مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 30 السنة العاشرة صيف 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

ثقافة المقاومة العراقية وإشكالية التواصل الثقافي مع الثقافة العربية المقاومة ـــ د. عز الدين دياب(1)

يتم البحث والتنقيب في ثقافة المقاومة العراقية في سياق التواصل الثقافي بينها وبين الثقافة العربية النضالية والجهادية، بوصفها إشكالية متعددة في أبعادها ومدلولاتها في ظل واقع الاحتلال الإمبريالي الأنكلو ـ أمريكي ـ صهيوني من جهة، وإرادة التحرير وتقرير المصير العربي في إطار الحقيقة الوحدوية للأمة العربية من جهة أخرى. والمتمثلة على وجه الدقة ـ كما بينا في كل دراساتنا ـ في عوامل ومقومات وحدة الوطن العربي المادية والمعنوية والمصالح المشتركة والمشتركات الثقافية والحضارية والتاريخية، علاوة على مخاطر الاعتداء الإمبريالي الذي يهدد مستقبل الأمة في حالته الوطنية والقومية.‏

دواعي البحث في مسألة التواصل الثقافي‏

تتكاثر دواعي البحث في مسألة التواصل الثقافي مع الثقافة العراقية لأسباب موضوعية وذاتية، وأهمها من منظور انثروبولوجي يجعل من نفسه منهجاً للبحث للأسباب الآتية:‏

أولاً ـ إنّ الثقافة العربية تمثل المرآة الحقيقية للمجتمع العربي في مستوييه الوطني والقومي. فإذا نظرنا إلى هذه الثقافة بعين أنثروبولوجية نجدها بأنها المشترك الحقيقي بين كل الشخصيات الاجتماعية الوطنية العربية، وهذا معناه أن هذه الشخصية تشكل حقيقة قومية واحدة اعتماداً على القانون القومي الذي يقول إن: الشخصية الاجتماعية المصرية ـ على سبيل المثال ـ هي مصرية بقدر ما هي عربية، وهي عربية بقدر ما هي مصرية. وهكذا الأمر بالنسبة للتونسية والمغربية والجزائرية والشامية والعراقية والجزيرة العربية وخليجها(2).‏

ثانياً ـ التحديات التي تواجه الوطن العربي، وخاصة تحدي الاحتلال الذي تتعرض له الأمة العربية، والذي يستهدف هويتها القومية، ومكانتها الحضارية، ومواقعها الاستراتيجية، ودورها الإنساني، وثرواتها من أجل أن تبقى أسيرة للتخلف والتجزئة، منقادة من قبل الكيان الصهيوني الذي وجد أصلاً ليمنعها من ممارسة دورها الحضاري في إطار المشروع الإمبريالي الجديد (الشرق الأوسط الكبير) الذي يمثل الحاضنة لهذا الكيان.‏

وفي هذه الحالة لا في غيرها تحاول الإمبريالية الأمريكية ـ الصهيونية تمكين الأنظمة العربية الغارقة في قطريتها من نهب مال الأمة وتحويله إلى البنوك الصهيونية، وتشجيع ثقافة الاستبداد والفساد بكل أبعاده، حتى تتوقف كل آليات التوحيد القومي وامتلاك التقنية لكونها الشرط الاستراتيجي في تخطي الأمة العربية واقعها الراهن؛ حيث لم يعد بإمكان الأنظمة والكيانات الصغيرة امتلاك شروط النهضة والتقدم، في عالم تهيمن فيه القوى والكيانات الكبرى.‏

ويُلْزِمُنا المنهج الأنثروبولوجي أن نضع الخصوصية الوطنية موضع الاهتمام بحيث لا يتم تجاهلها خاصة أن التجزئة التي تمتد إلى قرون طويلة ساهمت في توسيع خارطة التنوع الثقافي، غير أن هذا التنوع في التحليل الأخير يشكل حالة إيجابية في حال الأمة، لأن الشعب العربي استوعبه وجعله من المحددات الثقافية ـ الاجتماعية لشخصية الأمة، ورمزاً من رموز عروبتها.‏

ثالثاً ـ حاجة الأمة إلى التواصل الثقافي بين أقطارها اعتماداً على مبرراته وحقائقه وضروراته القومية لأنه يغني الحياة العربية ويجددها ويزيدها ثراء. وتبرر المحددات السابقة نفسها بأنها قائمة على فروض تزعم الدراسة بأنها مسكونة بالإجابة المنهجية عليها، والبرهنة على ما فيها من آراء ووجهات نظر هي:‏

الفرض الأول:‏

كلما تكاثرت وتنوعت عناصر الثقافة العربية قويت وحدتها وازدهر التواصل الثقافي بين أنساقها الوطنية، وتكاثر التكيف الثقافي بين الثقافة العراقية وأنساق الثقافة في الأقطار العربية الأخرى.‏

الفرض الثاني:‏

يحقق التواصل الثقافي مهامه في وحدة الشخصية القومية كلما تكاثرت وتنوعت العناصر والسمات الثقافية الوحدوية بين الأقطار العربية.‏

الفرض الثالث:‏

إن اتساع دائرة ومفردات التواصل الثقافي بين ثقافة المقاومة العراقية والثقافية النضالية ـ الجهادية في الأقطار العربية، يؤدي إلى زيادة آليات وحدة النضال العربي، والظواهر الثقافية الناتجة عن التكيف الثقافي بينها.‏

الفرض الرابع:‏

كلما قويت وحدة النضال العربي واتسعت دائرة المشاركة الشعبية فيه قوي نضال الوحدة القومية مع المقاومة العراقية، واقتربت من ساعة النصر.‏

محددات ثقافة المقاومة العراقية:‏

تحيلنا الفروض السابقة إلى الدخول المباشر في توصيف ثقافة المقاومة العراقية في ظل الاحتلال الإمبريالي، بناء على محدداتها الوطنية والقومية.‏

ففي المقاومة العراقية زرع نضالي جديد يغني وحدة النضال العربي. ونضال الوحدة العربية. وهذا النبت موسوم بجملة من المقومات الغائرة في عمق التاريخ العراقي، حيث كان العراق على الدوام الجبهة الشرقية التي حمت أمن الأمة، وأثرته بالإبداع والبطولة والابتكار.‏

ويستبان من ذلك التاريخ أن المقاومة العراقية مالكة لمجالها الجغرافي والبشري والزمني، وهذا معناه أن الشعب العربي يمثل ظهيرها القومي، وهذا حكم التاريخ وحده. وهو شريكها الشرعي في تحرير عراقه من المحتل الإمبريالي الأنكلو ـ أمريكي بقوة السلاح والإرادة. ولذلك فإن فعلها المقاوم تحكمه محددات ثقافية ـ اجتماعية محسوبة إلى المواطنة العراقية التي هي عراقية بقدر ما هي عربية، وهي عربية بقدر ما هي عراقية. ومن أهم هذه المحددات بالإضافة إلى الثنائية العراقية ـ العربية، حق الشعب العربي في العراق في تقرير مصيره بنفسه، لأن الاحتلال يلغي السيادة الوطنية، ولذلك يتوجب على الشعب العراقي الاحتكام إلى السلاح والعمل السياسي. فالمواطنة قانونياً وديمقراطياً وممارسة على الأرض لا يمكن أن تملك سلامتها في ظل وجود الأجنبي تحت أي تسمية من التسميات. وتضيف الكرامة الوطنية ـ القومية نفسها باعتبارها واحدة من المحددات الثقافية للمقاومة العراقية لأنها شرط المواطنة الصحيحة، ومدخل الإنسان في العراق إلى الاندماج الوطني والتساند الاجتماعي، والأس الرئيس في الولاء المشترك داخل حياة وطنية ـ قومية، وممارسة العراق لدوره الحضاري في سياق معركة الحضارة العربية، توافقاً مع القانون الحضاري الذي يقرر بأن الأقطار العربية تتبادر الأدوار الحضارية في معركة المصير العربي، فإذا لم يتمكن قطر من الأقطار العربية ممارسة دوره الحضاري تقدم قطر آخر لممارسة هذه المهمة.‏

وتُحَضّر العدالة الاجتماعية نفسها لتكون واحدة من هذه المحددات لأنها تشكل العمود الفقري للشخصية العراقية الجديدة المتكونة في أتون معركة تقرير المصير. فالعدالة شرط العيش الكريم، والمواطنة غير المنقوصة. وشرع التنوع الثقافي المعروفة مواقعه في خارطة العراق.‏

بل وتُقرِّر بَدَهِيِّة حق الشعوب في تقرير مصيرها أن العدالة الاجتماعية مفقودة في ظل الاحتلال الإمبريالي.‏

وعلى هذا الأساس لا في غيره بادرت المقاومة العراقية على تنفيذ هذه المهمة الوطنية بامتياز، وتضيف مفاهيم الحق والواجب والجهاد نفسها بوصفها محددات مكملة للمقاومة العراقية من أجل أن تعلن أن الحرية لا تعطى على الإطلاق من الامبريالية بل تؤخذ بالجهاد والفداء.‏

وبما أن الإسلام يشكل القاع الثقافي لتلك المحددات، فإن الجهاد فيه فرض وركن من أركانه؛ وهذا معناه أنه يشكل لازمة وطنية لكل أبناء العراق ففيه يتم تجاوز كل الولاءات القَبْلية.‏

وفي القرآن الكريم، كتاب العرب للعالم، آيات تدعو إلى الجهاد وتحض على فعله، وتعتبره فريضة عين في زمن الاحتلال ?وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ? [سورة البقرة: آية 190] ونزيد قوله: ?الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ? [سورة التوبة: آية 20].‏

وفي خاتمة المحددات الثقافية الاجتماعية للمقاومة العراقية يعلن تاريخ العراق الكفاحي نفسه أحد أهم هذه المحددات، فهو النبع الذي تنهل منه على طريق ثورة التحرير.‏

التواصل: المعنى والشروط:‏

تسأل الدراسة وتتساءل لماذا وضع التواصل الثقافي بهذا المستوى من الأهمية حتى أصبح مقومها ووجهتها؟ ولماذا استثنيناه من أشكال ومستويات أخرى من التواصل؟‏

تؤكد حقائق التاريخ العربي، ونقصد بالأولوية حقائق الثقافة العربية، أن الثقافة في العراق تشكل جزءاً لا يتجزأ منها بقوة التواصل القائم بينهما، حيث بقيت الأقطار العربية على تواصل ثقافي بينها بحكم الإسلام الثقافي ـ إذا قبلنا أن نجزئ الإسلام إلى أنساق، وأردفناه بالتوصيف الذي تقرره مضامين ومفردات الأنساق ـ وعروبة العادات والتقاليد والقيم والأعراف.‏

فإذا عدنا إلى الارتهان بأولوية التواصل الثقافي، كما أسلفنا بين الثقافة العراقية وثقافتها العربية، وخاصة في مضمار ثقافة المقاومة والجهاد، فإنَّ تحرير العراق يشكل الهم المشترك لكل أبناء الأمة. وإن الفعل المقاوم في العراق يجد نفسه في ضمير الأمة، وفي حماس الشباب العربي انطلاقاً من قاعدة ثقافية تقول إن الأمة العربية يجب أن تحارب، فالحرب أحد أشكال وآليات تجددها لأنها أمة رسالة، ونعني بالحرب كل ضروبه ومستوياته وأبعاده الاقتصادية والثقافية والفكرية والوطنية، وهذا معناه نفسياً ووجدانياً وانتماءً أن المقاومة العراقية رهان العرب في تجديد وحدة النضال القومي لما تحمله في عالمها من إضافات للحياة العربية. وعلى وجه اليقين لمعركة المستقبل العربي المفتوحة بين الأمة والامبريالية الأمريكية ـ الصهيونية، وكل القوى المعتدية على هذا المستقبل.‏

إن استشراف مضمون هذه المراهنة يحيلنا إلى الإضافات الجديدة التي تحققها المقاومة العراقية في نضالها وجهادها، وأبرزها أنها شكلت الإرهاصات للنهوض الثوري العربي من جديد، وإحلال منطق الثورة الذي ضمر في داخل الأمة، حيث إن له معاني كثيرة أهمها عودة الأمة إلى نفسها، أي إلى حقيقتها الوحدوية، وإلى ممكناتها المادية والمعنوية في معركة المصير العربي. والمتمثلة في القضاء على الهوان الذي تعيشه، وعلى الاستبداد الذي يحكم شعبها من المحيط إلى الخليج، وعلى العدوان الإمبريالي ـ الصهيوني القائم عليها بالسلاح في فلسطين والعراق، والقائم عليها أيضاً في بقية الأقطار العربية بالإملاءات الأمريكية والمتمثلة في هذه اللحظة واللحظات القادمة في مشروع «الشرق الأوسط الكبير» الذي يمثل الحاضنة للمشروع الصهيوني في الوطن العربي.‏

وكما هو الأمر في منطق الثورة، فهذا معناه معالجة أوضاع الأمة بروح ثورية، لأنه كلمة السر في سلامة المقاومة العراقية، التي تتدفق قيمها ومعانيها النضالية إلى الأقطار العربية، وفي هذه الحالة فإن ثقافة المقاومة العراقية بتواصلها مع الثقافة العربية تحمل معها ثقافة وحدة النضال العربي وثقافة نضال الوحدة العربية كما أسلفنا وتجددهما.‏

وما دامت الشروط الوطنية والقومية للتواصل الثقافي بين ثقافة المقاومة في العراق(3) وثقافة النضال والجهاد في الثقافة العربية، فإن على القوى المقاومة والمجاهدة ـ المناضلة في الوطن العربي أن تعد العدة وأن تتهيأ لابتكار وإبداع آليات للتواصل الثقافي اليومي، وأن تحدد المجال الزمني اللازم له لأن للزمن أولوية قصوى في فعل المقاومة.‏

آليات التواصل بين ثقافة المقاومة وداخلها العربي وخارجها العالمي‏

الحديث عن آليات التواصل الثقافي بين المقاومة العراقية وداخلها العربي وخارجها العالمي، يلزم الدراسة في تعريف التواصل الثقافي من منظور أنثروبولوجي، بأنه التفاعل الثقافي وتبادل العناصر الثقافية، والإيحاءات وردود الفعل المشتركة، خلال الفعل المقاوم في العراق وصداه في الأقطار العربية، لأن الثقافة في التحليل الأخير هي ذلك الكل الذي يمثل العادات والتقاليد والأعراف والقيم والنتاج المادي والفكري للأمة خلال تاريخها الطويل، وللثقافة ماض وحاضر ومستقبل. وهذا التداخل بين أزمنة الثقافة هو الذي يجعل التواصل قائماً بين الأقطار العربية، ولكن عندما تتحدث الدراسة عن التواصل بين ثقافة المقاومة العراقية وداخلها العربي وخارجها العالمي، فإن التداخل إياه يوجد اللحمة بين ماضي العراق الجهادي وحاضره ومستقبله من جهة، وبين ماضي وحاضر ومستقبل الأمة النضالي والجهادي من جهة أخرى، وفي هذه الحالة يظهر التواصل الثقافي على أنه حالة مجتمعة معقدة(4) قائمة تمارس وظائفها الآتية في البناء الاجتماعي العربي:‏

أ ـ يقوي فاعلية وظائف العناصر الثقافية المشتركة، حيث إن لكل عنصر ثقافي وظائفه، ويوسع من رقعة الاندماج الاجتماعي والقومي.‏

ب ـ يخفف من حدة التباينات التي تدخل في دائرة التناقض والصراع، ويقوي الحاجة إلى الانتماء.‏

ج ـ ينمي الحوار الاجتماعي ويؤهل الأمة لبلوغ وحدتها الفكرية، ويلعب دوراً في إيصال الرسائل العقائدية.‏

د ـ يجعل من التنوع حالة إيجابية تساهم في رقي الأمة.‏

هـ ـ يشكل أرضية لإثراء مقومات الأمن الوطني والقومي، ويساهم في تطوير النظم الثقافية والاجتماعية العربية التقليدية.‏

و ـ يجعل من الخصوصية القومية دالة على الخصوصية القومية وأبرز مؤشراتها في التوحيد القومي المبني على أطروحة: وحدة ـ تنوع ـ وحدة.‏

ز ـ يجعل من ثقافة المقاومة ثقافة المستقبل العربي، لأن الثقافة المقاومة خلاقة ومبدعة ومجددة تنهض بالأمة إلى مستوى الثورة العربية المطلوبة للأمة. فالتواصل الثقافي يقوي الحاجة إلى توليد الذات الإنسانية والتأثير في الآخرين.‏

إذاً، فالتواصل الثقافي يشكل لازمة لتقدم وارتقاء الأمة. وبشأن التواصل بين ثقافة المقاومة العراقية وداخلها العربي فإنه يريد أن يحقق مهمة مستعجلة، وهي جعل هذه الثقافة شأناً عاماً للشعب العربي بصفة تدريجية، في فعل المقاومة على أرض العراق، وضد الاحتلال الإمبريالي في ظل الطفرة النوعية التي خلقتها ثورة المعلومات في عالم التواصل الثقافي(5).‏

وتتجاوز الدراسة عن قصد شرح وتأويل مستويات التواصل الثقافي وأبعاده وأحكامه، وتدخل مباشرة في آلياته التي تراها في الأحزاب العربية الوطنية والقومية والإسلامية، وحركات التحرر الوطني ـ العربي التي لم تستكمل حتى هذه اللحظة مهام التحرير، وتَبْلغ كل أبعاده، وتراها في حركات التحرر العالمي ومؤسساته وجماعات حقوق الإنسان العربية بفعلها وولائها. كما تراه في المذياع وشريط (الكاسيت) والمحطات الفضائية، وفي المعلومة.‏

والمعروف أن لآليات التواصل الثقافي شأنها في خلق رأي عام عربي وعالمي مقاوم ومساند للمقاومة العراقية، وفي تحقيق التقارب الثقافي القيمي بين المقاومة العراقية والشعب العربي.‏

كما يستند التواصل الثقافي إلى مؤسسات وأجهزة الخدمة وهياكلها في مختلف أنشطتها ومهامها السياسية والثقافية والتوعية بشؤون أحوال الأمة، وبنقل الأفكار والمعلومات التي تؤدي إلى إحداث استجابات في المستقبل.‏

وبما أن المقاومة الفلسطينية تشكل المشهد الثاني في المستقبل العربي وبلوغ التحرير الكامل لتراب فلسطين، فإن التواصل الثقافي بينها وبين المقاومة العراقية يمثل لازمة عسكرية ووطنية وقومية، لأن في المقاومة الفلسطينية دروساً مستفادة للمقاومة العراقية، وفي المقاومة العراقية عناصر ثقافية مقاومة يجب أن تبلغها المقاومة الفلسطينية في مصارعة الاستيطان الصهيوني، وصولاً إلى تحرير كل فلسطين العربية، وخلق حالة شعبية عربية جديدة ترتقي إلى مستوى وحدة النضال العربي، والمشاركة في المعرفة.‏

والتواصل الثقافي مع خارج المقاومة العراقية له شأنه في دعمها وإضفاء الشرعية على فعلها المقاوم العسكري والسياسي، وتوسيع دائرة المشهد القومي إلى مشهد عالمي له فضاءات ثقافية وسياسية تضيف إلى شرعية المقاومة شرعية إنسانية تشكل قوة تهديد وضغط على الإمبريالية الأنكلو ـ أمريكية ـ صهيونية، ووقف عدوانها على الأمة العربية.‏

غير أن التواصل الثقافي بين المقاومة العراقية وداخلها العربي، وخارجها العالمي له متغيراته وتطوراته في عالم متغير بقوة وسرعة في وقت واحد؛ لذلك فإن على المقاومة العراقية وظهيرها العربي والعالمي أن يجيد اختيار آليات التواصل الثقافي، وأن يبتكر آليات جديدة تتجاوب مع تلك المتغيرات وتحاول امتلاكها، لأن التواصل له ميادينه وأبعاده وأخلاقياته(6) من أجل توظيفه في تحقيق الأهداف العسكرية والسياسية والعقائدية على أرض العراق وفلسطين، وهذا معناه على وجه السرعة أن تدرك المقاومة ما للإعلام المضاد في بعديه الإمبريالي الأمريكي والصهيوني من تأثير مضاد على الرأي العام؛ وهذا يلزمها أن تقوي وتائر التواصل الثقافي مع المقاومة الفلسطينية، لأن قوة المقاومة العراقية في قوة المقاومة الفلسطينية، والعكس صحيح في كل الأحوال، فالمقاومة الفلسطينية بتواصلها الثقافي مع المقاومة العراقية تضيف إليها شرعية وطنية وقومية وعالمية، ففي الحالة الوطنية تزيد من مشاركة كل القوى الوطنية في المقاومة العراقية، وفي الحالة القومية تجعل دائرة المقاومة تتسع تدريجياً إلى حد اختراقها الأقطار العربية المحكومة من قبل الأنظمة المتواطئة مع العدوان الإمبريالي، وفي الحالة العالمية تحقق إضافة قوى وفعاليات جديدة عالمية إلى جانب المقاومة العراقية والفلسطينية؛ لأنهما حالة واحدة في مشهد حق الشعوب في تقرير مصيرها، وخاصة غداة النقد الإعلامي العالمي الموجه إلى الإمبريالية العالمية والصهيونية، وتكاثر حججه ومبرراته.‏

إذا، المطلوب من المقاومة العراقية وظهيرها العربي والعالمي أن تتحرك في تواصلها الثقافي من خلال كل ما تملكه من آليات وأجهزة حتى ينساب فكرها المقاوم العسكري والسياسي دون عائق في نسيج الثقافة العربية، ويؤسس لحوار ثقافي يشكل عنواناً من عناوين المستقبل العربي، ومن أهم سماته الراهنة تحطيم المشروع الإمبريالي الصهيوني في العراق.‏

وتظل المظاهرات التي تنطلق في المدن والعواصم العربية والعالمية شاهد عصر على أن المقاومة العراقية تمثل قضية وطنية وعربية وعالمية عادلة ومشروعة، ولذلك فهي بحق مشروع ثورة عربية ـ إنسانية. ويظل الحديث عن الإطارات الفنية والشعبية اللازمة للمقاومة العراقية في إطار التواصل الثقافي مشروعاً، وهذا يستوجب عليها وعلى داخلها العربي وخارجها العالمي تكوين هذه الإطارات وزجها في معمعان التواصل الثقافي(7) الذي يستند إلى لغة عربية وعالمية تُنَشِّط استعمال (الكاسيت) على أوسع نطاق، وخاصة في ميدان الأغنية والأهازيج التي تمجد البطولة في العراق وفلسطين، على النحو الذي فعلته المعارضة المصرية في عهد السادات، بالإضافة إلى الأناشيد التي تعزز روح الفداء والبطولة وتثمن روح الحرية والوطنية ومحاربة المحتل، وثمن الحرية وأناشيد الشهادة مثل نشيد (الله أكبر).‏

إن المقاومة العراقية أحوج ما تكون إلى استحداث بنك للمعلومات يتضمن قيمها الرئيسة(8) في تحرير الوطن، والعودة إلى حكم وطني ديمقراطي يقدر عالياً ضرورة المشاركة الشعبية والمبادرة الجماهيرية. وجعل المواطن شريكاً في صنع المستقبل العراقي، ويقدم المؤشرات الكفيلة بإظهار النهب الذي يقوم به المحتل لثروات العراق، والجرائم التي يرتكبها ونوعها ومستوياتها، وأدوات الدمار التي يستعملها. والاعتداء على الحرمات واستمراره في اغتيال العلماء حتى لا يتمكن العراق من النهوض غداة فجر التحرير، وتعزيزه بالشواهد والمشاهد التي تبرر وتروج الثقافة المضادة للإمبريالية الأمريكية والصهيونية.‏

وتحتاج المقاومة العراقية تحتاج إلى برنامج في إحدى المحطات الفضائية، وإلى موقع في الإنترنت تتحدد مهمته بنشر وتعميم ثقافة المقاومة، وفضح أكاذيب الثقافة الإمبريالية؛ ومن معها من محطات ومراكز إعلامية أجنبية وعربية.‏

ويظل التواصل بين ثقافة المقاومة العراقية وبين الثقافة العربية النضالية والجهادية والسياسية التقدمية مهمة المثقف العربي الملتزم بقضايا أمته. وعلى هؤلاء يتوقف تأمين وسائل التواصل الثقافي، وتلك مهمة وطنية وقومية إسلامية(9) لا تقبل التأجيل على الإطلاق من أجل كسر الهيمنة الإمبريالية بكل قواها، وعودة العراق إلى أمته مُحرراً عربياً بأهدافه وتوجهاته وموقفه الحضاري، فهل يكون العراق في هذه الحالة أرض الفجر الجديد الذي تتهاوى فيه صروح الإمبريالية الأمريكية ـ الصهيونية؟ إذاً، ألا فلتنهض الأمة وتقاوم، وهذه فرصتها لتجديد نفسها، ولتقوِّ من عملية التواصل بينها من أجل تبادل المعاني والقيم عبر نظام مشترك من الرموز الجهادية(10) والمعاني القومية على طريق الوحدة العربية.‏

(1) أستاذ محاضر في الانثروبولوجيا السياسية، جامعة دمشق ـ قسم علم الاجتماع.‏

(2) د. عز الدين دياب: التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام السياسي ـ مكتبة مدبولي في الوطن العربي القاهرة ـ 1993.‏

(3) د. ليلى عبد الحميد ـ ضرورة التنسيق والتكامل بين أجهزة الثقافة وكافة الأجهزة الإعلامية والتربوية والاجتماعية ـ جامعة القاهرة ـ نحو بعث ثقافي ـ مطبعة جامعة القاهرة 1984.‏

(4) بسيوني إبراهيم حمادة ـ دور وسائل الاتصال في صنع القرار في الوطن العربي ـ بيروت مركز دراسات الوحدة العربية ـ 1993.‏

(5) د. راسم الجمال ـ الاتصال والإعلام في الوطن العربي ـ بيروت ـ مركز دراسات الوحدة العربية ـ ط 1991.‏

(6) د. سامية أحمد جابر ـ الاتصال الجماهيري والمجتمع الحديث ـ النظرية والتطبيق ـ الإسكندرية ـ دار المعرفة الجامعية 1984.‏

(7) د. عباس الجراري: خطاب المنهج ـ منشورات السفير.‏

(8) د. محمد شكري سلام ـ ثورة الاتصالات والإعلام من الإيديولوجيا إلى الميتولوجيا ـ نحو رؤية نقدية ـ عالم الفكر ـ مجلة 3 ـ يوليو.‏

(9) حسن خليل غريب: مفاهيم إسلامية ـ بمنظار قومي معاصر ـ أبحاث في العلاقة بين القومية والدين ـ دار الطليعة ـ بيروت ـ 2003.‏

(10) د. عصام سليمان الموسى ـ المدخل في علم الاتصال الجماهيري ـ ص 21 ـ وزارة الثقافية ـ الأردن ـ إربد ـ 1995.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244