مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 30 السنة العاشرة صيف 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

دور الإعلام في التفريق بين الكفاح الوطني والإرهاب ــــ د.فيصل المقداد

نائب وزير خارجية الجمهورية العربية السورية‏

مقدمة:‏

لم يسبق أن انشغل العالم في شتى أرجاء المعمورة بأمرٍ أو قضية؛ كما هو في السنين الأخيرة من عمر البشرية.‏

فبعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 ـ والتي استهدفت مقر مركز التجارة العالمي في نيويورك ـ تكونت رؤية جديدة للتاريخ من قبل البعض بدأت منذ ذاك اليوم؛ حيث تم تقسيمه إلى حقبتين: ما قبل 11 أيلول وما بعد 11 أيلول، وأصبح هذا التاريخ مفترق طرق في حياة البشرية.‏

ـ فالآلاف من الضحايا والأبرياء.‏

ـ والآلاف من المعتقلين والملاحقين والهاربين.‏

ـ والآلاف من المشردين واللاجئين.‏

ـ والآلاف من المقالات والتحليلات والتصريحات والاجتماعات والندوات والمؤتمرات والمقابلات والمناظرات..‏

ـ احتلال دولتين إحداهما عربية شقيقة والأخرى إسلامية عزيزة علينا، وعدوان همجي على بلد عربي شقيق استمر 33 يوماً ارتكبت خلاله أبشع أشكال المجازر والتدمير.‏

ـ استهداف أمة بالكامل ودين بالكامل يربو معتنقوه عن مليار وثلاثمئة مليون نسمة.‏

كل ذاك حصل، ويحصل، تحت عنوانٍ واحد وعريض، وضد عدوٍ مجهول الهوية والمكان تمت تسميته بـ «الإرهاب».‏

ـ فما هذا العدو؟‏

ـ ما تاريخه؟‏

ـ ما أسبابه؟‏

ـ من هو الإرهابي الحقيقي؟‏

ـ ما الفرق بين الإرهاب والحق في مقاومة الاحتلال من وجهة نظر دينية وقانونية؟‏

ـ لماذا اتهام العرب والمسلمين؟‏

ـ ما دور الإعلام الغربي في الخلط بين المفهومين وتشويه الحقائق..؟‏

ـ ما دور الإعلام العربي والإسلامي في توضيح الفرق بين مفهوم المقاومة والإرهاب.‏

ـ كيف نقضي على الإرهاب..؟‏

سنحاول من خلال هذا البحث المتواضع الإضاءة باختصار على جميع هذه النقاط المطروحة.‏

أولاً ـ ما الإرهاب ؟‏

بداية لا بد من التأكيد إلى أن المجتمع الدولي لم يتمكن حتى يومنا هذا من الاتفاق على تعريف واحد واضح ومحدد لمفهوم الإرهاب، ولكن بالمفهوم العام يعد الإرهاب «الاستخدام غير المشروع للعنف»، أو التهديد باستخدامه ببواعث غير مشروعة؛ ويهدف أساساً إلى بث الرعب بين الناس، ويعرض حياة الأبرياء للخطر لتحقيق أهدافٍ منها ما هو معلوم والآخر سري غير معلن.‏

«فالإرهاب» لغة هو «التخويف» و «التفزيع» و «الترويع»، وهذا لا يمكن فهمه الفهم الصحيح عبر «التجريد»، فمعناه والموقف منه، إنما يتحددان من خلال معرفة من «يزاوله» و«ضد من»، فهو مثل «السلاح» الذي لا نقف من امتلاكه واستخدامه موقفاً إيجابياً أو سلبياً؛ إلا إذا عرفنا «في يد من».‏

وتعرف «الموسوعة السياسية» الإرهاب على الشكل التالي:‏

(الإرهاب هو استخدام العنف غير القانوني، أو التهديد به عبر أشكالٍ ومظاهر مختلفة كالاغتيال والتشويه والتعذيب والتخريب والنسف، من أجل تحقيق هدف سياسي معين مثل كسر روح المقاومة والالتزام عند الأفراد وهدم المعنويات عند الهيئات والمؤسسات، أو كوسيلة من وسائل الحصول على معلومات أو مال. وبشكلٍ عام فإن الإرهاب هو استخدام الإكراه لإخضاع طرفٍ مناوئ لمشيئة الجهة الإرهابية).‏

ولخص البروفسور البلغاري «رادنيوف» المعنى العالمي للإرهاب بقوله: «إنه عدو الجنس البشري».‏

وأما الرئيس الراحل المغفور له المرحوم حافظ الأسد فقد حدد مجموعة من الخصائص والصفات التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بالإرهاب، وهي «الإرهاب من أجل القتل والارتزاق، والتي تتعارض مع مصلحة المجتمع و إرادة الشعب العامة».‏

ونرى أن الصفات التي حددها الرئيس الراحل المرحوم حافظ الأسد تستند إلى الخصائص التالية:‏

1ـ هدف الإرهاب هو القتل دون تمييز.‏

2ـ مضمون وجوهر هذا يتعارض مع الصالح العام والإرادة العامة للشعب.‏

3ـ إن الإرهاب هنا يبرز كوسيلة تستخدم من قبل «القلة» ضد «الكثرة» في المجتمع لتحقيق أهدافٍ مختلفة.‏

إضافة إلى ما تقدم هناك تعاريف أخرى كثيرة فقهية وقانونية، وربما في قوانين كل دولة هناك تعريفاً مختلفاً للإرهاب، فأمريكا وإسرائيل تتجاهلان إرهاب الدولة وتتحدثان عن إرهاب الأفراد فقط، أما عندنا في سورية فقد عرف المشرع السوري الإرهاب بالتالي :‏

«يقصد بالأعمال الإرهابية جميع الأفعال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر ترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة والأسلحة الحربية والمواد الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة والعوامل الوبائية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً».‏

أما معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب فقد نصت في المادة الثانية منها على أنه: «لا يعد جريمة إرهابية كفاح الشعوب بما فيها الكفاح المسلح ضد الاحتلال والعدوان الأجنبيان والاستعمار والسيطرة الأجنبية من أجل التحرر أو تقرير المصير وفقاً لمبادئ القانون الدولي».‏

ثالثاً ـ تاريخ الإرهاب:‏

الإرهاب ليس أمراً جديداً، وأعمال الإرهاب قديمة قدم التاريخ نفسه، ولكنها كانت على نطاق ضيق ومحلي , وليست كما اليوم حيث أصبحت جريمة منظمة لها طابعها الخاص من حيث التنظيم والتمويل وامتدت لتشمل كل الأرجاء على كوكبنا، وهذا الإرهاب الحديث له طبيعته وصوره وأشكاله وأسبابه ومسببوه، كما الإرهاب في الماضي الذي كان له أيضاً طبيعته وأسبابه ومسببوه، وذلك قبل ظهور الأديان السماوية.‏

وعندما بدأ عصر الآيديولوجيات محل عصر الديانات في أوروبا ظهر الإرهاب الحديث، وهو الإرهاب السياسي الذي بدأ ظهوره مع بداية 'الثورة الفرنسية'، التي أسس مرحلتها الأولى (روبسيير) الذي كان يعتقد أن التعصب الديني هو شر كامل لوقوفه في وجه مبدأي العقل والحرية، ثم استبدله بتعصب ثوري قاد الألوف إلى منصات المقصلة، حتى وصل الأمر إلى نفسه، فقطع رأسه بالمقصلة، وكانت كلمته المشهورة أمام الجمعية التشريعية (إما أن نسحق الأعداء الداخليين والخارجيين للجمهورية، وإما أن نهلك بهلاكهم، ومن ثم أن يكون الشعار الأول لسياستكم هو: بالعقل تقاد الشعوب وبالإرهاب يقاد أعداء الشعوب).‏

وعند تفصيل عمليات الإرهاب، فإن سرد الوقائع يشكل قائمة طويلة بالإرهابيين وتاريخهم وجرائمهم منذ حروب أوروبا ومحاكم التفتيش والحروب الصليبية والحروب الاستعمارية والنازية والفاشية، وتصفية شعوب بكاملها كشعب الهنود الحمر في أميركا وغيرهم؛ وصولا إلى استخدام القنابل الذرية ضد المدنيين الآمنين في اليابان، وحتى احتلال أفغانستان والعراق والعدوان على لبنان صيف العام 2006.‏

وفي العصر الحديث يمكن سرد قوائم أخرى تحمل أسماء كرجال 'الجيش الجمهوري الإرلندي والباسك والألوية الحمراء؛ وأصحاب القمصان السود والكوكلس كلان وحروب السيخ والهندوس؛ والتاميل ورواندا وبوروندي وغيرها كثير.‏

وكما يشير الباحثون فقد عرف العالم الإرهاب في صور مختلفة منذ أقدم العصور، فتحدثت البرديات المصرية القديمة عن الصراع الدموي بين الكهنة وصور الذعر والقوة التي سادت بينهم، كما حرمت قوانين اليونان والرومان الإرهاب والجرائم السياسية المعادية للأمم.‏

وتشير بعض المراجع إلى الأنشطة الإرهابية التي قام بها اليهود، وتحديداً طائفة «الزيلوت» ضد الامبراطورية الرومانية عام 66 ميلادية، وكانت أول منظمة إرهابية عرفها التاريخ هي منظمة «السيكاري» sicari التي شكلها بعض المتطرفين من اليهود في فلسطين، والذين وفدوا إليها قبل القرن الأول من الميلاد بهدف إعادة بناء الهيكل الذي سمي بالمعبد الثاني.‏

ويرى البروفسور ( يسرائيل يرتل ) رئيس قسم تاريخ الشعب الإسرائيلي بالجامعة العبرية، أن المراجعة الدقيقة للحقائق الثابتة في التاريخ على مدى /1500/ سنة تكشف عن أن هذا التاريخ الطويل يضم عمليات إرهابية مختلفة قام بها اليهود، ومن ضمنها الاغتيالات، ويضيف أن اليهود قاموا بتشكيل عصابات إرهابية في أوروبا الشرقية في الفترة من القرن السابع عشر وحتى القرن التاسع عشر.‏

وقد ساد العنف في كل عصور التاريخ. وفي القرن العشرين كان من أشهر عمليات الإرهاب السياسي حادثة اغتيال الأمير / رودلف / ولي عهد النمسا، والتي ارتكبها متطرف صربي وكانت سبباً مباشراً لقيام الحرب العالمية الأولى.‏

ثالثاً ـ أسباب الإرهاب:‏

لقد ذكر السيد الرئيس بشار الأسد في رسالة وجهها إلى مهرجان الشباب في (كراكاس) في 11/8/2005 أن «الإرهاب انتشر في العالم بسبب السياسات الظالمة والغاشمة التي اتبعتها الولايات المتحدة وإسرائيل، ونتيجة لإضعاف دور منظمة الأمم المتحدة التي كانت الأمل المرتجى لحل الخلافات الدولية حلاً عادلاً وكبح العدوان ونشر السلام في العالم».‏

وفي حديثه للتلفزيون الفرنسي القناة 3، في تاريخ 6/12/2005 قال سيادته: «إن كل التطرف يؤدي إلى التدمير، لكن أسباب هذا التطرف هي أولاً الفوضى الدولية الموجودة في العالم، الأخطاء السياسية الكبرى التي تقوم بها الدول الكبرى؛ والتي تؤدي إلى تزايد الإرهاب الذي يُبنى على هذا التطرف».‏

فالإرهاب لا يأتي من فراغ وإن اتجاه الولايات المتحدة نحو التوسع واكتساب المزيد من الوزن والنفوذ، مدعية لنفسها الحق في إدارة شؤون المجتمع الدولي ككل، بل وفي التدخل في أية مسألة دولية ذات شأن، ولو لم تمس مصالحها بصورة مباشرة، كل ذلك يؤدي إلى نمو الإرهاب.‏

إن التدخل في الشؤون الداخلية للدول وفي برامجها التعليمية والدراسية والتربوية ومحاولات طمس هويتها وثقافتها، كل ذلك يقود بالنهاية إلى التطرف والإرهاب.‏

وإن سعي الولايات المتحدة إلى إضفاء الصفة الدولية على أمورٍ تعد من الأمور الداخلية للدول، والاعتماد على سياسة الأحلاف العسكرية، وتنوع مصادر القوة، وتبني سياسة الردع، كل ذلك يؤدي إلى خلق أسباب الإرهاب.‏

إن العمل على منع الدول الأخرى من امتلاك أسباب قوتها ونهضتها وتطورها؛ لجعلها دوماً دولاً ضعيفة تابعة لا تقوى على الوقوف بمفردها، إنما ذلك يؤدي بالنتيجة إلى العنف والتطرف والإرهاب.‏

إن العمل على خلق نظام دولي يخدم مصالح الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، ولا يراعي مصالح البلدان الفقيرة والشعوب الضعيفة والأزمة الأخلاقية التي يعيشها النظام الدولي، كل هذا بالنتيجة يؤدي إلى الإرهاب.‏

إن ازدواجية المعايير التي تنتهجها الولايات المتحدة في تعاملها مع القضايا الدولية وخاصة في منطقتنا، وعدم تطبيق قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي، واللجوء إلى الانتقائية عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، كل ذلك يؤدي إلى الفوضى الدولية وإلى تشجيع العنف.‏

إذا مما لا شك فيه أن سياسة إدارة الرئيس بوش هي التي توفر الأسباب اللازمة للتطرف والإرهاب، والتي تعود على الولايات المتحدة بمزيد من الكراهية الشعبية لها في العالمين العربي والإسلامي. والمشكلة الكبرى تكمن في عجز الشعوب عن خوض الصراع بوسائل وأدوات وأساليب مجدية، الأمر الذي يشدد الميل إلى «البديل البائس» وهو الإرهاب الذي يضرب ليس «حيث يجب أن يضرب «وإنما» حيث يستطيع أن يضرب».‏

إن كل ما فعلته الولايات المتحدة لا يتعدى زرع المزيد من الإحباط في نفوس الشعوب، ونزع مزيدٍ من «الأسلحة» من أياديها؛ فلم يبق لديها من وسائل تخوض بها الصراع سوى تلك الوسائل التي منها يتألف «الإرهاب» عملاً وفكراً.‏

وهذه الدولة العظمى لا تملك من المصالح إلا ما يرغمها على أن تظل إلى أجل غير مسمى أسيرة للتناقض الواقعي بين مصلحتها في محاربة «الإرهاب»، ومصلحتها الموضوعية في مد «الإرهاب» بمزيد من أسباب الحياة والنماء، فهي في سعيها إلى القضاء عليه مثل من يحاول استئصال الشجرة عبر قطعه بعض فروعها وغصونها.‏

إذاً يمكننا القول إن للإرهاب أسباباً ودوافع كثيرة؛ منها سياسية وتاريخية ونفسية واجتماعية واقتصادية وشخصية وغير ذلك، ومنها أيضاً البؤس وخيبة الأمل والشعور بالظلم واليأس التي تدفع بالإنسان إلى ارتكاب أي عمل.‏

إضافة إلى ما تقدم، فهناك أيضاً عوامل أخرى متعددة تساعد في انتشار الإرهاب؛ كون هذا العصر أصبح عصر العالمية المتزايدة، ولكنه أيضاً عصر التفتت المتزايد.‏

فالتفتت يعصف بالتضامن الاجتماعي ويدفع الجماعات المتطرفة إلى تعميق معارضتها، كما أن العالمية تؤثر في قدرة الحكومات على حفظ النظام.‏

وإن اتساع نطاق ثورة الاتصالات، والتطور التكنولوجي المذهل، وخصخصة الاقتصاد العالمي، وصعوبة مراقبة الحدود بين الدول بشكل محكم، كل هذه التطورات ساهمت في توفير المناخ المؤاتي للقيام بأعمال إرهابية.‏

ومن المنطق أن نعترف أيضاً بأن الأيديولوجيات التكفيرية التي تدعو إلى العنف والكراهية هي أحد العوامل الأساسية المنتجة للإرهاب.‏

نتيجة لذلك كله أصبح الإرهاب خطراً عالمياً، فالإرهابيون يزيد نشاطهم في الظروف الدولية المفتوحة، إلا أن ذلك لا يعني أن القيود الدولية تحد من الأنشطة الإرهابية، فليس هناك أي منطقة أو أية دولة أو أي شعب أو أي شخص في مأمنٍ من الإرهاب؛ لأن النشاط الإرهابي قد انتشر على المستوى الدولي.‏

فالإرهابيون لهم شبكات تحالفاتهم واتصالاتهم وتمويلهم، واكتسبوا مهارات في الهروب من خلال الثغرات الموجودة، في النظام الدولي، وإن اتخاذ إجراءات فردية بل وثنائية لا يكفي لمواجهة التهديد الإرهابي، إذ لا بد من تعاونٍ وتنسيق دوليان واتباع نهج عالمي يفرق بين الإرهاب وبين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والتصدي لجميع أشكال العدوان.‏

وفي خطاب للسيد الرئيس بشار الأسد على مدرج جامعة دمشق في 11/11/2005 قال: «دعمنا الشرعية الدولية ولم ندعم الفوضى الدولية، الشرعية الدولية هي ميثاق الأمم المتحدة، أما الفوضى الدولية فهي ارتكاز القرارات على بعض المصالح وبعض المزاجات لبعض المسؤولين في هذا العالم، وعلى هذه الدول وعلى هذه القوى وعلى كل إنسان في هذه المنطقة وفي العالم أن يعرف أن عصر الوصاية الذي كان موجوداً في بدايات القرن الماضي قد انتهى؛ والآن المنطقة أمام خيارين لا ثالث لهما، إما المقاومة والصمود أو الفوضى، لا يوجد خيار آخر، والمقاومة هي التي تمنع الفوضى، والمقاومة لها ثمن، والفوضى لها ثمن لكن ثمن المقاومة والصمود أقل بكثير من ثمن الفوضى».‏

رابعاً ـ من هو الإرهابي الحقيقي ؟‏

في عالمنا الحديث، ومن دون تبرير للإرهاب، نرى أن سياسات الولايات المتحدة إزاء جوانب عديدة في الحياة الدولية؛ هي المصدر الأول للإرهاب في العالم إلى جانب إسرائيل بالتأكيد.‏

إسرائيل هي التي أدخلت الإرهاب إلى هذه المنطقة؛ وحتى قبل الإعلان عن قيامها عام 1948 من خلال المنظمات الإرهابية المعروفة؛ التي كانت تمارس جميع فنون القتل والترويع والاغتيال ضد الفلسطينيين بهدف طردهم وترحيلهم من أراضيهم وبيوتهم.‏

كما أنها منذ قيامها تمارس الإرهاب المفتوح ضد لبنان وداخل فلسطين المحتلة وضد الدول العربية، وقامت مخابراتها بممارسة الإرهاب على الساحة الدولية وخاصة في أوروبا تحت شعار مكافحة الإرهاب.‏

فالإرهاب هو تكوين نفسي وثقافي عند الإسرائيلي، وتجدر الإشارة هنا إلى الفيلم الإسرائيلي (روح وحدة شاكيد) وهي الوحدة التي كان يقودها بنيامين بن أليعازر، الوزير الإسرائيلي الحالي، التي قتلت الأسرى المصريين عام 1967، لندرك كيف أن الشخصية اليهودية تتسم بالعدوان والاستعلاء والإرهاب، نتيجة المذلة والانكماش التي عاشوها في أوروبا. وقد ترجم /فلاديمير جابوتنسكي/ الأب الروحي للأحزاب اليمينية في إسرائيل هذا النموذج النظري في المجال العسكري بصك مصطلح الجدار الحديدي الذي يجب أن يبنى لعزل العرب عن مخالطة اليهود المهاجرين أو التجاسر عليهم، وقام هذا الإرهابي في عام 1920 باعتباره قائداً لعصابات /الهاغانا/ بتطبيق حي للمصطلح عندما انتهز فرصة عيد شعبي كان يحتفل به المسلمون والمسيحيون بإقامة الصلوات والمهرجانات، وفتحت قواته النار على جموع المصلين ليسقط مئات من القتلى والجرحى.‏

واليوم نرى كيف تبني إسرائيل جدار الفصل العنصري خلافاً لأحكام القانون الدولي وعلى حساب الأراضي الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني في الوقت الذي انهار فيه جدار برلين وجميع جدران الفصل العنصري بالعالم.‏

وكان / تيودور هرتزل / قد جعل من الاضطهاد الذي عاناه اليهود في الشتات حافزاً معنوياً لخوض الصراع المقبل ضد العرب، قوامه الحقد على البشرية جمعاء.‏

ولقد صرح في هذا الشأن بقوله ما قوتنا الدافعة؟ إنها بؤس اليهود.‏

وبشًّر هرتزل بأن : «هذه الأمة اليهودية سوف تبقى، أما ما عداها فسوف يزول، بل ويجب القضاء عليه لأنه غير أهلٍ للبقاء، وحتى تبقى الأمة اليهودية ويزول ما عداها فلا بد من أن تقام الدولة اليهودية حتى وإن جانبت إقامتها جادة الحق، وذلك لأن القوة فوق الحق».‏

وبعد اغتصاب فلسطين وضع اليهود برنامجاً تربوياً يهدف إلى تنمية الإرهاب في نفوس وعقول الشبيبة الإسرائيلية، ويهدف هذا البرنامج التربوي إلى تنشيط الذاكرة اليهودية بما حدث لآبائهم وأجدادهم في الشتات؛ لتظل الروح اليهودية في حالة استنفار دائم ضد الغير وحماية الدولة بكل الوسائل بما في ذلك الوسائل الإرهابية. ولا يوجد طفل في إسرائيل إلا ويحفظ عن ظهر قلب : «لأنك شعب مقدس للرب إلهك، ولقد اختارك الرب لتكون له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الأخرى على وجه الأرض».‏

فكل تلميذ في إسرائيل يتربى على أفكارٍ لا تقل خطورة عن تلك الأفكار التي في «بروتوكولات حكماء صهيون».‏

طبعاً ليس هذا استعراضاً لتاريخ الإرهاب الصهيوني، لأن هذا الأمر كتبت عنه مجلدات، بل إلقاء ومضة على الذهنية التي تحكم سلوك الصهيوني وعقله.‏

أما الولايات المتحدة فتدخلها بشؤون العالم ليس بجديد، وإنما هذا السلوك قديم منذ الثورة الأمريكية عام 1771، والتي تلاها الامتداد الأمريكي في قارة أمريكا الشمالية حتى وصلت إلى ما وراء القارة الأمريكية في بدايات القرن العشرين لتصل إلى مفهوم العالمية بالتدخل (Globalisation of Intervention).‏

ويعد مبدأ /مونرو/ في عام 1823، الذي يحرم أوروبا من التدخل في العالم الجديد تحت مفهوم (أمريكا للأمريكيين) هو أول مبدأ يعطي للولايات المتحدة حق احتكار التدخل في هذا العالم الجديد.‏

تلا ذلك إعلان الرئيس رقم 25 للولايات المتحدة /تيودور روزفلت/ - وهو غير الرئيس فرانكلين روزفلت - في عام 1904 والذي وسع من مبدأ /مونرو/ حتى عينت الولايات المتحدة نفسها بمثابة رجل شرطة له حق التدخل الفردي في أمريكا اللاتينية حتى الحرب العالمية الثانية.‏

ثم توسع مبدأ التدخل عند الولايات المتحدة مع إدارة /ترومان/ الذي أعلن أن سياسة الولايات المتحدة تدعم الشعوب التي تقاوم محاولات السيطرة عليها بقوة مسلحة أو بضغوط خارجية، وكان المقصود الاتحاد السوفييتي حينها.‏

ومع بدء محاربة الشيوعية حدثت تدخلات كثيرة ضد الأنظمة الماركسية، إذ بدأ يحكم التدخل الخارجي للولايات المتحدة هدف محاربة الشيوعية، كما فعل /جونسون/ في /الدومينيكان/ عام 1965.‏

وبعد انهيار المعسكر الشيوعي أعطت الولايات المتحدة لنفسها الحق بالتدخل في كل مكان بالعالم؛ تارة لمكافحة الإرهاب وتارة أخرى لنشر الديمقراطية، وتارة ثالثة لحماية حقوق الإنسان، ورابعة لخلق شرق أوسط جديد، وخامسة لحماية مصالحها الحيوية، وسادسة لحماية رعاياها، وسابعة القيام بضربات استباقية وإلى ما هنالك...‏

خامساً ـ اتهام العرب والمسلمون:‏

عندما يتعلق الأمر بتبرير سياسته لا يشعر الغرب بأي حرجٍ، فعندما كان الإسلاميون يقاتلون في الثمانينيات في أفغانستان – بوسائل نظيفة جداً – ضد ما سمي «الاحتلال السوفييتي»؛ كانوا ينالون أعلى درجات الثناء والإعجاب من الغرب ومن معظم وسائل الإعلام هناك، وكان أولئك المقاتلون ذوي اللحى الطويلة يحصلون من الأجهزة الأمنية الغربية على كل ما يحتاجون من دعمٍ عسكري مادي، بما في ذلك الصواريخ.‏

آنذاك لم يكن هذا القتال يوصف بأنه ( إرهاب ) إلى من دول المعسكر الشيوعي وبعض الشيوعيين في الغرب.‏

أما بالنسبة للديمقراطيات الغربية فقد كان القتال ضد قوات ( الاحتلال السوفيتية ) نضالاً في سبيل الحرية، ولكن من الناحية الأخرى عندما يدافع مقاتلو حزب الله في جنوب لبنان عن أرضهم ضد الاحتلال الإسرائيلي لا يسأل أحد عن الأسباب.‏

إن العالم الغربي مع القيم التي يتغنى بها سيحظى باحترام الشعوب العربية والإسلامية لو جعل هذه القيم تنطبق على الجميع على قدم المساواة، على البيض والسود، وعلى المسلمين والمسيحيين واليهود. وليس مقنعاً على الإطلاق التوجه الغربي وخاصة الولايات المتحدة إدانة ما يقوم به الفلسطينيون دفاعاً عن حقهم واستقلالهم، وفي الوقت نفسه السكوت عن إرهاب الدولة الإسرائيلية أو التقليل من أهميته.‏

كما أسلفنا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001، صبت أمريكا جام غضبها وقوتها على العرب والمسلمين دولاً وحركات وأفراداً، وذلك على خلفية اتهامها أفراداً عرباًَ ومسلمين بالوقوف وراء ذاك الهجوم، وبحسب الولايات المتحدة وحلفائها الأساسيين فإن الإرهاب «إسلامي» من ألفه إلى يائه؛ ومن هنا جاءت ذريعتها لاحتلال كل من أفغانستان والعراق وتدمير هذين البلدين. وأصبح العربي والمسلم في وعي الإنسان الغربي من خلال دعاية إعلامية منهجية ومخططة هو ذاك «الإرهابي» الذي لا حرفة له سوى القتل والتدمير، وتولدت أزمة ثقة وشكوك بسبعة ملايين مسلم من مختلف الأعراق يعيشون في الولايات المتحدة ويحملون جنسيتها.‏

وقد فند السيد الرئيس هذه المسألة بوضوح في مقابلته مع التلفزيون الروسي في 12/11/ 2005 عندما قال:‏

(طبعاً لا يوجد إرهاب إسلامي لأن الإرهاب ينفصل عن الإسلام، إنه إرهاب فقط، ولكن درجت التسمية على وصفه بالإرهاب الإسلامي. هذا النوع من الإرهاب خطير كان يستهدفنا في السبعينيات والثمانينيات، وفي ذلك الوقت قمنا بحملة على مستوى بعض الدول الأوروبية الغربية لكي نقنع تلك الدول بأن احتضان بعض قيادات التطرف والإرهاب في أوروبا سيرتد عليهم في وقت من الأوقات وقد عانينا منه، وبدؤوا يضربون في عدد من الدول العربية في نهاية الثمانينيات وفي التسعينيات، ورأينا النتائج الخطيرة والكبيرة في نيويورك وفي لندن وفي مدريد).‏

ومن هذا يتبين أن الإرهاب ليس له دين معين أو جنس أو جنسية أو منطقة جغرافية محددة. وأن أية محاولة لربطه بدين معين هو أمر مرفوضٌ.‏

سادساً: التفريق بين الإرهاب والمقاومة :‏

ومن هنا ننتقل إلى الموضوع الأبرز والأهم وهو الفرق بين الإرهاب والحق في الكفاح الوطني ومقاومة الاحتلال.‏

إن النصوص و الأعراف الدولية والإنسانية وأحكام الشريعة الإسلامية كلها تؤكد التباين بين المقاومة والجهاد من جهة، والإرهاب من جهة ثانية، وذلك في مختلف الجوانب القانونية والسياسية والاجتماعية، وبالوسائل التي تستخدم في الحالتين والأهداف المرجوة.‏

ومع الإقرار العالمي بحق تقرير المصير في مداولات الأمم المتحدة وفي الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان؛ وعلى رأسها «المعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية» و «العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية» لعام 1966، وبتحوله من مجرد مبدأ سياسي إلى حقٍ قانوني، فقد أصبح من المحتم القول أنه يقع على عاتق كل دولة واجب الامتناع عن الإتيان بأي عمل قسري؛ يحرم الشعوب غير المستقلة من حقها في تقرير مصيرها، سواء كانت خاضعة للاحتلال أم للاستعمار.‏

وقد ميزت الأمم المتحدة بين الإرهاب بوصفه جريمة دولية، وبين الكفاح المسلح بوصفه نشاطاً من أنشطة حركات التحرر الوطني المشروعة، وهو بلا شك اختلاف جوهري في الطبيعة والمقاصد.‏

وفي هذا السياق اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة مراراً بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، مثل قرارها رقم (3236) لعام 1974 وقرارها رقم (39/17) لعام 1984 وقرارها رقم 49/149 لعام 1995، وبحقه في استرجاع حقوقه بالوسائل المتاحة كلها بما في ذلك الكفاح المسلح.‏

كما أن القانون الدولي ومنذ قيام الأمم المتحدة قد حظر اللجوء إلى القوة المسلحة أو التهديد بها في إطار العلاقات الدولية، غير أنه أجاز اللجوء إلى القوة بأشكالها المختلفة في حالات الدفاع الشرعي ضد الاحتلال، بوصفها وسيلة لممارسة حق تقرير المصير، والوصول إلى الاستقلال الوطني، وهذا ما أكدت عليه المادة ( 51) من ميثاق الأمم المتحدة.‏

وقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقديم دول العالم المساعدات للشعوب التي تناضل في سبيل تقرير المصير، وأن تساعد جهود الأمم المتحدة في هذا المضمار، حيث يمكن لهذه الشعوب أن تتمتع بدعم خارجي في الكفاح المسلح الذي تخوضه ضد دولة استعمارية أو عنصرية أو ضد الاحتلال الأجنبي، دون أن تحتج هذه الأخيرة بأن هذا الدعم يعد من قبيل التدخل في شؤونها الداخلية؛ وذلك وفق قرار الجمعية العامة رقم (3070) لعام 1973.‏

وإزاء هذه الجهود المبذولة من الأمم المتحدة لحصر مفهوم الإرهاب وعدم خلطه بحق المقاومة ومشروعيتها، كانت الولايات المتحدة غير متعاونة لإنجاح هذه الجهود، وذلك بسعيها إلى تغييب المعايير وإحلال الانتقائية محلها، لكي تنفرد بعد ذلك في تصنيف أعمال العنف وفق ما تشاء، وتصاعد اتجاه توسيع مفهوم الإرهاب لديها ليشمل أعمال المقاومة والجهاد والكفاح المسلح المشروعة،ولا سيما بعد توقيع اتفاقية اوسلو لعام 1993، وإثر انعقاد مؤتمر شرم الشيخ عام 1996 وضغط أمريكا بهدف إدانة أعمال المقاومة المسلحة الفلسطينية تحت اسم «الإرهاب».‏

وتناقش الجمعية العامة منذ حوالي خمس سنوات مشروع اتفاقية دولية شاملة حول الإرهاب الدولي، وذلك في إطار البند المعنون «التدابير الرامية للقضاء على الإرهاب الدولي» في اللجنة السادسة (اللجنة القانونية)، وقد بدا واضحاً منذ بدأ النقاش وجود خلافات شديدة حول عدة نقاط، أبرزها وضع تعريف قانوني للإرهاب و التمييز بينه وبين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال وفي تقرير مصيرها وإرهاب الدولة، وقد قدمت سورية منفردة أو بالتعاون مع وفود أخرى؛ وفي إطار منظمة المؤتمر الإسلامي أيضا عدة مقترحات وأوراق عمل تتصل بهذه المواضيع ومواضيع فنية أخرى.‏

ورغم أن اللجنة المختصة قد اتفقت على معظم المواد الواردة في مشروع الاتفاقية الشاملة إلا أن النقطة الخلافية الأبرز التي بقيت؛ هي تلك المتعلقة بالمادة 18 التي تتناول موضوع التمييز بين الإرهاب وحق الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومة الاحتلال، وذلك لأن الولايات المتحدة التي تدعي أنها تقود العمل الدولي في مقاومة الإرهاب، تعارض بشدة الصياغة المطروحة.‏

وجاءت أحداث الهجوم على نيويورك في 11 أيلول عام 2001 لتحدث هزة في النظرية الأمنية الأمريكية السائدة، الأمر الذي شجع الإدارة الأمريكية على تغيير سلوكها بشكل سريع وكبير؛ بلجوئها إلى لغة العنف والتهديد والعدوان والاحتلال والحصار العسكري و الاقتصادي للآخرين، وإعلان تقسيم العالم إلى معسكرين : إما مع أمريكا وإما مع الإرهاب»، وقد استغل اللوبي الصهيوني بنفوذه العالمي والسياسي والاقتصادي والإعلامي هذه الحادثة لتشجيع التطرف اليميني في الإدارة الأمريكية، وتحريض العالم الغربي ضد كل ما هو عربي وإسلامي. وسرعان ما رأينا كيف أن الغرب عموماً تنكر لكل تراثه الفكري الذي أسسه لحق مقاومة الطغيان، وشعارات الحرية والعدالة والمساواة التي نادى بها روسو وفولتير وغيرهم من الفلاسفة في أوروبا قبل قرون عدة، وكذلك لمبادئ /ويلسون / التي وضعها عام 1918 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، والتي يمكن تلخيصها بحق الشعوب في تقرير مصيرها وضرورة استتباب الحرية والسلام في العالم، والتي أثارت فرحة عارمة في أوساط الشعوب العربية حينئذٍ لأن بلدانها كانت محتلة. ووفقاً لما قرره القانون الدولي و فقهاؤه، ووفقاً للحق الطبيعي في الدفاع عن النفس والمال والأملاك و الأعراض والحريات، فإن من حق الشعوب التي تتعرض للاحتلال والاستعمار والعدوان والطغيان المسنود بالقوة، اللجوء إلى المقاومة المسلحة بوصفها مقاومة مشروعة.‏

وفي هذه الحالة تنطبق اتفاقيات الحماية الدولية المختلفة على المقاتلين من أجل الحرية ضد الاستعمار والاحتلال أو الاضطهاد، وبذلك تتمتع الفئات التي تمارس هذا الحق في المقاومة المشروعة بمركزٍ قانوني، حسب هذه الاتفاقيات، بما يتيح لها التصدي للاستعمار والاحتلال.‏

وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم (3246) الصادر في 14/2/1974 على شرعية حق الشعوب في الكفاح المسلح في سبيل تحررها من الاحتلال، وذهب إلى: «أن أي محاولة لقمع الكفاح المسلح ضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية والأنظمة العنصرية هي مخالفة لميثاق الأمم المتحدة؛ ولإعلان مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الدولية والتعاون بين الدول، وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان».‏

وأكدت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب الصادرة في عام 1998 في المادة الثانية على أنه: (لا تعُد جريمة حالات الكفاح بمختلف الوسائل، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي والعدوان من أجل التحرر وتقرير المصير).‏

وقد اعترف القانون الدولي بضرورة احترام الوحدة الإقليمية للدول؛ وحقها في أن تعيش باستقلالها وكرامتها، وعلى هذا الأساس اعترف بالمقاومة الوطنية، وأكد في أحكامه أن الاحتلال القائم على الحرب لا يشكل ذريعة مقبولة لضم الأراضي المحتلة إلى إقليم الدولة القائمة بالاحتلال، وعلى هذا الأساس فإن المقاومة الوطنية المسلحة يمكن أن تكون أو تنطلق من خارج الأراضي المحتلة، وليس فقط من داخلها.‏

وإيماناً من سورية بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال، ومن إدانتها للإرهاب فقد أعلن السيد الرئيس الراحل المرحوم حافظ الأسد في أواخر أيار عام 1986 من العاصمة اليونانية (أثينا) مبادرته الشهيرة لمكافحة الإرهاب الدولي، موضحاً موقف سورية حيال هذا الإرهاب ومؤكداً أن سورية ترفض الإرهاب وتدينه وتقاومه، ولكننا نميز بوضوح بين الإرهاب وأعمال المقاومة الوطنية ضد الاحتلال، والتي نؤيدها لأنها حق لكل شعبٍ احتلت أرضه واغتصبت حقوقه، وخاصة عندما يمارس ذلك على ساحة نضاله الحقيقي.‏

وطالب السيد الرئيس في كلمته بالاتفاق على حدود الإرهاب، وحدود المقاومة والتحرير وعقد مؤتمر دولي للتفريق بين الأمرين.‏

وكانت تلك المبادرة الأولى من نوعها جاءت لتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية لوضع حدود فاصلة وواضحة بين الإرهاب الدولي المنظم الذي أصبح سياسة رسمية لدولٍ، وبين النضال الوطني المشروع الذي تخوضه شعوب عانت وتعاني من الاستعمار والقهر والتمييز العنصري والاحتلال.‏

كما أن السيد الرئيس بشار الأسد أكد في مقابلة مع مجلة (دير شبيغل) الألمانية في 30/8/2005 في معرض الحديث عن العراق إلى أن هناك أعمالا إرهابية تودي بحياة أبرياء، وهذا ترفضه سورية تماماً، لكن في المقابل توجد حركات مقاومة؛ وهذا شيء آخر إنه شيء طبيعي جداً.‏

وفي إحدى خطاباته قال السيد الرئيس بشار الأسد «الفرق بين المقاومة والإرهاب واضح بسيط، هو كالفرق بين صاحب الحق ومغتصب هذا الحق».‏

ومما لا شك فيه أن الموقف الدولي حول موضوع الإرهاب المنظم والرسمي لا يرضي أولئك الذين يرفعون شعار مكافحة الإرهاب، ويتاجرون به على الساحة الدولية لتبرير إرهابهم وعدوانهم ضد حركات التحرر والشعوب التي تناضل في سبيل حريتها واستقلالها.‏

وهذه الدول تشن دوماً حملات سياسية وإعلامية ترتكز على تزييف المفاهيم وتزوير الحقائق لمآربها، لا سيما في منطقتنا التي تعيش عدداً من البؤر الملتهبة التي تتداخل عناصرها، وتسعى في المحصلة إلى تغيير الوجه السياسي والثقافي والبشري للمنطقة، وإعادة رسم خارطتها من جديد، بما يستجيب للمهام والوظائف المستجدة لهذه المنطقة، وبما يخدم استراتيجيات ومصالح بعض القوى الأجنبية وفي مقدمتها إسرائيل، لا سيما عندما ندرك بأن تطورات الأحداث أثبتت أن إسرائيل كانت أبرز الفاعلين فيها وأكبر المستفيدين منها.‏

سابعاً - دور الإعلام والدعاية الإعلامية في تشويه الحقائق :‏

إن الدعاية ليست بحديثة العهد وهي قديمة قدم الإنسان نفسه، والدعاية هي من أقدم النشاطات الإعلامية التي ميزت الدولة الحديثة بمختلف أشكالها ومضامينها، وبالأخص في الدعاية السياسية.‏

وتعد الدعاية الإعلامية فناً من فنون الترويج لفكرة أو رأي أو مذهب، وقد أضحت في هذا الزمن معقدة ومتطورة ومؤثرة، خاصة بانتشار وسائل الإعلام المتنوعة والتقدم الهائل في ميادين العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ والتي تساهم مساهمة مباشرة في انتشار الدعاية بأساليبها ومضامينها المختلفة.‏

وتستهدف الدعاية الناجحة مخاطبة العواطف والمشاعر دون أن تهمل الجانب العقلي، وتسعى بذلك إلى استغلال ملكتي العقل والعاطفة، ولكن دور العقل يأتي في المرتبة الثانية، وهدفها من ذلك إحداث تغيير سريع وفوري في مواقف وسلوك الجماعات المستهدفة؛ مما يؤدي للجوء إلى المثيرات النفسية أكثر من اللجوء إلى القضايا التي تستدعي المناقشة وأعمال الفكر والتأني قبل اتخاذ الموقف.‏

ويرجع تاريخ الدعاية إلى أيام اليونان، وأول وسائلها الخطابة باعتراف أفلاطون الذي عدها أكبر مؤثر في ميدان الدعاية السياسية، وتظهر الدعاية في الشعر عند اليونان والرومان، وهم الذين اتخذوا من الشعر الحماسي في كل من ( الإلياذة والأوديسا ) وسيلة لإثارة الجماهير وإلهاب المشاعر.‏

والدعاية لها أشكال متعددة وتلجأ بعض الحكومات إلى استئجار شركات علاقات عامة تستخدم بدورها الإعلام ليقوم لها بأعمال الدعاية التي تخدم مصالحها الحيوية مستندة إلى الكذب واستراتيجية التضليل، وخير مثال على ذلك هو احتلال العراق الذي قام على مجموعة من الأكاذيب، إذ كانت الولايات المتحدة من خلال أجهزة التضليل الرسمية تعمل على تسويغ الاحتلال وجعله شرعياً وخلق أكاذيب جديدة لتسويغ استمراره.‏

وإن الدعاية السوداء التي تبث المعلومات الخاطئة لمحطات الأخبار الغربية والأمريكية ليصبح التحذير من الإرهاب حقيقيا، هدفها جعل الشعب الأمريكي يتصور بأن مجموعات الإرهاب هي عدو للولايات المتحدة، وتعمل أيضاً على جعل صورة رموز هذه المجموعات ماثلة وجاهزة في أذهان ووجدان الأمريكان باستمرار، وتقوم هذه المحطات التلفزيونية الأمريكية بذات الوقت برفض عرض الأعمال التي تحتوي على نقد إدارة /بوش/.‏

هذا بالإضافة إلى أن العديد من الموظفين الأمريكيين العاملين في الشركات الإعلامية تم فصلهم؛ لكونهم اتهموا الصحافة بالكذب واستخدام الدعاية السوداء، وقد تم استخدام العقوبات الاقتصادية ضد أساتذة الجامعات والفنانين من أصل إفريقي لإظهارهم آراء مناوئه لإدارة /بوش/.‏

وبعد أحداث أيلول 2001 قامت الولايات المتحدة؛ ومن أجل كسب معركة العقول والقلوب في المنطقة العربية، بإنشاء محطة / سوا/ التي بدأت بثها في آذار 2002 انطلاقاً من عدد من دول الخليج لشرح السياسات الأمريكية ونشر القيم الثقافية الأمريكية في مجتمعات المنطقة. وقد أعقب هذه الخطوة إطلاق محطة «الحرة» الفضائية الموجهة للمنطقة العربية، والتي جاءت نتيجة إدراك الإدارة الأمريكية لأهمية السلاح الإعلامي المتلفز خلال احتلال أفغانستان والعراق، كما تم إحداث إدارة جديدة في الخارجية الأمريكية باسم (إدارة الدبلوماسية العامة) لتلميع صورة أمريكا.‏

وإذا كان / غوبلز / وزير إعلام هتلر، يعد في التاريخ مؤسس مدرسة إعلامية وهو القائل (اكذب الكذبة مئة مرة تصدقها)، فإن المحافظين الجدد أو صقور الإدارة الأمريكية يحتشدون جميعاً ضمن هذه المدرسة، بل لقد تفوقوا على معلمهم وبات في داخل كل منهم (غوبلز ) ثانٍ يمارس مهام الدعاية الكاذبة تلقائياً.‏

فالتطور الأمريكي للدعاية السياسية لم يقتصر على تعدد «الجهابذة» فقط، وإنما أصبح الميدان غاية في التعقيد والتشعب وتداخلت السياسة مع الإعلام بصورة كاملة، فمن جهة تحول وتوغل الإعلام ليصبح لاعباً أساسياً في الملعب السياسي، ومن جهة أخرى أصبح الأداء السياسي المعلن يبدو وكأنه فقرة إعلامية.‏

وكان من مؤشرات اهتمام إدارة / بوش/ بالدعاية الإعلامية هي كثرة المراكز الإعلامية المتخصصة التي يتم إنشاؤها داخل مختلف الإدارات، وبغرض التعامل مع العالم العربي والإسلامي بصفة رئيسية. وبالإضافة إلى النشاط الإعلامي المعروف لوزارة الخارجية فقد أنشأ وزير الدفاع السابق / دونالد رامسفيلد/ مكتب التأثير الاستراتيجي الذي اشتهر باسم/مكتب التضليل الإعلامي/، ويرمي إلى الترويج لوجهة النظر الأمريكية وقمع المشاعر المعادية للولايات المتحدة وبالأخص في العالم الإسلامي.‏

ولكي نفهم توجهات الإعلام الأمريكي ينبغي الإشارة إلى حجم السيطرة والتأثير اليهودي في هذا المجال، فالشركات الإعلامية الكبرى الثلاث : والت ديزني، وفاكوم، وتايم وارنر، و الصحف الأمريكية الكبرى : نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، وول ستريت جورنال، وكذلك الشبكات التفلزيونية الرئيسية : سي بي إس ـ إم بي سي ـ إيه بي سي ـ فوكس ـ سي إن إن، والمجلات الكبر : التايم ـ النيوزويك، وكبرى شركات إنتاج الأفلام: كولومبيا، متروجولدون، ماير، وورنر براذرز، بارا مونت، يونيفرسال، وسينتشري فوكس، كل هذه المؤسسات الأمريكية الضخمة يملكها أو يديرها أو يسيطر عليها اليهود.‏

وباختصار تشير الأبحاث المختصة إلى أن (551) شخصاً يسيطرون على الإعلام الأمريكي أغلبهم من اليهود ومؤيديهم، الأمر الذي يتيح لهم دوماًَ إيجاد مناخ سياسي عام في الولايات المتحدة يتم من خلاله تنفيذ مخططاتهم بصورة تلقائية ودون تدخل مباشر في كل حين.‏

وكما أن للدعاية أشكالها فلها أساليبها أيضاً ومنها : النكتة، والتكرار، والاستضعاف، والاستعطاف، والترهيب، وأسلوب الشعارات، وأسلوب جس نبض الرأي العام، والصورة الكاريكاتيرية، والأسلوب العلمي، وأسلوب الاحتواء، وكذلك الأسلوب الحديث لتمرير الدعاية، وذلك من خلال خلق عدو وهمي للأمة يحاول أن يكون مصدر خطر في أي لحظة، وهنا يصبح من السهل إصدار مختلف أنواع الإشاعات بشكل مُهَّول وفي أي وقت.‏

وللتدليل على تأثير الإعلام الصهيوني في الولايات المتحدة من المناسب أن نشير إلى ما ذكره الرئيس الأمريكي السابق / جيمي كارتر / في كتابه المعنون: ( فلسطين : سلام لا فصل عنصري PALESTINE ;PEACE NOT APARTHIED ) والذي صدر في كانون الأول 2006، و ردود الفعل الصهيوني على ذلك.‏

فقد تضمن كتاب / كارتر / وصفاً للقمع الوحشي و الاضطهاد الذي يخضع له أهل فلسطين المحتلة، وذلك إلى جانب سياسة فصل عنصري قاسٍ بين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود في الضفة الغربية؛ أقسى مما كان يعانيه الأفارقة السود في جنوب أفريقيا.‏

وبعد صدور هذا الكتاب جُوبه بحملة صهيونية ضارية واتهمه اليمين المسيحي المتصهين بالكفر لأنه يعمل ضد إرادة الرب، وتعرض لحملة تجريح من اللوبي والإعلام الصهيوني واتهموه بالكذب والتعصب ومعاداة السامية والجبن وغير ذلك من الأوصاف التي يصعب ذكرها.‏

والأمر نفسه حصل قبل ذلك مع / روجيه غارودي/ عندما نشر كتابه: / الأساطير / وكشف سطوة اللوبي الصهيوني على الصحف ومنابر الفكر ومراكز صنع القرار في الولايات المتحدة، فقامت عليه القيامة واتهم بأنه «رفضي» وأنه ينكر المحرقة ومعادٍ للسامية، وأقيمت الدعاوى ضده في عدة بلدان غربية.‏

وكي يخفف من هذه الحملة ضده اضطر إلى يكتب على أنه أمضى 33 شهراً في مقاومة النازية، وأنه حصل على وسامين بعد الحرب لدوره في المقاومة.‏

من زاوية أخرى، وبما أن الحدث الذي حرك سياسة العالم (من ليس معنا فهو ضدنا) قد وقع في عقر دار ذاك العملاق، فقد انعكس هذا كما أسلفنا على العرب والمسلمين، وتزايد الضغط الإعلامي الذي تمارسه المنظمات واللوبيات المعادية للعرب والمسلمين كتبنيها لعدد كبير من الأقلام التي ما دامت تتهم مسلمي أمريكا والعالم بالتطرف، الأمر الذي أوجب على المسلمين إعادة رسم صورتهم لدى المجتمع الأمريكي، ولكن ما زالت هذه المساعي تفتقر للاستثمار الكافي فيها، حيث يعد العرب والمسلمون من أقل الجماعات إنفاقاً على الإعلام والدعاية؛ رغم الانتقادات التي تتعرض لها صورتهم في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموماً.‏

ويشير بعض المحللين إلى أن التغطية الإعلامية الأمريكية للشؤون العربية والإسلامية تعتمد على نظريتين أساسيتين:‏

1ـ الوصفية: ويتم من خلالها فهم العالم والحكم عليه بالمدى الذي يلتزم به، أو يقلد الممارسات والقيم الثقافية والاجتماعية الأمريكية.‏

2ـ الانتقائية: حيث يجري انتقاء صور نمطية من المجمعات العربية والإسلامية تظهرها بالمجتمعات التقليدية المتخلفة ومن الضروري عصرنتها، وهذا التوجه يكشف عن عنصرية ثقافية تقوم على رفض فكرة التعددية الثقافية في العالم.‏

وإن ميل المجتمعات العربية والإسلامية إلى التمسك بقيمها الثقافية وخصائصها الحضارية والتاريخية، و القلق من الهيمنة الثقافية الغربية أدى إلى ظهور إحساس بوجود صراع حضاري، والغرب الذي يعد أن ثقافته فريدة، ينظر إلى أي ثقافة عربية وإسلامية بمثابة تهديد للثقافة الغربية، ممهدين بذلك الطريق لظهور نظرية صراع الحضارات، وتحولها إلى مادة نقاش حاد منذ نهاية الحرب الباردة؛ وأصبحت أكثر وضوحاً في التغطية الإعلامية الأمريكية لثلاثة أسباب:‏

1ـ حررت نهاية الحرب الباردة وسائل الإعلام الأمريكية من عبء معاداة الشيوعية، ونتيجة لذلك وجدت وسائل الإعلام هذه بيئة أكثر حرية؛ للتعبير عن مشاعر وأفكار كانت مكبوتة خلال فترة الحرب الباردة.‏

2ـ الفراغ الأيديولوجي الذي نتج عن نهاية الحرب الباردة، حيث برزت فرصة سانحة لاستبدالٍ بالعدو القديم ( الشيوعية ) عدواً جديداً ( الإسلام ).‏

3ـ تحول بعض الحركات الإسلامية الشرق أوسطية،التي كان بعضها مدعوماً من قبل الولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة بهدف مواجهة الشيوعية، ضد راعيها السابق، بعد أن أدركت أن الولايات المتحدة كانت تستخدمها كلعبة في الصراع الدولي في حقبة الحرب الباردة، وبذلك أصبحت الولايات المتحدة الهدف الجديد لهذه الحركات.‏

هذه العوامل تشكل الخلفية الأساسية لفكرة صراع الحضارات التي روجت لها الصحافة الأمريكية في فترة ما بعد الحرب الباردة، كما أنها تشكل الحاضنة لتغطيتها الإخبارية التي يطغى عليها البعد الثقافي في تناول أوضاع المنطقة العربية، واتهام العرب بالتمسك بموروثات ثقافية تشكل بيئة مناسبة لنمو وتكاثر المنظمات المتطرفة، على حد زعم الصحفي الأمريكي الصهوني المعروف / توماس فريدمان/ خلال الندوة الإعلامية التي انعقدت في دبي في نيسان 2005 وشهدت سجالات ساخنة.‏

وجدير ذكره أن «مصداقية» هذا الإعلام قد اهتزت كثيراً خلال الاحتلال الأمريكي للعراق. فقد تخلت وسائل الإعلام عن دورها التقليدي في البحث والتقصي لتقدم إطاراً دعائياً للاحتلال العسكري. و تآكلت هذه الصورة في فضيحة صحيفة «نيويورك تايمز» عندما تبين أن مراسلاً يدعى / جاسون بلير / كان يلفق قصصاً عن أماكن لم يسبق أن زارها إطلاقاً، هذا إضافة إلى الصفعة التي تلقتها وسائل الإعلام هذه عندما وافقت / هيئة الاتصالات الاتحادية / على أن تخفف من القواعد التي تحظر شركة إعلام واحدة بمفردها من أن تسيطر على نسبة هائلة من الموجات الفضائية الأمريكية.‏

ثامناً: دور الإعلام في التفريق بين المقاومة والجهاد من جهة، وبين الإرهاب من جهة أخرى:‏

لا بد من الاعتراف بداية أن أسباب عدم نجاح معركتنا مع الإعلام الغربي سببه الرئيس عجز الإعلام العربي والإسلامي عن الانطلاق عالمياً والانغلاق على الذات، فمن يتابع الإعلام العربي والإسلامي يرى أن أحد أهم أهدافه إقناع المتلقي العربي والإسلامي بعدالة القضيتين العربية والإسلامية علماً أن هذا المتلقي مقتنع سلفاً بهذه العدالة. إذاًَ هناك مشكلة في الشريحة المستهدفة إعلامياً.‏

فإذا كانت وسائل الإعلام تحدد مسارات الرأي العام العالمي ومواقفه من الدول والشعوب شئنا أم أبينا، فقد شاهدنا كيف تستعين الدول الكبرى بالإعلام وهي تعد لعمل عسكري ضخم من أجل تهيئة الرأي العام الداخلي والخارجي لقبول ذلك العمل وتأييده كما حصل في أفغانستان والعراق.‏

ويكمن الحل في أن نرصد باهتمام مواقف وسائل الإعلام الغربية ونفتح معها حواراً صبوراً طويل النفس، وأن نتيح لأجهزتنا الإعلامية مداخل الاطلاع على ما تريد حتى لا يدفع بها انغلاقنا على النفس لتصورات واهمة واجتهادات خاطئة.‏

إن خطة التحرك الإعلامي الخارجي التي عملت جامعة الدول العربية على تحديثها وتطويرها، والتي رصدت لها حوالي 6 مليون دولار بهدف الارتقاء بالإعلام العربي وتسخيره لخدمة المجتمعات والقضايا العربية في الغرب، وإيضاح الرؤية العربية للكثير من الأمور العالمية ووجهة نظر المواطن العربي فيها تحتاج إلى متابعة مستمرة، إن هذه الخطة يجب استثمارها على النحو الأمثل بالارتقاء برجال الإعلام العرب إلى مستوى نظرائهم في الغرب، ولبناء أساطيل إعلامية تقف في وجه الإعلام الغربي لتبث روح الأمل والتفاؤل في نفسية المواطن العربي، وتصحح للعالم الصورة الصحيحة والصادقة لما يحصل، وأن يعرف العالم ما موقف الطرف العربي والإسلامي ورؤيته وتحليله وأن لا تؤخذ المعلومات من طرف واحد فقط.‏

فبلد مثل العراق مثلاً تحول إلى بؤرة للإرهاب الدولي وأصبح قاعدة صراع لجميع المنظمات الإرهابية، وكل ذلك سببه الاحتلال الأمريكي لأراضي هذا البلد، إذ قبل الاحتلال لم يكن هناك مستقراً للمنظمات الإرهابية في العراق، إذاً هي حصيلة حصاد الاحتلال الأمريكي، ولكن رغم ذلك فإن الإعلام الأمريكي يروج في الرأي العام الغربي والأمريكي أن هذه المنظمات الإرهابية هي سبب كل المآسي في العراق وليس الاحتلال، وأن الطائرات الأمريكية وقنابلها محبة للسلام والدبابات الأمريكية معتنقة للديمقراطية ومصنوعة من مبادئ حقوق الإنسان ومن وسائل حرية التعبير، ولذلك فإن مجابهتها هو إرهاب وكفر بكل القيم البشرية..!!‏

وللأسف فإن بعض الإعلام العربي والإسلامي يردد آلياً المصطلحات الغربية دون تمحيص وتدقيق، وتأكد من الأهداف الخبيثة لاتهام العرب والمسلمين بالإرهاب.‏

فأول هذه المصطلحات بدأت بكلمات غير مرعبة (كالمتشددين الإسلاميين) وثم تبعتها كلمة (الأصوليين) وكلما تقبل المجتمع مصطلحاً وتعود عليه من خلال وسائل الإعلام زجت بمصطلح آخر جديد ومن ثم كلمة (المتطرفين المسلمين) وأخيراً وصلت إلى كشف المستور من خلال إعلانها بأن المسلمين والعرب إرهابيون.‏

وبدلاً من أي يبادر العرب والمسلمون إلى إنشاء مؤسسات إعلامية تخدم أهدافهم وقضاياهم العادلة، نجحت الدوائر الغربية المعروفة في الولايات المتحدة بإنشاء مؤسسات إعلامية لتعميق الفرقة والانقسام بينهم والترويج لسياساتهم، وفي كثير من الأحيان تأمين تغطية عربية لسياساتهم العدوانية. وفي الوقت الذي لا نريد فيه الغوص في تحليل هذه الظاهرة، فإن أقل ما يقال فيها هو أنها أجهزة إعلام غربية تنطق بلغة عربية.‏

ولا بد في نهاية هذا الجانب من القول إن بعض الرسميين العرب لم يدرك إلى هذا اليوم الدور الأساسي للإعلام في رسم سياسات الدول والتسويق لها، ولذلك يأتي مجموع الميزانيات المخصصة للعمل الإعلامي في الدول العربية ضعيفاً جداً.‏

تاسعاً – كيف نقضي على الإرهاب ؟‏

إن القضاء على التطرف والإرهاب لا يتم بممارسة النشاط الدعائي، خاصة إذا كان مصدر الرسالة الدعائية وحاملها غير جديرين بالثقة.‏

كما لا يتم بوسائل أمنية وعسكرية تضاعف درجة الكراهية بين الطرفين، بل يتم بمعالجة أسباب التطرف وجذوره.‏

وحتى لا تتحقق نبوءة /هنتنغتون/ ونصل إلى مرحلة الصدام الحضاري، فإن على الإعلام الأمريكي أن يضطلع بدوره التثقيفي والمعنوي بصدق وأمانة وموضوعية؛ وذلك عن طريق مساعدة حكومته ومواطنيه على فهم حقيقة المشكلة بدلاً من تأييد التفسير المبسط الذي تروج له بعض التيارات الفكرية والسياسية في الولايات المتحدة، وعلى الإعلام العربي والإسلامي أن يلعب دوراً حيوياً وبارزاً في هذا الصدد.‏

فالتطرف هو في منشئه الفكري والاجتماعي رد فعل على فعل مضاد يشكل في منطلقه خطراً فكرياً أو وجودياً يستشعره الطرف المنفعل؛ ويحاول مقاومته بأشكال مختلفة والأولى بالإعلام الأمريكي لفت النظر إلى هذه الحقيقة بدلاً من تمجيد الذات، كما هي وسائل الإعلام العربية، والانزلاق بالتالي إلى فخ صراع الحضارات.‏

وتجدر الإشارة في هذا المكان إلى ما ذكره السيد الرئيس بشار الأسد في مقابلة مع التلفزيون الروسي في 12/11/ 2005 حيث قال: مكافحة الإرهاب هي في البداية مكافحة فكرية لأن الإرهاب هو فكر قبل أن يكون مجرد منظمات، فمكافحة الجهل تتم بالحوار، وبالمواقف السياسية العادلة، لأن الكثير من الإرهابيين يتخذون ذريعة إما قضية دينية أو قضية سياسية، عليك أن تتعامل مع الموضوع سياسياً. هكذا نتعامل مع الإرهاب وليس بالإدانة. الإدانة لا تلغي الإرهاب، أدنا وكل بلدان العالم أدانت 11 أيلول ولكن الإرهاب استمر بعد 11 أيلول. فإذاً يجب أن نحقق شبكة من التعاون الدولي، وسورية لديها خبرة ولديها رغبة كبيرة بهذا النوع من التعاون.‏

ومكافحة الإرهاب تقتضي إقامة السلام العادل والشامل وتطبيق قرارات الشرعية الدولية ونشر ثقافة التسامح والحوار على جميع الأصعدة (محلية وإقليمية ودولية) والأخذ بالحسبان ميثاق الأمم المتحدة، والمضي على نهج التحديث والتطوير والإصلاح في كل الميادين، والتقارب بين الثقافات، ورفض منطق صراع الحضارات، ومحاربة كل أيديولوجية عنصرية أو تدعو للكراهية.‏

وجدير ذكره أن البلدان العربية قد اعتمدت ما عرف بـ «الاستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب «من قبل مجلس وزراء الداخلية العرب في الدورة لانعقاده الخامس عشر وبموجب قراره رقم (286) عام 1997، وهذه الاستراتيجية لها منطلقاتها وأهدافها الواضحة إضافة إلى المرتكزات والآليات ووافقت عليها جميع البلدان العربية، كما اعتمدت الدول العربية في عام 1998» الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب» والتي وضعت أسساً دقيقة وآليات محددة لمكافحة الإرهاب.‏

ولا بد في هذا الفصل من الإشارة إلى أن ضحايا العنف والإرهاب المنسوب إلى الإسلام لا يمثلون نسبة تذكر أمام ضحايا الاعتداءات والاحتلال والحروب التي تقوم بها كل من أمريكا وإسرائيل.‏

وبالطبع فإننا ـ العرب والمسلمون ـ نتحمل مسؤولية كبرى في فهم ظاهرة العنف والتطرف والتصدي لها، ونتحمل نتائجها أيضاً أكثر من غيرنا. والمنطق والضرورة تقتضيان أن نبادر إلى التفكير والعمل والحوار لأجل ترشيد مجتمعاتنا، وتصحيح مسارها نحو أهدافها وأولوياتها، ولا يعفينا من المسؤولية كل ما يقوم به غيرنا من صناعة للتطرف والإرهاب وتشجيعه والاستثمار فيه. فلا يقلع شوكنا إلا نحن.‏

الـخاتمــة:‏

بعد هذا العرض يمكننا الاستخلاص أن العنف والتطرف ليسا وليدي اللحظة والزمان، بل صاحبا كل الأفكار والجماعات والدول في التاريخ والجغرافيا، وفي كل حقبة كانت له طبيعته وأسبابه ومسببوه ولم يكن حكراً على دين أو شعبٍ أو جماعة أو بلدٍ معين. ولكن الإغراق الإعلامي جعل من عملية يزعم بأنه قام بها تسعة عشر مسلماً حرباً شاملة على ألف وثلاثمئة مليون مسلم، ويريد أن يجعل من السلوك الهمجي والبدائي المتوحش في أبي غريب والعراق وأفغانستان وغوانتانامو ولبنان حالات فردية لا تتحملها دول ولا ثقافات. إن وصف أي عمل بأنه إرهابي هو مسألة نسبية جداً تختلف من بلد لآخر وبحسب مقتضيات المصالح والعلاقات، وقبل أن ننعت أي عمل بالإرهابي يجب الوقوف أولاً عند عوامل ثلاثةٍ أساسية وهي : من يقف خلف العمل، وضد من، وما الهدف...‏

ولا بد من التأكيد أنه ليس العرب ولا المسلمون هم الذين ألقوا قنابل ذرية على هيروشيما وناغازاكي، ولا أبادوا شعوباً بأكملها، ولا استعبدوا أمماً وشعوباً ودولاً في حالة مبالغ فيها من السخرة والامتهان والاسترقاق؛ إلى درجة لا يمكن الإحاطة ببشاعتها وتداعياتها التي ما زالت منذ مئات السنين تلقي بآثارها وكوارثها على العالم.‏

العرب والمسلمون لم يسخروا علومهم وحضارتهم ومواردهم في التدمير والقتل والتلوث والمرض والأوبئة، والاستنزاف الذي يهدد الكون والبشر والمحيطات والبحار وجوف الأرض والهواء.‏

إن إسرائيل والولايات المتحدة كليتهما تنتج الإرهاب؛ وتسعى في الوقت نفسه إلى محاربته والاستثمار فيه، وبعض من هذا الإرهاب تجري رياحه بما تشتهي سفينتهما المشتركة.‏

مشكلة العالم مع الولايات المتحدة هي تعاملها مع هذا العالم على أساس أن «القوة هي الحق» أو كما يقال بالإنكليزية Might is Right وقد أضحت، على قول شاعرنا العظيم أبو الطيب المتنبي هي «الخصم وهي الحكم».‏

وإن من يظن أن أمريكا صادقة في تطوير الأوضاع الديمقراطية في منطقتنا ونشر الحريات هو مخطئ، وما يجري على الساحة العراقية والساحة الفلسطينية خير دليل.‏

المصـادر‏

1ـ الانطلاقة الواثقة، مجلد عن كلمات ومقابلات السيد الرئيس بشار الأسد.‏

2ـ مجلة السياسة الدولية العدد 127، كانون الثاني 1997:‏

ـ مقال للدكتور بطرس بطرس غالي بعنوان: الأمم المتحدة ومواجهة الإرهاب.‏

ـ مقال للدكتور أسامة الغزالي حرب، بعنوان: آفاق السياسة الخارجية الأمريكية.‏

ـ مقال للدكتور ممدوح الشوفي، بعنوان: الأمن القومي والعلاقات الدولية.‏

3ـ وثيقة مفهوم الإرهاب والمقاومة، مركز دراسات الشرق الأوسط، الأردن، تموز 2003.‏

4ـ موقع صحيفة الخليج الإلكتروني، مقال بعنون: خطاب من الأب بيير إلى روجيه غارودي عن جرائم الصهيونية. بقلم: كامل زهيري.‏

5ـ مجلة ميديالوجيا، الجمعية الدولية والجمعية السورية للعلاقات العامة، العدد الأول تشرين الثاني 2005.‏

6ـ مجلة ميديالوجيا، الجمعية الدولية والجمعية السورية للعلاقات العامة، العدد الثاني، شباط 2006.‏

7ـ مجلة ميديالوجيا، الجمعية الدولية والجمعية السورية للعلاقات العامة، العدد الثالث، نيسان 2006.‏

8ـ موقع Tharwaproiect الإلكتروني، دراسة بعنوان: أقصر الطرق: كل ما لا ترضى عنه الولايات المتحدة «إرهاب» بقلم: جواد البشيتي.‏

9 ـ موقع صحيفة الراية القطرية الإلكتروني، مقال للدكتور حسام الخطيب بعنوان: كتابان حاسمان في آخر العام يشعلان الرأي العام في أمريكا.‏

10 ـ موقع صحيفة الشرق الإلكتروني، مقال للدكتور محيي الدين عبد الحليم، بعنوان: مأزق جيمي كارتر مع اللوبي الصهيوني والعجز العربي.‏

11 ـ صحيفة الخليج، مقال بعنوان: أمريكا والتمييز ضد السود، بقلم رضى السماك، 16/3/ 2007.‏

12 ـ موقع صحيفة الرياض الإلكتروني، مقال بعنوان: الجذور والمقدمات التي مهدت لولادة العصر الأمريكي والنظام العالمي الجديد، بقلم: راكان المجالي.‏

13 ـ صحيفة الثورة، من هو الإرهابي الحقيقي؟ مقال للدكتور: ابراهيم زعير، 23/3/ 1996.‏

14 ـ صحيفة النهار، التمييز بين الإرهاب والمقاومة في القانون الدولي، بقلم : شفيق المصري 20/4/1995.‏

15 ـ موقع Arabiancreativity الإلكتروني، مقال بعنوان : في يوم الكذب السياسي العالمي، بقلم : بريهان قمق.‏

16 ـ تاريخ الإرهاب للصحفي السويدي / كوم / جريدة القدس 20/9/1997.‏

17 ـ قراءة في كتاب قراصنة وأباطرة، جريدة تشرين 20/10/1998.‏

18 ـ الإرهاب والإرهابيون، الشرق الأوسط 6/4/1996.‏

19 ـ الإرهاب بين صياغة القانون وغياب الإصرار، جريدة النهار 20/7/1996.‏

20 ـ ما الفرق بين الإرهاب والدفاع المقاوم، تشرين، 23/8/1997.‏

21 ـ موقع التقوى الإلكتروني، نشأة الإرهاب ومساره العالمي، بقلم : د. سوهان المصري.‏

22 ـ موقع البيان الإلكتروني، عرض كتاب عن /ودرو ويلسون/، تأليف : باربرا فينبيرغ.‏

24 ـ موجز التقرير النهائي للمؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب المنعقد في الرياض ما بين 5-8/2/2005.‏

26 ـ موقع الزمان الإلكتروني، مقال بعنوان : الإرهاب ونظرية امتلاك الحقيقة، بقلم : د. عبد الله الصائغ.‏

27 ـ كتاب: الإرهاب جرائم بلا حدود، للمحامي : أسعد نعامة، صادر عام 2006.‏

28 ـ عدة مقالات متفرقة أخرى.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244