مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 30 السنة العاشرة صيف 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الإعلام الإسرائيلي أثناء الحرب العدوانية على لبنان وصورة المقاومة في الإعلام الإسرائيلي ـــ تحسين الحلبي "مختص بالشؤون الإسرائيلية"

واجه الإعلام الصهيوني منذ ظهور وسائله الأولى، وتحديد أساليب عمله وخطابه الإعلامي بعد صدور كتاب هرتزل دولة اليهود عام 1896، وانعقاد أول مؤتمر صهيوني عالمي عام 1896، وانعقاد أول مؤتمر صهيوني عالمي عام 1897 سلسلة تحديات وصعوبات لم يستطع التغلب على بعضها في مجرى نشاطه التاريخي ومراحل عمله المتعددة، وبالاستناد إلى الأهداف السياسية المرحلية والاستراتيجية التي حددتها قيادة الحركة الصهيونية، وضع قادة الحركة استراتيجيتهم الإعلامية وبرنامج عملها المرحلي، وكان من أبرز وألح مهامه سياسياً وإعلامياً تهجير أكبر عدد من اليهود إلى فلسطين؛ وبكل طريقة ممكنة، وربط الحركة الصهيونية بالمصالح السياسية لقوى الاستعمار التقليدية مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.‏

وفي تلك المرحلة التي امتدت عشرين عاماً (1897) حتى عام (1917) لم يستطع الإعلام الصهيوني، ووسائل دعايته المنتشرة في أوروبا والولايات المتحدة تحقيق أي نجاح في دفع اليهود في تلك الدول، وهم العنصر البشري الأساسي في المشروع الصهيوني إلى الهجرة إلى فلسطين، مثلما لم يستطع تحقيق أي نجاح في استمالة الرأي العام لمصلحة مشروعه.‏

وكان المظهر الأول لنجاح الحركة الصهيونية قد جاء في عام (1917) نفسه؛ بصدور تصريح بلفور الشهير والوعد الرسمي الذي قطعته بريطانيا لقادة الحركة الصهيونية بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين.‏

لكن هذا الوعد الذي شكل أول نقطة انعطاف هامة دولية ومحلية في علاقات الحركة الصهيونية بالدول الاستعمارية؛ وبمشروعها الاستعماري الاستيطاني، لم يكن وليد نشاط إعلامي صهيوني ناجح بقدر ما كان وليد علاقات سياسية، وتبادل مصالح بين حركة استعمارية صهيونية ناشئة كانت تبحث عمن يتبنى دورها؛ وبين قوة استعمارية كبرى أصبحت صاحبة القرار في عظم أرجاء الوطن العربي...‏

وعلى الرغم مما توفر لوسائل الإعلام والدعاية الصهيونية من دعم وانتشار دولي بعد الانتداب البريطاني على فلسطين، وبداية تنفيذ المشروع الصهيوني على أرض فلسطين؛ إلا أن الإعلام الصهيوني ظل عاجزاً عن إقناع قواه البشرية اليهودية بالهجرة واستعمار فلسطين... فقد أشارت جميع الإحصاءات المحايدة والموضوعية إلى عدم ازدياد عدد اليهود داخل فلسطين منذ الهجرة الأولى عام 1919؛ التي تشكلت من يهود روس ويهود من أوروبا الشرقية حتى عام (1931) إلا بنسبة قليلة جداً، وتشير إحصائية ظهرت في موقع (ميديل إيست ويب) تحت عنوان «سكان فلسطين في العهد العثماني والانتداب البريطاني» إلى أن نسبة اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين ما بين عام (1930) وعام (1939) لا تزيد عن ثلاثين إلى أربعين ألفاً؛ علماً أن عدد اليهود في أوروبا في ذلك الوقت كان يزيد على أربعة أو خمسة ملايين ومع ذلك لم يبد الكثيرون منهم الرغبة بالهجرة إلى فلسطين.‏

وتؤكد الإحصاءات المحايدة وجود ما يزيد على (660) ألفاً من الفلسطينيين في عام (1922) بموجب تقارير بريطانية ووجود (83) ألفاً من اليهود، بموجب إحصاء أجرته سلطة الانتداب في العام 1922 نفسه، وبلغ عدد العرب الفلسطينيين بموجب إحصاءات بريطانية ودولية حتى عام (1939) بـ(900) ألف مقابل (200) ألفٍ من اليهود؛ بسبب ازدياد عدد اليهود الذين تم تهجيرهم من دول أوروبا الشرقية بسبب أوضاعها السياسية والاقتصادية السيئة، وخصوصاً رومانيا ودول الاتحاد السوفيتي، فلم يكن النشاط الإعلامي الصهيوني رغم سعة انتشاره بين يهود العالم هو الذي يلعب الدور الرئيس والمركزي في دفع اليهود إلى الهجرة، بقدر ما كانت الظروف الاقتصادية والسياسية السيئة التي عانت منها بعض دول أوروبا هي التي تلعب الدور الأساسي، واستغلال قادة الحركة الصهيونية لهذه الظروف بمساعدة قادة أوروبيين كان من بينهم قادة النازية الألمانية قبيل الحرب العالمية الثانية؛‏

ولم تتمكن الحركة الصهيونية من دفع عشرات ومئات الآلاف من اليهود إلى فلسطين بعدَ الحرب العالمية الثانية ونتائجها المدمرة على شعوب أوروبا إلا بعد اتفاقها مع قوات الحلفاء على عدم إعادة اليهود الأوروبيين الذين هجروا مدنهم وقراهم وممتلكاتهم أثناء الحرب إلى الدول التي كانوا يعيشون فيها.‏

وهذا ما أشارت إليه مراكز بحث كثيرة ويهود أمريكيون كان من بينهم إسرائيل شاحاك وبيني موريس، والبروفسور (نورتن ميز فينكسي) الذي ذكر في أكثر من مناسبة ودراسة أن وايزمان وبن غوريون اتفقا مع الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية عام (1945) على إعطاء الحركة صلاحية إدارة شؤون اليهود الأوروبيين؛ الذين تم حشدهم في مخيمات اللاجئين في النمسا وقرب حدود إيطاليا للعمل على تهجيرهم إلى فلسطين بكل وسائل الإكراه والقوة... بل إن شمعون بيريس السياسي الإسرائيلي الشهير كان قد اعترف في جلسة للبرلمان الإسرائيلي قبل أعوام قليلة بمناسبة ميلاد هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية بأن الحركة الصهيونية لم تستطع خلال ثلاثين عاماً من مؤتمرها الأول إلا تجنيد (5000) يهودي فقط.. ومنذ قيام دولة إسرائيل بعد حرب عام 1948 حددت القيادة الإسرائيلية للإعلام الإسرائيلي والصهيوني ثلاثة اتجاهات؛ يتعين عليه تحقيق الأهداف الإسرائيلية والصهيونية المطلوبة فيها.‏

1ـ الإعلام الموجه إلى الجمهور الإسرائيلي ويهود العالم من أجل تحقيق صمود وتعزيز قوة جبهة إسرائيل الداخلية والثقة بينها وبين الحكومة وقادة إسرائيل، وتحقيق التضامن المادي والسياسي الدائم بين يهود العالم وإسرائيل لزيادة المهاجرين إليها.‏

2ـ الإعلام الموجه إلى جمهور الرأي العام العالمي ومؤسساته في مختلف أنحاء العالم؛ من أجل دعم شرعية الدولة اليهودية والدفاع عن سياستها وضمان استمرار وجودها..‏

3ـ الإعلام الموجه إلى الجمهور العربي وشن حملات الحرب النفسية الإسرائيلية ضده؛ من أجل إرهابه وزعزعة الثقة بنفسه وبقدراته الثورية وبمستقبله.‏

وهذا تماماً ما يؤكده (ناحمان شاي) أهم شخصية إسرائيلية سياسية وعسكرية عملت في الإعلام الإسرائيلي والصهيوني منذ سنوات كثيرة، حين كان ناطقاً رسمياً باسم الجيش الإسرائيلي ورئيساً لهيئة عليا للتوجيه الإعلامي، أثناء أزمات وحروب إسرائيل، يقول (شاي) في ندوة أقامتها لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست في كانون الثاني (2007) للبحث في الأداء الإعلامي الإسرائيلي أثناء حرب تموز (2006) ضد قوات حزب الله (أرفق لكم جزءاً من تسجيلها كما بثتها قناة البرلمان الإسرائيلية بالعبرية)..‏

«إن المعركة من أجل تحقيق أهدافنا الإعلامية ومن أجل إقناع جمهورنا تجري على قدم وساق، وتستعين بوسائل وآراء وتنشر معتقدات موجهة نحو أوسع نطاق من الجمهور المؤلف من ثلاثة أنواع أو اتجاهات:‏

الأول نحو جمهورنا الإسرائيلي، والثاني نحو الجمهور العربي والفلسطيني أي جمهور العدو، والثالث نحو جمهور الرأي العام العالمي وخصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا».‏

سوف يركز هذا البحث على العنوان نفسه الذي وضع له وهو:‏

«الإعلام الإسرائيلي أثناء الحرب العدوانية على لبنان وصورة المقاومة في الإعلام الإسرائيلي»، أي الإعلام الإسرائيلي وأداؤه تجاه جمهور الجبهة الخلفية الإسرائيلية بشكل رئيس، وتجاه الجمهور العربي والرأي العام العالمي أثناء الحرب العدوانية على قوات حزب الله في لبنان.‏

أصبح من المؤكد وجود اعتراف متزايد منذ أول حرب واسعة جرت في المنطقة العربية، وهي حرب الخليج الأولى 1990 ـ 1991 ضد العراق بأن الإعلام وتأثيراته المتنوعة على اتجاهات الحرب وسيرها تحول إلى سلاح رئيس وبالغ الأهمية في أي حرب مقبلة... فقد كانت حرب الخليج الأولى أول حرب نجحت وسائل الإعلام المرئية عبر القنوات الفضائية بعرض الكثير من مجرياتها ومعاركها على المشاهدين في مختلف أرجاء العالم، وكأنهم أصبحوا في منطقة الحدث وحرارته وتأثيراته نفسها بشكل حي ومباشر.‏

فالتطور المتسارع نوعاً وكماً في وسائل الاتصالات وما نتج عنها من ابتكارات واختراعات والثورة التكنولوجية في عالم الرقميات والانترنت والأقمار الصناعية؛ وضع أمام البشرية قنوات فضائية مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات جعلتها قادرة على رؤية مساحة مهمة من أحداث هذا العالم وحروبه الحديثة في أي بقعة كانت وبشكل (حي) مباشر، وهكذا ازداد مصطلح توسع الدور الذي يقوم به البث والعرض الحي وفرضت عبارة (لايف) بسبب ما توفره جمهور المشاهدين من أخبار سياسة وتطورات لحظة بلحظة، وكانت وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية من بين أوائل من وظف هذه الثورة في الاتصالات، ووفر لها مهمة الناقل والمحلل لأحداث وحروب كثيرة في هذا العالم فقد أصبحت القناة الفضائية (سي إن إن) وما تعرضه على مدار (24) ساعة يومياً شاشة تزود المشاهد في كل منطقة تتوفر فيها وسائل الاستقبال بكل ما ترغب بنقله من أرض الحرب في الخليج، وتؤثر على قناعاته واهتماماته... وشكل هذا الانتقال الإعلامي من دور الكلمة المسموعة عبر الإذاعة إلى دور الصورة التي يشاهدها الجمهور بشكل واقعي في نفس لحظة وقوع الحدث ثورة حولت الصورة إلى أهم مؤثر إعلامي تحمله وسائل الإعلام المرئية إلى كل الأرجاء، وتحول هذا العالم إلى قرية صغيرة بموجب ما يجمع عليه الكثيرون في هذا العصر.‏

ففي حرب الخليج عام 1991 لم يكن هناك سوى قناتين فضائيتين أمريكيتين تنقلان بشكل حي ومباشر أحداث الحرب على مدار الساعة؛ إضافة إلى بعض القنوات الأوروبية، وقبيل وفي أثناء الغزو الأمريكي للعراق في 2003 أصبح عدد القنوات الفضائية التي نقلت مجريات وأحداث العدوان الأمريكي ساعة بساعة وبشكل مباشر (حي) بالعشرات، وكانت المئات بل الآلاف من القنوات الفضائية الأخرى تنقل عن تلك القنوات بشكل يومي وحي أيضاً، ما وفر لمعظم أفراد البشرية مشاهدة وقائع الحرب بمآسيها ومظاهر العدوان، وما تسبب به من دمار وقتل ومظاهر التحدي والمقاومة ومواقف البطولة والتصدي صورة بصورة.‏

وتحول التنافس الإعلامي للتأثير على وعي ورأي المشاهدين أو كسب تعاطفهم إلى حالة لم تعهد لها البشرية مثيلاً لا بسبب الانتماءات السياسية المختلفة لمؤسسات القنوات الفضائية وتنافسها. فحسب، بل وبسبب رغبة الإعلاميين أنفسهم وقنواتهم بتحقيق السبق الإعلامي أيضاً؛ ومع تطور وانتشار الإنترنت والحواسيب المحمولة أصبح الصحفيون ورجال الإعلام والتصوير قادرين على توظيف الكاميرات والحواسيب معاً، وعلى إرسال معلوماتهم بشكل فوري بالاستعانة بتكنولوجيا صحون الأقمار التي يمكن حملها، وكذلك عن طريق الهواتف التي تنقل الصورة. وأصبح في مقدورهم نقل ما يرغبون مباشرة وبشكل (حي) من التلال أو الخنادق ومن بين صفوف المقاتلين ومجريات عملياتهم.‏

ويؤكد (مارفين كالب) من مركز (شوريشتاين سنتر) في جامعة (هارفارد) الأمريكية في دراسة نشرها في شباط (2007) أن وسائل الاتصالات الحديثة المتطورة جعلت وسائل الإعلام تنتج أثناء حرب تموز 2006 أول «مشاهد حية لأول حرب حية في التاريخ»، وفي الوقت نفسه يقول (ناحمان شاي) في مداخلة أمام جلسة الخارجية والأمن التابعة للكنيست حول الأداء الإعلامي الإسرائيلي في حرب تموز 2006:‏

«إن تطور وسائل الاتصالات وأجهزة الهاتف النقال وتكنولوجيات الرقميات (ديجتال) خلق عالماً إعلامياً جديداً عالماً نتمتع بميزاته لكننا نخشى علاقاته ووزنه، فالمعركة انتقلت إلى ساحة إعلامية يسعى كل طرف داخلها إلى تحقيق انتصاره الإعلامي، وفي إقناع الجمهور بأنه الطرف المنتصر، ودولة إسرائيل لا يمكن أن تسمح لنفسها بخسارة أي معركة إعلامية، ولا تسمح أن ينافسها أي طرف على كسب وعي ورأي جمهورها الإسرائيلي فأهمية الحرب الإعلامية في إسرائيل هي نفس أهمية الحرب التي تجري في ميدان القتال بيننا وبين الأعداء. ونحن لا يمكن أن نسمح لجبهتنا الخلفية بالتعرض للهجمات، ولا نقدم للجمهور في داخلها ما يجعله يدرك ويستوعب ضرورة الصمود أمام الأخطار، فنحن لا نستطيع المحافظة على استمرار صمودنا إذا لم نخلق لدى عدونا إحساساً بالخوف لكي نتمكن من ردعه عن الاعتداء علينا؛ مثلما لا نستطيع ضمان استمرار وجودنا إذا لم نحقق لأنفسنا تأييداً وتفهماً وشرعية لكل ما نقوم به من عمليات عسكرية أمام الساحة الدولية فهذه، جميعها ضرورات أساسية لوجود إسرائيل».‏

لقد حدد العقل الإعلامي الإسرائيلي من خلال هذا النص الذي ألقاه شاي في جلسة رسمية أمام لجنة برلمانية مكلفة باستخلاص دروس وعبر، وأسباب فشل الإعلام الإسرائيلي أثناء حرب تموز 2006 أهم نقاط ضعف هذا الكيان الإسرائيلي وطبيعة العوامل التي تربط نسيجه، فالتركيبة البشرية الإسرائيلية وطبيعة مصالحها من هذا الكيان لا تمكنها من الصمود والبقاء في جبهتها الخلفية إذا استمرت غارات عسكرية عليها، وعجز الإعلام الإسرائيلي عن إقناعها بقدرة الجيش الإسرائيلي على إيقافها، وإذا ما لجأ الجيش إلى الإفراط في استخدام القوة العسكرية من أجل ردع المقاومة وإرهابها فسوف يتسبب بزيادة الدمار والضحايا في الجبهة المقابلة (جبهة لبنان)، وانتقال المشاهد والصور الحية لهذا الدمار وإلى العالم من خلال وسائل الإعلام الحديثة سيدفع الرأي العام العالمي إلى التنديد بما تقوم به إسرائيل العدوانية إلى زعزعة مقومات شرعيتها الدولية، وهذه المعضلة الإسرائيلية ما بين ضرورة ارتكاب المجازر الوحشية ضد العرب لتحقيق سياسة الردع، وما بين قدرة وسائل الإعلام الحية على فضح هذه السياسة الوحشية كان من المحتم أن لا تتمكن من حلها والتغلب على آثارها ومضاعفاتها في حربها العدوانية الأخيرة. وبمزيد من التفصيل لقد بدا واضحاً أن إسرائيل كانت تواجه معضلتين معقدتين: المعضلة الأولى ما بين ضرورة إقناع جمهور الجبهة الخلفية بقدرة الجيش الإسرائيلي، وبالثقة بإمكاناته على تحقيق الانتصار بساعات أو أيام قليلة لكي تدفعه إلى التحمل والصمود وعدم الرحيل من قرى ومدن الشمال إلى الجنوب، وما بين عجزها عن تحقيق ذلك بسبب استمرار قصف قذائف حزب الله من ناحية، وبسبب الأداء الإعلامي الذي نفذه حزب الله مترافقاً مع هذا القصف وما قبله وما بعده بمصداقية قل نظيرها في مختلف وسائل الإعلام تاريخياً من الناحية الأخرى.‏

وكانت المعضلة الإسرائيلية الثانية ما بين ضرورة ارتكاب إسرائيل للمجازر الوحشية ضد المدنيين لتحقيق سياسة الردع؛ وهو ما اعتادت على اللجوء إليه في مختلف حروبها، وما بين قدرة وسائل الإعلام الحية على نقل مشاهد حية لهذه الوحشية بأقسى صورها إلى جميع أنحاء العالم.. وعلى جبهة الإعلام الإسرائيلي الموجه إلى اللبنانيين وقوات حزب الله بشكل خاص؛ وإلى الجمهور العربي بشكل عام لم تستطع الحرب النفسية الإسرائيلية تحقيق أدنى نجاح لها رغم استماتة القائمين على توجيه برامجها ودعايتها في محاولاتهم لزعزعة الثقة بين قيادة حزب الله وجماهيرها وجماهير لبنان لأسباب كثيرة أهمها:‏

1ـ الثقة التي ترسخت بين قيادة حزب الله وبين جمهوره اللبناني من خلال سجل تاريخي نضالي طويل؛ تمسك من خلاله بأهداف جماهير لبنان وحقق مصداقيته الحاسمة في تحرير الجنوب عام (2000)، وإجبار قوات لاحتلال الإسرائيلية على الانسحاب منه دون قيد أو شرط..‏

2ـ مظاهر الفزع الإسرائيلية على جبهة القتال وفي الجبهة الخلفية؛ التي كانت وسائل إعلام حزب الله من قناة المنار إلى إذاعة النور ومواقع الإنترنت الأخرى امتداداً للقنوات العربية الأخرى السورية والقطرية (الجزيرة) وغيرها تعرضها فتزيد من الثقة بإمكانية هزيمة العدوان...‏

وهذا تماماً ما أكده بشكل ما البروفسور (رؤبين آليخ) الذي كان ضابطاً رفيع المستوى في أجهزة المخابرات في السابق، وأصبح مديراً لمركز «موديعين نيغيد تيرور» (المركز المعلوماتي للحرب ضد الإرهاب) التابع لمركز أكبر منه يسمى «موريشيت هامود يعين» (مركز التراث المخابراتي والإعلامي) يرأس إدارته (إفرايم هاليفي) رئيس (الموساد) (جهاز التجسس المهام الخاصة) الإسرائيلي السابق..‏

يقول البروفسور آرليخ في مداخلته في جلسة لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست لمناقشة أسباب الفشل الإعلامي الإسرائيلي في حرب تموز 2006: «وفي حربنا ضد قوات حزب الله وجدنا أنفسنا بحاجة ملحة لنيل تعاطف من الجمهور اللبناني والدول العربية ضد حزب الله، وأسقطنا لهذا السبب منشورات فوق قرى ومدن لبنانية، وكنا نعرف سلفاً أنها لن تحمل تأثيرات سلبية في صفوف الجمهور اللبناني، لكننا أدركنا أن توزيعها يخدم غايتنا أمام الرأي العام» (كانت المنشورات الإسرائيلية تدعو الجمهور اللبناني إلى الرحيل وإفراغ المدن والقرى من سكانها بحجة تجنيب اللبنانيين القتل والدمار) أما الغاية التي سعى مركز (آرليخ) إلى تحقيقها فهي بموجب ما يقول: «لقد أردنا كسب تعاطف وتأييد الرأي العام العربي، لأن العالم بدأ يشاهد على شاشات القنوات الفضائية العربية والأجنبية لبنانيين تحت الدمار ولبنانيين آخرين يحملوا جنسيات غربية (كندية وفرنسية وأمريكية) بصورة لاجئين بعد دمار بيوتهم وقراهم وهذا ما ألحق بنا أضراراً وأفشل حربنا الإعلامية».‏

وأقر آليخ في مداخلته الرسمية بأن الخطاب الإعلامي الإسرائيلي ومعلوماته كانت تتناقض مع بعضها البعض أثناء حرب تموز 2006 وقال معترفاً بالعجز: «وحول المعلومات الإعلامية والوسائل الإعلامية المستخدمة وجدنا أن إسرائيل لم تكن تواجه قناة (المنار) والقنوات الفضائية العربية المعادية الأخرى التي كانت تدخل كل بيت، بل كان ينبغي عليها مواجهة عشرات مواقع الإنترنيت المفتوحة بلغات كثيرة تندد بإسرائيل، وتعرض ما تشاء فيها من اتهامات، ولذلك كان على إسرائيل إعداد وسائط التصدي الإعلامية المطلوبة من مواقع إنترنت وفضائيات قبل فترة من تلك الحرب وليس أثناءها وبلغات كثيرة».‏

ويحدد البروفسور (آرليخ) في مقدمة مداخلته الرسمية طبيعة المهمة المطلوب تحقيقها تجاه الجبهة الخلفية جبهة المحافظة على صمود الجمهور الإسرائيلي قائلاً: «أفضل التركيز على ضرورة استخدام الاصطلاحات المهمة في الإعلام، وفي أي حملة إعلامية نهدف من خلالها إلى كسب وعي ومشاعر الجمهور الإسرائيلي عن طريق الدعاية والتوعية والاهتمام بالتأثير من خلال الصورة المرئية، فالحملة الإعلامية هدفها في النهاية خلق تأثير إيجابي على وعي ومشاعر جمهورنا الإسرائيلي وتوحيدها وعرض الصورة السلبية للعدو بالطبع... وفي ميدان المعركة الإعلامية هنا جبهة القتال والجبهة السياسية والجبهة الإعلامية لكسب تأييد ووعي جمهورنا وهذه كلها تتأثر ببعضها البعض فالفشل في جبهة القتال ومعاركها لا بد أن يحمل تأثيراته بشكل طبيعي على ميدان المعركة الإعلامية الموجهة لكسب وعي جمهورنا وحين يتحقق نجاح في جبهة القتال فإنه قد لا يظهر أمام جمهورنا إذا ما كنا فاشلين في معركتنا الإعلامية على كسب وعي ومشاعر هذا الجمهور في الجبهة الخلفية» لكن آريخ وغيره من المختصين الإسرائيليين تجاهلوا في دراساتهم تسليط الضوء على بنية هذا الجمهور الإسرائيلي في الجبهة الخلفية وطبيعة بنيته النفسية والاجتماعية والقيم الأساسية التي تؤثر في سلوكه وتصرفاته، وتحدد مدى قدرته على التحمل والصمود في ظروف تتطلب منه دفع ثمن قد يكون حياته وممتلكاته أو استقراره الاقتصادي والمادي...‏

ولا شك أن العوامل الأساسية التي تحدد مدى ودرجة صمود وتحمل شعب أو جمهور ما في جبهة المؤخرة عند تعرضها للقصف الجزئي؛ أو شبه الشامل المستمر أو المتقطع نتيجة أي حرب، وما يرافقها من حملات إعلامية تختلف من جمهور لآخر ومن جبهة خلفية وأخرى.‏

ويمكن تحديد هذه العوامل بشكل موضوعي عبر العناوين العريضة التالية:‏

1ـ العامل الديموغرافي والمساحة الجغرافية، وطبيعة الجوار الإقليمي.‏

2ـ عامل التطور الاقتصادي ومستوى المعيشة ودخل الفرد والرفاه والتطلعات المادية..‏

3ـ مدى الإيمان بالقدرة العسكرية على الردع وتحقيق الانتصار بأقل ثمن، وبصدقية الحرب والمجابهة ومدى الاقتناع والتصديق بعدم وجود بدائل لها ولآثارها السلبية على الجبهة الداخلية.‏

4ـ طبيعة القيم العامة الاجتماعية التي تسود ومدى التوافق معها أو الالتزام بها.‏

5ـ عامل الاستقرار السياسي للحكم وطبيعة القوى المشاركة فيه والمعارضة له، ومصالح الأحزاب ومدى تطابق تطورات الحرب مع مصلحة استمرار الثقة البرلمانية والشعبية بالحكومة.‏

وبمقاربة هذه العوامل على وضع الجبهة الخلفية لإسرائيل في أعقاب المجابهة التي بدأت في 12/7/2006، يمكن الاستنتاج بأن الجبهة الخلفية «المؤخرة» في إسرائيل ظهر فيها أكثر نقاط الضعف المؤكدة في هذه الحرب، وذلك للأسباب الموضوعية التالية والمعلومات المتوفرة والصحيحة لما جرى داخلها منذ الأيام الأولى للأحداث.‏

من ناحية العامل الديموغرافي:‏

1ـ إن (40 إلى 50%) من مساحة إسرائيل تعد أراضي صحراوية جرداء، تبدأ من جنوب يافا وأسدود وتنتهي عند إيلات التي يقل فيها السكان والكثافة السكنية أو السكانية، ولذلك يتجمع معظم سكان إسرائيل في الشمال والوسط بمساحة لا يزيد طولها في هذه المنطقة عن (70) إلى (120) كم، وبعرض لا يتجاوز الخمسين كيلومتراً تقريباً، ولا شك أن العلاقة القائمة بين إسرائيل والدول المجاورة لحدودها جيدة بل متينة مع دول مثل مصر والأردن، ومعادية وتحمل أهداف توسعية ضد دول أخرى هي سورية وإيران، فحكومات مصر والأردن لن تشعر جبهة الجمهور في المؤخرة بأي أخطار منهما أو ضغوط مؤثرة، في حين أن هذا الجمهور نفسه سيأخذ في حسبانه احتمالات أن تقوم سوريا وإيران بدعم القوى التي تجابهها إسرائيل في لبنان، وزيادة الأخطار باتجاه مشاركة محتملة أو مقبلة مهما كان شكلها وحجمها في العمليات الحربية ضد إسرائيل، لذلك تتأكد أهمية هذا العامل في إثارة حالة ضعف في جبهة المؤخرة بسبب نقطة الضعف الديموغرافية والإقليمية التي يجد الجمهور الإسرائيلي نفسه فيها.‏

وعلى الصعيد الشعبي سيأخذ الجمهور الإسرائيلي في جبهة المؤخرة في حساباته احتمال تزايد الضغوط الشعبية على مصر والأردن، ضد مواقف حكومتيهما واحتمال تحول الأوضاع فيهما إلى اتجاه معادٍ لإسرائيل أو ضاغط عليها.‏

من الناحية الاقتصادية:‏

يشبه الاقتصاد الإسرائيلي ونظامه الحر اقتصاد الدول الغربية من نواحٍ كثيرة أهمها:‏

1ـ لا يمكن استمرار تعطيله لمدة تزيد عن أسبوعين أو أسابيع قليلة، على مستوى المصانع والشركات الكبيرة والمتوسطة.‏

2ـ إن التصدير اليومي والإنتاج اليومي والصناعة السياحية تشكل القاعدة الأساسية للدخل وللدورة التجارية والإنتاجية في البلاد ولمجمل الناتج القومي الشامل.‏

3ـ إن حقوق العمال والموظفين والتعويضات عند توقف مرافق عملهم تُشكل جزءاً إضافياً للخسارة الاقتصادية المباشرة على التصدير والإنتاج وتوقفهما.‏

4ـ إن إدخال عدد كبير من الجمهور إلى الملاجئ تحسباً من أخطار القذائف فوق مدن وقرى الجبهة المشتعلة لا يُشكل أعباء اقتصادية فحسب، بل واجتماعية ومعنوية تزيد كلما زاد عدد الأيام التي يضطرون إلى قضائها في تلك الملاجئ ومع أطفالهم بشكلٍ خاص.‏

1ـ لوحظ أن المؤسسات الحكومية بدأت تتعاقد مع عدد من الممثلين ومؤسسات الترفيه؛ لتقديم فقرات تساعد الأطفال على التحمل، واعترف رئيس بلدية نهاريا أنه أجبر على إخراج (1500) طفل من الملاجئ لفترة نقاهة في الخارج لأنهم ما عادوا يتحملون، وأثاروا حالة ضعف معنوية شديدة.‏

2ـ تبين أن من لم يدخل إلى الملاجئ كانت لديه خيارات أفضل للسفر إلى الخارج... (ففي 18/7/2006) نشر موقع «إسرائيل نيوز ـ بالعبرية» نبأ يقول ما يلي: «بعد خمسة أيام على قصف جبهة المؤخرة لوحظت زيادة بنسبة 11% في عدد الراغبين بالسفر إلى الخارج بموجب ما قاله له مدير عام شركة السياحة «آفاق»، وتبين أن الإسرائيليين الذين حجزوا في فنادق في تركيا وأوروبا وأمريكا ما بين (7) إلى (9) أيام وأسبوعين وأكثر، 33% منهم من مدن وقرى الشمال الجليل الأعلى والغربي والأسفل وعكا ونهاريا، و22% من حيفا و15% من عسقلان أيضاً، وثمة من سافر إلى مدن داخل إسرائيل بل وإلى مستوطنات داخل الضفة الغربية أيضاً».‏

3ـ اضطر رئيس الحكومة في 19/7/2006 إلى عقد اجتماع مع ستين رئيس بلدية ومدينة في المنطقة المعرضة للقصف في الشمال، واصطحاب كافة المديرين العاملين للوزارات معه؛ لتسجيل كل مطالب هؤلاء الرؤساء والتعهد أمامهم بتلبيتها من أجل إنهاء أشكال التذمر والاحتجاج التي أبداها الجمهور في تلك المنطقة، وهي من مظاهر عدم التحمل والصمود.‏

4ـ في 20/6 و21/6/2006 بدأت القنوات العبرية بإعداد برنامج للاستماع إلى شكاوى الجمهور والمطالبة بسلف مالية من قيمة التعويضات عن دمار البيوت التي قصفت في جبهة المؤخرة، وظهر أن الحكومة أرادت إطالة زمن تحمل الجمهور عن طريق طمأنته بالحصول على أموال وإغرائه بالمزيد من التحمل.‏

وأجبر وزير المالية الإسرائيلي في 24/7/2006 على إصدار تعليماته بصرف سلف مالية لعدد كبير من العمال، حتى قبل حصولهم على رواتبهم لشهر آب المقبل من أجل دفعهم إلى التحمل والصمود، وهذه المظاهر بمجملها تدل بشكل واضح على عجز الإعلام الإسرائيلي في إقناع الجمهور الإسرائيلي، والتأثير عليه للتحمل والبقاء في ظل الشروط التي سادت أثناء الحرب.‏

وحول طبيعة القيم التي تسود في صفوف الجمهور الإسرائيلي:‏

إن الجمهور الإسرائيلي تعود على حياة رفاه واحتيال على مؤسسات الحكومة في الحصول على المزيد من الرفاه والتعويضات المالية، فبعض العمال يتلقى تعويض بطالة بصفة عاطل، ومع ذلك تراه يعمل بشكل سري في أماكن أخرى...‏

وهذا الجمهور لم يهاجر معظم أفراده إلا لأسباب تعد الفوائد الاقتصادية والرفاه من بين أهمها، ويعدّ المتدينون اليهود الذين يهاجرون أن إسرائيل ستوفر لهم مالاً دون عمل؛ لأنهم والدولة متفقون على أن كل من يجعل من (توراته عمله) يجب أن يعوض مالاً ورفاهية من الحكومة...‏

فالمتدينون السلفيون على سبيل المثال لا يعملون كمهنيين وعمال وصناعيين؛ بل يتفرغون للتوراة وأعمال الشريعة ويتلقون رواتب من الدولة، ولا يعملون إلا بالتجارة والفوائد البنكية الخاصة..‏

أما العلمانيون فمنهم من أتى من دول غربية وما زال يحمل جنسيتها، وكان أحد أهم أسباب هجرته يعود للمنفعة الاقتصادية لأن امتيازات وإغراءات وحقوق المهاجر الجديد منذ (25) عاماً تقريباً ازدادت في حصوله على منزل بأسهل وأفضل الشروط المالية؛ وعلى عمل براتب جيد، وجرى اعتماد صرف (8) آلاف إلى (10) آلاف كمصروف فوري عند وصوله.‏

وهذا الجزء من الإغراءات المالية كان يدفع يهوداً من أوروبا وأمريكا إلى المجيء لعدة سنوات، ثم تأسيس حالة جدوى اقتصادية في إسرائيل إضافة إلى الجدوى التي تتوفر من الجنسية الأخرى التي يحتفظ بها اليهودي حتى بعد هجرته إلى إسرائيل.. وهذا ما ظهر جلياً بشكلٍ ما عندما سمحت الدولة الأوروبية الشرقية التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي بحق كل يهودي تعود أصوله إلى تلك الدول باستعادة جنسيتها.. ففي ذلك الوقت تحدثت القنوات العبرية قبل سنتين عن اندفاع عدد كبير من يهود بولندا وهنغاريا وتشيكيا، إلى التسجيل في سفارات هذه الدول في تل أبيب لاستعادة الجنسية..‏

وذكر عدد من أفراد العائلات أن بولندا أصبحت الآن دولة اتحاد أوروبي، وهذا ما يوفر لهم العمل والعيش بمستوى جيد في أي بلد أوروبي مع احتفاظهم بالجنسية الإسرائيلية وحالة الجدوى منها..‏

لقد كانت المنفعة الاقتصادية أهم أسباب الهجرة منذ (16) عاماً لكل مهاجر قدم منذ ذلك الوقت، لأن اليهودي الأوروبي والروسي وغيره في الغرب يتمتع بحقوق متساوية، وهذا لا يمنعه من استغلال جدوى اقتصادية ونفعية أخرى في إسرائيل.. ولذلك يمتاز سلم القيم التي يؤمن بها معظم الجمهور الإسرائيلي تقريباً بهذه الصفات النفعية سواء كان متديناً أم علمانياً، وهي غالباً ما تشكل له الدافع إلى الهجرة خصوصاً في العقدين الماضيين، والتطورات الدولية التي توفر له حياة آمنة وسالمة في البلدان التي يعيش فيها وتجنبه الحاجة إلى الأمن...‏

ولذلك كان هذا العامل يدفع الجمهور إلى قلة تحمل الظروف الصعبة التي تنشأ عند قصف الجبهة الداخلية.. وتضعف القدرة على هذا التحمل أكثر فأكثر لكل من تتوفر له بدائل أخرى تغنيه عن استمرار العيش في ظروف تتضاءل فيها ضمانات الأمن الشخصي واستمرار الرفاه..‏

ومن الأمثلة الصارخة التي تدل على الأثر المعنوي السلبي الذي لحق بجمهور الجبهة الخلفية في إسرائيل والمستمدة من المصادر الإسرائيلية نفسها (قنوات تلفزيون عبرية (1) و(2) ومقابلات.. صحف ومجلات وانترنت) يمكن ملاحظة ما يلي: ـ‏

1. يقول وزير الدفاع بعد رابع يوم على الصحف: «هناك عاملان يتحكمان بالوقت الذي يمكن أن تستغرقه هذه العلميات العسكرية ضد لبنان وهما: صمود وتحمل الجبهة الخلفية، واستمرار الغطاء السياسي الدولي لما تقوم به إسرائيل في لبنان (قناة (1) العبرية 17/6/2006)..‏

2. قائد الشرطة العام وهو المسؤول عن جميع نشاطات الشرطة في الجبهة الخلفية، وتعزيز صمود الجمهور وتأمين خدماته إلى جانب قيادة جبهة «المؤخرة» التابعة لقيادة الجيش يقول: «إن مدى تحمل وتعزيز صمود الجمهور يتوقف أيضاً على الدور الذي نقوم به وعلى دور رؤساء البلديات والكيبوتسات في طمأنة الجمهور ودفعه إلى التحمل... ولا أستطيع تحديد فترة زمنية تقديرية لمدى صمود وتحمل الجمهور الإسرائيلي؛ لأن ذلك من صلاحية القيادة السياسية»..‏

3. (جاكي تاباك) رئيس بلدية نهاريا لم يذهب إلى اجتماع عقده أولمرت مع ستين رئيس بلدية وكيبوتس في حيفا؛ لدعم صمود وعمل هؤلاء الرؤساء واحتج على إهمال الحكومة.‏

وقال له المراسل إن ما يزيد على 40% من سكان نهاريا غادروا جنوباً إلى أماكن أكثر أمناً، وبقي الفقراء والمهاجرون الجدد في الملاجئ..‏

4. تحدث كثيرون من سكان الملاجئ بعد سبعة أيام على القصف عن عدم وجود شروط حياة معقولة ومقبولة داخل الملاجئ في المدن المستهدفة بالقصف وقالوا: «لا وجود لمكيفات والصيف حار ولا وجود لخدمات مقبولة النوم وقضاء الحاجات.. والأطفال»...‏

5. في 20 /6/2006 أجبر رئيس الأركان على توجيه خطاب للجيش نشره موقع يديعوت أحرونوت جاء فيه: ـ «إن ما يجري يشكل امتحاناً لنا، وأن قوة قيمنا ومعنوياتنا هي التي ستنعكس على مواطني الدولة وسكانها، وقدرتهم على التحمل ومواجهة الأخطار على الجبهة، وأن تحمل مجتمعنا وإيمانه بالجيش هو الذي يعزز قوتنا»...‏

وقال: «أنتم أيها الجنود وقادتكم فلتكن معنوياتكم عالية وكذلك تصميمكم، أدعوكم إلى التمسك بالمهمة والعمل بالروح التي يتمتع بها الجيش. إن جيشاً قوياً هو الذي يضمن شبكة الأمن واستمرار وجود إسرائيل»..‏

هذه العبارات يستدل منها على وجود عدم استقرار ملحوظ في مستوى المعنوية والأداء القتالي، وعلى العلاقة الديناميكية بين معنويات الجيش وتأثيرها على مدى صمود وتحمل جمهور الجبهة الخلفية، وفشل وسائل الإعلام الإسرائيلية في تعديل مستوى تحمله أو المساعدة على إعادة نوع من التوازن في صفوفه..‏

لقد بدا وضحاً أثناء سير الأحداث في حرب تموز (2006) أن الإعلام الإسرائيلي لم يعد قادراً على جذب اهتمام الجمهور الإسرائيلي وتصديق رواياته ولاخط هذا الجمهور نفسه أن القنوات الفضائية والأرضية الإسرائيلية، وكذلك الإذاعات تعمل على عرض أنباء وتحليلات لا يشعر بوجود صحة لها، وهو يعيش داخل الملاجئ أو في بقية المدن التي يتعرض جوارها للقصف المستمر.‏

بل إن جزءاً مهماً من هذا الجمهور وخصوصاً في قرى ومدن الشمال التي كانت تتعرض يومياً للقصف من قوات حزب الله أدرك أن من مصلحته في المحافظة على حياته وخياراته بالفرار، أو البقاء والاستماع إلى وسائل إعلام أخرى غير الإسرائيلية مثل قناة (المنار) لمن كان يعرف العربية وقنوات أخرى بالإنكليزية أو بلغات أخرى لإجراء مقارنة ومقاطعة للمعلومات...‏

ولم يكن هذا التوجه لدى جمهور قرى الشمال مجرد هواية؛ بقدر ما كان مرتبطاً بالمحافظة على سلامته الشخصية مادام أن الدولة والجيش لم يتمكن من ضمان سلامته حتى وهو داخل الملاجئ..‏

وهذا ما يشير إليه البروفيسور (آرليخ) حين يقول في مداخلته أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست حول الآثار والدروس المستمدة من فشل الإعلام الإسرائيلي في حرب تموز (2006): «سأحاول هنا عرض صورة عن الأداء الإعلامي الإسرائيلي والأداء المماثل لحزب الله، من وجهة نظري كمدير لمركز علوم المخابرات والدعاية الذي أديره، وسوف أعرض هنا معطيات وأريد التأكيد على أهمية المصطلحات فأنتِ يا رئيسة الجلسة استخدمتِ عبارة «السياج الفاصل» وليس عبارة (السياج الأمني) وهذا اصطلاح غير صحيح منك...»‏

فالاصطلاح يشير إلى ما ينطلق منه المرء بمفهوم محدد تجاه ما يشير إليه...‏

أولاً: لا بد من تحديد الجمهور (الهدف) فنحن أمامنا الجمهور اللبناني، وفي مقدمته جمهور حزب الله، ثم الجمهور العربي الإسلامي، ثم دول الغرب وإسرائيل..‏

فحزب الله يعزو أهمية كبيرة للمعركة على كسب وعي وتأييد الجمهور، وتمكن من خلال ميزانياته إنشاء قناة المنار ومذياع ومواقع انترنت بثماني لغات، وصحف ودور نشر وكتب، ولديه أنظمة جيدة لاستخدام وسائل النشر المرئية المواد التي يصورها (بالفيديو) وطاقم تصوير ميداني لإعداد وسائل الإقناع وكسب التأييد.‏

واستخدم حزب الله في إعلامه أيضاً وسائل أخرى مثل قنوات فضائية أخرى كانت تتحدث عن أدائه وما يقوم به.. وحقق حزب الله عدداً من النجاحات في حرب لبنان الثانية هذه، وهنا أريد أن أقول من وجهة نظري أن أبرز نجاحاته هي على شاشات التلفزة الإسرائيلية وفي العالم العربي والغربي كانت المقابلات العلنية مع حسن نصر الله التي تبثها المنار وتحمل تأثيرات مهمة جذبت إليها الجمهور الإسرائيلي والعربي للأسف، وكان يرافقها عرض أنباء دقيقة وصحيحة حول بعض مجريات المعركة، وكانت المنار تبثها أولاً بأول ونجح بشن حرب نفسية ودعائية مؤثرة على الجبهة الخلفية كانت ترافق نشرة أنباء المنار، كما نجح حزب الله باستخدام هذه القناة والمحافظة على استمرار بثها رغم تعرضها لغارات من سلاح الجو الإسرائيلي.‏

وهذا النجاح سبقه إعداد جيد قبل الحرب من قبل حزب الله...‏

وتمكن حزب الله من إبطال شرعية ما كان يقوم به الجيش الإسرائيلي من عمليات عسكرية خلال نقله لصور وأنباء تدل على أن عمليات الجيش الإسرائيلي كان تجري ضد المدنيين الأبرياء اللبنانيين، وكان حزب الله يوجهها للرأي العام الغربي.‏

وما حدث هنا هو أنه كان يقاتل ضد الإسرائيليين ويقصف الشمال، ونجح في الوقت نفسه في تحويل قتالنا ضده إلى حرب ضد المدنيين الأبرياء.‏

كما نجح حزب الله في نهاية الحرب وبشكل كبير وليس تام تماماً بتصوير نتيجة الحرب انتصاراً إلهياً له، أما الجانب الإسرائيلي فقد اضطر إلى مواجهة عدد من الصعاب تجاه كسب وعي وتأييد جمهوره وبعضها مشاكل أساسية يومية كان من أهم هذه المشاكل: غياب التوجيه والصورة العامة الموحدة والصحيحة في معركة كسب مصداقية الجمهور إعلامياً.. فقد تعدد المسؤولون الذين أطلقوا تصريحات، وبشكل يفتقر إلى لتنسيق والتوجيه الموحد، وهذا ما كان يحدث مقابل صورة موحدة وإعلام موحد من حزب الله».‏

ويرى (رعنان غيسين) المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرئيل شارون أن الجيش الإسرائيلي لديه دوماً لجنة للحرب النفسية ولجنة لتحديد الدعاية، لكن هذه تستلزم ميزانيات وجهود موسعه وقال: (وفي البنتاغون والولايات المتحدة يوجد ما يسمى بمسرح الإعلام (ميديا ثياتير) ولديه ميزانية ضخمة ونحن في إسرائيل لدينا التجربة والخبرة في الحرب النفسية والإعلام ولا بد من التعاون معه..).‏

واعتبر غيسين أن «الصراع في ساحة الإعلام هو استمرار للحرب بوسائل أخرى» وطالب بالتركيز على الأسلوب الذي تتبعه روسيا لصد الحملات الإعلامية التي تستهدفها وقال: «إن روسيا حين اتهمت بتسميم (ليفتينيكو) الجاسوس الروسي سارعت أجهزتها الرسمية والإعلامية لرد الحملة الموجهة ضدها»، وحدد أحد أشكال الانتصار الإعلامي بقدرة الإعلام على منع الخصم أو العدو من التجرؤ على القيام بالمقاومة.. ورأى أن روسيا نجحت في صد الحملة الإعلامية التي وجهت ضدها بقضية (ليفتينيكو) حين أدخلت إلى شاشات التلفزة والأنباء قصة مضادة لاتهامها بقتل ليفتينيكو، وهذا لم يستطع المسؤولون عن الإعلام الإسرائيلي امتلاك البراعة فيه.. ويؤكد (غيسين) أن لا يمكن تحقيق الانتصار في هذا الصراع في الميدان الإعلامي بسهولة خصوصاً لجيش مجبر برأيه على القصف ومنع العمليات المسلحة ضده؛ رغم أنه من الصعب منع الصحافة ووسائل الإعلام في هذا العصر من نقل الصورة والخبر.. والمسألة هنا لا ترتبط بموجب ما يعترف (غيسين) بأداء الناطق العسكري أو مطالبته بقول الحقيقة دوماً أو بدوره الإعلامي، بل إن معالجة مشكلة الفشل الإعلامي ينبغي أن يكون مرتبطاً في إطار رؤية شاملة إلى جميع النواحي الاستراتيجية الإعلامية. والحقيقة هي أن (غيسين) كان قد بذل أثناء الحرب ضد قوات حزب الله في تموز (2006) جهوداً تضليلية كثيرة لتبرير كل ما قامت به إسرائيل من قصف وحشي ضد المدنيين، وزرع الفرقة بين جمهور حزب الله والجمهور العربي بشكل عام ولم ينجح، واعتبر أن إعطاءه فرصة التحدث من بعض القنوات الفضائية العربية أفضل وسيلة لممارسة هذا الإعلام التضليلي والحرب النفسية التي يتقنها. وحاولت الوزيرة الإسرائيلية السابقة من حزب الليكود (ليمو رليفنات) تحديد أسباب عدم نجاح وسائل الإعلام الإسرائيلية أثناء الحرب في كسب ثقة جمهورها الإسرائيلي بنقص عددها وقالت: «إن الوسائل الإعلامية التلفزيونية في هذا الوقت أصبحت سريعة جداً في نقلها للرسائل الإعلامية والمعلومات، وخصوصاً أن الإنترنت أصبح جزءاً مهماً من هذه الوسائل، فخلال دقائق يصبح كل شيء على الشاشة، ومن المستحيل الاعتقاد أننا بصحفنا وعدد قنواتنا سنتمكن من منافسة الآخرين في نقل ما نرغب، فقد أصبح كل شيء مكشوفاً وبلحظات قليلة..»‏

واعتبرت أن الجيش الإسرائيلي ووسائله الإعلامية تأخر كثيراً في إعطاء الرد الإعلامي على ما حدث في 12/7/2006 عند بداية عملية حزب الله وفي الأيام الأولى للحرب كان إعلام حزب الله مسيطراً.‏

لكن (ليمور ليفنات) نسيت أن جنوداً كثيرين من الجيش الإسرائيلي الذي كانوا يشاركون في الحرب أو الذين ينتظرون دورهم للمشاركة، كان لديهم هواتف نقالة ويتبادلون الأنباء مع الجبهة الخلفية للاطمئنان على أقاربهم أو الاستفسار عن الحالة هناك، مثلما كانت عائلات هؤلاء الجنود تتصل بهم حتى أثناء وجودهم في الشمال وعلى حدود الجنوب اللبناني للاطمئنان.‏

وقد مال جزء من العائلات إلى الاستماع إلى الأنباء بلغات أخرى غير عبرية لمعرفة ما يجري لأبنائهم الجنود في الحرب، وكانت الصورة تختلف عما كانت تبثه وسائل الإعلام الإسرائيلية من أنباء. واعتبر (داني نافيه) وزير سابق من الليكود ومدير مكتب نيتنياهو سابقاً أن انقساماً وتجزئة كانت تسود بين الهيئات المسؤولة عن الإعلام ودورة في تلك الحرب وقال: (إن المسؤول عن الإعلام وزارة الخارجية لم يكن يرغب بالتنازل عن صلاحياته وأسلوبه والناطق باسم الجيش الإسرائيلي كان يقول إن الدور الإعلامي من صلاحية ولا ينبغي لأي هيئة مدنية أخرى التدخل بدوره وأسلوبه، وكل هيئة كانت تتمسك بما ترغب وكانت النتيجة عدم وجود عمل منسق ومشترك...) واعتبر أن الضرورة تدعو الآن إلى إيجاد نظام تنسيق تشرف عليه هيئة واحدة يرأسها موظف مسؤول يعمل في مكتب رئيس الحكومة، ويقود جميع هيئات الإعلام في وزارة الخارجية أو وزارة الدفاع والمكتب الصحفي لرئيس الحكومة.‏

وطالب هذه الهيئة بإعداد استراتيجية إعلامية موحدة تشارك كل هيئة فيها في الميدان الذي تعمل به، والأهداف التي تحددها هذه الهيئة العليا للإعلام؛ لأن غياب هذا العامل المهم والأساسي في حرب لبنان الثانية كان من بين أسباب فشل الإعلامي الإسرائيلي ومضاعفاته على الجمهور الإسرائيلي والرأي العام العالمي.‏

وقال (شالوم كيتال) مدير عام محطة قناة الفضائية الإسرائيلية (الثانية) في الجلسة نفسها أنه يجد من الصواب أن تتنوع برامج وأنباء كل قناة وتختلف عن الأخرى، فمن المستحسن برأيه أن تبث القناة (10) العبرية ما يختلف عما تبثه القناة (2) وكذلك عما تبثه القناة (1) الأولى الرسمية. وكشف أن الجمهور الإسرائيلي بوسعه الاستماع والاطلاع على (150) قناة اتصال من بينها ما يزيد على أربعين قناة اتصال وانترنت وصحيفة إلكترونية ومواقع جميعها بالعبرية، ولا أمل برأيه أن تؤثر أي هيئة عليا إعلامية على خياراته وما يتوصل إليه بحسب اهتماماته ومصالحه.... وقال: «إننا نعيش في عهد السماء المفتوحة التي تكثفت فيها وسائل الإعلام المتنوعة، ولذلك لا يمكن لأي هيئة إعلامية إسرائيلية أن تحدد للجمهور ما ترغب به وتحقق ذلك....»‏

لكنه رغم ذلك أضاف:‏

«أريد الآن تسليط الضوء على ما قامت به وسائل الإعلام أثناء الحرب من ناحية إعداد التقارير، والتعليق، والانتقاد، ومن ناحية مدى محافظتها على معنوية الجمهور الإسرائيلي وتعزيزها وهي أكثر المشاكل التي واجهتها...»‏

فمن ناحية إعداد وعرض التقارير أرى أن الضرورة تدعو إلى عرض تقرير شامل بقدر الإمكان، لكن إلى جانب الحرص على عدم تجاوز قيود الرقابة، فثمة رقابة عسكرية ونحن جميعاً وقعنا على اتفاق باحترامها والالتزام بها.. ومع ذلك حصلت خروقات لهذه الرقابة أثناء الحرب في معظم حالات البث الحي المباشر وما كان ينبغي أن يتم خرق كهذا. فالقناة الثانية التي أديرها بثت (350) ساعة أخبار ولقاءات عن الحرب خلال الأسابيع الخمسة للحرب، وكذلك كان عدد ساعات القناة (1) والقناة (10)، وهذا يعني وجود (1000) ساعة بث معظمها كان حياً ومباشراً وظهرت فيه خروقات غير مقصودة لقيود الرقابة بسبب الإسراع في البث الحي..‏

لكن (كيتال) لم يذكر أن قناة (2) كانت قد ذكرت في نشرة أنباء لها في السادسة مساء أثناء الحرب قدمها (غادي سوكينيك) وأراد من خلال اختيار كلماتها تضليل الجمهور الإسرائيلي حين قال: «يبدو أن عشرة أفراد من البشر قتلوا جراء قذائف وصواريخ أطلقها حزب الله على الحدود الشمالية تماماً».. وحدد عبارة (من البشر) وبالعبرية (بنيه آدام) لكي يتجنب تحديد ما إذا كانوا جنوداً أو مدنيين، ثم عاد (سوكينيك) نفسه وأجبر في الثامنة مساء على القول: «تبين أن القتلى العشرة كانوا جنوداً وسقطت القذائف قربهم».. ثم تبين أن عددهم (12).. ولم يذكر أي عدد للجرحى..‏

كان من الواضح أن مقص الرقيب العسكري تدخل هنا والجنود والسكان في إسرائيل علموا بما حدث لأنهم تبادلوا الرسائل والمكالمات الهاتفية فأجبر الإعلام الإسرائيلي على التطرق للنبأ بطريقة (غبية) لإخفاء صفة القتلى..‏

ويؤكد (كيتال) أن مشاورات يومية وفي كل ساعة كانت تجري؛ بيننا وبين المسؤولين في الرقابة والجيش حول ما يمكن نشره وبثه، لكن ظروف الحرب والبث الحي المباشر وضرورته لم تسمح في النهاية بالالتزام بجميع قواعد وقيود الرقابة، لأن قنوات عربية أخرى ستنافسنا في عرض صور عن الأحداث.‏

وتبين «ليكتال» أنه إذا لم تسارع قناته إلى بث أي نبأ حول ما كان يحدث أثناء الحرب فسوف تصبح صيغة النبأ كما جاءت من وسائل الإعلام الأخرى أو الإنترنت هي الحقيقة، وكانت المنافسة في أقصى حالاتها في كل ساعة ودقيقة ولحظة.... واعترف أمام اللجنة الفرعية للخارجية والأمن التابعة للكنيست بحضور رئيس اللجنة الرئيسة «تسحياها نيغبي»، ورئيسة اللجنة الفرعية (عميرة دوتان) قائلاً: «إنها الحرب الأولى التي لم يكن لنا مراسلون يرافقون الجنود في الحرب، ففي كل الحروب السابقة عام 1967 وعام 1973 وعام 1982 كان لدينا دوماً مراسلون إلى جانب الوحدات القتالية». وأضاف:‏

«وتعود بعض أسباب هذه الظاهرة إلى رغبة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي الذي يريد حصر الرسائل الإعلامية الرئيسة به؛ إضافة إلى أن المراسل قد لا يبعث بتقارير إلا بعد يومين أو ساعات طويلة والمنافسة كانت على أشدها بين وسائل الإعلام».‏

وعدّ أن إسرائيل حتى لو تحدثت برسالة إعلامية واحدة، فهذا لن يفيد لأن المنافسة الإعلامية ستجعل الجمهور الإسرائيلي وغير الإسرائيلي يلجأ إلى المقارنة بين وسائل مختلفة من خلال اطلاعه على وسائل الإعلام الأخرى.‏

وقالت (كوليت افيتال) عضو الكنيست ومن قادة حزب العمل في الجلسة: «إن مسألة فشل الإعلام الإسرائيلي لا تكمن في مدى وجود التنسيق بين الحكومة وأصحاب القرار في العمل الإعلامي... إن المسألة رهن بوجود استراتيجية معدة سلفاً داخل الحكومة، وليس ممارسة الدور الإعلامي التوضيحي بعد وقوع الأحداث..‏

إن المشكلة الأساسية التي نعاني منها هو التأخر في عرض المعلومات والردود المطلوبة والضرورة ما بين يومين أو ثلاثة، كما أننا لا نعد سلفاً المعلومات والردود التي تجعلنا نسيطر على الوضع.. والخلل الثالث هو تخصيص وقت قليل للإذاعة الإسرائيلية باللغة العربية مقابل (11) ساعة للغة الروسية؛ مع أن الأفضلية ينبغي أن تتوجه نحو ما نعلنه بالعربية.. فإذاعتنا بالعربية تنقل نشرات الأنباء عند السادسة فجراً لكن هذا لا يكفي، مثلما لا تكفي الإذاعات ووسائل الإعلام الإسرائيلية التي تبث باللغات الأجنبية، فينبغي زيادة الاستثمار في هذه الوسائل الناطقة بلغات أخرى..‏

كما أننا لا نستثمر ونستغل بشكل جيد ومطلوب شخصيات سياسية إعلامية مهمة، فأثناء الحرب لم نستخدم شخصيات إسرائيلية سياسية مثل (موشيه آرينز) المعروف في الولايات المتحدة، والذي يتحدث الإنجليزية بطلاقة للتعليق على ما كان يجري في تموز وآب للتأثير على الرأي العام العالمي بشكل خاص».‏

ومن الملاحظ في النهاية أن معظم ما ورد على لسان هؤلاء المختصين في جلسة رسمية مهمة ساد فيها جزء مهم من المصارحة لا يشير إلى فشل الإعلام الإسرائيلي في تلك الحرب فحسب، بل وإلى عدم إمكانية تحقيق الأهداف المطلوبة منه مهما عدّل وطور في أساليبه وزاد من عدد وسائله الإعلامية...‏

والأسباب التي تقود إلى هذا الاحتمال الواقعي تكمن في طبيعة وجوهر وجود الكيان الإسرائيلي وطريقة إنشائه ودوره، وكذلك في طبيعة وجوهر جمهوره الإثني وتركيبته والتأثيرات الداخلية والخارجية على اتجاهاته ومستقبله.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244