مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 30 السنة العاشرة صيف 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الدروس والعبر من الصراع العربي ـ الصهيوني ـــ محمد عدنان مراد

تمر ذكرى تلك الحرب المشؤومة على العرب وهم في وضع محزن من التفكك والتشتت لا يحسدون عليه مطلقاً، فهل هم كما يقول المفكر الفرنسي رومان رولان نسوا ما جرى لهم عبر التاريخ «ما أسرع النسيان ينساب إلى ذاكرة الشعوب». أو أنهم كما يقول نجيب محفوظ: «إن العقل العربي دائماً مشدود للماضي البعيد», ولا أتذكر اسم أحد زعماء الصهاينة الذي قال: «مشكلتنا أننا وقعنا مع شعب لا ينسى». لذلك لا يمكننا القول إن النسيان من طبيعة الشعب العربي، وهو الذي يتغنى ليلاً ونهاراً بماضيه العريق. ويبدو أن الظروف الصعبة التي يمر فيها تجعله يتناسى الأمور التي تضرب ذاكرته، وهي التي تذكره بالنكسات والمصائب التي حلت به عبر تاريخه الطويل والتي لم يكن له يد فيها، ولم يكن بإمكانه تغييرها. فقد شلت الشعوبية وحكم الغرباء وضربات الأصدقاء حركته، كما تشل الفرقة والتخلف والأنظمة السياسية الجائرة حركته الآن، وهذا سر تعلقه بالماضي البعيد أيام المجد والفتوحات ونشر الرسالة.‏

وأخذ العبر والدروس من التاريخ القريب والبعيد، ودراسة أسباب الهزائم، والنكسات ضرورية لكل شعب وبخاصة الشعب العربي الذي تعرض ويتعرض من حين إلى آخر، لنكسات ومصائب متوقعة وغير متوقعة، ولكن في المنطق العربي مستبعد والاكتفاء بالدعاء لإبعادها رغم خطورتها. ومعرفتهم للمثل المأثور: أكلت يوم أكل الثور الأبيض، ومثل هذه الدراسات تهتم بها الدول وتعتبر أهم من دراسة أسباب وعوامل النصر. لأن النصر مهما كا ن ثمنه باهظاً يغطي كل الأخطاء التي تصبح نظريات بسبب نجاحها والعكس بالعكس، وربما تسبب الخسارة لمن يتبعها، إذا لم ينظر إلى الظروف التي ساعدت على النجاح، ففي الحروب الأولى مع إسرائيل وبسبب تفوقها بالسلاح والعتاد تشكل لدى العدو قناعات استقوها من الانتصارات السهلة التي أحرزوها، فاستهانوا بالجندي العربي من جهة، وبقياداته من جهة أخرى، مما جعلهم يتنكرون للنظريات العسكرية التي تعارف عليها الجميع، ومنها حماية هجوم الدبابات بالمشاة المحمولة، فحسب اعتقادهم في ذلك الوقت أنه يكفي ظهور دبابة واحدة وراء الخطوط العربية حتى ينشر الذعر والفزع لدى الجنود العرب، وعندما أرادوا تطبيق هذه النظرية في حرب (73) لم يهرب المشاة المصريون الشجعان أمام هجوم الدبابات اليهودية، بل واجهوا العدو بوابل من قذائفهم الفردية المضادة للدبابات، وقضوا على لواء مدرع يهودي بكامله وأسر قائده. في المقابل كانت هزيمة (67) نتيجة للأخطاء المرتكبة بعد حرب (56) وعدم دراستها بشكل صحيح، بل اعتبر انسحاب قوات العدوان الثلاثي كنصر مبين من الناحية العسكرية على الدول الثلاث، والواقع أن الأمر لم يكن كذلك كما هو معروف وربما يكون ذلك من الناحية السياسية إلى حد ما، ومع ذلك لم يستفد من النصر السياسي، ولا من الهزيمة العسكرية، وتكررت الأخطاء في حرب (67) وأدت إلى هزيمة ربما تكون من أشد الذكريات المؤلمة في تاريخنا، وتصل بمرارتها وألمها ذكرى دمار بغداد على يد المغول. وحتى معركة (العقاب) 1209التي مهدت لخروج العرب من إسبانيا، وإذا كانت حرب تشرين 1973 قد أزالت من الأذهان رواسب كثيرة مؤلمة، ورفعت المعنويات العربية؛ إلا أن ما حدث في المرحلة الثانية من المعركة، وتدخل أمريكا «صديقة العرب» ودعمها لإسرائيل بالسلاح والعتاد، ودعم اندفاعها في الأراضي المصرية والسورية؛ كل ذلك أدى إلى تفريغ المعركة من أهميتها العسكرية والتاريخية وضربت المعنويات العربية التي كانت في الأوج، وانتقلت المعركة إلى معركة سياسية خاسرة خطط لها اليهودي وزير الخارجية «كيسنجر» بعناية تامة لم يشعر بها العرب إلا بعد فوات الأوان، وكان لهذا العمل أبعاده الخارجية فقد سارعت دول كثيرة للاعتراف بإسرائيل، وأهم من ذلك خروج مصر من ساحة النضال العسكري ضد إسرائيل والذي فشل للوصول إلى هذه النتيجة (بن غوريون) ومن بعده الزعماء اليهود، وهكذا أكدت إسرائيل وجودها كدولة رئيسة من دول المنطقة وننتظر دورها في عملية تشكيل دول الشرق الأوسط الذي تسعى إليها أمريكا. وما نشاهده الآن على الساحة الفلسطينية من طروحات جديدة تمس جوهر القضية الفلسطينية وتفريغها إلى أدنى حد. وإن لم يكن ففي القضاء عليها وإبادة الشعب الفلسطيني، وهذا ما صرح به بن غوريون أمام المؤتمر اليهودي العالمي عام 1947: «بأنه في النهاية علينا إبادة الشعب الفلسطيني بكامله». وما نشاهده حالياً من الهجمات اليهودية على المدنيين بداية (ربما) لذلك. ويكون ذلك عن طريق تجزئة الفلسطينيين إلى بانتوستانات ربما ثلاثة وربما أربعة وحجزها ضمن الجدران الإسمنتية، والذي يهاجر هو الذي ينقذ روحه حسب رأي «أولمرت» الذي يريد أن يغطي على ما كان يتمتع به «شارون» من سمعة قوية لدى اليهود. وقد ظهر كأنه هتلر جديد يعربد وبتوعد ويضم الأرض ويبني الجدران ويسرق المياه، مع أن وجهه الشاحب يدل على رجل في أعماقه خوف شديد.‏

مقابل ذلك وضمن الضعف العربي وهشاشته في ذلك الوقت وحتى الآن لفرض الشروط على العرب والفلسطينيين حتى التنكر لاتفاقية أوسلو المذلة وقبول المقترحات اليهودية، استكان العرب ووجدوا في سياسة المهادنة وإبعاد الحرب والإقرار بالهزيمة (مع الأسف) المجال لترك الفلسطينيين وحدهم «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون».‏

لن تكون القدس آخر أهداف الصهيونية العالمية فمطامعها تشغل المنطقة بكاملها، ويخطئ من يظن أن اليهود قد اكتفوا بما لديهم وأقاموا جداراً إسمنتياً حول حدودهم، بل سيكون القاعدة للانطلاق كالقلعة أو المركز المحصن وانطلاقاً من قبل هذه الحصون تم احتلال أراض كثيرة في التاريخ القديم والحديث ونجاحه في مرحلة الاستعمار الأوروبي للعالم. وأهم ما تسعى إليه الوجوه إلى مرحلة السيطرة على المنطقة بعد أن سيطرت على اقتصاد فلسطين والفلسطينيين. والواقع أن الطريق ممهد لها تدعمها أمريكا بعد أن عزلت مصر وأبعدت وتبعتها ليبيا، وتم تدمير العراق وتجري المحاولات لتجزئة السودان، ولاشك أن عملية عاصفة الصحراء قد أحدثت شرخاً بين العرب لم يعرفوا مثله في تاريخهم، وتلاه احتلال أمريكا للعراق وما يجري فيه، بالإضافة إلى ما يجري في فلسطين من قتل وتدمير تأمل إسرائيل فيه إجبار العرب الفلسطينيين للهجرة، ورغم تناقص الهجرة اليهودية نحو فلسطين والتي تعيدها إسرائيل لظروف مؤقتة؛ إلا أنها تأمل دائماً بإعادة أعداد المهاجرين اليهود لإسرائيل كما هو الحال في السنين السابقة، وربما تفتعل إسرائيل حالياً حوادث تجر العرب وبخاصة سورية نحو حرب غير مستعدين لها لتهجير العرب. وربما تستغل ما يحدث في الوطن العربي من هجرات جماعية كبيرة نحو أوربا وغيرها من الدول الأجنبية. وتعمل على إجراء هجرة معاكسة تستطيع أن تحصل فيها على أغلبية كاملة أو بالأحرى تغيير هوية المنطقة مستغلة ما تسرب منها (أي الشعوب) في الوقت الحاضر في البلاد العربية. وهناك أمثلة كثيرة على تغلب الأغراب والمهاجرين الجدد على سكان البلاد الأصليين، وبخاصة في مناطق جزر المحيطين الكبير والهندي وحتى في جزر الأنتيل ووجود إسرائيل نفسه مثال على ذلك. وقد حاولت بريطانيا فيما مضى تغيير هوية مدينة عدن. عندما عمدت إلى منع العرب من السكن فيها. واكتساب الجنسية العدنية، وسمحت لكل أجنبي باكتساب الجنسية العدنية إذا نزل من الباخرة التي تقله لمدة ساعة واحدة وحتى لو غادرها فيما بعد وكانت تحاول فصل منطقة قناة السويس وحشوها بالأجانب. وقامت العمل نفسه في سنغافورة ونجحت حيث أصبحت الجالية الصينية التي استقدمتها بريطانيا صاحبة الأكثرية وكذلك في جبل طارق، ولكنها لم تنجح لا في عدن ولا في مصر. وفي سيريلنكا يطالب التامبل باستقلالهم، وهم من الشعوب الذين استقدمتهم بريطانيا من الهند لزراعة الشاي في الجزيرة. وخلال إحدى اعتداءاته على العرب وقف موشى ديان على حدود سيناء يحض جنوده على الهجوم والنصر وحوله حاخاماته ينفخون بالأبواق مع كل أحقادهم التي ورثوها ضد العالم. وكان يبشر الجميع بالنصر بقوله «اليوم سيناء وغداً يثرب» فهل كان أحد من أبناء قحطان وعدنان، يتصور أن تصبح هذه الأعداد القليلة من المهاجرين الذين استوطنوا فلسطين مع الحرب العالمية الأولى تتحكم الآن في المنطقة العربية؛ تقتل وتشرد وتخرب وحكام يرتعدون من الخوف.‏

1ـ دروس وذكريات 5 حزيران 1967 المريرة‏

في ذلك اليوم المشؤوم كنت معتمداً في مقديشو عاصمة الصومال كسفير للجمهورية العربية السورية. ولم تكن الصومال حتى ذلك التاريخ قد انضمت إلى الجامعة العربية، إلا أن ثقة الشعب الصومالي حكومة وشعباً بالأشقاء العرب وقوتهم كانت غير محدودة، ويأملون بانتصارهم طمعاً بمساعدتهم في التغلب على مشاكلهم الاقتصادية والسياسية والوطنية، وكان الجميع في نشوة من النصر. وما كنا نسمعه عن تطورات الأحداث، ووقوف مصر بجانب سورية ضد إسرائيل ودخول القوات المصرية سيناء إلى غير ذلك من الأخبار المفرحة التي كانت تصلنا عن طريق إذاعة صوت العرب، وظل الجميع تغمره فرحة عارمة حتى اليوم الثاني للمعركة. وقد تجمع العشرات والمئات وربما الآلاف في الشوارع وأمام أجهزة المذياع في المحلات التجارية والمقاهي يتابعون سير الأحداث، كما توجه نحو السفارتين السورية والمصرية أعداد كثيرة من المتطوعين يطلبون تسجيل أسمائهم للسفر إلى ميدان المعركة والفرحة بادية على وجوه الجميع. ولم تمضِ فترة من الزمن حتى تغيرت المواقف كلياً بعد وصول الأخبار عن تطور الأحداث لصالح العدو،. وانعكست الآية وظهر الإحباط وخيبة الأمل على الوجوه، وتفرقت الجموع وهي تبكي وتصرخ. وكانت لحظة رهيبة اضطررت بعدها إلى ترك السفارة وأعضاء السفارة كل إلى منزله؛ خوفاً من حدوث شيء غير متوقع بعدما سمعناه من سباب وشتائم تنهال علينا.‏

تذكرت وأنا في هذا الموقف الذي لا أحسد عليه، حديث أحد المساعدين البريطانيين من الشرطة الفلسطينية كنت التقيت به خلال وجودي في مدينة عكا عام 1948، وكنا قد وصلنا مع عدد من الجنود الأردنيين والسوريين وبعض المتطوعين العرب لمساعدة السكان في الدفاع عن عكا وحيفا في نطاق جيش الإنقاذ، كان لقائي مع المساعد المذكور عرضياً في أحد شوارع عكا حيث استوقفني بحركة من يده، ورغم ضخامة جسمه وعمره بالنسبة لجمسي ولم أكن قد تجاوزت العشرين من عمري، في ذلك الوقت صممت على العراك معه بسبب موقف بريطانيا الحقير من الفلسطينيين ولكن عندما نزلت من سيارتي بادرني بالتحية العسكرية مما هدأ من غضبي، وقد بادرني بالسؤال فيما إذا كنت قد سمعت أو علمت بسقوط مدينة حيفا، فاستغربت منه هذا السؤال، ومن أحد الإنكليز، وكنت في الواقع عائداً لتوي من ميناء مدينة عكا للتعاون مع السلطات المحلية وتخفيف المصيبة عن الفارين المذعورين والناجين من مذبحة مروعة قام بها اليهود عند دخولهم مدينة حيفا (24 نيسان 1948)، وكانت النساء الحبالى أول من بقرت بطونهم، وعندما ركبوا الزوارق نحو عكا ترك السكان كل ما لديهم في حيفا، حتى إن بعضهم نسي طفله الصغير وحملت بعض النساء الوسادات وأشياء أخرى على أساس أنها أطفالهم، وكانوا يريدون العودة إلى حيفا ويطلبون العودة بالزوارق، أجبت الإنكليزي على سؤاله معتقداً بأنه شامت، وبعد السيطرة على أعصابي التي كادت تنفجر، بأني سمعت بسقوطها، وشاهدت المأساة، وقد تابع الإنكليزي سؤاله إذن ماذا ستعمل باعتبارك الضابط العربي الوحيد هنا، ثم أخذ يصف لي مدينة حيفا وأهميتها الاقتصادية كميناء تجاري كبير على البحر الأبيض المتوسط وأن خسارتها لا تعوض، وكان يتكلم بلغة عربية سليمة نوعاً ما، وعندما توقف عن الكلام، ذكرته بمسؤولية قومه الإنكليز عن مأساة الشعب الفلسطيني، ثم قلت إننا سنستعيدها إن شاء الله ونسترد كل شبر من أرض فلسطين كما استعدنا القدس من الفرنجة، ولا مكان لغريب على هذه الأرض الطاهرة، ولكنه لم يعلق على كلامي وقال يا بني «لن تفيدك هذه السيارة الصغيرة ولو كانت مصفحة والتي تركبها، قل لحكومتك أن تبدأ منذ الآن تحصين دمشق فخطط اليهود أكبر من أن تتحملها أنت وربما حكومتك. فأهداف هؤلاء، اليهود بعيدة لا يمكن تخيلها، وأخذ يهاجم اليهود ومطامعهم، وعندما انتهى من كلامه حياني تحية عسكرية مرة ثانية، ولم ينظر إلى فارق السن بيني وبينه، ولم أكن قد تجاوزت العشرين من عمري كما ذكرت سابقاً.‏

ونظراً لقلة خبرتي في ذلك الوقت، لم أقدّر أهمية الكلام الذي سمعته من هذا الشرطي العجوز الذي كان دون شك يكره اليهود، ويكره أعمالهم ضد الضباط الإنكليز حينما جلدوهم بالسياط دون أن تحرك بريطانيا إصبعها، وعندما استدار مودعاً وقفت صامتاً أنظر إلى قامته الطويلة وهو يبتعد عني، وكنت أسأل نفسي هل يمكن أن يحدث ذلك؟ فأنا لم أكن أتوقع سقوط عكا المحاصرة ثقة مني بقوة العرب وجيوشهم السبعة التي كانت تستعد لدخول فلسطين، فكيف يمكن الوصول إلى دمشق وبين عكا ودمشق الجبال والهضاب، ولا حاجة للتذكرة؟ فكل ما توقعه الرجل قد حدث، فقد حاول اليهود للوصول إلى دمشق عام 1967 وهددوا القاهرة، واحتلوا الضفة الغربية والجولان. وفي عام 1973 اجتازوا القناة وكادوا أن يحتلوا مدينة السويس، وبعد ذلك احتلوا بيروت وهي عاصمة عربية؛ وها هم الآن يحيطون بالقدس ويضيقون الخناق عليها، وأصبح لديهم علاقات دبلوماسية مع الأسف؛ مع دولتين عربيتين وعلاقات اقتصادية وقنصلية مع بعضها، ورضي العرب مع الأسف بمبادرة مدريد واتفاقية أوسلو الضعيفة؛ ولم يرضَ اليهود بها، ولا يزالون يحتلون الجولان ولا يزالون يهددون جنوب لبنان بعد خروجهم منه، وكذلك قطاع غزة بعد جلائهم عنه وفي كل يوم عشرات يسقطون جرحى وقتلى.‏

2ـ حرب 1967 في سلسلة الكوارث التاريخية التي لحقت بالشعب العربي‏

لم تكن في الواقع كارثة 1967 سوى حلقة في السلسلة التاريخية التي لحقت بالشعب العربي خلال تاريخه الطويل ولم يكن له يد فيها، فقد سحبت منه إرادة القتال منذ استخدام المعتصم للجنود الأتراك والابتعاد عن العرب، ومنذ ذلك التاريخ أصبح العربي يعيش على هامش الأحداث، وأصبحت الحلول تفرض عليه فرضاً بعد تحكم الغرباء وسيطرة الشعوبية على مصيره، ولولا قوة شكيمته وصلابة طبيعته وإيمانه العميق بأهليته، لفقد وزوال، وذاب كما ذاب غيره من الشعوب. وهناك أمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى عن الأوضاع السيئة التي وجد فيها العرب أنفسهم، يقفون حيارى أمام المصائب ولا حول لهم ولا قوة، وبسبب ذلك توقف المد العربي، وقعد الناس عن الجهاد، ولم يعد للحكام من شاغل سوى الدفاع عن مصالحهم الخاصة حتى ولو أدى إلى تنازل عن السيادة والأرض، والضغط على شعوبهم وقتل بعضهم بعضاً. ولولا التجار العرب، لما وصل الإسلام إلى أندونيسيا والفلبين ومجاهل أفريقية. وقد منع الحكام الغرباء، الخلفاء من تجنيد الجنود من العرب، ويعتذر الخليفة العباسي الناصر، لصلاح الدين لعدم مساعدته في الدفاع عن عكا ضد الصليبيين لعدم وجود جيش لديه، فقد منع السلاجقة عنه تجنيد العرب. والترك والفرس وسمحوا له فقط بتجنيد الأحباش كجنود لحراسته فقط، لذلك عندما وصل المغول العراق لم تجد بغداد من يدافع عنها. فحماة البلاد الأغراب، خانوا أمانتهم وسلموا البلاد للمغول الذين دمروها وداسوا جثة الخليفة المقتول بأرجلهم. ومع هذه الكارثة فقد العرب ما كان لديهم من سلطة معنوية دينية ضعيفة، فقد انتقلت الخلافة المزيفة إلى مصر ثم انتقلت إلى يد العثمانيين وخرجت من يد العرب.‏

بين أعوام 1097-1297 كانت حروب الفرنجة وسقوط سورية والقدس وتأسيس الدويلات اللاتينية. وخلالها عاث الفرنجة (الصليبيون) فساداً في البلاد، وأخافوا وأرهبوا السكان واستهانوا بالحرمات وحاولوا الوصول إلى قبر الرسول، وبلغ من جرأتهم واستهانتهم بالدولة الفاطمية أن فكر أحد قادتهم باحتلال مصر ولم يكن معه سوى مئة وخمسين من الفرسان. ومع ظهور عماد الدين الزنكي ومن بعده نور الدين الشهيد عادت الثقة إلى النفوس، واستطاع صلاح الدين أن يكمل ما بدأ به عماد الدين، وأن ينتصر على الفرنجة في حطين 1187م ويستعيد القدس. ولكن المعركة لم تحسم ويعود ذلك حسب قول بعض المؤرخين إلى معارضة قادة صلاح الدين من غير العرب لتعاون أكبر مع السكان.‏

ولذلك ظل الصليبيون في السواحل السورية حتى عام 1291م حيث أخرجوا منها بالتدريج.‏

حكم المماليك المنطقة ما بين آسيا الصغرى ومصر إلى اليمن ـ وانتصروا على المغول في عين جالوت 1260م ولكنهم ظلوا يحاولون العمل وحدهم مما جعل السكان يعتبرونهم غرباء، ولا شك أنهم حموا البلاد وكانوا أبطالاً ودافعوا عن الإسلام حسب قول المؤرخ عبد الله عنان، إلا أنهم في الوقت ذاته كانوا يدافعون عن امتيازاتهم واستثماراتهم، وكانت تعود إليهم وحدهم الأموال والضرائب التي كانت تجبى بسبب التحكم على طرق التجارة عبر مصر وسورية. ولم يكن الشعب الذي كان يلاقي الأمرين من تصرفاتهم وتصرفات أبنائهم، يستفيد من هذه الأموال مطلقاً، وكانت البلاد تتراجع شيئاً فشيئاً مع ازدياد الفقر، لذلك لما جاء السلطان سليم الأول العثماني، استقبله السكان بالترحاب، وساعدوه على الانتصار على قانصوه الغوري في مرج دابق 1516، ومع ذلك أبقى السلطان المذكور المماليك في مناصبهم، وكان ذلك بداية تعاون طويل بين العثمانيين والمماليك دام مدة طويلة لم يتطور فيها المماليك، وكانت الصفة الرئيسية لحكمهم الظلم والاستعباد والتخلف ودام هذا الأمر حتى جاء محمد علي فغطى عليهم وظل العرب بعيدين عن السلطة حتى في زمن محمد علي.‏

عندما خرج العرب من إسبانيا كانت السلطنة العثمانية محتكرة الخلافة تمر في عصرها الذهبي في زمن السلطان سليمان القانوني (1520-1566) وظلت أوروبة ترتجف مدة طويلة طيلة حكمه، ومع ذلك لم يحاول نجدة العرب الذين خرجوا من إسبانيا، تلاحقهم محاكم التفتيش إلا أنه استجاب لنداء فرانسوا الأول ملك فرنسا لحمايته من الإسبان الذين أسروه قبل فترة. وأرسل له أسطولاً ضخماً بقيادة خير الدين (بارباروس) مع (25) ألفاً من الجنود تحملهم (111) سفينة حربية. وقد نزل بارباروس في ميناء طولون في شهر تموز 1542 وظل فيها حتى 14/5/1544، وقد وصف بارباروس الفرنسيين بالغباء، وجهلهم بالأمور العسكرية وبخاصة البحرية، وأنهم يملؤون المراكب الحربية ببراميل النبيذ عوضاً عن براميل البارود. ومما يذكر أن كل مقترحات (بارباروس) للسلطان سليمان القانوني كانت تنضب على التفكير باستعادة الأندلس والانتقال منها إلى أمريكا الجنوبية، وحمل جاليات إسلامية للاستيطان هناك، ولكن العقلية العثمانية كانت أضعف من أن تستوعب مثل هذه المغامرة فتفكيرهم دائماً متجه نحو أوروبة الشرقية والوسطى، ومما يجدر ذكره أن التقارب العثماني الفرنسي والاتفاقيات التي عقدت بين الطرفين، منها التجارية ومنها الثقافية كان لها نتائج سيئة فقد استغلتها فرنسا فيما بعد، وبخاصة في شرق البحر الأبيض المتوسط؛ وكانت بداية للاستعمار الفرنسي إن كان في شمال أفريقية أو شرق البحر الأبيض المتوسط، وقد دامت مملكة الجزائر التي أسسها بارباروس حوالي 300 عام، وقضى عليها الفرنسيون بافتتاحهم الجزائر، وكان الأسطول الجزائري أقوى أسطول في البحر الأبيض المتوسط.‏

3ـ الاستعمار وموقف الدولة العثمانية:‏

مع خروج العرب من إسبانيا بدأت تهدد الأخطار الشعب العربي في عقر داره، ودامت هذه الفترة الطويلة حتى الحرب العالمية الثانية. وإذا كان سقوط القسطنطينية بيد العثمانيين يعد نهاية القرون الوسطى. فإنه بالنسبة للعرب هو بداية القرون الوسطى، فهذه الفترة كانت من أحلك الأيام التي مرت في التاريخ العربي، وكانوا أول من تعرض لغزو الشعوب الأوروبية الشرسة، في الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية تهيمن على مقدراته وتتحكم في مصيره...‏

شكل البرتغاليون الطلائع الاستعمارية الأولى في غزوهم لأفريقية وآسيا وأوستراليا وأمريكا الجنوبية (البرازيل)، رغم أنهم كشعب في ذلك الوقت لا يزيد عددهم عن مليون نسمة، إلا أنهم في غياب الدولة العثمانية المهيمنة على الوطن العربي وانشغالها بمشاريعها الخاسرة في أوربة كما ذكرنا، استطاع البرتغاليون الوصول إلى قلب الوطن العربي! والقيام بحركة التفاف واسعة كبيرة، على جناحه الشرقي بعد دورانهم حول القارة الأفريقية، وقد فوجئوا بوجود العرب، يسيطرون على سواحل المحيط الهندي الآسيوية والأفريقية، ويسيطرون على طرق التجارة بين الشرق والغرب، فقرروا القضاء عليهم، تدفعهم حماسة دينية انقلبت فيما بعد لشراهة اقتصادية، جاءتهم من خلال حروبهم ضد العرب في إسبانيا والتي أثارها الأمير البرتغالي هنري الملاح، وأكملها قادتهم مثل فاسكو دغاما، والبوكيرك الذي حاول الوصول إلى مكة لتهديمها وقصف مدينة عدن وجدة وحاول احتلالهما، وكان شعاره الذي تعهد فيه أمام مليكه وبابا روما «قتل العرب، إرضاء للرب، حتى لا تشتعل لشيعة محمد نار بعد الآن» وهو يقصد كل مسلم والحديث طويل حول ما سببه هؤلاء المتوحشون الحاقدون من خراب ودمار على السواحل العربية الهندية بالإضافة إلى آلاف القتلى وقطع الآذان والأنوف ودك المدن بالمدفعية، ولا تزال آثار ما أحدثه البرتغاليون من دمار؛ وبخاصة في السواحل العمانية ماثلة للعيان حتى الآن. وأشد ضربة وجهت للعرب من قبلهم هو القضاء على البحرية العربية والهندية والذي أدى إلى القضاء على التجارة بين الشرق والغرب عن طريق الخليج من جهة والبحر الأحمر من جهة أخرى إلى البحر الأبيض، وحولوا الطريق التجاري إلى أوربا عن طريق الرجاء الصالح عبر المحيط الهندي والأطلسي.‏

لم تشعر الدولة العثمانية بأن عليها حماية رعاياها، إلا بعد انخفاض مواردها المالية التي كانت تحصل عليها، من الرسوم المفروضة على طرق التجارة عبر البلاد العربية، وقد حاولت عدة مرات إرسال بعض المراكب الحربية من مصر لقتال البرتغاليين، إلا أن عملها كان ينقصه الاستمرار والدعم المتواصل، إلا أن عرب الجنوب من عمانيين ويمنيين استطاعوا الدفاع عن بلادهم وبخاصة اليعاربة العمانيون؛ الذين استطاعوا إخراج البرتغاليين من بلادهم في النصف الثاني من القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، واللحاق بهم إلى السواحل الأفريقية، وقضوا عليهم، وكان انتصار العمانيين أول انتصار يحققه العرب ضد القوى الأجنبية في التاريخ العربي، والحديث طويل حول ضعف الدولة العثمانية وما سببه هذا الضعف من خسائر للعرب الذين كانوا تحت السيطرة العثمانية، وكان العرب كما ذكرت يمرون في قرونهم الوسطى المظلمة.‏

بعد ذلك جاءت الشعوب الأوربية الأطلسية وراء البرتغاليين، وكل دولة كان لها حلمها الخاص في السيطرة ونهب الثروات وتحلم بالتحكم بالتجارة وطرقها وموادها، وبدأ الاستعمار يتسرب إلى البلاد العربية وحتى بمساعدة الدولة العثمانية التي أصبحت «الرجل المريض». ولم يكن هم السلاطين إلا الحفاظ على ملكهم وامتيازاتهم التركية، لذلك لم يتورعوا عن منح الامتيازات للأوربيين في البلاد العربية، ولم تمض فترة من الزمن وخلال القرن التاسع عشر حتى تمكن الإنكليز من احتلال عدن 1839 وسيطروا على مداخل البحر الأحمر ثم احتلوا مصر 1882 لحماية طريق الهند، كما سيطروا على السودان، باسم مصر التي كانت تحكمها أسرة محمد علي الألبانية، وقضوا على الثورة المهدية 1898 وبعد صراع دام طويلاً بينهم وبين الهولنديين والفرنسيين، والقضاء على المقاومة العربية التي أظهرتها القبائل العربية في الخليج سيطروا على الخليج العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى النصف الثاني من القرن العشرين.‏

أما الفرنسيون فقد احتلوا الجزائر عام 1832، ثم فرضوا فيما بعد حمايتهم على تونس والمغرب، ولكنهم فشلوا في احتلالهم لمصر على يد نابليون (1798 ـ 1801) بعد فشلهم في احتلال مدينة عكا والوصول إلى الهند عن طريق البر، أما الألمان فكانوا يحلمون بالوجود إلى الهند عن طريق سكة حديد برلين ـ بغداد، ومع بداية القرن العشرين استطاعت إيطاليا احتلال ليبيا والسيطرة على السواحل الأفريقية للبحر الأحمر والتي تقطنها أقوام ذات أصول عربية عريقة.‏

قاوم العرب الاستعمار، رغم الكابوس العثماني، ففي الجزائر ظهر الأمير عبد القادر الجزائري وسيطر على ثلثي البلاد واعترفت فرنسا بوجوده لفترة ما، وعقدت معه معاهدتين 1834 ـ 1837، إلا أنهم غرروا به وتغلبوا عليه، فاضطر للاستسلام. وفي المغرب قام الأمير عبد الكريم الخطابي في منطقة الريف بثورته المعروفة 1916 ـ 1921، وفي ليبيا ثار المجاهد الكبير عمر المختار 1912 ـ 1931، ضد الإيطاليين، وقبل ذلك قام في مصر عرابي باشا 1881 ضد تدخل الإنكليز وضعف الخديوي، في حين خاضت قبائل الخليج صراعاً مريراً ضد الإنكليز، لم تنجح هذه المقاومات في إخراج المستعمر بسبب عدم إعدادها الإعداد الكافي، وظهورها في أوقات متباعدة مع بعدها عن بعضها، إلا أنها زرعت الأمل لأول مرة في نفوس العرب للقتال ضد السيطرة الأجنبية بعد سكون طويل دام عدة قرون، كانت في الواقع تحت سيطرة الغرباء من أتراك ومماليك.. إلخ.‏

عندما نشبت الحرب العالمية الأولى، وتورطت تركيا فيها، انقسم العرب إلى قسمين: الأول وجد نفسه يحارب مع الحلفاء أي مع الأمم الاستعمارية فرنسا وبريطانيا، والثاني وجد نفسه مع الدولة العثمانية التي كانت تجثم على صدره، والواقع أن الحرب فرضت عليهم فرضاً حيث ضحى مئات الألوف من الجزائريين والتونسيين والمغاربة بأرواحهم ضد فرنسا التي كانت تستعمرهم، بينما ضحى المشارقة من سوريين وفلسطينيين وعراقيين بزهرة شبابهم في حروب الدولة العثمانية، ومن لم يمت من الجنود في الحرب مات أهله بسبب الجوع والمرض مع ما آلت إليه البلاد من نقص في المواد الغذائية وقلتها، فقد جند العثمانيون كل شباب البلاد، مما أدى إلى حرمان البلاد من جهة من اليد العاملة، فلم تعد الأرض تجد من يفلحها، وأحرق الأتراك غابات البلاد لتسيير القطارات الحربية على الحطب لقلة الفحم الحجري، لقد أدت السياسية التعسفية للدولة التركية إلى المجاعات، وهلك أكثر من نصف السكان بسبب ذلك من قلة الغذاء من جهة؛ ومن الأمراض السارية من جهة ثانية, ولا توجد عائلة إلا فقدت عضوين أو ثلاثة من أعضائها وربما العائلة بكاملها.‏

لم يفد العرب اشتراكهم في الحرب العالمية الأولى بل اقتسمت الدول المنتصرة بعد الحرب البلاد التي كانت خاضعة للدولة العثمانية؛ فاحتل الإنكليز العراق وفلسطين والأردن واحتلت فرنسا سورية ولبنان وأعادت سيطرتها بقوة على الدول المغاربية، ولم تنج من الاستعمار سوى نجد والحجاز، ودخلت الجيوش المنتصرة بلاد الشام، مما جعل القائد البريطاني اللنبي يقول بعد دخوله القدس «الآن انتهت الحروب الصليبية»، أما الجنرال غورو الفرنسي، فقد وقف أمام قبر صلاح الدين يقول له «نحن هنا يا صلاح الدين» وبذلك تحقق حلم المتعصبين من الأوربيين والباباوات في الوصول إلى احتلال القدس، والسيطرة الأوروبية على كل بلاد الإسلام من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، وكانت نتيجة الحرب عوضاً عن التحرر من الاستعمار، وفرضت عليها التجزئة بموجب اتفاقية سايكس ـ بيكو المشؤومة 6/6/1916، وقد تميزت هذه الفترة بوحدة المصالح الغربية، وأخذت كل دولة تعمل على تقوية جذورها بالبلاد التي تحت يدها، فلم تكتف فرنسا بهجرة الفرنسيين للجزائر؛ بل أخذت تشجع العائلات الإيطالية والأوروبية للهجرة إلى الجزائر لإكثار العنصر الأوربي فيها، كما حاولت تشجيع مثل هذه الهجرة إلى سورية، وقد وضع الحكم البريطاني في مصر الاقتصاد المصري والوظائف الحكومية الكبرى تحت تصرف الأجانب، وحاول جعل منطقة قناة السويس منطقة حرة على غرار هونغ ـ كونغ، وسنغافورة وعدن، في حين لم تسمح السلطة البريطانية لليمنيين من شماليين وجنوبيين بالهجرة إلى عدن، في الوقت الذي كانت فيه تشجع هجرة الأجانب إليها وتعتبرهم مواطنين أصليين بمجرد مرور أحدهم في البلاد إن كان عن طريق الطائرة أو الباخرة إن كان صينياً أو أوربياً أو آسيوياً، وأما في السودان فدور بريطانيا معروف وهي السبب في كل ما يعانيه السودان، وبخاصة فكرة تقسيم السودان وتفتيت وحدته، وقد شجعت بريطانيا بعد ظهور البترول هجرة العمالة الأجنبية وبخاصة الآسيوية؛ من هنود وباكستانيين وبلوش ومن الملايو والفلبين وغيرها من المناطق، وعادة الهنود يعتبرون الطبقة الثانية في المستعمرات بعد البريطانيين في أي بلد كان يحكم من قبل إنكلترا. ولا ننسى وعد بلفور وتشجيعها [أي بريطانيا] الهجرة اليهودية إلى فلسطين.‏

ومنذ البداية، وقف الشعب العربي بقوة ضد الاستعمار الغربي، فبالرغم من سقوط البطل يوسف العظمة على بطاح ميسلون شهيداً عام 1920 ودخول الفرنسيين سورية شبت ثورة عارمة في سورية عام 1925، وظل السوريون في نضال ضد الفرنسيين حتى الحرب العالمية الثانية؛ حصلوا بعدها على استقلالهم عام 1943 بعد تضحيات كبيرة، كما استطاع العراقيون هزيمة الجيوش البريطانية في الرميثة، وحصلوا على استقلالهم عام 1922م، أما فلسطين فقد قدمت الجماهير العربية مئات بل آلاف الشهداء دفاعاً عن الأرض قبل الحرب العالمية الثانية، حتى إن هتلر نفسه أخذ في عام 1936 يهيب بالألمان (السوديت) بالثورة ضد تشيكوسلوفاكيا، اقتداء بالفلسطينيين الثائرين ضد بريطانيا.‏

عندما نشبت الحرب العالمية الثانية، وأصبحت المنطقة ساحة حرب وتدريب، لم يفكر العرب بالاستفادة من موقعهم هذا، ومن الدرس الذي تلقوه من الحلفاء في نهاية الحرب العالمية الأولى عندما خانهم الحلفاء، وبخاصة بريطانيا التي وعدت اليهود بالوطن القومي (وعد بلفور) بل وقفوا حيارى لا يعرفون ماذا يفعلون، فلاهم نظموا قواهم وثاروا ضد الحلفاء للحصول على استقلالهم مهما كان الثمن، ولا هم عرضوا المساعدة والتعاون المشروط، لعدم وجود الوحدة في التفكير والاتجاه بين الزعماء العرب، وخضوعهم التام لبريطانيا، ولم يكن هناك الزعيم المفكر الذي يستطيع أن يستقطب على الأقل الزعماء العرب، ولا حتى الحزب الذي يجمع لذلك اتبع كل منهم (أي الزعماء) ما تمليه عليه مصلحته وما يمليه عليه تفكيره القاصر، وحتى الملوك، لم يكن بينهم أدنى قاسم مشترك، وانتقل الجميع إلى صراع المحاور، وانقسمت كل دولة بين مؤيد للحلفاء ومعارض، في الوقت الذي كانوا فيه يقدمون للحلفاء كل المساعدات: الأرض والغذاء والرجال، بينما قلوبهم مع الألمان وتخفق لكل نصر ألماني، ويعود ذلك لكرههم الشديد للصهيونية التي تمدها بريطانيا بالحياة، ورغم أن ثورة رشيد عالي الكيلاني رحمه الله عام 1941 كانت تعبر في الواقع عن الغضب الحقيقي للجماهير العربية ضد الحلفاء، إلا أنها كانت غير منظمة وغير مهيئة كما يجب وفي وقت غير مناسب، فلم يستطع الألمان تقديم المساعدة الضرورية والكافية، لذلك كانت ثورة قصيرة العمر، لذلك لم تستطع استقطاب الجماهير العربية بسرعة ضد الحلفاء رغم كراهيتها لهم وتنتظر الفرصة المواتية للثورة، مما أدى إلى نتائج عكسية، لذلك عندما طلب العرب باستقلالهم وهم على هذه الحالة من الضعف والعزلة، رفض المنتصرون ومنهم فرنسا التي ذاقت طعم الهزيمة أمام الألمان، واحتاج الأمر إلى تضحيات شتى للوصول إلى الاستقلال، وساعد على ذلك الخلافات بين فرنسا وبريطانيا الصديقتين العدوتين، في الوقت ذاته كانت بريطانيا تقدم المساعدة إلى اليهود لبناء دولتهم المنشودة، في الوقت الذي كان فيه المتطرفون الصهاينة كما ذكرنا سابقاً يجلدون الضباط الإنكليز الذين يقفون في طريقهم، ومن الغريب أنه عندما أتيحت الفرصة لوضع أسس الوحدة العربية، (ومن المفارقات أن الإنكليز لم يكونوا يمانعون في إيجاد نوع من الوحدة العربية للوقوف في وجه الشيوعية) اختاروا لهذه الوحدة (كلمة) الجامعة العربية، بسبب ميوعتها وتقتصر على الدول وحكامها وليس على الشعوب العربية، في حين كان الأفارقة أجرأ من العرب وأطلقوا على منظمتهم منظمة الوحدة الإفريقية، وانتقلت إلى اسم الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية لا تزال تراوح في مكانها، ويقول بن غوريون «إن المساهمة المخلصة مهما كانت متواضعة، والتي سيدافع فيها نصف مليون يهودي عن قضية الحلفاء سوف تعطيهم حق المساهمة في عيد النصر النهائي، ويقول: لقد منحتنا الحرب العالمية الأولى وعد /بلفور/ ويجب أن تمنحنا الحرب العالمية الثانية الدولة اليهودية» وهذا ما حدث أمام نظر وبصر العرب أو بالأحرى الزعماء العرب وقلة بصيرتهم.‏

4 ـ دور القوى الاستعمارية في خلق إسرائيل ونتائج حرب (67)‏

لعبت بريطانيا والغرب بمجموعه دوراً رئيساً في خلق إسرائيل، وقد تدفقت عليها الأموال من كل جانب، وقد أجبرت أكثر الدول على دعم الدولة الجديدة بسبب الشعور بالذنب من جهة حسب اتهام المنظمات الصهيونية لها ودعم أمريكا، ومن جهة أخرى وجدت أغلب الدول الفرصة للخلاص من اليهود من بلادهم، وكانت الخلافات العربية أو بالأحرى الغباء العربي في نظرته نحو خطر إسرائيل سبباً في وصول الصهاينة إلى كل ما يريدونه، وإلى إقامة دولتهم التي كان ضحيتها ليس فقط الشعب العربي الفلسطيني بل الشعب العربي بكامله، والذي عانى الشيء الكثير من تقلب الأوضاع والانقلابات، و الضغط السياسي الخارجي والحروب دون استعداد، مما أفقده الثقة بنفسه وهذا ما سعت إليه إسرائيل بكل إمكانياتها ومن ورائها أمريكا لفرض شروطها التي لم تكن في أي وقت تحترم المصالح العربية «لأن العرب أنفسهم لا يحترمونها» وبخاصة حقوق الشعب الفلسطيني، لقد استغل اليهود السيطرة الأمريكية على أوربا بعد الحرب، وانشغل الزعماء في الغرب الأوربي في إعادة تهيئة بلادهم بعد الحرب وجهل أكثرهم موضوع فلسطين، ويستغرب الوزير الإنكليزي صاحب وعد بلفور؛ عندما سمع بثورة العرب ضد وعده المشؤوم. قال: «لا أستطيع أن أتصور بأن هناك أية مصالح سياسية، قد نالت حماية أكثر من المصالح السياسية للسكان العرب في فلسطين» فهل يمكن لعاقل يعرف خفايا الأمور أن يصرح بمثل هذا التصريح، وفي مؤتمر يالطا اعترف روزفلت أمام ستالين بأنه صهيوني، ويجيبه ستالين بأنه هو الآخر «صهيوني» ولكنه يعترف بأن هناك صعوبات ترافق الموضوع، وكان ستالين أول من قدم السلاح لليهود على أساس أنهم سيدخلون الأفكار الشيوعية إلى البلاد العربية، ولم يعرف ستالين خطر الصهيونية وتحالفها مع أمريكا إلا بعد فوات الأوان، وعندما التقى روزفلت بالمرحوم الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله، سأله روزفلت «أين يذهب اليهود إذا لم يتمكنوا من إقامة دولتهم في فلسطين؟» أجابه الرجل الحكيم ببساطة: «بأن عليهم العودة إلى بلادهم التي أتوا منها» وهذا ما صرح به رئيس الحكومة الإيرانية منذ فترة بأن عليهم العودة إلى البلاد التي أتوا منها، ولا أعتقد أن هناك فرقاً بين ما سمعناه وما نسمعه حالياً من القادة الأمريكيين على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم؛ وهم الذين أعمتهم المشاكل الداخلية والمصالح الشخصية، ومحاولة إرضاء اليهود بشكل لم يسمح به من قبل، وقد أصبحت أمريكا الممثل للمصالح الصهيونية. ولم يعد يصل إلى سدة الرئاسة إلا من يخضع للوالي اليهودي، حتى ولو كان غير صالح لرئاسة الجمهورية ويعمل لحماية إسرائيل وبقائها متفوقة، وقد أصبح هذا المبدأ من المبادئ الثابتة في السياسة الأمريكية، مهما اختلفت الآراء والإدارات، فعندما كاد العرب يتمكنون من إسرائيل عام (1973) أنجدتها أمريكا بالمال والسلاح والرجال، وحتى في حرب 67 باركت انتصارها بسبب الضربة القوية التي سددتها للقومية العربية التي كانت تعتمد على الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، وعندما أمم الرئيس عبد الناصر قناة السويس، دخل الإنكليز والفرنسيون معه في حرب 1956، ولكن عندما أغلقت إسرائيل قناة السويس في عام 67 لم يتحرك الغرب رغم الخسائر التي لحقت بالتجارة الأوربية.‏

إن أمريكا في كل ما تقوم به حالياً من دعم لإسرائيل، تنفذ في الواقع سياسة (بن غوريون)، ومن قبله وايزمن وهو تفكيك العرب والدول العربية والإسلامية حول إسرائيل في منطقة واسعة تمتد بين أفغانستان والمغرب، ومن البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي، وتقتضي الخطة التي وضعت منذ مؤتمر بال عام (1897) وضع أنفسهم بحماية دولة كبرى وقد حصلوا على ذلك في أمريكا، أما خطة التفكيك التي تلاقت ما مع تضمره أمريكا وبخاصة اليمين المتطرف من عداء للعرب والمسلمين؛ وتفتيت المنطقة ضمن ما يعرف بالشرق الأوسط تكون فيه إسرائيل القوة الرئيسة، ولم يكتف بن غوريون بالسيطرة على فلسطين وخلق دولة إسرائيل؛ بل هناك المخطط الذي أعلنه عام 1974 أمام المؤتمر اليهودي العالمي «إذا لم تتمكن إسرائيل من طرد العرب من إسرائيل عليها بإبادتهم وتخريب بيوتهم وقطع أشجارهم» وهذا ما تطبقه الحكومات اليهودية المختلفة مستغلة كل الظروف المواتية للقيام أو بالأحرى تطبق هذه الخطة.‏

إن فكرة التفكيك والشرذمة التي تنتهجها أمريكا لحماية إسرائيل، وتطبيق فكرة الشرق الأوسط معروفة منذ أكثر من أربعة عقود، وذلك عندما نشر الكاتب الهندي كارنيجا كتابه المشهور «خنجر إسرائيل» والذي يطبق فقرة فقرة منذ خروج السوفييت من أفغانستان ثم احتلال أفغانستان والهجوم على العراق، وتفتيت الصومال، وسيكون مصير العرب كمصير يوغوسلافيا التي لم يبق لها سوى صربيا، وعادت إلى ما كانت عليه قبل الحرب العالمية الأولى، وعكس ما يظن بعضهم من أن أمريكا تعمل للسيطرة على البترول، والواقع أن أمريكا لم تخسر ولا مرة واحدة سيطرتها على البترول والموضوع هو تفتيت المنطقة، ولن تفلت أية دولة لديها أقليات من التفتيت إلا إذا وقفت بشدة ضد هذا المخطط. والشيكل (العملة الإسرائيلية) يعبر في الرسم الموجود عليه أطماع إسرائيل في المنطقة حيث تظهر دولة إسرائيل الكبرى./‏

لو دققنا بكل ما ذكرناه سابقاً لوجدنا أن كل ما أصاب العرب وسيصيبهم يأتي من تفرقهم، وتناحرهم كدول واتجاهات، وانعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم، وإذا كانوا في الماضي استطاعوا التغلب على الأزمات والمصاعب التي مرت بهم، إلا أن الأوضاع والتطورات العالمية تختلف عما سبقها، فلم يعد هناك مكان للضعيف ليس عسكرياً فقط بل اقتصادياً وسياسياً، وفنياً ولن تفيدهم أمريكا ولا أوربة ولا روسيا ولا الصين، لا يفيدهم سوى وحدتهم وقوتهم. وكل ما جرى انعكس في الواقع على القضية العربية الأولى وهي القضية الفلسطينية التي أصبحت تهم الفلسطينيين وحدهم، وانفصلت عن القضية العربية الأولى التي تعمل على استعادة كل الأراضي العربية المحتلة، وقد تقزم الموضوع الكبير، وأصبح بالنسبة للعرب قضية علاقات مستقبلية وتطبيع، حتى اتفاقية أوسلو واعتراف مصر بإسرائيل وكذلك الأردن، لم تقدم إسرائيل أي مردود إيجابي حقيقي للفلسطينيين؛ بل تعمل على استغلال كل الاتفاقيات والاعترافات للحصول على مكاسب أكبر عن طريق ظهور المعارضة لكل اتفاقية مع الفلسطينيين ومثل هذه المسرحيات معروفة لدى اليهود وقد نبه القرآن إليها؛ فكل اتفاق مع اليهود لا بد أن يظهر من يعطله من اليهود ليجعل الآخرين يتمسكون به مع التنازلات، لذلك لا فرق في إسرائيل بين زعيم وآخر.. وقد ظن الجميع أن بموت أو غياب أريل شارون ستتحسن الأوضاع ولكن (أولمرت) الذي خلفه يجد في تشدده أكثر من شارون فرصته للنجاح وتصفيق جماهيره.‏

فمتى وكيف ينتهي التراجع العربي بعد أربعة عقود من هزيمة 67 (1977 ـ 2006) هل هناك وحدة تبدأ اقتصادية ثم ننتقل شيئاً فشيئاً لتوحيد السياسات الخارجة على الأمل وتقوية جامعة الدول العربية ونسجتها وحدة الشعوب العربية... وهل يمكن أن تصبح مؤسسة كالاتحاد الأوربي، والواقع أن قوة مثل هذه الجامعة أو الوحدة... إلخ هو من قوة أعضائها وتماسكهم وتضامنهم أكثر من قوة ميثاقها إذا صفت النيات ورغبت في العمل وتعاون الجميع، لقد اشتركت عدة مرات في محاولة لتعديل ميثاق الجامعة، وقد فشلت كل المحاولات بسبب الشك والحذر وسوء النية وعدم الرغبة الحقيقية. وليتعظ العرب بما أصابهم في التاريخ ولا تزال الأخطار تحيق بهم وعليهم أن يحلوا مشاكلهم بأيديهم ولا ينتظروا من الآخرين الحل، واتهام بعضهم بعضاً بالتقصير عندما تقع الأحداث عوضاً من اللقاء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244