|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
تداعيات الفعل المقــاوم في مسألتي الحرب والسلم في إسرائيل ـــ عز الدين سطاس يبدو من متابعة سلسلة التصريحات والمواقف الإسرائيلية، حول مسألتي الحرب والسلام، أن هاتين المسألتين أصبحتا هاجساً يومياً، ليس على مستوى القيادات الإسرائيلية فقط ، مدنية أم عسكرية ـ أمنية، إنما على صعيد الشارع الإسرائيلي، لقد أصبح هذان الموضوعان مجال استقطاب واسع النطاق، على خلفية الأسئلة، التي تمليها مؤشرات الظروف والأوضاع المحلية، والإقليمية، والدولية ، حول مستقبل إسرائيل. يرى بعضهم في المواقف الإسرائيلية الأخيرة تحولاً في السياسة الإسرائيلية ، فهل نحن أمام حالة من التغيير، أي حالة تكتيكية عابرة، أم نحن أمام حالة تحول، أي حالة استراتيجية، أو نحن أمام تغييرات على طريق تحول استراتيجي بالضرورة...؟! لمحة تذكيرية: حددت الحركة الصهيونية غايتها الاستراتيجية في إقامة امبراطورية يهودية، تتجاوز حدودها حدود فلسطين الجغرافية/الطبيعية، لتشمل جغرافية «كل أرض وطئتها أقدامهم يوماً»، وتتمتع بوضعية الاندماج في المنطقة، وبمفهوم الهيمنة اليهودية على المنطقة، سياسياً، واقتصادياً ، وثقافياً، فماذا حققت الصهيونية من هذه الغاية الاستراتيجية..؟! ركزت الصهيونية على تجسيد نواة هذه الامبراطورية، وهي إسرائيل لضمان موطئ قدم، يشكل قاعدة عسكرية – أمنية – اقتصادية ، يمكن أن تتولى لاحقاً مهمة الانتقال إلى المراحل التالية، لقد كانت القدرات أعجز من أن تحقق الغاية، فلجأت الصهيونية إلى الأسلوب المرحلي، وهذا ما عناه حاييم وايزمن حين قال: «ونحن نتكفل بالباقي». ونجحت في إقامة «دولة» حظيت باعتراف الأمم المتحدة، وبعض الدول العربية لاحقاً، وتعاطف غربي، وتحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية، أقوى دولة في العالم، وتمكنت إسرائيل من تحقيق إنجازات كبيرة، لا يمكن تجاوزها موضوعياً في الحسابات الاستراتيجية، وفي مختلف المجالات، الاقتصادية، والعلمية، والتكنولوجية، بشقيها المدني والعسكري، غير أن إسرائيل بطبيعتها الاصطناعية، والاحتلالية، والعنصرية، حملت بالضرورة بذور نهايتها ، كأي احتلال آخر. حقائق استراتيجية: ثمة عوامل موضوعية وذاتية تحدد قرار الحرب أو السلام، إذ لا يأتي مثل هذا القرار مصادفة ، ولا نتيجة مزاج شخصي لقائد سياسي، أو عسكري، ويوضح استعراض الوضع العام في إسرائيل جملة حقائق، واضحة في الإشارة إلى حقيقة هاجس الحرب والسلام، وأسباب هذا الهاجس ودوافعه، وكان على الاستراتيجيين العرب أن يأخذوا بها في حساباتهم الاستراتيجية، منذ أن أصبحت مؤشرات هذا الهاجس مادة البحث الأساس، في مراكز البحث الإسرائيلية ، والإعلام الإسرائيلي، إن أي قرار إسرائيلي في مجالي الحرب والسلام، يؤثر مباشرة على مجمل الوضع العربي، حتى العالمي، ولا يجوز للعرب أن يتركوا مصيرهم رهن قرار إسرائيلي، لا يأتي إملاءً عربياً، وفيما يلي لمحة عن هذه الحقائق: 1ـ فائض القوة: اعتمدت إسرائيل إستراتيجية أمنية، تضع بالحسبان إمكانية مواجهة شاملة، مع عدة جيوش عربية في آن واحد، فبنت مؤسسة عسكرية، على قاعدة مجمع صناعي ـ حربي، وترسانة حربية ضخمة على هذا الأساس، تفوق حجم «الدولة» جغرافياً وسكانياً، فأصبح لديها فائض قوة، لعب الدور الأساس في تحديد نتائج الحروب التي خاضتها إسرائيل، منذ تأسيسها، وتعزز هذا الفائض مع خروج مصر، والأردن، والعراق من ساحة الصراع، على الأقل عسكرياً، وتحول إلى عامل ضغط، ينذر بانفجار أزمة سياسية ، اقتصادية، اجتماعية، إذا لم يوظف في حروب عدوانية، تعمل على امتصاص هذا الفائض. 2ـ الدور الوظيفي: إسرائيل أصلاً مشروع غربي، امني في جوهر دوافع إقامة هذا المشروع وأهدافه، وتولت إسرائيل دوراً وظيفياً في مواجهة الحضور السوفيتي في منطقة الشرق الأوسط، والمد اليساري والقومي، الذي شهدته المنطقة خلال سنوات الحرب الباردة، بين المنظومتين الاشتراكية والرأسمالية. وقد لاحت في الأفق إمكانية تراجع هذا الدور، مع انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية، واعتماد الولايات المتحدة الأمريكية سياسات التدخل العسكري المباشر، في شؤون المنطقة فعملت إسرائيل على الحيلولة دون هذا التراجع، بتعطيل فرص التسوية الشاملة للصراع العربي –الإسرائيلي، وبإبقاء حالة الصراع مفتوحة، واعتبار أية مقاومة للاحتلال الإسرائيلي إرهاباً، لا يتهدد إسرائيل وحدها، إنما الغرب عموماً، لقد رأت إسرائيل في انتهاء دورها الوظيفي خطراً، يتهدد مبررات الدعم الغربي لها، وحتى مبررات وجودها. 3ـ الغاية الصهيونية: عبرت الحركة الصهيونية عن غايتها الاستراتيجية بشعارات «من النيل إلى الفرات»، و«أرض إسرائيل الكبرى، أو الكاملة، أو التاريخية» ، غير أن واقع الحال أثبت طوباوية هذه الشعارات، واستحالة تحقيق هذه الغاية ، فقد عجزت إسرائيل عن توفير العوامل الضامنة للوصول إلى هذه الغاية، بما فيها العامل الديموغرافي، وتمكن الجانب العربي من الارتقاء إلى مستوى القدرة على الحيلولة دون تجسيد هذه الغاية جغرافياً، رغم كل مظاهر الضعف العربي. انعكست حقيقة العجز الإسرائيلي عن تحقيق الغاية الصهيونية، على الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، فبدأت الدعوات إلى القبول بتحجيم المشروع الصهيوني جغرافياً، واتخذت إجراءات من جانب واحد تعزز هذا التوجه، كالجدار الفاصل / العازل، والحديث عن تحديد حدود «الدولة»، أو ما عرف اصطلاحاً بخطة الانكفاء/ الانطواء، إضافة إلى الاعتراف ، بهذا الشكل أو ذاك، بالشعب الفلسطيني، وحقه في إقامة دولة ما. وحاولت إسرائيل تعويض استحالة المكسب الجغرافي، بالهيمنة على القرار السياسي والاقتصادي في المنطقة، في إطار ما عرف بمشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي طرحه شمعون بيرس، على خلفية تجذر الصمود الفلسطيني في الأرض الفلسطينية ، رداً طبيعياً بالضرورة على محاولات تجذر الاحتلال ، وقد تبنت الولايات المتحدة الأميركية هذا المشروع لاحقاً ، تحت عناوين «إعادة تشكيل المنطقة» ومشروع «الشرق الأوسط الكبير»: و«الجديد» لاحقاً. 4ـ مسألة الردع: لاشك في أن إسرائيل تملك قوة ردع، جعلت منها ثالث أو رابع «دولة» في العالم، من حيث القدرات الحربية، غير أن هذه القوة الهائلة أخفقت في حسم المواجهة مع المقاومة الفلسطينية ، بأشكالها المختلفة، فظهرت معادلة «قوة الضعف في مواجهة ضعف القوة» ، وبدأت قوة الردع الإسرائيلية تتآكل، على خلفية العجز عن تحقيق الحسم، فأصيبت المؤسسة الأمنية بإحباط ، دفع بقادتها إلى إعادة النظر في جدوى هذه القوة، والبحث عن مخرج لهذا المأزق. اعتقدت إسرائيل أن حرباً مدمرة على لبنان، يمكن أن تعيد الاعتبار إلى قوة الردع المتآكلة، وإلى هيبة الجيش الإسرائيلي، ومكانة المؤسسة الأمنية، إضافة إلى التأكيد على تواصل الدور الوظيفي لها في المنطقة، لقد تفاخرت إسرائيل بانتصاراتها العسكرية في الحروب السابقة، وزاودت حتى على الأميركيين، وراهنت غروراً على ترسانتها الحربية، وخبراتها المتراكمة، غير أن القيادة الإسرائيلية لم تستفد من عبر ودروس الانتفاضات الفلسطينية ، ففاتتها مفاعيل عامل الإرادة في معادلة القوة، فجاءت الحرب الأخيرة على لبنان، في تموز من عام 2006، تؤكد تواصل تآكل عامل الردع، على خلفية حتمية بداية العد التنازلي للقوة. صحيح أن إسرائيل تملك ترسانة نووية، غير أن هذه الترسانة مقيدة باعتبارات ، تجعل إمكانية استخدامها شبه محال، إلا إذا تبنت مبدأ «علي وعلى أعدائي»، وهو مبدأ لا يضمن تنفيذه مسألة بقاء إسرائيل، ونستبعد أي خيار نووي، على الأقل لسنوات طويلة، فالجانب العربي أبعد من أن يفكر في محو إسرائيل ، ولعل التبني العربي لخيار السلم أكبر دليل على ذلك ، لقد اعترف العرب بإسرائيل في حدود الرابع من حزيران من عام 1967، وعبروا عن هذا الاعتراف بالمبادرة العربية، التي انطلقت من بيروت عام 2003، وتجددت في الرياض عام 2007. 5ـ نظرية الأمن: اعتمدت نظرية الأمن الإسرائيلية على عدة مبادئ رئيسة، من أهمها ما يلي: أـ هزيمة إسرائيل تعني زوالها. ب ـ العمق الإسرائيلي خط أحمر. ج ـ إدارة المعارك في الأراضي العربية. د ـ الحسم السريع للحروب. هزت المقاومة العربية هذه النظرية ، وأكدت إمكانية تقويضها ، ولاسيما عقب حرب تموز على لبنان في عام 2006، إذ لم تتمكن إسرائيل من حماية عمقها، ومن حسم الحرب خلال ساعات، ولا حتى أيام معدودات، ومن حصر ساحة الحرب فقط في الأراضي اللبنانية، ولاحت في الأفق إمكانية هزيمة عسكرية قاسية، بعد أن أكدت هذه الحرب إمكانية توغل قوات عربية إلى داخل العمق الإسرائيلي، لقد أوضحت هذه الحرب ، على الأقل نظرياً، أن هزيمة إسرائيل ممكنة، إذا ما توفرت استراتيجية عربية، توظف الإمكانات المتاحة ، وهي إمكانات كبيرة جداً. ادعت إسرائيل أنها انتصرت في هذه الحرب، وهي مجرد ادعاء لم يصدقه حتى الشارع الإسرائيلي، إذ يتعلق مفهوم الانتصار، ويتحدد بالأهداف المرسومة للحرب، ويوضح استعراض الأهداف التي كشفت عنها إسرائيل، أن الجيش الإسرائيلي خرج من هذه الحرب خاسراً، وفق مفهوم الانتصار للمفكر الاستراتيجي المعروف كلاوز فيتز، رغم نجاح هذا الجيش في تحقيق إنجازات تكتيكية، في بعض محاور الجنوب اللبناني، وهي إنجازات تعود أصلاً إلى عاملي طبيعة المواجهة ، والفارق الكمي والكيفي في ميزان القوى، وآنية قابلة للتغير بسبب طبيعة المواجهة. حدد كلاوز فيتز ثلاث مراحل لا يمكن الادعاء بالانتصار ، دون تكاملها وهي: أــ تحطيم جيش العدو. ب ـ احتلال الأرض. ج ـ تحطيم إرادة القتال لدى العدو. وفق مسار الحرب، ومجرياتها، ونتائجها، عجزت إسرائيل عن تحطيم وحدات المقاومة ، وتقويض هيكليتها، وآلية عملها، ووسائل اتصالها، وانضباطها، فقد واصلت المقاومة التصدي لقوات الاحتلال، وقصف العمق الإسرائيلي بوتائر عالية، حتى اليوم الأخير، رغم كثافة القصف الإسرائيلي وشدته ووحشيته، كما عجزت عن احتلال الأرض، باستثناء بعض المحاور الحدودية ، وهي محاور بقيت محاصرة، وكان بإمكان المقاومة تطهيرها، لو استمرت الحرب، وكذلك عجزت عن تحطيم إرادة القتال. لقد نجحت إسرائيل في إلحاق الهزيمة العسكرية بالجيوش العربية، وفي احتلال مساحات كبيرة من الأراضي العربية، غير أنها أخفقت في تحطيم إرادة القتال، وبقيت هذه الإرادة فاعلة، حتى لدى الشعوب التي عقدت حكوماتها اتفاقيات سلام مع إسرائيل، وبالتالي لم تتمكن إسرائيل من تحقيق انتصارات عسكرية استراتيجية طوال سنوات الصراع، ولن تتمكن مستقبلاً . 6ـ نظرية الاندماج: حددت الحركة الصهيونية مسالة اندماج المشروع الصهيوني في المنطقة كهدف استراتيجي، وحاولت إسرائيل إملاء هذا الهدف عبر ما عرف بتطبيع العلاقات، وواجه الجانب العربي هذه المحاولة بما عرف بالمقاطعة العربية، وقد نجحت إسرائيل في اختراق المقاطعة العربية بأشكال مختلفة نتيجة تخاذل بعض الحكومات العربية، وقدرة إسرائيل على توظيف بعض الشركات العالمية في مسألة خرق المقاطعة العربية، على أرضية الحاجة العربية إلى التعامل مع هذه الشركات. لقد عجز العرب عن تحقيق مقاطعة شاملة، غير أنهم نجحوا في تحجيم الخرق الإسرائيلي، وجعله دون الآمال الإسرائيلية، وبذلك تمكنوا من إجبار الاقتصاد الإسرائيلي على دفع تكاليف حرمانه من الأسواق العربية وأثبتت الأيام أن مسألة الاندماج محال على الصعيد الشعبي، حتى في ظل التسويات القائمة والمحتملة. لقد مارست إسرائيل سياسات عدوانية، وممارسات لا إنسانية في مختلف جبهات الصراع، ليس من السهل على الزمن أن يمحوها من الذاكرة العربية، حتى ولو تقادم الزمن. 7ـ عامل القيادة: ثمة انطباع يسود الشارع الإسرائيلي، يفيد بأن قيادات مرحلة ما بعد الرواد لا تمتلك ما تميز به الرواد من الصفات الشخصية، وبمعنى ثمة شعور بالافتقار إلى رموز قادرة على مواجهة التحديات، التي تواجهها إسرائيل داخلياً وخارجياً وهو أمر طبيعي، في السياق العام لاملاءات الفراغ، الذي يحدثه عادة غياب الرموز الكبيرة. لقد عاش رموز التأسيس ظروفاً وأوضاعاً كانت لصالحهم، فساعدتهم على تحقيق إنجازات كبيرة، تمثلت في إقامة الدولة والتوسع الجغرافي، والانتقال من مرحلة التقشف إلى مرحلة الرفاه، وواجه رموز ما بعد الرواد متغيرات محلية، وإقليمية، ودولية، تحول دون تحقيق إنجازات، يمكن أن ترفعهم إلى مصافي رموز مرحلة التأسيس، وقد تعزز هذا الشعور بالهزيمة، التي مني بها الجيش الإسرائيلي في الحرب الأخيرة على لبنان. 8ـ الاقتصاد: تجاوز الناتج القومي حدود المئة مليار دولار منذ سنوات، وهو مبلغ ضخم مقارنة مع حجم السكان والثروات الفلسطينية، ويعبر بجلاء عن قوة اقتصادية ضخمة، وبلغ حجم الميزانية العامة لعام 2007 نحو / 71 / مليار دولار، منها نحو / 12 / مليار دولار للميزانية الأمنية، أي ما يعادل نحو 17 % من الميزانية العامة، وقد حققت إسرائيل هذا المستوى بفضل تضافر عدة عوامل منها: الاستثمارات الأجنبية، والخبرة الأجنبية، والمساعدات الاميريكية، بمختلف أشكالها ولا سيما المالية والتسويقية، ومع ذلك يعاني الاقتصاد الإسرائيلي من أزمة عامة، تتخللها أزمات حادة شبه دورية. يعتمد الاقتصاد الإسرائيلي بشكل أساس على الأسواق الخارجية، وشركات المؤسسة الأمنية، مما يجعل هذا الاقتصاد هشاً، رغم قوته الظاهرية، إن أي خلل في الاقتصاد العالمي، يؤدي إلى تحجيم الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل، وميزان المدفوعات، يمكن أن يفجر أزمة وجودية في إسرائيل، كذلك يضع إنهاء الصراع المجمع الصناعي – الحربي أمام أزمة حادة، ستنعكس تداعياتها سلباً على المجال الاجتماعي، إذ يشكل هذا المجمع العماد الأساس للاقتصاد الإسرائيلي. 9ـ في المجال الاجتماعي: حرصت السياسة الإسرائيلية على استبعاد أي شكل من أشكال الصراع الطبقي من خلال التلويح الدائم بخطر عربي، يستهدف الوجود اليهودي، ومؤسسات تحول دون بروز هذا الصراع، كالهستدروت مثالاً لا حصراً، ونجحت إلى حد ما في استيعاب المسألة الطبقية، في إطار العقيدة الصهيونية، رغم وجود مظاهر طبقية المجتمع. بلغ عدد العاطلين عن العمل في عام 2005 نحو / 450 / ألف شخص، بين بطالة كاملة وجزئية، أي ما يعادل 16.4 % من إجمالي القوى العاملة، وهي نسبة عالية، تعبر عن أزمة اقتصادية، وتراجعت نسبة العاطلين عن العمل الذين يحصلون على مخصصات البطالة من 40 % في عام 2001 إلى 20 % في عام 2004، وازداد عدد الفقراء، حتى بلغ عددهم في أواخر عام 2005 نحو / 1.6 / مليون شخص. وازدادت الفجوة الاجتماعية، حتى وصلت إلى درجة غير مسبوقة، فقد ارتفعت حصة العشر الأعلى، من أصحاب الدخل من 34.3 % في عام ألفين، إلى 34.7 % في عام 2005 ، في حين تراجعت حصة الأعشار الخمسة الدنيا، أي نصف أصحاب المداخيل من 15.4 % إلى 14.2 % خلال هذه الفترة، وهذا يعني أن مداخيل العشر الأعلى أصبح في نهاية عام 2005 أكبر من مداخيل نصف الأجرين بحوالي 244%. ويتزامن تدهور الوضع الاجتماعي باتساع ظاهرة الفساد، فقد كثرت فضائح الفساد السلطوي، من السرقة، إلى الاختلاس، تبييض الأموال العامة، إلى المحسوبية في التعيينات، فالتحرش الجنسي، إضافة إلى ارتفاع نسبة الجريمة، بمختلف أشكالها وأنواعها، واتساع ظاهرة العنف داخل الأسرة، إلى درجة أثارت المخاوف من انهيار المجتمع. 10ـ في المجال الثقافي: كان المجتمع الإسرائيلي مجتمع تقشف في خمسينيات القرن العشرين، وأصبح مجتمع وفرة ورفاه في تسعينيات هذا القرن، وانعكس هذا التحول على الثقافة الصهيونية فقد تراجعت الثقافة التأسيسية للرواد الأوائل، وبدأت ثقافة ما بعد الصهيونية تصعد باستثناء الثقافة الحريدية، المتدينة، المتزمتة. تختلف ثقافة ما بعد الصهيونية عند الثقافة الصهيونية التأسيسية، بطابعها الليبرالي، الفرداني، الاستهلاكي، وهي ثقافة عامة تتجلى في وسائل الإعلام، والفن، والأدب، والتاريخ، وحتى الأركيولوجيا، وتعبر عن توجه جديد مقارنة مع نظرية «بوتقة الصهر» التي تبنتها الصهيونية التأسيسية، لقد أكدت الدراسات الإسرائيلية الأخيرة تراجع الصهيونية الجمعية، التي اعتمدت في استقطاب اليهود، على التلويح المتواصل بخطر الفناء والمحرقة. تنتقد الثقافة الجديدة النزعة «القومية» اليهودية وتدعو إلى التعددية، ولعل موقف المؤرخين والآركيولوجيين الجدد من أوضح الأمثلة على هذا التحول، فقد أعاد المؤرخون الجدد النظر في الرواية الصهيونية لتاريخ قيام إسرائيل، وطالبوا بالاعتراف بالنكبة وتداعياتها في الساحة الفلسطينية، وانتقدوا هذه الرواية، وشككوا بعدد من وقائعها، ونفى الآركيولوجيون الجدد كل المزاعم الصهيونية، في كل ما يتعلق بحجم، وجغرافية الوجود اليهودي القديم في فلسطين، حتى إنهم نفوا وجود مملكتي داوود وسليمان، وأكدوا على أن هذا الوجود إن كان لا بد منه، فهما ممالك مدن لا أكثر، وقد انضم إلى هذه الثقافة العديد من جمعيات المجتمع الأهلي المدني، ولا سيما في مجال الدعوة إلى التعددية الثقافية، والدفاع عنها. 11ـ في المجال الديموغرافي : أجمعت الدراسات الإسرائيلية على أن إسرائيل أمام حقيقة ديموغرافية قيد التبلور، تهدد وجود إسرائيل كدولة يهودية. فقد أكدت هذه الدراسات أن الميزان الديموغرافي في فلسطين، سوف يميل لصالح العرب بعد عدة عقود، بحكم فارق النمو السكاني، ليصبح اليهود أقلية في فلسطين، مع بدايات النصف الثاني من القرن الحالي، وقد أثارت هذه الحقيقة ردود فعل قوية في الأوساط الإسرائيلية، عبرت عنها مواقف متباينة حول سبل مواجهة هذه الظاهرة، منها على سبيل المثال: الدعوة إلى الترانسفير، أي تهجير عرب 1948، ومشروع تبادل السكان. * تسوية / سلام بالضرورة توضح دراسة هذه الحقائق ومؤشراتها أن إسرائيل تشهد تغيرات، تتراكم على أرضية الإخفاق الشامل للمشروع الصهيوني، وتتفاعل بالضرورة على طريق تحولات، تملي على النخبة الإسرائيلية انتهاج سياسات، تأخذ بالحسبان واقعاً متغيراً، باتت مؤشراته لصالح الجانب العربي، بشكل أو بآخر. كما توضح أن جميع هذه الحقائق تضغط في اتجاه البحث عن حل سلمي للصراع، ففائض القوة عاجز عن القيام بدوره، وبالتالي يتواصل تآكل الردع ولا تستطيع إسرائيل الاستمرار في دورها الوظيفي، استناداً إلى عامل القوة العسكرية، ولا يمكن دون حل سلمي، تأمين فرص الاندماج في المنطقة، ومعالجة أزمات الاقتصاد الإسرائيلي، وتداعياتها في المجال الاجتماعي، كما لا يمكن العودة إلى مرحلة التقشف، و « بوتقة الصهر» من أجل وقف التحولات التي تشهدها الساحة الثقافية، لقد انتقل المجتمع الإسرائيلي إلى مرحلة الرفاه، وهي مرحلة تفرز بالضرورة ثقافة جديدة، تميل إلى خيار السلم، وكذلك فإن خيار القوة أعجز من أن يحل المشكلة الديموغرافية. * في الموقف الإسرائيلي الراهن: تضع هذه الحقائق ومؤشراتها إسرائيل أمام خيارين لا ثالث لهما، يتمثل الأول في مواصلة سياسات التوسع والعدوان، رغم انسداد الأفق في وجه هذه السياسات، وتداعياتها السلبية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وبروز إمكانية التعرض لهزيمة عسكرية، يمكن أن تشكل بداية النهاية لإسرائيل، في حين يتمثل الثاني في التوصل إلى تسوية، ينتهي الصراع العربي – الإسرائيلي بموجبها. ويبدو من استعراض المواقف الإسرائيلية وجود تيارين يتبنى كل تيار واحداً من هذين الخيارين، ويسوق مسوغات تعزز رأيه، ويوضح استعراض هذه المسوغات وجود قاسم مشترك بين التيارين، يتمثل في هدف مركزي، يتمحور حول ضمان مسألة بقاء إسرائيل وتواصلها مستقبلاً، ضمن حدود عام 1948 المعدلة . لقد أدركت النخبة الإسرائيلية بمختلف مستوياتها السياسية والعسكرية ـ الأمنية والفكرية، أن استمرار الصراع، يمكن أن يفتح المجال واسعاً لانهيار إسرائيل، بفعل العامل الخارجي، وتداعياته في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمعنوية. ويكمن الفرق بين التيارين، في أن الأول يعتقد واهماً بالتفوق، أن خيار القوة، يمكن أن يفرض املاءات تضمن مسألتي البقاء والاندماج، في حين يعتقد الثاني بإمكانية استغلال التفوق الحالي في ميزان القوى في فرض هذه الاملاءات. * في المحصلة: بات المجتمع الإسرائيلي يميل إلى القبول بتحجيم الحلم الصهيوني جغرافياً، لاعتبارات عدة، لعل من أهمها: العجز الإسرائيلي عن حسم الصراع عسكرياً، وبروز قوى في ساحة الصراع، قادرة على تحجيم الردع الإسرائيلي، وتوفر إمكانية الوصول إلى العمق الإسرائيلي، قصفاً واقتحاماً ، وتبلور قناعة دولية بوجود علاقة ترابطية بين الصراع العربي – الإسرائيلي وما عرف اصطلاحاً بالإرهاب، وبالتالي الضغط في اتجاه حل الصراع سبيلاً لمعالجة تداعيات استمراره، إضافة إلى العجز الأميركي عن الهيمنة على الشرق الأوسط، وتداعيات هذا العجز على الموقف الإسرائيلي. لقد اكتشف العديد من قادة إسرائيل، أن حسم الصراع عسكرياً بات محالاً، وتحديداً منذ انتفاضة الحجارة، وتعززت هذه الرؤية، مع نتائج الحرب الأخيرة على لبنان، في تموز من عام 2006، وتداعياتها، غير أن هذا لا يعني في المطلق أن إسرائيل تنازلت عن خيار الحرب، فهناك قوى لا تزال أسيرة أوهام التفوق في ميزان القوى، وتضغط في اتجاه شن حرب مدمرة على سورية ولبنان حتى إيران، لإعادة الاعتبار للردع الإسرائيلي، وترى في الاستمرار في سياسات العدوان والتوسع سبيلاً وحيداً لضمان بقاء إسرائيل بطابعها الصهيوني . وإن كانت إسرائيل ككيان احتلالي، استيطاني، تحمل بذور نهايتها، فإن هذه البذور لا يمكن أن تنمو، دون تفعيل مقومات وعوامل تخصيبها، ومن هنا جاءت ضرورية استراتيجية عربية ، تأخذ بالحسبان مؤشرات الواقع الإسرائيلي، وتهدف إلى تفعيل الحقائق الاستراتيجية الأنفة الذكر لصالح الموقف العربي، والى تجسيد التوازن في معادلة القدرات والهدف العربية، وقد أصابت سورية حين أعلنت أن السلام بقوة الدبلوماسية هو خيارها الاستراتيجي، وأكدت في الوقت نفسه أن التمسك بهذا الخيار لا يعني التنازل عن دبلوماسية القوة، وبمعنى أن خيار السلام لا يمكن أن يأخذ مداه دون قوة رادعة ، بشموليتها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |