لها.. ومصاعب لم تتوفر الإمكانات الموضوعية والذاتية لتجاوزها.. بعض من هذه الظروف يرتبط بالضغوط الشديدة التي مورست على بلادنا.. ومحاولات التدخل في شؤوننا الداخلية.. بهدف كسر إرادتنا ودفعنا للتخلي عن حقوقنا وثوابتنا..واضطرتنا إلى إعادة ترتيب العديد من أولوياتنا.. وتعبئة الكثير من مواردنا في سبيل مواجهتها.. تحمل معها مواطننا العبء الأكبر والمباشر فيها.. وقدم بصبر وعزيمة كل ما لديه في سبيل رفعة وطنه وكرامته. وبعض من هذه المصاعب يرتبط بنا وبمعطياتنا الداخلية.. حيث كان في مقدمتها البنية الإدارية القائمة والتي لم تتطور بما يكفي من كفاءة لاستيعاب المهام المطروحة.. وكذلك افتقاد الكوادر المؤهلة لإنجاز هذه المهام بما يلزم من فاعلية وإتقان. وكان في جملة المشكلات الأساسية التي واجهتنا ضعف العمل المؤسسي وفقدان المنهجية في العمل، وتشابك المسؤوليات، وتراجع الإحساس بالحافز لدى البعض لأداء ما هو مطلوب منه، يضاف إلى كل ذلك.. عدم أيضاً بعض التشريعات والقرارات التي تم إصدارها أو التسرع في إصدار البعض منها دون دراسة وافية.. وعدم تنفيذ جزء منها بجدية ومسؤولية.. كما عانينا من ضعف البنية الإحصائية وقواعد البيانات وانعكاس ذلك على دقة تحليل الأداء والاستشراف.. يضاف إلى ذلك ضعف آليـات المتابعة والمراجعة والتقويم. وفوق ذلك كانت الزيادة السكانية المتسارعة تفرض علينا وعلى خططنا أعباء كبيرة. هنا نعود إلى الرقم(1ر5) من النمو. لا نستطيع أن نتحدث أيضاً عن الأرقام من دون أن نعرف ما هي الزيادة السكانية. فالجزء الكبير من هذا الرقم يبتلع بالزيادة السكانية، وهذا الموضوع لا تستطيع الدولة أن تفعل إزاءه أي شيء، هذا موضوع اجتماعي يجب أن يكون هناك وعي اجتماعي لأهمية زيادة السكان ضمن الحدود المعقولة؛ لكي يبقى النمو في إطار فعلي وليس فقط في إطار الأرقام، كما لابد من التوقف بعناية عند البنية الثقافية السائدة والذهنية التي تحكم تصرفات البعض منا؛ والتقاليد السلبية التي لا تشجع على المبادرة والإبداع؛ ولا تدفع باتجاه احترام قيم العمل الجماعي والالتزام بروح الفريق، وتؤدي بالتالي إلى غياب ثقافة العمل لدى الكثيرين، الأمر الذي أعاق الانخراط الوظيفي والذهني في قلب مشروع التحديث الذي نقوم به. على الرغم من كل ذلك؛ فإن لدينا العزيمة لتلافي جميع الثغرات وتجاوز عوامل القصور الذي انتاب بعض جوانب أدائنا، ولدينا الطموح الواسع لتحقيق التنمية والازدهار في مختلف جوانب حياتنا، لذلك بدأنا الخطوات الأساسية بمشروعنا التنموي منذ عام 2006 ونعنى بذلك الخطة الخمسية العاشرة التي نعمل جادين على تطبيقها بإشراك جميع الشرائح الاجتماعية والهيئات الوطنية.. إنها استراتيجية تطوير شاملة ومتكاملة وتنطوي على برنامج إصلاحي متدرج.. وهي تعبر عن رؤيتنا التنموية الوطنية لكل مناحي حياة المجتمع ومفاصل العمل فيه.. وتتلازم فيها القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية وغيرها من المجالات.. لذلك لابد من أيضاً هذه التوجهات على مختلف المستويات كي يكون مسارنا واضحا أمام الجميع.. ولتكون محصلة أدائنا الجماعي متسقة باتجاه تحقيق أهدافنا التنموية.‏

إن أمامنا مهاماً واسعةً في المستقبل تحتاج إلى تكثيف جميع الإمكانات لإنجازها.. واعتبارها مرتكزات عملنا الوطني في المستقبل.. في مقدمتها: إيلاء الأجيال الناشئة كل الاهتمام والرعاية عبر تحصينهم مادياً ومعنوياً؛ والاهتمام بمستقبلهم العملي والمهني؛ ووضع قضية البطالة التي تؤرق الأجيال الشابة في أولوية اهتماماتنا خلال المرحلة القادمة، وبالتوازي مع الانفتاح الواسع الذي نسير به في سورية علينا العناية بتنشئتهم وثقافتهم وتعليمهم، وترسيخ الملامح العربية الأصيلة في شخصيتهم، لكي يكون انفتاحنا ايجابياً وبناءً. وكمهمة ثانية؛ لابد من استكمال الظروف الملائمة لتشجيع الاستثمارات وتنويعها وتوجيهها باتجاه القطاعات الواعدة في بلادنا؛ وتجاوز جميع المعوقات البيروقراطية التي تمنع ذلك؛ لاسيما أننا طورنا القوانين الناظمة للاستثمار وقدمنا كل التسهيلات، وقد كان مشجعاً رغم هذه الظروف أن تصل قيمة المشاريع الموافق عليها حسب قانون الاستثمار إلى 470 مليار ليرة سورية، وفي القطاع السياحي مئة مليار ليرة سورية، طبعاً العبرة هي في التنفيذ وعلينا أن نعمل جاهدين لكي تتحول كل هذه المشاريع إلى أمر واقع على الأرض. ومن المهم اعتماد التخطيط الإقليمي في سياساتنا التنموية.. لتوجيه مشاريعنا المستقبلية بالاتجاه المناسب.. من خلال وضع خارطة اقتصادية واجتماعية وتعليمية واستثمارية واضحة في ضوء الاحتياجات من جهة؛ والمهام الوظيفية لمناطق القطر المختلفة من جهة أخرى. وفي إطار تحقيق تنمية متوازنة وعادلة تتكامل مع الاتجاه نحو اللامركزية الإدارية في خططنا الراهنة.. بما يضمن في النهاية الكفاية التنموية الشاملة على صعيد كل منطقة ومحافظة.. وبشكل متكامل ومتناسق مع باقي مناطق ومحافظات القطر. لا نقصد بالمنطقة التقسيم الإداري الأصغر من المحافظة، وإنما نقصد المنطقة بالمعنى الأوسع؛ كأن نقول المنطقة الشرقية، الجنوبية، الوسطى.. وهكذا.‏

أما في التطوير الإداري؛ فالتطوير الإداري هو الخطوة الأولى باتجاه أي تطوير اقتصادي في البلاد؛ لذلك.. فإن متابعة عملية التطوير الإداري وأتمتة الأعمال ونشر الثقافة الإدارية الصحيحة؛ وإيلاء التأهيل والتدريب العناية اللازمة، وإرساء قواعد للشفافية والكفاءة. يجب أن يكون في مقدمة أولوياتنا. طبعاً بالنسبة للتطوير الإداري بالإضافة للعقبات التي ذكرتها في البداية. فنحن أول ما يجب أن نأخذه بالاعتبار أن ننتقل من توجه إلى توجه آخر بنفس الكوادر؛ وهذه الكوادر تعودت على نمط معين وعلى أسلوب معين؛ وبنفس الوقت لم يكن يوجد تأهيل بالنسبة للاتجاه الجديد الذي دخلنا به. الجانب الآخر إن التطوير الإداري أو الإدارة هي علم قائم بحد ذاته وهذا العلم لدينا ضعف كبير فيه.. وربما لا يكون موجوداً بالمستوى المطلوب لتطوير دولة كاملة.‏

ما قمنا به.. حاولنا الاتصال بعدد من الشركات الأجنبية المعروفة في العالم وعددها محدود والتي لها تجارب تطويرية بالنسبة للشركات أو بالنسبة لدول، وأذكر أنني التقيت بواحدة منها منذ عدة سنوات.. منذ سنتين أو أكثر بقليل.. وكانوا متحمسين للبدء في عملية تطوير إداري واسعة في سورية، وبعد شهر أرسلوا لنا رسالة بأن الإدارة الأمريكية منعتهم من أن يقوموا بأية عملية تطوير في سورية. طبعاً هناك شركات بالأساس لم تأت لنفس الأهداف ولنفس الأسباب، فإذا كان هناك حصار علينا حتى في محاولات التطوير. مع ذلك.. هناك تجارب أخرى بدأنا الآن نتوجه لها ولكن لم نقم بشيء فعلي حتى الآن.. ربما يجب أن نبدأ بها بشكل عاجل، هي الدول الأخرى التي قامت بخطوات تطويرية في الشرق، وماليزيا واحدة من هذه الدول الأهم من أن تأتي بتجربة متطورة قد لا تتناسب مع سورية، أو قد لا يتمكن الخبير الأجنبي من مواءمتها مع وطننا..‏

إن هناك دولاً أخرى قامت بتجارب وانتقلت من ظروف مشابهة لظروفنا في الوقت الحالي إلى ظروف نحن نريد أن نصل إليها.. وهم وصلوا إليها الآن؛ هذه الدول ربما تكون أقدر على إعطاء مقترحات موضوعية في مجال التطوير الإداري، هذا ما سنسعى إليه. والحديث عن التطوير الإداري يقودنا إلى الحديث عن الفساد الذي يعتبر محط اهتمام الناس في بلدنا؛ لتأثيره المباشر وغير المباشر على الحياة الاجتماعية، ولتحوله إلى معوق للإصلاح. وعلى الرغم مما يثار عن حجمه وأبعاده، وعلى تباين الآراء في هذا الشأن؛ وعلى الرغم من الجهود المبذولة للحد منه ومكافحته فإننا مازلنا نحتاج إلى آليات ناجعة لمكافحة الفساد. فالمحاسبة هي آلية مهمة.. لكنها ليست كافية.. لذلك فان التطوير الإداري.. وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة.. هي آليات مكملة. أيضاً في السنوات السبع الماضية تحدثنا كثيراً عن الفساد؛ وكان هناك الكثير من المقترحات. ولكن أضع النقاشات في ثلاثة أصناف:‏

الأول: وهو حقيقي في مكافحة الفساد.. لا شك بأن الفساد وعلى المستويات العليا في الدولة.. إن لم نقل بأنه غير موجود.. فنقول: بأنه كوفح بشكل مرضٍ تماماً على المستوى الأعلى، وأعتقد بأن إدراك هذه الحالة موجود بين المواطنين.‏

هناك حالة أخرى هي حالة لنقل بأنها وهمية ولا تحدد تماماً أين هو حجم الفساد؟ حيث أنه خلال السنوات السبع الماضية كان هناك المزيد من الحرية بالنسبة للنقد والتعبير؛ ودخل الإعلام في هذا الموضوع فأصبح الحديث في الإعلام أكثر؛ وهذا يعطى حجماً أكبر لنفس الموضوع.‏

أما النقطة الثالثة.. وهي المكان الذي توسع فيه الفساد فعلاً.. فهو الاقتصاد الذي توسع. عندما يتوسع الاقتصاد وتتوسع المصالح وتتوسع حركة الأموال ويتوسع الاحتكاك بين الدولة والمال من دون إيجاد آليات قوية لمكافحة الفساد.. فهنا يتوسع الفساد.. وهنا فعلياً يتوسع الفساد. وهذا شيء إجباري إن لم نقم بتطوير آليات لمكافحة الفساد. حسناً.. كما قلت قبل قليل: العقوبة ضرورية.. لكن العقوبة هي حل مؤقت ولن يؤدى للنتائج التي نتوخاها.. لسبب بسيط.. لأن أغلب الحالات لا يوجد ضدها دليل.. ولقد قمنا بتحويل العديد من الحالات والقضايا إلى القضاء وتابعناها، لكن لم يثبت وجود فساد بالرغم من قناعة الكثيرين بأن هناك فساداً. فإذاً هذه حالة المحاسبة لا تكفي لوحدها بالرغم من ضرورتها. وفي الوقت ذاته الفساد يطور نفسه.. الفساد ذكي وعادة يطور نفسه بشكل أسرع من تطور آليات الدولة، حتى لو كانت الدولة تتطور بسرعة. فإذاً ما هو الحل الفعلي؟! الحل الفعلي هو كما قلنا بالإدارة: في الإدارة.. إن كان لدينا إدارة جادة فعلاً.. وكان هناك أتمتة.. وهناك آليات للاختيار.. وهناك آليات للتقييم والاختيار، فلا يكفي أن نختار شخصاً لأنه جيد فقط؛ وبعد فترة نكتشف أنه فاسد أو أنه يتحول إلى إنسان فاسد، فالتقييم أهم من الاختيار. كل هذه الآليات إن توفرت ستعطي النتيجة التي تريدها؛ وحينها حتى لو دخل شخص فاسد جديد إلى الدولة فانه لن يكون قادراً على الفساد وعلى إفساد الآخرين. لذلك الإدارة هامة جدا.. وما نقوم به ببعض الحالات التي نكافح فيها الفساد والمعاقبة هي حالات مؤقتة لم تعط النتائج. بنفس الوقت علينا أن نسال سؤالاً لا نسأله عادة؛.. هذا الشخص إذا كان فاسداً.. هل يعنى أنه تربى في منزله أم لا... التربية هي جزء أساسي، الفساد قضية أخلاقية يجب أن نراها كمجتمع وليس فقط كدولة وكإدارة وكسجن.. ربما يكون الأب وإلام غير فاسدين.. ولكن التربية غير صلبة.. لا يكفي أن نربي الإنسان على بعض الأخلاق.. يكون في البداية ملتزماً بها، وبعد فترة ينحرف. فإذاً نحن نريد من كل أب وأم أن يربوا أولادهم تربية وطنية وتربية أخلاقية صلبة؛ وبالتالي نرى.. وأنتم ترون؛ هناك الكثير من الأشخاص يعيشون في بيئة فاسدة ولكنهم شرفاء؛ هذا ما نريده. فإذاً القضية قضية اجتماعية بنفس الوقت؛ ولا يكفي أن ننتظر العمل من الدولة. طبعاً هذا الطرح هو للمدى البعيد. لا أتحدث عن المعالجة؛ لأن المعالجة السريعة هي من مهام الدولة. فإذاً التربية منزل وتربية.. أي وزارة التربية والمدارس؛ هذا ما علينا أن نفكر به؛ كيف ندخل هذه المفاهيم.. وهي لا تختلف عن إدخال مفاهيم أخرى معيقة كفهم العمل الجماعي، نحن نعمل بشكل فردي، وغيرها من الأمور الأخرى. وحين نقول آليات شاملة لمكافحة الفساد فإن ذلك يجب أن يمتد إلى تحسين آليات المراقبة وتطوير الإعلام؛ ودفع المشاركة المجتمعية إلى الأمام، بحيث تصبح هذه القضية بين يدي المجتمع بأكمله.. خاصة أن الفساد قضية أخلاقية وتربوية بالدرجة الأولى. ويجب أن نولي أهمية فعلية ودائمة لعملية التحديث القضائي وهو إحدى المشاكل الكبيرة التي يشتكي منها المواطنون بشكل مستمر؛ فالاستقرار القانوني هو أساس الاستقرار والعدالة في المجتمع؛ وهو العنصر الحاسم لتنمية قوية وسليمة.. وتحديثه يجب أن يطال التنظيم القضائي كاختيار القضاة وتأهيلهم على نحو عال، وإعادة هيكلة العمل القضائي بما يحقق الفاعلية والشفافية ويخفف البيروقراطية وتراكم القضايا.. بالإضافة لإحداث المصالح والمتطلبات القضائية لتغطى كل التجمعات السكانية.. ومراعاة التنوع والاختصاص.. وتحديث المحاكم الإدارية والقضاء التجاري.. وأتمتة العملية القضائية.. وهذه طبعاً مجرد نقاط علام. هناك تفاصيل أخرى يجب أن نسير بها.‏

ويجب إيلاء اللغة العربية ـ وهذا الموضوع هام جداً وأول مرة أتحدث عنه ـ التي ترتبط بتاريخنا وثقافتنا وهويتنا كل اهتمامنا ورعايتنا.. بدأت بهذا الموضوع ووضعته في خطاب القسم لأن هناك تراجعاً بالنسبة للغة العربية المرتبطة بالهوية العربية. ويجب إيلاء اللغة العربية التي ترتبط بتاريخنا وثقافتنا وهويتنا كل اهتمامنا ورعايتنا؛ كي تعيش معنا في مناهجنا وإعلامنا وتعليمنا كائناً حياً ينمو ويتطور ويزدهر، ويكون في المكانة التي يستحقها جوهراً لانتمائنا القومي، وكي تكون قادرة على الاندماج في سياق التطور العلمي والمعرفي في عصر العولمة والمعلومات، ولتصبح أداة من أدوات التحديث ودرعاً متيناً في مواجهة محاولات التغريب والتشويش التي تتعرض لها ثقافتنا. لقد أعطينا في سورية اللغة العربية كل الاهتمام؛ وتبوأت موقعاً رفيعاً في حياتنا الثقافية منذ وقت مبكر.. ومطلوب منا اليوم استكمال جهودنا للنهوض بها.. لاسيما في هذه المرحلة التي يتعرض فيها وجودنا القومي لمحاولات طمس هويته ومكوناته.. والذي يشكل التمسك باللغة العربية عنواناً للتمسك بهذا الوجود ذاته. ويجب أن نتذكر أنّ دعمنا لتعلم اللغات الأجنبية للوفاء بمتطلبات التعلم والتواصل الحضاري مع الآخرين ليس بديلا عن اللغة العربية؛ بل محفز إضافي لتمكينها والارتقاء بها. وهنا يحصل الخلط.. أي أنا مهتم جداً بتطوير نفسي في اللغات الأجنبية وأتحدث بعض اللغات بطلاقة ولا يوجد لدى مشكلة؛ ومتحمس لهذا الشيء.. ولكن بنفس الوقت أنا حريص على اللغة العربية. أول سؤال أساله بعد أي خطاب ما هو عدد الأخطاء اللغوية التي قمت بها قبل أن أسال عن مضمون الخطاب. علينا أن نركز بشكل مستمر على هذا الموضوع. في كل خطاب ننسى الكثير من الأفكار ولكن لا أحزن. ولكن إذا عرفت بعدد من الأخطاء اللغوية وهي دائما موجودة فمع كل خطأ أشعر بالخجل. وأنا كلفت نائب رئيس الجمهورية للشؤون الثقافية الدكتورة نجاح العطار بهذا الموضوع منذ أشهر قليلة.. وبدأت بعقد الاجتماعات مع الفعاليات المختلفة في الحكومة وخارج إطار الحكومة.. لوضع إطار عام.. لأن الملاحظ تماما من خلال الأنترنت والفضائيات وكل هذه الأمور.. بدأنا نتأثر؛ ومع الوقت اللغة العربية ستصبح أضعف.. وعندما تضعف اللغة العربية من السهل أن يضعف أي ارتباط آخر لنا سواء بالنسبة للوطن.. بالنسبة للقومية.. أو بالنسبة للدين.. هذه الأمور ترتبط باللغة. على كل الأحوال.. أيضاً وزير التربية موجود معنا هنا ونبه منذ أسبوع حول هذا الموضوع لتداركه قبل بداية العام الدراسي. ومطلوب منا جميعاً أن نعمل على تفعيل دور المرأة أكثر؛ وإفساح المجال واسعاً أمامها كي تكون عضواً فاعلاً في مختلف المجالات؛ فنماء المجتمع وانفتاحه وتقدمه مرتبط بصورة أساسية بمقدار ما تتمتع به المرأة من حقوق بشكل فعلى وما تساهم به من واجبات في حياة بلدها. أقول: بشكل فعلي وليس على طريقة الحصة الموجودة دائما للمرأة في أي مكان سواء في مجلس الشعب أو في النقابات أو في غيرها. نريد من المرأة أن تدخل بإمكانياتها وبقناعة الناس بدورها الأساسي. فهذا الموضوع من المواضيع التي ترتبط على كل الأحوال بتطور المجتمع. لا نستطيع أن نتحدث عن تطوير المرأة ولا نطور المجتمع. هي جزء من هذا المجتمع.‏

على كل الأحوال.. هذه النقاط مجرد عناوين.. لو أردنا أن نتحدث بكل القضايا الداخلية سنتحدث لأيام.. لكن ما أريد أن أقوله بأن ما قمنا به كما قلنا كان مرض بسبب الظروف. يعنى هناك شخص يسير واحد كيلو متراً على طريق مستقيم.. بينما نحن نسير الواحد كلم ليس صعوداً.. بل تسلقاً في مثل هذه الظروف؛ واستطعنا أن نصل. لكن يجب أن نعرف أيضاً بأن ما أنجزناه حتى الآن هو الأسهل وليس الأصعب كما قلت في البداية: وضعنا أولويات؛ واحدة من هذه الأولويات هي الأسهل. هذا الأسهل.. أسهل ربما لأنه كان هناك توافق أكثر حوله في المجتمع.. ربما لتوافر الإمكانات البشرية والمادية للقيام به. ولكن بكل تأكيد هناك قضايا أخرى لم نطرحها. الآن بنفس الآلية وبنفس الظروف نستطيع أن نطور أكثر.. لكن أعتقد خلال فترة قصيرة سنصل إلى حد معين.. وكل ما تحدثت عنه من محاور أو عن الخطة الخمسية لن يكون قابلاً للتطبيق إن لم نبدأ بآليات أخرى بالمزيد من التطوير.. بالمزيد من التعب.. بالمزيد من الحوار.. بالمزيد من التفكير الجدي حول القضايا التي ربما تكون شائكة.. وهي كثيرة طبعاً.. ربما أحيانا نصل إلى مرحلة نشعر أن هناك تناقضا بين شريحتين أو بين جهتين.. فكيف نصل إلى حل... حتى الآن لم نبدأ بهذه القضايا الشائكة.. لذلك أعتقد بأن المرحلة المقبلة بحاجة للمزيد من الجهود. أما الشيء الذي أريد أن أؤكد عليه.. خاصة ما نسمعه بشكل مستمر عن دور الدولة بالنسبة للشرائح الاجتماعية.. تراجع دور الدولة.. ضعف دور الدولة.. إلغاء الدعم..التحضير لإلغاء الدعم.. كل هذا الكلام.. كلام إما تشويش أو إشاعات أو عدم معرفة. هناك حالة وحيدة لكي نلغي كل هذا الدور.. ونلغى الدعم عن المواطن.. ربما إذا صدر قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع عندها.... لا تستغربوا أن يأتي يوم يقولون فيه: إن دعم الفقراء هو دعم للإرهاب.. كل شيء لم يعد مستغرباً....‏

أيتها الأخوات.. أيها الإخوة..‏

باتت الأحداث المأساوية التي تضرب منطقتنا وشعوبنا جزءاً من المشهد اليومي لاسيما في العراق وفلسطين ولبنان، وبتنا على قناعة بأن المجتمع الدولي يفتقد للإرادة الجدية في تنفيذ قراراته وتحمل مسؤولياته عندما يتعلق الأمر بحقوقنا وقضايانا؛ لأن هنالك قوى كبرى تتحكم بمصيره.. لدرجة تجعل مثل هذا المجتمع غير موجود بالمعنى الذي نفهمه والذي تضمنته الشرعات الدولية. بل تجعل منه مجتمعا من العلاقات العامة القائم على قدر كبير من الخداع والتضليل.. تصور الأمور فيه خارج سياقها الطبيعي وتقدم المشاريع بصيغة زائفة وتعمل آلة الإعلام فيه على تشويه الحقائق والتشويش على العقول من أجل نسيان الحقوق.‏

وإذ لا يوجد مجتمع دولي يظلل الجميع.. فلا توجد بالتالي سياسة دولية تؤمن شروط العدالة والاحترام في العلاقات بين الدول.. لأن الدولة الكبرى في العالم افتقدت الرؤية العقلانية والمنصفة.. في حين لجأت بعض الدول الأوروبية الفاعلة إلى ربط سياساتها بسياسة الولايات المتحدة ربطاً آلياً تجاه المنطقة والعالم. وعلى الرغم من الحوارات الكثيرة التي أجريناها مع بعض هذه الدول.. والتي توصلنا بنتيجتها إلى تصورات متقاربة تجاه بعض المواقف والأحداث.. وعلى الرغم من تعرف هذه الدول إلى حقيقة الأوضاع في المنطقة.. وإلى مجموعة الأفكار التي يمكن أن تساعد في إيجاد حلول لها.. إلا أنها مازالت تفتقد إلى القدرة على المبادرة لوضع هذه الأفكار موضع التنفيذ. تحدثنا في الأمور السياسية في الخطاب الماضي.. ولا يوجد شيء جديد.. ولكن هناك بعض الأشياء التي من المفيد معرفتها.. تفاصيل تدل على ما هي السياسة الدولية الموجودة. عندما نقول لا يوجد سياسة دولية تقوم على العدالة والاحترام.. فهذا كلام حقيقي. مثلا يأتينا مسؤول ويتحدث عن أشياء معينة في اللقاء ويكون مقتنعا تماما.. لكنه يخرج إلى الإعلام ويتحدث باتجاه مختلف لأن البيان مكتوب مسبقا. لا يهمه الحوار.. هو لم يأت للحوار. هم أتوا لنقل رسائل وليس للحوار. نحن نحاورهم.. هم يقتنعون على المستوى الشخصي.. ولكن عندما يتحدثون فإنهم يقولون تلك الأشياء المسبقة التي طلبت منهم.. من دولتهم أو من دولة أخرى أرادت منهم هذا الشيء. الجانب الآخر في السياسة الدولية الذي بتنا نسمعه بشكل جديد. يأتينا خبر من أكثر من مسؤول أجنبي ليقول.. أنا أريد القدوم إلى سورية.. ولكن إن أتيت إلى سورية ماذا سيقدم لي... أي يجب أن نقدم له مكاسب ليعود وهو البطل الذي استطاع انتزاع المكاسب من سورية. فنقول لهم.. تأتون إلى الحوار ولا يوجد لدينا شيء نقدمه سوى الحوار. لا يوجد لدينا جوائز ترضية نعطيها لأحد. وأيضاً أعطيكم صورة عن التناقض السياسي الموجود. تسمعون من وقت لآخر بيانا لمجلس الأمن يطلب من سورية عدم التدخل في قضية ما.. ومن ثم تجتمع مجموعة الدول الثماني لتطلب من سورية عدم التدخل في قضية أخرى. تفاجؤون بأن كل المسؤولين الذين زارونا من الغرب مؤخرا كانوا يأتون ليضغطوا علينا لنتدخل؛ تماماً عكس ما يحصل.. عكس ما نسمع في البيان..فنقول لهم: غريب.. نحن قررنا أن نلتزم ببياناتكم.. لماذا أنتم لا تلتزمون بها؟!... نحن قررنا ألا نتدخل؛ هم يضغطون علينا. إذا قلنا لهم: نحن لا نريد.. فسيقولون.. ويقولون لنا في الاجتماع ولاحقاً في الإعلام.. بأنكم أنتم دولة معرقلة. فإذاً المطلوب من سورية أن تلعب الدور.. هم يعرفون أن سورية لها دور.. المطلوب أن تلعب دورا لكن ضد مصلحتها وضد مصلحة أصحاب القضايا في الدول المعنية. في الوقت ذاته يتهمون سورية بأنها دولة ضعيفة. دولة ضعيفة لماذا تمارس عليها كل هذه الضغوط... دولة ضعيفة لا أحد يهتم بها.. يعنى بنفخة واحدة من الدول العظمى تصبح على الهامش.. فغير معقول أن نكون دولة ضعيفة وفي الوقت ذاته يطلبون منا أن نقوم بدور ونحن ضعفاء.. وبنفس الوقت يضغطون علينا ونحن دولة ضعيفة. لو أردنا أن نجد ربطا منطقيا بين هذه الأمور فهذا الشيء مستحيل. فأذكر في إحدى المرات في العام الماضي أتاني أحد المسؤولين وأعطاني سلسلة من المطالب من الولايات المتحدة وفيها حل كل مشاكل الشرق الأوسط.. قلت له.. لا مانع لدى من القيام بهذا الشيء بشرط أن تعطونا مقعدا دائما في مجلس الأمن لأننا نحن دولة عظمى ولم نكن نعلم بأننا دولة عظمى. لذلك أعطى هذه التفاصيل لأننا لا نستطيع أن نطرحها في الإعلام.. ولكن بمعرفة هذه التفاصيل تستطيعون.. من المشاهدة في التلفاز أو قراءة الخبر.. فهم ما خلف الخبر وما بين السطور. وكما قلت قبل قليل.. طالما أن الشعب السوري يمتلك الوعي.. فإعطاء هذه التفاصيل يساعده دائما على التواصل مع دولته بالنسبة للمواقف السياسية التي نتخذها.‏

وأثيرت في الآونة الأخيرة بعض الأحاديث عن نية إسرائيل استئناف عملية السلام على المسار السوري.. لذلك.. فإننا نؤكد مرة أخرى ثباتنا على مواقفنا.. واستعدادنا للسلام العادل والشامل وفقا لقرارات الشرعية الدولية.. كمقدمة لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.. وفي حال أبدى الطرف الإسرائيلي التزامه الصريح والواضح بذلك..فنحن مع استئناف التفاوض لتحقيق المبدأ الأساسي الذي نظم العملية من الأساس وأقصد الأرض مقابل السلام.. بما يضمن عودة الجولان كاملا حتى خط الرابع من حزيران لعام 1967.. وليتذكر الإسرائيليون أن السلام الحقيقي الذي يستمر.. أكثر جدوى من كل ما عداه من أوضاع لا تدوم.. وأن كلفته أقل بمئات المرات من كلفة الاحتلال والعدوان اللذين لن يبقيا. أيضاً بين الخطاب الماضي وهذا الخطاب ظهرت القليل من الأشياء. شرحنا موقفنا من المفاوضات السرية ومازلنا بنفس الاتجاه. بعض المستجدات هي المزيد من الوفود التي أتت إلى سورية بهدف الحديث عن نفس الموضوع.. وكانت تأتى أو تحمل معها وساطة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه يريد السلام. البعض من هؤلاء كانوا من عتاة المناصرين لإسرائيل حتى في الحرب.. بحسب ما قال لي أحدهم.. وأغلبهم من اليهود الأمريكيين أو من دول أخرى في العالم. طبعاً شرحنا لهم أن اليهود العرب غير الصهاينة.. الخ.. لكي لا تؤخذ هذه الكلمة من الخطاب. ولكن هم من المتحمسين لعملية السلام وقالوا بالحرف الواحد.. كنا ندعم إسرائيل حتى في الحرب. ولكن أصبحنا الآن مؤمنين بأنه لا يوجد خيار أمام إسرائيل سوى السلام. قلنا هذا الشيء عظيم بما إننا نرى هذا التحول منذ حوالي عشرة أشهر بشكل واسع ومكثف ومن جهات كانت مناصرة لإسرائيل.. فهذا شيء ايجابي. ولكن موقفنا الثابت نحن لسنا مع مفاوضات سرية للأسباب التي ذكرتها سابقا.. لا داع لكي نخبئ شيئا عن الشعب. لكن أولا المطلوب من المسؤولين الإسرائيليين إعلان رسمي وواضح وغير ملتبس حول رغبتهم في السلام. أما أن يقولوا لن نفاوض سورية ويرسلون لنا رسائل بشكل سرى.. فهذا الموضوع غير مقبول. إذا أولا الإعلان الواضح والجدي. ثانيا تقديم الضمانات..ضمانات حول عودة الأرض كاملة. لا يمكن أن ندخل مع إسرائيل بمفاوضات لا نعرف حول ماذا. بالأساس لا نثق بهم.. وكل تجاربنا معهم أساءت أكثر للثقة التي لم تكن موجودة بالأساس قبل السلام. مفاوضاتنا معهم وتجاربنا السياسية لا تطمئن على الإطلاق. فإذاً المطلوب بالحد الأدنى تقديم وديعة على طريقة وديعة رابين أو شيء مكتوب.. لكي نضمن بأن الحديث هو ليس حول الأرض التي ستعود.. لأن الأرض ستعود كاملة. نحن نفاوض على أمور أخرى.. نحن نحدد هذا الخط.. خط الرابع من حزيران على الخارطة.. يتم النقاش حول موضوع الترتيبات الأمنية.. العلاقات.. كما حصل في التسعينيات أيام رابين.‏

على كل الأحوال.. هذا ما قام به رابين.. وهكذا انطلقت عملية السلام. وهذا هو المطلوب من المسؤولين الإسرائيليين. عندما تظهر هذه الأمور فمن الممكن أن يكون هناك أقنية.. وليس مفاوضات مباشرة.. أقنية عبر طرف ثالث.. أي طرف من هذه الأطراف.. ويتم وضع تصور.. ولكن عندما نأتي إلى المفاوضات.. كما قلت في المرة الماضية.. هناك متطلبات.. محادثات مباشرة معلنة مع وجود راع نزيه. هذه المتطلبات الآن تبدو غير موجودة ولو أننى اليوم صباحا قرأت بأن الرئيس الأمريكي تحدث عن رغبتهم أو توجههم للعمل من أجل مؤتمر للسلام. نتمنى أن يكون ما قلناه سابقا خطأ. نتمنى أن يكون هذا الكلام فعلا وليس وهميا. ولكن حتى هذه اللحظة هذا مجرد كلام بالنسبة لنا. هناك طرف وحيد نثق به جدا أيضاً دخل في نفس الموضوع.. موضوع الوساطة.. كان قبل الخطاب الماضي.. ولكن لم يكن هناك شيء جدي وواضح. في الأسابيع الأخيرة بدأت الاتصالات أكثر من قبل هذه الجهة وهذه الدولة حول نفس الموضوع. وقلنا لهم نفس الكلام خاصة على خلفية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أعلن في أكثر من مرة بأنه يريد السلام. أي يريد السلام هذه هي المرحلة الأولى.. النقطة الأولى.. وهذا كلام عام. ولكنه لم يتحدث عن الأرض. نحن بالنسبة لنا كلمة سلام مرتبطة بكلمة أرض.. فان لم تكن قادراً على إعلان كلمة أرض.. يعنى بمعنى عودة الأرض كاملة أمام الإسرائيليين.. فعلى الأقل.. ليكن كما فعل رابين.. من خلال وديعة. ونحن ننتظر عندما تتضح الظروف في هذا الإطار. قلنا أبعد حد ممكن أن نذهب إليه هو أن نرسل شخصا سورياً لتلك الدولة.. لا لكي يلتقي بالإسرائيليين.. إنما ليلتقي بهذه الدولة الوسيطة إذا كانوا يريدون سرعة تواصل. هم ربما يقومون بطلب شخص إسرائيلي ليكون في فندق آخر ومن هذه الأمور. لكن نحن بالنسبة لنا لن نقوم بأكثر من ذلك إن كان هناك شيء. أنا أضع الحد الأقصى لكي تتطلعوا مسبقا كيف نفكر. لكن إذا كان هناك شيء واضح بهذا الإطار.. سوف نشرحه للشعب السوري. وطبعاً هذه الجهة التي أتحدث عنها قلنا لهم منذ البداية عندما يكون هناك شيء أنا مضطر أن أقف وأقول للشعب هذا ما يحصل. نحن لا نستطيع أن نقوم بأي عمل من هذا النوع بدون معرفة الشعب.. فكل شيء يجب أن يكون معروفاً.. ولو بالخطوط العامة.. ولاحقاً سنعطيكم التفاصيل. طبعاً تسمعون دائما تحليلات بأن سورية تريد السلام لتخفف الضغوط.. أو كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي هم لا يريدون أن يفاوضوا إسرائيل. هم هدفهم الولايات المتحدة. يجب أن يعرف هو وغيره والآخرون في هذا العالم بأننا لسنا من الدول التي تعيش على التفاتة من هنا أو رضى من هناك. نحن نعيش على مصالحنا ونعيش على هذه العلاقة القوية بين بعضنا البعض وعلى حقوقنا. لا نسعى أبداً لكي نصل من السلام لهدف آخر. لنا مصلحة مباشرة بعملية السلام.‏

ان ما نشهده في العراق من مآسٍ وطنية وإنسانية.. في ظل عجز قوات الاحتلال عن توفير الحد الأدنى من الأمن ينبغي أن يكون درساً بليغاً لكل من يتجاهل حقائق المنطقة أو يعتقد أن الاستقرار يمكن أن يتحقق على أيدي القوات الأجنبية. ونجدد تأكيدنا على أن مفتاح الحل يكمن في تحقيق المصالحة الوطنية على أرضية الحوار الذي يشارك فيه جميع العراقيين.. وعلى أساس وضع جدول زمني لانسحاب قوات الاحتلال. إننا في سورية نؤكد تضامننا مع شعبنا العراقي في محنته ووقوفنا إلى جانبه وتقديم كل عون ممكن له. ولقد كنا في غاية الألم والأسف لما آلت إليه الأوضاع على الساحة الفلسطينية.. ونأمل أن يتم اللقاء بين الأشقاء الفلسطينيين على مشروع وطني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي..وسورية مستعدة للقيام بواجبها وبذل كل جهد ممكن بين الأشقاء من أجل الوصول إلى هذه الغاية.‏

أيتها الأخوات.. أيها الإخوة..‏

لقد أكدت تطورات الأحداث صوابية رؤيتنا ومشروعية مواقفنا؛ وزادتنا تمسكاً بنهجنا وثباتاً على مبادئنا.. لقد جعلتنا أكثر إصراراً على المقاومة نهجاً وخياراً لإحقاق الحقوق وعودة الأرض وصيانة الكرامة.. وهي مقاومة من أجل أن يستوعب أعداء السلام معانيه ويبادروا إلى تبنيه. والتمسك بالمقاومة ثقافة وأسلوب حياة للعمل والنضال.. هو الكفيل بضمان مستقبل الأمة وعزتها. إن ما يحدث في ساحات الصراع في وطننا العربي.. من صور المآسي والانقسام والفتنة.. يضعنا أمام تحد غير مسبوق ويقرع أجراس الخطر المحيق بنا إن لم نتداركه.. وطريق الخلاص هو في تكريس الانتماء القومي الذي يجمع ولا يفرق.. ويوحد ولا يقسم. من هنا.. يجب أن يكون العمل القومي عنوان برامجنا وسياساتنا.. والفكر القومي أساسا لوحدتنا المجتمعية ومناعتنا الذاتية.. وعنوانا لتوجهاتنا الثقافية والتربوية.. باعتباره عاصما لأجيالنا العربية المقبلة من الانحراف نحو مهاوي التزمت والانغلاق وحصنا لها ضد ما يتهددها من أخطار التدخلات الخارجية وعوامل الانقسام الداخلي.. لقد بذلنا.. أيها الإخوة.. في المرحلة الماضية كل جهد لتحقيق الحد الأدنى من التضامن العربي وحاولنا في مختلف المنعطفات التي مررنا بها.. والتطورات التي شهدناها أن تأتى مواقفنا من خلال مشاوراتنا وتنسيقنا مع الأشقاء العرب وأن نتجاوز الكثير من التباينات في الرؤى والتوجهات للوصول إلى موقف موحد. وسنسعى لكي تكون المرحلة القادمة.. مرحلة للتضامن بين العرب.. وسنعمل من أجل أن يكون مؤتمر القمة العربية القادم في دمشق محطة هامة من محطات التضامن بين الأشقاء.‏

أيتها الأخوات.. أيها الإخوة..‏

ونحن أمام مرحلة جديدة تتأسس على إنجازات الماضي بقدر ما تتجاوز الثغرات وأوجه القصور فيه.. ونغتني بتجارب الأمس بقدر ما تتوقف عند المصاعب والعثرات.. يحدوني الأمل في أن أحقق معكم كل طموحاتنا الوطنية التي نرسي بأيدينا أسسها الصالحة.. ونهيئ بإرادتنا شروط تحققها. إنني أتطلع إلى الغد القريب من واقع الأمس الذي عشناه بمصاعبه ونجاحاته.. واليوم الذي نعيشه بتحدياته وآماله.. فأرى إلى سورية آمنة مطمئنة تنعم بالخير والاستقرار.. بالنماء والازدهار. أراها قوية بشعبها وبعزيمته.. واثقة من نفسها.. واثقة بخطواتها.. واثقة بمشروعها التحرري.. وفي القلب منها جولاننا الصامد الذي أراه يعود إلى الوطن الأم.. وأنا واثق من ذلك. وأحيي أهلنا الصامدين فيه وأسرانا المناضلين الذين يفتدونه.. على صمودهم جميعاً لعودة الجولأن محرراً.. وعلى مواقفهم الوطنية تجاه الوطن. وهنا لا يسعني إلا أن أوجه معكم كل التحية والتقدير إلى أبناء قواتنا المسلحة عنوان صمودنا وعزتنا.. أولئك الذين يواكبون الشعب مسيرته ويعملون بصمت وعزيمة للارتقاء بوطنهم وأمتهم ويسهرون كي ينعم أبناء شعبهم بالأمن والكرامة. إنني أتوجه إليكم أيتها الأخوات.. أيها الإخوة الأعزاء بكل عواطفي.. بكل محبتي.. بالتحية والتقدير.. وأدعوكم إلى أن نبذل كل الجهود لبناء سورية العربية.. سورية الأنموذج بازدهارها وتقدمها.. كما هي أنموذج في ثباتها وصمودها. وأدعوكم للتفاؤل بالرغم من هذه الظروف.. فلقد مرّ على هذه الأمة غُزاة كُثُرْ عبر التاريخ.. هدموا المساجد والكنائس.. وحرقوا المكتبات.. وقتلوا العلماء والمقاومين.. ولكنهم انقرضوا.. ونحن بقينا.. بأمتنا..بتراثنا.. بهويتنا.. بلغتنا. واليوم يكرر التاريخ نفسه.. هم لم يتعلموا الدرس.. أما نحن فتعلمنا دروساً.. فها هي الروح النابضة لهذه الأمة تتحرك في كل مكان معلنة أنها موجودة تعيش في قلب كل مقاوم وأنها سوف تنتصر رغم الألم. أما هم فسوف ينقرضون مرة أخرى.. ونبقى نحن أصحاب وعشاق هذه الأرض نعيش عليها ونقدس ترابها ونورِّث حبها الأبدي للأجيال جيلاً بعد جيل. أما أنا فسأبقى كما عهدتموني واحداً منكم.. أعمل من أجلكم.. أشرب معكم من نبع الوطنية والقومية وأتنفس من رضى الله ورضى الشعب.‏

والسلام عليكم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244