|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
المقاومة دفاع عن الذات «وكينونة الأرض» والوجود قراءة في: التاريخ، والواقع، والآفاق ـــ د.فايـز عــز الدين صدر عن اتحاد الكتاب العرب، في الشهر الثامن من هذا العام 2007، كتاب للدكتور حسين جمعة رئيس الاتحاد بعنوان: المقاومة: قراءة في التاريخ، والواقع، والآفاق، ويمثل الكتاب دراسة جادة حول فكرة الجهاد بين الآباء والأبناء، والمقاومة: (الفكر والجدوى)، وانتفاضة الأقصى (أبعاد ونتائج وآفاق)، وأخيراً ثقافة المقاومة بين السلام والاستسلام، ثم خاتمة، وثبت المصادر والمراجع، والدوريات. ففي تقديمه لكتابه أراد الدكتور حسين أن يوضح تراجع الإنجازات الفكرية، والأدبية، والفنية لصالح الحياة السياسية، ثم الاقتصادية، والتقنية، والإيديولوجية لتتأثر بذلك الحياة الاجتماعية، فتتغير المفاهيم، وتتبدل القيم، حيث غدا الجهاد ـ مع شيوع المؤثرات الآنفة الذكر ـ عبئاً على حياة عدد غير قليل من الأفراد، وأكثر من هذا اتضح أن بعض الحكومات العربية طفقت تغير رؤيتها للجهاد أيضاً تحت ضغوط المؤثرات الغربية في الثقافة باعتبار أن الغرب أدار معركته ضد العرب في وجهها الثقافي من منظور أن من ملك الثقافة ملك عقول الناس وعواطفهم. وبناء عليه فقد ركّز الدكتور حسين في الفصل الأول من الكتاب على فكرة الجهاد بين الآباء والأبناء منذ أن كانت تسمى غزواً، إلى أن غدت تفهم على أنها كفاح تحرري إنساني راقٍ اعتمده العرب في سياق الدفاع عن النفس، ومقاومة كل معتدٍ أثيم على الأرض، والشرف، وكذا كان على الدوام عند المسلمين دفاعاً عن الذات، وكينونة الوجود، وتحرير الأرض ما جعل علماء الدين يصدرون فتواهم بشرعية المقاومة، والعمليات الاستشهادية، بينما نجد ثقافة الغرب الأمرصهيوني تسم هذا الجهاد بالإرهاب حتى لا تعترف بحق النضال الوطني المشروع. ويشير المؤلف إلى أن فكرة الجهاد ـ بالأساس ـ قد اكتسبت رؤية كونية، وثقافية، ثم دينية عقيدية، فمن يتأملها، ويتأمل الوجود الإنساني، والتاريخي، والكوني يدرك ضخامة أحداث الدورة الزمانية التي لحقت بهذا الوجود من خلال الصراع حول فكرة الحياة، والموت، ولذا فإن المخلوقات ـ أياً كان نوعها ـ تحقق ذاتها، وتدافع عنها بحركة تلقائية داخلية لإقامة توازنها الوجودي في إطار نظامها الخاص. وفي الفصل الثاني من الكتاب اعتمد المؤلف على المنهج التاريخي التحليلي لكي يثبت أن عالم النبات يجدد ذاته في ضوء عملية الإنتاش، والإنبات مع الطبيعة الجامدة، والمتحركة دون أن يقصد أذية الآخر. وبالآن ذاته توجد بعض النباتات التي لا تقوم حياتها إلاّ على أساس التغلب على الآخر. وفي عالم الحيوان تعتمد حالة التوازن الذاتي على مبدأ صراع الأقوى، ورغم ذلك يلجأ الضعيف عند كل نهاية إلى فطرته، وغريزته المقاومة دفاعاً عن وجوده. أما في عالم الإنسان فيأخذ مبدأ المقاومة اتجاهات شتى من المقاومة الجسدية، إلى المعنوية والروحية، والمعرفية، رغم أن فلسفة مقاومة القوة المادية لدى بعض الأجناس تتخذ مفاهيم الاندفاع العشوائي التي قد تحطم الأنماط الحضارية، والإنسانية لغلبة الخشونة، والبداوة غير المتحضرة. وبناء عليه فللمقاومة مقومات، وأركان، وثقافة، وقضايا رئيسة، واستراتيجية حتى تتمكن من مواجهة المشاريع التي تتحداها من الخارج كالمشروع الأمرصهيوني عند المقاومة العربية اليوم. وفي الفصل الثالث تناول المؤلف القضية الفلسطينية بوصفها القضية المركزية عند العرب؛ ليتحدث عن انتفاضة الأقصى بوصفها حالة نوعية في الحياة العربية، فتحدث عن أبعاد هذه الانتفاضة منذ دنّس أرئيل شارون أرض الأقصى الشريف في (28/9/2000)، وخلقت أفكار المقاومة والمجابهة بما تملك من سلاح وأفكار المقاومة السلمية بكل أشكالها، وبعد أن سقط في المقاومة بعد انتفاضة الأقصى أكثر من خمسة آلاف شهيد، وأكثر من أربعين ألف جريح أكد الكثير من الباحثين على أن المقاومة المسلحة سوف تبقى السبيل الوحيد للدفاع عن الوجود الكريم، ولتحرير الأرض والإنسان، وفي نتائج الانتفاضة وآفاقها تجلّت بصورة عميقة مبادئ التمسك بالوجود، والأرض، ورفض الاعتراف بأي قانون دولي يتعارض مع الحق الإلهي في الوجود، والأرض، وتجلّت التربية الوطنية والقومية المرتبطة بالعمق الإسلامي، والإنساني تطبيقاً للمثل العربي القائل: خيامنا منفصلة، وقلوبنا متحدة، وتجلّت مظاهر الوعي، والخبرة في التعامل مع الشرعية الدولية، وقوانينها، وتجلت آليات التعامل مع الغرب وأميركا، ودول العالم، وفهم اللغة والأساليب التي تمارسها كل دولة إزاء الصراع العربي الصهيوني. وتجلت القدرة على استثمار الإنجازات العديدة التي قدمتها هذه الانتفاضة لكشف ما تتبناه دولة الكيان الصهيوني من مبادئ، وسياسات إبادة جماعية، وحشية منظّمة. وبهذا فقد نجحت المقاومة بفك الربط المصطنع الصهيوني بين المقاومة، والإرهاب الذي ساعدت فيه أميركا كذلك. وخاصة خلال فترة إدارة بوش الحالية. وتجلت عوامل السعي الجاد نحو تأصيل الثقافة العربية والإسلامية في إطار الحداثة الإنسانية المعاصرة وكشف الكثير من الأضاليل حول التراث العربي والإسلامي، ولاسيما فيما يتعلق بالجهاد، أو المقاومة. وتجلت القدرة في استخدام الإعلام، والتقنيات المتقدمة، والفضائيات لكشف أضاليل اليهود، والإمبريالية، وما يمارسانه على شعبنا داخل الأرض المحتلة. تجلت القدوة الحسنة في القيادة التي غدت تجربة شعبية، مؤسساتية تملك نموذجها في الحرية والديمقراطية. تجلّت القناعة بأن طريق الحركات المناضلة ضد الاحتلال في كل زمان ومكان هو الطريق السليم ومهما طال هذا الطريق فالنهاية فيه هي الانتصار. ولابد أن تبقى انتفاضة الأقصى الطريق السليم، ومجسدة لثقافة المقاومة بوصفها دفاعاً عن الأرض والكرامة. وفي الفصل الرابع بحث الدكتور حسين في ثقافة المقاومة بين السلام والاستسلام حتى يؤسس ـ كما يرى ـ إلى ثقافة المقاومة تأسيساً سليماً يتناول أشكالها المادية، والمعنوية من أجل تحقيق مشروع ثقافة السلام المتسامحة التي نشأت عليها أمتنا العربية في نهضاتها المتعاقبة، ومن منظور أن ثقافة المقاومة تمثل استجابة إنسانية تظهر بتجليات متعددة تعبر عن وعي الإنسان بالتاريخ، والواقع المعيش، والموضوعي فضلاً على وعيه بالذات الإنسانية. وعلى هذا التأسيس يجد الكاتب أن أول ما يظهر لنا من تجليات الثقافة الوطنية، والقومية، والإنسانية يشير إلى أن ثقافة المقاومة تستجيب للتحديات المفروضة على الشعوب والدول لكن بإرادة، وبوعي، وبصدق، وبقوة ما يجعلها دوماً تجابه من يستبيح الحق أو قيم العدالة، أو يستهين بحقوق الإنسان، وكرامته ذلك لكونها موقفاً نضالياً، وأسلوباً دفاعياً عن الذات، والوجود، والهوية، والثقافة يؤسس دوماً رسالة الإنسان في تثبيت مبادئ الحق، والخير، والسيادة لمحاربة الاغتصاب، والاعتداء، وقهر الآخر، وإهانته. أي إنها ثقافة أمة تعبر عن مصالح أبنائها، وتستند إلى الثقة بالذات في الوقت الذي تتفتح فيه على المثاقفة مع الآخر من دون أن تصاب بالاستلاب، أو الاستنساخ، أو التبعية. وعلى هذه القاعدة اتجه المؤلف كي يجعلنا نتعرف أين تقع ثقافة السلام، والاستسلام، من ثقافة المقاومة بوجوهها السلمية، أو المدنية لاسيما أنه في بعض المفاهيم الحالية لم يعد المثل العربي المشهور: (اطلب الموت تكتب لك الحياة) معمولاً به، وحتى الفدائي، أو الاستشهادي أضحى انتحارياً، أو إرهابياً يقتل الأبرياء. وقد تمكن المؤلف من إيضاح مفاهيم السلام وثقافتها من مفاهيم الاستسلام وثقافتها؛ على ضوء مناقشته لما حدث ويحدث في المنطقة عبر أشكال الصراع العربي ـ الصهيوني، ليستقر الفصل الرابع ـ كما يهدف المؤلف ـ عند حقيقة سقوط الأسطورة الصهيونية على يدي المقاومة الوطنية اللبنانية، وعلى يدي المقاومة الفلسطينية الباسلة. وفي خاتمة كتابه يعود الدكتور حسين إلى التأكيد على الثقافة لأنها تملك ـ في طبيعتها ـ رؤية صنع الأحداث الجسام، وتوجيه المتغيرات الأساسية، في حياة الناس على مختلف الصعد لبناء المستقبل الواعد. وتبقى من أهم التحولات الفكرية: الوطنية، والاجتماعية، والإنسانية مسألة التحرر من الاستعمار، أو الدعوة إلى التحرر من التخلف، والجهل، والتبعية، وهذا ما أطلق عليه تراثنا جهاد النفس، أو الجهاد بالنفس والمال، لكونه الخطر الداهم لثقافتنا اليوم يأتينا من تماهينا بمفاهيم الآخر الغربي المناقض لنا في فلسفته، وتفسيره لكل ما ورثناه من قيم ومبادئ، باعتباره الأقوى عسكرياً، وسياسياً، واقتصادياً، وإعلامياً، وتقنياً، وعلمياً. ومن هنا فإننا نرى أن فكرة الجهاد المقابلة للكفاح التحرري قد حملت كل تشوهات الفكر الغربي، وثقافته وسلوكه فصارت تلتصق بمفاهيم قتل الأبرياء، وإرهابهم، وترويع الآمنين المطمئنين. وكل من يدعو إليها سوف يصنف إرهابياً. وما دام الإسلام يتبنى فكرة الجهاد في تعاليمه، وعقيدته فهو إذاً قرين الإرهاب، أو الرعب، أو الهول فصار المسلم أو العربي إرهابياً ناشراً للرعب. وحين ننظر في تاريخنا وكذلك في تواريخ العالم سوف نجد أن المقاومة مقدسة عند الأمم، وقد حصلت عند الأوروبيين في العدوان النازي عليهم؛ حيث غدت مشروعاً تحررياً وطنياً يمارس بأشكاله المشروعة، خاصة حين تواجه الأمم مشاريع احتلالها واغتصاب سيادتها وتدمير هويتها. وبناءً على هذا المقتضى فإن المقاومة الوطنية في فلسطين، والعراق، ولبنان استطاعت أن تعمق هوية العربي في ظروف عربية أصبحت فيها سياسات الاستسلام ـ التي تسوقها الدوائر الغربية باسم ثقافة السلام ـ تستهدف نسف مفاهيم الوحدة العربية، ومفاهيم الدولة الوطنية لكي يبقى الوطن دولاً صغيرة قطرية. والأكثر خطورة اليوم هو مواجهة الدولة العربية الجامعة لأعراق عدة، ومذاهب دينية شتى حتى يتم فرض دويلات مذهبية، أو عرقية، ولذلك فلابد للأمة العربية من التمسك بمفاهيم العروبة الجامعة، وثقافة المقاومة التي تضع استجابات الأمة في الخندق الكفاحي حفاظاً على الذات، وهوية الأرض، وحرية الناس والسيادة، والاستقلال، وإلاّ فلا. وخاتمة المسعى يياسر لنا القول: إن ما عالجه الدكتور حسين في هذا الكتاب هو ضرورة تقتضيها اليوم عملية تحصين العقل العربي من المؤثرات الخارجية، وتنقية الثقافة من الدلالات التراجعية لمفاهيم ثقافة التكنولوجيا ذات الأبعاد غير الإنسانية؛ خاصة حين تساق إلينا من قيم العولمة المتوحشة وقيم مشاريع تفكيك العالم، وإعادة تركيبه على صورة ترضي أحلام الليبرالية الجديدة، ولا ترضي تطلعات الشعوب نحو التقدم، والتحرر، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والأوطان. وقد وفق الدكتور حسين في استخدامه لمنهج البحث التاريخي، وتحليله لمنطق الأمة التاريخي، ولسيرورة نضال الأمم الأخرى ومتغيراتها، ولتجليات المقاومة عبر الزمان، ودورة حياة الإنسان على هذا الكوكب. وسيبقى هذا الكتاب الذي صدر بمقدمة، وأربعة فصول، وخاتمة وبمئة وستين صفحة من القطع الكبير دراسة رصينة حول تأصيل المقاومة: مفهوماً، وتجربة، واستراتيجية، وسياسة، ونشر ثقافتها الموضوعية والمبدئية والتحررية والإنسانية. ولما كانت الحل عند كافة الأمم ـ عبر تاريخ الكفاح الإنساني ـ فهي الحل الطبيعي لنا كأمة عربية تناضل من أجل تحررها، وتوحدها، وعدالة مجتمعها العروبي. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |