|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
العولمة والتربية
المقاومة ـــ رئيس التحرير يدرك
المطلع على التعريفات الكثيرة للعولمة، وعلى نشأتها وتطورها التاريخي أنها شرعت
تكوّن لنفسها مفاهيم فكرة الدولة المتجانسة في صميم تشابك المصالح الدولية
والعلاقات المتعددة ... ومن ثم فإن تشكُّل هذه الفكرة أدّى إلى نشوء فكرة الصراع
من أجل الهيمنة على العالم وفق ما ظهر في الحربين العالميتين، ثم انتهى هذا الصراع
إلى ثنائية القطبين التي توّجت بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد
السوفييتي منذ ستينيات القرن العشرين، ثم خلصت هذه الحرب إلى ظهور أنماط المؤسسات
المدنية والمواطنة العالمية منذ عام (1992م)؛ ولاسيما حين ازدادت مكانة النظام
الإعلامي الكوني وفضائياته بامتلاكه للتقانات العالية. وقد وفر هذا للعولمة
الاقتصادية، فالسياسية والثقافية قوة جعلتها حركة عالمية تؤثر أيما تأثير في
الحياة الإنسانية والاجتماعية، ما قرّب المجتمعات من فكرة الدمج، وكأنها غدت
مجتمعاً واحداً؛ يقاد من مكان واحد. ولم
يعد هناك من يماري في أن الدمج الاجتماعي قد تحقق بين المجتمعات المتعددة بوساطة
شيوع أنماط استهلاكية أمريكية واحدة في بقاع شتى من العالم، من (الهمبرغر) إلى
(الجينز) و(الخلوي) و... مما يثبت أن الطابع الأمريكي هو الذي يطبع العولمة
ويصوغها كما انتهى إليه (توماس فريدمان)([1]).
أما (ريتشارد هاس) فقد رأى صراحة أن العولمة تعني الأمركة؛ إذ صرح قائلاً: «إن
بناء نظام عالمي جديد والمحافظة عليه يتطلب من أمريكا؛ القوة الأعظم في العالم،
جهوداً حثيثة لإعادة تعريف دورها في العالم. فالسياسة الخارجية الأمريكية يجب أن
تسعى إلى بعد إمبريالي ليس بالمفهوم الجغرافي الذي انتهجته بريطانيا في القرن
التاسع عشر، وإنما يرتكز على محاولتها تنظيم العالم وفق أسس ومبادئ من شأنها
التأثير في العلاقات ما بين الدول، وفي العلاقات بداخل هذه الدول. وهذا التأثير
يجب أن يمثل الثقافة الأمريكية ونمط الاقتصاد الأمريكي، وكذلك نمط الحياة
الأمريكية»([2]). وعليه
فليس هناك شك في أن العولمة إنما تقاد من مركز واحد هو واشنطن لما تملكه من قوة
فائضة مادية وتقنية، وما تؤسسه من علاقات الهيمنة على مختلف الشؤون الدوليّة، وفق
متطلبات النظام العالمي الجديد الذي بدأت صورته تتضح مع تسعينيات القرن العشرين. ونرى
أن الدلالة الحضارية لأي مدنية ثقافية أو اقتصادية لم تنحصر يوماً في اتجاه دون
اتجاه، ولا مرحلة دون مرحلة؛ لأن السَنَن التاريخي الحضاري قد أكد التكامل بين
الحضارات المتعاقبة على اختلاف أماكنها وأجناسها شرقية أو إغريقية، عربية إسلامية
أو أوربية. ولمّا
كان النمط الأوربي ثم الأمريكي الحديث جزءاً من الأنماط الحضارية ـ بحكم المسار
التطوري التاريخي ـ فإن العولمة بكل خصائصها وسماتها ستكون جزءاً من أي نشاط
إنساني مرحلي مهما كانت آثاره السلبية في الشعوب، ولاسيما تلك الآثار التي ترتبط
بالبعدين الاجتماعي والثقافي. فقد
أكد البعد الاجتماعي للعولمة (Social Globalization) ظهور
مجتمعات أهلية تسعى إلى الحلول محل الدولة الوطنية في الإدارة والاقتصاد والفكر
والثقافة والسياسة ... وبخاصة حين أخذت مؤسسات المجتمع المدني تراقب كل عمل
للدولة، متذرعة بمفاهيم عدة، على رأسها (إعلان حقوق الإنسان) الذي أقرته الأمم
المتحدة، والذي تضمن العناية الكبرى بحقوق الأقليات؛ كما أعطى المرأة مكانة عظيمة
في بنية الحياة العامة للوطن والأمة، ومنحها مراكز قيادية في شؤون كثيرة أهمها
التعليم ... وهذا
كله يعزز مفهوم إعادة بناء النظام الاجتماعي للكون؛ علماً بأن إعادة هذا البناء
يتم ـ غالباً ـ بتغيير قسري للعلاقات الأسرية، وللقيم الدينية والأعراف الاجتماعية
بفعل الضغط السياسي أو الاقتصادي... ولا مراء في أن هذا التغيير القسري سيوصل
المجتمع إلى انهيار كامل لبنيته الأخلاقية والدينية والاجتماعية... وسيتركه لقمة
سائغة بأيدي أصحاب العولمة...فنظام العولمة الاجتماعي يحول الإنسان إلى مجموعة من
العادات والاحتياجات في حياته الذاتية، حتى يصل إلى درجة اللاعودة إلى ما كان قد
نشأ عليه؛ أو تلقاه في المؤسسات الوطنية المتعددة. ثم تتشكل لديه أولويات جديدة
يصبح ـ فيما بعدُ ـ جزءاً منها، تابعاً لها في كل أشكالها، وبأسلوب تلقائي... وبمعنى
آخر فإن العولمة الثقافية (Culture Globalization)
ستتأثر طرداً بالعولمة الاجتماعية على أساس النظرية التي تذهب إلى أن الثقافة هي
سلوك وفعل يتجسدان بين الإنسان والآخر... ما ينتج عن ذلك توجيه العولمة للثقافة
التي تحول المتلقين لشروطها بدرجة واحدة، مهما كانت أعمارهم وثقافتهم. فكل منهم
يسوغ سلوكه بأهداف تنسجم مع التحول الجديد في العادات والتنظيمات المجتمعة، ما يشي
بإحلال العولمة لقيمها وأخلاقياتها محل قيم تلك الشعوب والمجتمعات... وسيفرض هذا
التحول قوة العولمة في عالم الاتصالات والتقانة، وما يرافقه من تفجر معرفي سينتج
بالضرورة مجتمعاً معلوماتياً ومعرفياً تسيطر فيه لغة على بقية اللغات بمثل ما
سينتج رموزه ومصطلحاته الخاصة به. فقنوات الاتصال الفضائية المرتبطة بالأقمار
الصناعية ستغيّر وجه العالم باتجاه واحد، وسيشمل هذا التغيير مجالات شتى من السلوك
إلى الذوق إلى الفكر إلى القيم، إلى الأنماط الاستهلاكية والاقتصادية والاجتماعية
و.... إنه تغيير لصالح ما يعرف بالعولمة على حساب هوية الشعوب وانتمائها وثقافتها
وخصائصها. وهذا ـ على نحو ما ـ ما انتهى إليه بعض الباحثين الذين أجملوا تأثير
العولمة في حياة الشعوب طبيعة ووظيفة وهدفاً؛ وفق ما يأتي([3]): 1
ـ سيطرة النزعة الفردية الشخصية على النزعة الجمعية ذات الهوية العامة. أي إن
العولمة تضعف الرابط الوطني والقومي، وتنتج روحاً جديدة تعزز ربط الإنسان بعالم
اللا وطن، واللا دولة، واللا أمة... ما يعني قتل مفهوم الانتماء بكل مستوياته، ومن
ثم ظهور أمراض شتى، كما في البند الآتي. 2
ـ سيطرة الانفلات والفوضى والأنانية والاستعلاء على الذات الفردية على اعتبار أن
العولمة تنادي بالخيار الشخصي وتقديس الذات الفردية؛ إذ تمنحها حرية مطلقة تعلي
منزلة الوعي الفردي للجسد والروح. 3
ـ تعزيز فكرة الحياد عند الإنسان العربي: حاولت العولمة أن تركز على فكرة الحياد
تجاه مختلف القضايا الإنسانية بما فيها الالتزام بقضايا الدفاع عن الوطن
والمقدسات.... وهي الفكرة التي تؤصّل انكسار مفهوم الصراع الاجتماعي. 4
ـ انكسار مفهوم الصراع الاجتماعي ـ أصرت العولمة على دعاوى الانفتاح الاقتصادي
والأخلاقي والسياسي بين البشر... ما يعني أنها تحثهم على صرف النظر عن الفوارق
الاجتماعية باعتبارها فوراق بشعة بينهم. وهذا
جميل في ظاهره وعظيم المحتوى إذا أدى إلى المساواة في الحقوق والواجبات، بيد أنه
مخالف في حقيقته للطبيعة البشرية والواقع الفعلي، فالاختلاف بين البشر كائن في
أشياء كثيرة، طبيعة واستجابة وقدرة و...، ولكل منهم درجة ... ولا يجوز أن يصبح
الإنسان مستسلماً ـ وفق النزعة الفردية ذاتها ـ لكل ما يأتيه من الآخر دون نقاش أو
حوار فعال.. ففي
إطار فكرة الانفتاح على الآخر وقبوله أَلْغت العولمة مفهوم الصراع الاجتماعي وقادت
المجتمعات إلى السقوط في حمأة التبعية والانقياد الأعمى على شدة دعوتها إلى
الأحادية الفردية. ولهذا
يرى الدكتور محمد عابد الجابري أن تأثير العولمة لا يقتصر على ظهور مشكلات
اجتماعية كبرى للمجتمعات الوطنية؛ وإنما يصل الأمر بها إلى شل روح المقاومة عند
الفرد والجماعة على السواء([4])؛ إذ إن المقاومة
دفاع فطري غريزي للدفاع عن الوجود، ومن ثم هو دفاع واعٍ ومسؤول يرتبط بقيم وثقافة
وعادات وتقاليد ترَّبت عليها المجتمعات لتحافظ على كينونتها المميزة لها، من دون
أنانية أو استعلاء، أو تعصب...([5]) . وعليه
فأي تقدم اجتماعي أو ثقافي أو سياسي أو اقتصادي أو تقني أو إعلامي في أي مكان في العالم
إنما غدا خاضعاً لثقافة العولمة([6]) لكونها الثقافة
المنتشرة في العالم، وتمارس وجوها في النشاط الإنساني بكل اتجاه مادي ومعنوي. وفي
ضوء ما أثبتناه لم تعد ثقافة العولمة ثقافة محايدة فهي تهديد حقيقي لهوية الشعوب
وانتماءاتها، على قدر ما قدمته لها من معطيات إيجابية في جوانب شتى. فحين عملت على
نهوضها من هذا الجانب أو ذاك؛ فقد عملت في الوقت نفسه على قتل كثير من قيمها
ومبادئها التي ربيت عليها جيلاً إثر جيل... فإذا كانت التربية تعنى «بالسلوك
الإنساني وتنميته وتطويره وتغييره، فهدفها أن تنقل إلى أفراد الجيل الجديد
المعارف، والمهارات والمعتقدات، والاتجاهات، وأنماط السلوك»([7])
فإن العولمة قد حققت ذلك كله بطرائقها الخاصة. فالعولمة ما زالت تهدف إلى تغيير
منهجي مرسوم ومقصود لكل النظم التربوية والثقافية والاجتماعية والروحية التي نشأت
عليها المجتمعات من أجل أن تصبح ملبية لطبيعتها ووظائفها... ما يفيد بأن كل ما
تتوجه إليه من برامج ومناهج إنما ينسجم مع الأهداف النهائية لها، وهي تتركز في
الهيمنة المطلقة على مقدرات الشعوب وتسليعها في أنماط العولمة... ما يعني أن
المعركة الجديدة تتصف بتجليات جديدة ومبتكرة لم تعرفها هذه الشعوب من قبل، على
اعتبار أن العولمة ذات مستويات عدة على الصعد المختلفة سياسياً واجتماعياً
واقتصادياً وثقافياً ... وعليه
يجب أن تكون التربية المقاومة التي تستجيب للتقدم والتطور الموضوعي الذي تنتهجه
العولمة متسلحة بالوعي الكبير لخصائص الذات الوطنية والقومية؛ وألا تقع في مطب
الإلغاء والإقصاء. فثقافة التربية المقاومة الحقيقية تنشغل بالتكامل بين المحلي
والقومي والإنساني لتخلق الإنسان المتوازن المثقف المنفتح على الأفراد في الداخل
والخارج؛ دون أن يصاب بالانحراف والتشوهات ما يشي بخلق الناس الذين يتحلون بالصدق
والاستقامة والكرم والشجاعة وحب الوطن وصدق الانتماء بالإخلاص له والدفاع عنه؛
والالتزام بالقانون واحترام حقوق الآخرين ... وتربية ثقافة المحبة والتشارك،
وتنمية الثقة بالذات والمحافظة على التراث والكنوز الأثرية و... إنها تعنى بعناصر
الإقناع وعرض الحقائق وتأسيس الإدراك بالحق والباطل وحقوق الإنسان ... ولذلك كله
نهض عدد من المربين والمثقفين العرب بدراسة آثار العولمة في تبدل القيم لدى أجيال
الأمة... فتبين لقسم منهم أن التربية الوطنية والقومية المقاومة قد أخذت تتراجع
وتضعف؛ طبيعة ووسيلة ووظيفة أمام تقدم ثقافة العولمة وقوتها التقنية وزركشاتها
الخادعة، ولا سيما حين وضعت أنظمة التعليم كلها في الوطن العربي في مواجهة مشكلات
جديدة وجب حلها([8]) . وأيا
ما يكن شأن الجهود التربوية التي يقوم بها بعض الباحثين في هذا المجال فهي دون
المرجو منها في عالم شديد التغير؛ فضلاً على أنه لم يكن هناك متطلبات سياسية
واقتصادية وتقنية تلبي حاجات المعلمين قبل المتعلمين، ولا يوجد لدى كثير من
العاملين في الحقل التربوي والعلمي اتفاق ـ بل شبه اتفاق ـ في شأن العولمة
ونتائجها الكارثية على الوطن والأمة ، على اعتبار تبني عدد غير قليل منهم لكل
مساقات العولمة بحجة مجاراة العصر وإلا أصبحنا خارجه، وفي طليعة ذلك اعتماد اللغة
الإنكليزية بوصفها لغة التقنيات والقنوات الفضائية وصلة الوصل مع العالم
الخارجي... فالمجتمع العربي لا يستطيع التخلص من حالة التخلف التي يعيش فيها ما
دام منغلقاً على نفسه، إذ لابد من التمازج الثقافي الاقتصادي الاجتماعي
بالعالم.... ومن
يتأمل حال المجتمع العربي يجد أن هناك حال تقبل عجيبة لكل مفاهيم العولمة وعاداتها
وأنماطها الحياتية؛ ولا سيما ما يتعلق بانتشار مقاهي الإنترنت والأجهزة الخلوية،
ما يعني أن هذا المجتمع يمشي بأقدامه إلى حيث هي العولمة التي ستقضي على خصوصية
بنيته الذاتية، أي على مفهوم الانتماء إلى ما نشأ عليه وأخلص لـه.... وهنا
تكمن أهمية التربية المقاومة، في إنتاج ثقافة المقاومة لكل ما تنتجه العولمة
المهيمنة من آثار سلبية تنقض أصول النظم الاجتماعية للشعوب وتهدمها على رؤوس
أبنائها... فالعولمة المتوحشة الساعية إلى السيطرة على العالم وثرواته غدت
انتهاكاً للحقوق الإنسانية واعتداء صريحاً على تربيته الأخلاقية، ما يجعل مقاومة
أشكالها الغازية دفاعاً شرعياً مشروعاً عن الذات والثقافة والوجود. فالمقاومة ـ
بهذا المحتوى ـ ضرورة وجودية لمفهوم حق الحياة ـ و هو حق اعترفت به القوانين
الدولية وميثاق الأمم المتحدة كالمادة (51) التي شرّعت المقاومة بكل أشكالها؛ على
اعتبار أنها ممارسة أخلاقية لاستلهام روح القيم والمبادئ، والانتماء والحفاظ على
الهوية وخصائصها لئلا تذوب في الآخر القوي المستعمر الذي يريدها أن تصبح مستنسخة
لثقافته ومبادئه إذا لم نقل: إنه يريدها تابعة له([9]).
فثقافة المقاومة التي تنهض بتربية الأجيال تعني الارتفاع في الأداء، والإخلاص في
العمل، والقدرة على العطاء ما يؤكد ربط التربية والتعليم بالمجتمع وبالتنمية
المستمرة التي تحقق الجدوى والوطنية السياسية والثقافية والأخلاقية، أي إن ثقافة
المقاومة ثقافة انتماء تصهر النفوس في الوطن والأمة وتعلي من مكانة الهوية الجمعية
التي نشأنا عليها؛ ولا تسمح للأنانية الفردية أن تغزو المجتمعات، فكفانا ما قام به
إبليس مع أبينا آدم، وإلا فإن العولمة ستمارس ما كان قد مارسه إبليس مع أول
الخليقة ومن ثم مع أبنائه. فالفردية القطبية الأحادية للعولمة لا تنتج إلا ضعفاً
وتقهقراً عند الشعوب والأمم باعتبار ما تؤول إليه من تبعية. وعليه فإن ثقافة
المقاومة تحدث لنفسها أنماطها ومسوغاتها في تربية الأجيال من أجل الحفاظ على
الوجود الحر الكريم في وطن سيد غير مغلوب على أمره والتخلص من الأنظمة التربوية
العاجزة والمتخلفة. ولعل
من أهم وسائل تربية ثقافة المقاومة ما يقوم به الكتّاب والأدباء والرسامون
والفنانون الذين يملكون ناصية الإبداع، وتشكيل الوجدان الجمعي حين تجيء أعمالهم
نابضة بالوجدان الوطني والقومي العالي وهم يرسمون ملامح الرجولة والمروءة، ليحققوا
معاني السمو في الانتماء. ولهذا فقد تداخلت صورة الوطن بوهج الشجاعة والعطاء
والنداء حين طفقوا يبثون روح الوعي بحقيقة ما يجري من أحداث تحيط بهم وبأوطانهم
على جذوة الزمن المتقد بالحكمة، لينتشلوا النفوس من مصائبها التي ألمت بها على مذبح
الزمن الغربي ـ الأمريكي ـ الصهيوني. ولا شيء أدلّ عليه مما عبر عنه الشاعر سليمان
العيسى في قوله الذي يتغنى فيه بمجد انتصار تشرين:
فالأبطال
في تشرين قدموا وجهاً جديداً للزمن العربي الرديء الذي رانَ على كاهل الأمة
العربية ست سنوات عجاف من هزيمة حزيران، وكان (موشي دايان) قد راهن على استمرار
حالة الإحباط واليأس في الأمة مُدَّة خمسين عاماً أخرى إذ قال: «لن يستفيق العرب
من الهزيمة قبل خمسين عاماً»، لكنه خسئ وخاب أمله وأمل كل من راهن على ضعف الأمة
وعجزها؛ فقد أعطى نصر تشرين/ أكتوبر التاريخ العربي وجهه المشرق، كما عبر عنه نزار
قباني في قصيدته (ترصيع على سيف دمشقي) حين خاطب حبيبته دمشق قائلاً:
فتضحيات
الأبطال هي التي رفعت القتامة السوداء عن وجه الأمة العربية التي تعرضت للقتل
والإهانة والتهجير، والتمزيق... وهي التي ستخلق في الأجيال المبادرة إلى إعادة
اللحمة إلى التضامن العربي الذي كان السبب الأهم وراء نصر تشرين. لذا؛
فالشاعر على الدوام يجب أن يكون شاهد عصره في يقظة وجدانه المعبر عن ضمير أمته
والحارس لها... فالأدب والفن يفعلان بالنفس مالا يفعله أي سلاحٍ آخر في معركة
الحياة والبقاء، في الوقت الذي يعمق صلة الأحفاد بالأجداد، حينما يتصل النصر
بالنصر من حطين إلى تشرين كما قال جمال نجيب الدين في نصر تشرين:
فالقراءة
النصية الفكرية لمثل هذه الأشعار تشكل الهاجس الأكبر في تربية الأجيال على عقيدة
حب الوطن والأمة والدفاع عنهما تجاه الغزاة والطامعين بهما. ومن
ثم فمثل هذه الأشعار ترفع درجة الوعي بالآخر المعتدي الذي لا يستطيع أن يختبئ وراء
ما يملكه من تقنيات وفضائيات تسعى إلى غسل عقول الناس وتدمير ما نشأت عليه. وتصبح
مكانة الشاعر في تربية النفس المقاومة مماثلة لمكانة أي معلّم أو مربٍّ أو مثقف أو
كاتب أو سياسي ملتزم بثقافة المقاومة وثقافة الانتماء، على اعتبار أن هذه الثقافة
تعلي كرامة الإنسان ولا تنال من قيمته. فثقافة المقاومة ثقافة تفضي إلى حال روحية،
ورؤية موضوعية منتمية إلى الكون الإنساني الحضاري الذي يحقق سعادة الإنسان ويرتقي
بها، ما يجعلها تنمي العلاقات بين الناس. وعلينا
حين نذكر حرب تشرين/ أكتوبر أن نقدم للعالم كله رؤيتنا لتفعيل الإعلام العربي
المقاوم المستند إلى فكر وثقافة وتربية وأدبيات ومنهج علمي مدروس؛ لتعميق الوعي
بالحق والهوية التي عززت على الدوام مفهوم الروح الإنسانية للانتماء الوطني
والقومي... فالتربية المقاومة لم تكن في يوم ما اعتداء على الآخر الصهيوني، وإنما
هي وسيلة للتحرر من قهره وظلمه؛ وللحفاظ على المروءة العربية التي أهينت تحت صَلَف
الغطرسة الصهيونية المتوحشة في نكبة (1948م) وهزيمة (1967م)([10])... ومن ثم حين نعيد استثمار الإعلام المقاوم ـ في ضوء خطة تربوية
ثقافية واضحة الأهداف والمنهج ـ إنما نؤسس تربية نضالية سياسية تؤكد مكانة الذات
الوطنية الإنسانية وتثبت جوهر الهوية العربية الأخلاقي، وتضع الجماهير العربية في
الموقع المطلوب. وهو
ـ بهذا المحتوى ـ تحدّ صارخ لكل الأنظمة العربية الحاكمة التي أجهضت بخلافاتها كل
أمل بالوحدة العربية والتقدم والازدهار، فكانت أشد إيذاء للحلم العربي من
المستعمرين الطامعين بها... علينا أن نعيد إلى الأمة العربية وجهها المشرق الذي
ظهر في تشرين (1973) وتموز (2006م) وأن نبصِّر أبناءها بدور بعض الحكام في تفكيك
اللحمة الوطنية والقومية، وبدور الكيان الصهيوني في النظام الكوني الجديد وفق ما
هو معروف عن نظام (الشرق الأوسط الجديد)، ما يفرض علينا أن نتخلص من الإعلام
المأزوم والمهزوم والعاجز... وأن نوجد إعلاماً متطوراً يتصف بكل التقنيات الحديثة
والأساليب المتقدمة والكفاءات العالية، وملتزماً بالقضايا الوطنية والقومية التي
تؤكد الذات دون أن تنفي الآخر؛ وفي آن معاً يستلهم مخاطبة الذوق والوجدان والعقل
بأسلوب حضاري راقٍ. فالإعلام
والتربية المقاومة يقويان الميل في النفس العربية لدراسة الواقع العربي والعالمي؛
لاستيعاب الدروس الكثيرة منه؛ ولا سيما تلك التربية التي تقاوم كل أشكال اليأس
والإحباط، والتمزيق والتضليل التي مورست من أجل تشويه مفهوم الانتماء وجوهره
الحقيقي... فجدلية التربية المقاومة تعني حتمية التفاعل بين الإنسان ووطنه وأمته
وتنمية الارتباط بهما، ومن ثم تعزيز قدرته على التعامل مع الوسط الكوني الذي يعيش
فيه... لهذا يصبح الدفاع عن الوطن دفاعاً إنسانياً مشروعاً يقوي التلاحم بين
الإنسان والآخر على أساس الاحترام والمساواة والتكامل، لا على أساس التغييب
والإلغاء والإقصاء. وعليه
فإن فكرة اللاانتماء إلى وطن ما؛ وأمة ما، وثقافة ما، هي التي ستفجر الصراعات
القاتلة؛ لأنها تريد أن تلغي خاصية التنوع
والاختلاف، وهي صفة أصيلة جُبل الناس عليها... وليس
لدينا شك في أن هذا التنوع والاختلاف هو الذي يميز ذاتية فردية بسمات ما من ذاتية
فردية أخرى في كينونتها وسيرورتها وثقافتها... على حين تريد العولمة أن تفرض
أحاديتها على خلق الله جميعاً أفراداً وجماعات؛ ما يؤكد أن العولمة مصابة بمرض
الانفصام؛ فهي من جهة تحاول أن تبرز الحرية الشخصية للإنسان، ومن جهة أخرى تريد أن
تلغي شخصية الأمم والأوطان والشعوب... إن
دعوى فصل الذات الفردية عن الانتماء إلى وطن وهوية وأمة في مفهوم العولمة تحت
دعاوى الحرية الشخصية إنما هو افتراء وكذب وتدجيل، ولاسيما أن مبدأ الديمقراطية في
المجتمع العولمي ينصهر في إطار المركزية النهائية لقيادة العالم ما يعني صناعة
أعتى أنماط الاستبداد والقهر والديكتاتورية... ومن ثم فأي إنسان غير منتم لا يمكنه
أن يحدد ما يريد بشكل متوازن وجيد، لأنه تابع بالضرورة لأفكار شتى مشتتة، وليست له
أهداف ثابتة ومحددة. وبناءً
على ما تقدم فإن مسؤولية المؤسسات التربوية والعلمية والثقافية والاجتماعية
والدينية والإعلامية لا تقل تأثيراً عن مسؤولية المؤسسات السياسية القيادية في
إعداد أجيال مؤمنة بهويتها وتراثها؛ واعيةٍ لكل ما يحيط بها، عاملة على رفع
كفاءتها وقدراتها في كل شؤونها الحضارية والعلمية... فأي تطوير إداري أو علمي أو
تقني أو ... لمعهد من معاهدنا، أو مؤسسة من مؤسساتنا ينبغي أن ينص على رؤية وطنية
ـ قومية واضحة ودقيقة، وعلمية تنسجم مع الرؤى الإنسانية في إطار من التوازن
والتفاعل والتكامل، وألا تكون تلك الرؤية ملحقة أو تابعة أو مستنسخة، أو متخلفة،
أو عاجزة، أو منحرفة أو قاصرة... فالتربية المقاومة هي التي تخلق الإنسان السوي
القادر على الاستجابة الفطرية والعقلية لمتطلبات التنمية في أي شأن من شؤون
الحياة، ومن ثم فإنها تربية لا تقتصر على الجانب التخصصي لأي نظام تربوي وثقافي
... وإنما تدخل في صميم احتياجات الوطن والأمة وتطويرها في خدمة الأهداف الكبرى
لتحقيق الكرامة الإنسانية... وكذلك هي تربية لا تقتصر على مقاومة المعتدي الخارجي؛
وإنما تستند إلى برامج ومناهج وأساليب تقاوم كل انحراف أو فساد ... ينشأ في داخل
الوطن على الصعيد الفردي والجماعي... فالتربية المقاومة تخلق في الأجيال الكفاءة
والقدرة والحرية، والتناسب والانسجام بين ما هو داخلي وما هو خارجي وفق القيم
الأصيلة والإنسانية... وهي في ذلك كله تسعى إلى رفعة الوطن والأمة وصيانة وحدتهما
وسيادتهما على اعتبار أن التكامل بين الذات الفردية والذات الجمعية قد أضحى ضرورة
وجود، وأن أي اعتداء على أحدهما اعتداء على الآخر، وكذلك فإن الانتقاص من أحدهما
هو انتقاص من الآخر. ([1]) انظر السيارة ليكسز وشجرة الزيتون ـ محاولة لفهم العولمة ـ ترجمة
ليلى زيدان ـ الدار الدولية للنشر والتوزيع ـ القاهرة ـ 2000م. ([2]) ريتشارد هاس: مدير بحوث السياسة الخارجية في مؤسسة بروكنجر ـ انظر
كتابه: Richard.
N. Hass - Waht to do with American Primacy Foreign affairs, vol -78. NO5,
September/October - 1990, P 41 ([3]) انظر الشباب العربي والعولمة: مصادر التأثير ومظاهر التأثر ـ مريم
الأنصاري ـ رسالة ماجستير (غير منشورة) ـ إلى الجامعة الأردنية ـ عمان 2004م ـ ص
24. وانظر أيضاً بحث: نحو مفهوم عربي/ إسلامي للمجتمع المدني ـ لعبد الحميد
الأنصاري ـ في إطار ندوة (ندوة المجتمع المدني وإشكالية التحول الديمقراطي في
المجتمع المدني ـ مجموعة باحثين) ـ جامعة قطر ـ مركز الوثائق والدراسات الإنسانية
ـ 2002م. ([4]) انظر العولمة والهوية الثقافية: عشر أطروحات في العرب والعولمة ـ
مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت ـ 1998م ـ 297 ـ 308. ([6]) انظر العولمة والهوية الثقافية: عولمة الثقافة أم ثقافة العولمة ـ
عبد الإله بلقزيز ـ في كتاب (العرب والعولمة ـ مجموعة باحثين) ـ مركز دراسات
الوحدة العربية ـ بيروت ـ 1998م ـ ص 309 ـ 379. ([7]) انظر الأسس الاجتماعية للتربية ـ محمد لبيب النجيحي ـ دار النهضة
العربية ـ بيروت ـ ط8 ـ 1989م ـ ص9. |