|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
إبراهيم هنانو .. بطل من بلادي حكيم الثوار وثائر الحكماء ـــ محمد خالد عمر المقدمة: فكرة أولى: إنها إدلب المحافظة الصغيرة الكبيرة الضاربة في أعماق التاريخ حضارة وحضوراً، حباها الله بخضرة دائمة وجمال أخّاذ، وعطاء وفير. في إدلب جنات تجري من تحتها الأنهار، وأنهار تجري بين الجنان، أهم هذه الأنهار نهران دائما الجريان هما ( أبو العلاء المعري، وإبراهيم هنانو ) أحدهما إمام في الفكر والفلسفة والحكمة، والآخر إمام في الوطنية والنضال. فكرة ثانية: لعل الدارس لهذين الكبيرين لا يضيف إليهما شيئاً، وإنما يفيد من دراستهما فهماً وتجربة وخبرة ووطنية وصدقاً وتنظيماً وحكمة وإدارة. فكرة ثالثة: ونحن بصدد دراسة هنانو الزعيم الحكيم قائد ثورة الشمال التي عرفت به وعرف بها، وغمط حقه من الدارسين والمؤرخين؛ لأن ما كتب عنه وعن ثورته لا يتجاوز بضع صفحات قد تكون في معلوماتها مكررة بما فيها بعض الدراسات والمذكرات غير المطبوعة كمذكرات إبراهيم الشغوري أمين سر قيادة الثورة، أو المجاهد يوسف السعدون، والتي يتم تداولها بين المقربين وبعض الباحثين، فضلاً على أن كل هذه الكتابات لم تتعد حالة التوصيف والملامسة لثورة ملئت بالعبر والحكمة، وتميّزت بقيادة إنسانية واعية، وقد رأينا من واجبنا أن نتجاوز الحالة التوصيفية، وتعداد المواقع والمعارك؛ إذ ليس من مهمة البحث أن يعدّد المعدد ويحدد المحدد، كونه ليس تاريخاً ولا معداً لفلم تسجيلي، وإنما تكمن فاعليته في تحليل المركب وتركيب المحلل ، وتفكيك الفكرة، والبحث في أبعادها، والغوص فيما وراء الخبر، ومن ثم الخروج بنتائج تؤطر العمل، وتقف عند الفاعل وتبين المنفعل، وتبتعد عن اللغة التسجيلية والولوج في تفاصيل ما حفظته الذاكرة الشعبية، والذي هو أكثر بكثير مما هو مدون في المذكرات. فكرة رابعة: صحيح أنّ مدة الثورة العسكرية التي ندعو للتفكّر في عبرها قصيرة جداً بالنسبة إلى حياة صاحبها؛ إذ لا يزيد عمر الثورة عن السنتين إلا قليلا، لكنّ الصحيح أيضاً أنها كانت الأغنى بأحداثها ووقائعها من حيث النوع وعدد المواجهات العسكرية، فإذا ما اعتمدنا معركة (المردّ) ـ الموقع المحمّل على الطريق الواصل بين حارم وسلقين، والتي رجّح المؤرخون أنها وقعت في 18 أو 20 نيسان 1919 ـ بداية مواجهات الثورة المسلحة مع العدو، واعتمدنا ما اتفق على تسميته بمعركة «مكسر الحصان» التي جرت في 16 تموز 1921 في «جبل الشعرة» في البادية السورية نهاية الثورة العسكرية، فإن عمر الثورة العسكري يكون تجاوزاً 116 أسبوعاً، وقد أكد الباحث صلاح الدين كيالي في مخطوطه المعد للطباعة أن المواجهات المسلحة التي وقعت بين هنانو والفرنسيين كانت «121 معركة»، لكنه لم يستطع جمع أكثر من نيف وأربعين معركة. أمّا الباحث فايز قوصرة في كتابه من إيبلا إلى إدلب، وفي الصفحة 340 فيعدد معارك ثورة هنانو /117/. فسواء كان عدد المعارك، كما أورده صلاح الدين كيالي، أم كما أورد الباحث فايز قوصرة، فإن هذه المدة المليئة بالأحداث، والتي زادت معاركها عن عدد أسابيع عمر الثورة أمر يستحق الدراسة. عرض الموضوع: مما تقدّم حاولت أن أدخل إلى هنانو وثورته كظاهرة متفردة في سماتها متميزة في أدائها، إذ استطاع هنانو أن ينقلها من مجرد تمرّد ضد الاستعمار، وردة فعل وطني إلى ثورة حقيقية ذات ملمح تحرري لا يستطيع التاريخ تجاوزه، ولا التكتم عنه، أو التعتيم على مزاياه، هذه الثورة الوطنية التي كانت عربيةَ القلب والهدف، أخلاقيةَ المنهج، إسلاميةَ العقيدة، سلاميةَ الطموح، إنسانيةَ الغاية، كليةَ التفكير، دبلوماسيةَ الأسلوب، إداريةَ التدبير، عادلةَ الحكم، أَعلنت بسماتها المجتمعية عن حكمة أدركت أهمية القرار المصيري الوطني فصاغته برجولة وحكمة.. إذاً نحن بالتأكيد لن ندرس إبراهيم بن سليمان بن محمد هنانو من حيث ولادته ويتمه، ودراسته الابتدائية والثانوية في كفرتخاريم وحلب، كما أننا لم ندرس نَسَبَه الذي يرغب كل منّا أن ينسبه إلى ما ينسب إليه، وإنما سندرس الزعيم الإنسان، والقائد العسكري القدوة، والسياسي الحكيم، سندرس هنانو عربي الهوية والفعل الانتمائي دون أن نولي أهمية للجنس إذ الأسبقية في النسب للفعل الانتمائي. فإذا ما كانت العربية قبل الإسلام دماً وقبيلة وعصبية، فإنها بعده أصبحت مفهوماً وفعلاً انتمائياً، وقد جمع هنانو في فاعليته وعقيدته العروبة والإسلام. فمن الحيف أن ننسب الكبار إلى قبيلة أو جنس فهم أكبر من القبيلة، وأهم من الجنس، هم لكل الأمة المكونة عقيدة وهوية وجغرافيا وتاريخًا وقيماً ومبادئ. بناء الشخصية القيادية عند هنانو: إذا كانت أهم عوامل بناء الشخصية «عقيدة، ووعياً معرفياً، ومنهجاً وسلوكًا»، فإننا نعتقد أن هنانو قد استطاع أن يكون هذه الشخصية الواعية والحكيمة العادلة، كما استطاع فهم رسالة السماء فهماً إنسانياً؛ تجلّى ذلك بقوة شخصيته وقدرته على أن يجعل من كل فرد في المجموعة هنانو آخراً، فالجميع متفانون في الثورة، أسود في اللقاء وأسياد الشهامة. ففي البناء المعرفي: كان البناء المعرفي من أول أولوياته فقد رفض بعنف اقتراح والده بعدم جدوى إكمال الدراسة بحجة أن الدراسة تفضي إلى الوظيفة والوظيفة لا تتناسب وموقعهم المالي والاجتماعي، ولما أصر والده على موقفه رأينا هنانو يقوم بما يشبه التمرد فيأخذ من المال ما يكفيه، ويذهب ليكمل دراسته في الأستانة. لقد عرف هنانو أنّ المال لا يبني شخصية ناضجة، فانطلق إلى العلم يحقق به شخصيته، وبعد أن نال شهادة الحقوق الأولى، وفرح به والده، وأراد العودة لنيل شهادة الحقوق الثانية، بعد انتهاء عطلة الصيف حاول أخذ شقيقته زكية معه لتدريسها في الأستانة، غير أن الوالد كشف الموضوع، وعارض بشدة سفر ابنته. (وهذا يدل على مدى تطور وعي هنانو تجاه المرأة في زمن كان التعليم شبه مفقود في مجتمع الرجال حيث كانت المرأة لا تكاد تستطيع النطق بدون إذن الولي المتبدل لمرة واحدة في العمر من الوالد إلى الزوج). ومن أهم ما يميّز البناء المعرفي عند أي إنسان قدرته على الإجابة عن الأسئلة الخالدة: ـ معرفة الإنسان نفسه ومن يعرف نفسه يجسّد هويته الخصوصية المتفرّدة. ـ وتحديد الإنسان غايته ـ ومن ثم إدراك رسالته في الحياة، وصياغة مشروعه، وفي تقديري، أن هنانو استطاع أن يجيب عن الأسئلة المطلوبة. أما في المنهج السلوكي: لقد وعى هنانو حاجة الأمة إلى القدوة المعرفية، وأدرك أنّ الناس يتطلعون إلى قدوة سلوكية فعالة، منسجمة مع ذاتها، فكان العلامة الفارقة في تاريخ سورية التحرري، بل إن هذا الانسجام كان من أهم ما يميّز « شخصية الزعيم وثورته» لذلك التف الناس حوله ووثقوا به. فهو منذ التصريح الأول أعلن بقوة الرجال والتزام الأبطال أنه لن يكون إلا واحداً منهم أليس هو القائل: (لست أكلفكم أمراً أو أدعوكم إلى جهد أنا في نجاة منه، وإنكم ستجدونني إن شاء الله في الطليعة أعمل بعزم الشباب وحكمة الشيوخ). نعم لقد أدرك هنانو رسالته وترجم هذا الإدراك إلى فعل فكان المجاهدَ المقدامَ الذي نال العزة بحقها، والزعيمَ الذي انتزع صفة الزعامة فاستحقها، وتجرّد مما يملك من متاع وقام بحرق كل ما يتفاخر به الآخرون. قائلاً: (إنني تجرّدت مما أملك من متاع مهما غلا ثمنه، وها أنا ذا أتقلّد السلاح للذود عن حياض الوطن الغالي). لعل أهم ما يميّز هذا الرجل التي تمثلت بمسؤوليته عن كل ما يحدث في الجغرافيا التي تظلها ثورته، ففي أمور قد تبدو صغيرة لكنها آسرة تجسّدت فيها مواقفُه الأخلاقية القيادية. أذكر منها رسالة موجهة من الزعيم هنانو إلى مختار قرية كفتين، وهي قرية سكانها من الطائفة الدرزية، ومن أعمال ناحية معرة مصرين بالقرب من قرية كللي القرية التي وقعت فيها المذبحة الشهيرة لقد كان مضمون الرسالة تحذير هنانو لأحد الشباب من أبناء تلك القرية بضرورة تحسين سلوكه مع والده؛ لأنه تناهى إلى سمعه أن هذا الولد لا يراعي حق الأبوة. وفي البناء العقدي: لقد فهم هنانو أن الإسلام رسالة سماوية وجدت من أجل الإنسان، وأن من يوحّد الله عليه أن يوحد أوامره، ولا يشرك معه أحداً لا يكون عبداً، ولعلنا نستدل على تميّز هذا الرجل بإيمانه من قوله: «إن الرجل الذي ينشد الحق لا يعرف الفشل» كما أنّ هنانو فهم العدالة أنها الميزان الأهم والشريعة الأسمى لبناء الشخصية الإنسانية المؤمنة، لذلك بنى سلوكه على ذلك، وانطلق يبني الثقة بينه وبين الناس وبينه وبين أصدقائه، بل وصل إلى حدود بناء الثقة بينه وبين أعدائه، وما كان أعظمه عندما خلّى عن السرية الأسيرة التي كان يقودها الكولونيل «فوان» في بلدة أريحا؛ وهو يعلم أن الكولونيل تذرّع بحجة مقابلة قائد الثورة لينجو من الأسر، فكان صلاح الدين الثاني بالعفو والإنسانية، وقد توافق وصفي هذا مع وصف الباحث فايز قوصرة لهنانو في كتابه من إيبلا إلى إدلب. أعتقد أن مثل هذه الأخلاق والسلوكيات جعلت العديد من الضباط من جنسيات وانتماءات مختلفة (ألمان وبلغار ونمساويين وشراكس وترك وتركمان) تهفو قلوبهم إلى هذا السلوك الكريم، بل إنّ بعضهم ترك الجيش الفرنسي ليلتحق برجال الثورة ويكون تحت قيادة هنانو، على هذه المقاصد وتلك الأرضية بنى هنانو فهمه للدين وللعبادة والعباد والوطن والحرية، ومن هذه الأرضية فهم الوطنَ إنساناً حراً مستقلاً في مجتمع حر مستقل على تراب لا يقبل إلا أن يكون حراً؛ فكان من حقه على مواطنيه أن يصونوا حريته، وانطلق الزعيم لأداء حق الوطن، فكان له فضل السبق، وصار من حق هذا الرجل على بلدته ومحافظته وأهله وأهل وطنه وأمته الوفاء وحق التقدير، فقد رفض أن يدخل الفرنسيون أرضه وهو ساكن عاجز، لذلك وقف يلقي بيانه الأول في /10/ نيسان 1919 في كفرتخاريم، وحذّر من اتخاذ الصمت منهجاً ومن التخاذل سنّة في مقابلة الفرنسيين المحتلين، ولكي يكون البيان رسمياً اختار دار الحكومة التي يمثلها، وحتى يكون حميمياً دافئاً اختار بلدته التي ولد على فراشها، ودرج بين أعشاشها، وليكون كلياً وقوياً نطق باسم المقدسات، واستظل بمظلة الوطن، ولأنه حفظ مقالة ابن خلدون (ما بعث الله نبيّا إلاّ في منعة من قومه) جمع أهله وعشيرته وجيرانه، وأهل بلده متأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، مترجماً قول ربنا جل جلاله: )وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) الشعراء:214). من هذا الإرث الثقافي الحضاري بدأ بمخاطبة أهله الأقربين قائلاً: (يا أهل كفرتخاريم، ويا أهلي إنّ القوات الفرنسية قادمة إليكم، وليس لكم والله إلا الذود عن أموالكم وأعراضكم ودينكم فماذا تقولون؟). ولكي تسمع جنبات الوطن جوابهم علا هتافهم بصوت واحد مدوّي (بايعناك – بايعناك). لقد بايعوه لأنه أهل للبيعة، وصدّقوه لأنه لم يكذبهم أبداً، واطمأنوا إليه لأنهم يعرفونه تمام المعرفة، فقد خبروه وعاش بينهم، وتمرّس بالمسؤولية والقضاء، فكان حريصاً على العدل حرصه على أخلاقه ودينه، وهذا ليس غريبا على زعيم تخرّج في مدرسة الدين والوطنية، ودرس القانون المدني في كلية الحقوق، وبنى شخصيته على الحرية، وخيّره الزمن بين ثري ميسور صاحب أملاك وأطيان وعقارات وأراضٍ، ورئيس لديوان ولاية حلب يعيش في القصور ويقبع ما بين ربات الخدور تحت ظل الاحتلال، وبين مناضل حر ينام في العراء، أو في مغارات وكهوف وشعاب هضاب مقفرة، وفي ثنايا وديان تعوي فيها الذئاب فاختار الهضاب التي غفى في أحضانها صغيراً، واستظل بظل شجيراتها، وتمتع بشذا أزهار اللوز والمشمش والعناب يافعاً، تقبّله الشمس الدافئة، تداعب ذؤابته نسيمات الصباح فتفكّر في هذه الروعة الساحرة وفوعتها الآسرة. وقرّر أن يكون فارسها الأهم، وبطلها المقدام. فسبر أعماق التاريخ وأخمد نار الفتنة الطائفية أو الدينية أو المذهبية التي حاول المستعمر أن يؤجهها بين أبناء الأمة، وهذا يدل على السمات الوطنية والوعي المعرفي الذي تمتع به هذا العملاق الوطني، كيف لا يكون عملاقاً، وهو الذي يُعين حتى من يرغب في الكتابة عنه، فبمجرد أنني قررت البدء بالكتابة عن هذا الرجل في زمن عزّ فيه الرجال وجدت الكلمات تخرج منسابة على ورقتي، تتدفق كمياه عيون الشام، وشعرت بالفخر لأني أؤدي بعضاً من دين واجب التأدية لوطن أحببته أرضاً وسماء وإنساناً فأحببت أن أبرز نضاله ورجاله، خاصة وأنني أمام رجل أسرني بأخلاقه وخلقه، وتعلّقت بشخصيته التي لا يشبهها إلا النهر في عطائه وحاجة الناس إليه، فالنهر حيثما سار سارت معه الحياة والخضرة والعطاء والازدهار، وأينما حل حلتّ معه النعم، ونشر على ضفافه الخير. الخبرة الإدارية وبناء دولة الثورة. لم يختلف الدارسون والذين كتبوا مذكراتهم على تحديد بدء الثورة إلا بأيام قليلة، يبدو لي أن هذا الاختلاف جاء نتيجة لأن بعضهم عدّ المواجهة الأولى بداية حقيقية للثورة، أما الآخرون فقد اعتمدوا لحظة الإعلان والتحضير للمواجهة هي بدء الثورة، لذلك كان لا بد لنا من التوضيح المختصر. لقد شهد شهرا تشرين الأول والثاني عام 1918 نزول القوات البريطانية والفرنسية إلى الاسكندرونة وطرطوس وبيروت وصيدا، واستكمل احتلال الساحل السوري كاملاً تدريجياً ووضعه تحت الانتداب الفرنسي خلال بقية العام، فقد أكد المؤرخون أن القوات العثمانية جلت عن بيروت 30ايلول 1918 وبعد ستة أيام فقط أنزلت فرنسة قواتها الحربية أي في 6 تشرين الاول1918 تطبيقاً لسايكس بيكو، ولا بأس أن نذكّر هنا أن اتفاقاً تم بين جورج وكليمنصو على تطبيق سايكس بيكو بين الفرنسيين والبريطانيين جاء بعد عام من هذا التاريخ أي في أيلول 1919/ تم بموجبه سحب القوات البريطانية من كيليكيا في تشرين أول 1919 وبقيت دمشق – حمص – حلب تحت الحكم العربي، وإثر إنزال القوات الفرنسية حدث تمرّد وطني على طول الساحل السوري؛ إذ حرك رشيد طليع حاكم مقاطعة حلب والحاكم السابق لللاذقية سكان منطقة صهيون، كما حدث تمرّد في اسكندرونة قاده بعض قوّاد الفصائل من أهل المنطقة، كما أن الشيخ صالح العلي انتفض في منطقته، وكان هذا التمرد في البدء على شكل مجموعات غير موحدة القوى، ولما استشعر هنانو بالخطر القادم ترك المؤتمر السوري الذي هو عضو فيه، وعاد إلى حلب بداية سنة 1919 لينطلق إلى بلدته كفرتخاريم؛ وينتشر منها توسعاً أفقياً ويتجذر فيها عمودياً فتكون ثورة الشمال، ويبدأ بركان الثورة الذي جاء بالخير والحرية، ويؤكد ابراهيم الشغوري وكثير ممن أرخوا لتلك الفترة أن أول معركة بين رجال الثورة والفرنسيين كانت معركة «المرد» ويؤرخها يوم 18 نيسان /1920/ ويقول:«عندها تمكن الثوار من مباغتة حملة للعدو وإبادة 32 جندياًَ من رجالها، والتجأ الباقون إلى القلعة الرومانية بقيادة الكابتن أروا». نعم لقد خطط هنانو للثورة وبدأها دون الإيعاز من أحد، فقد ورد أنه يوم لقائه مع يوسف العظمة مستشار الملك فيصل، طلب إليه مساعدة مالية وسلاحاً عسكرياً فسأله يوسف العظمة يومها: «هل أنت مصمم على تنفيذ قرارك يا إبراهيم؟. فهزّ هنانو رأسه مجيباً سأحارب الفرنسيين وأحرر بلدي من دنسهم». وهذا يعني أن هنانو نادى بالجهاد دون طلب أو إيعاز من أحد من أعضاء الحكومة الفيصلية. لذلك أراد هنانو أن يبني ثورة في الدولة، ودولة في الثورة، وقد نجح في ذلك، وكيف لا ينجح وهو الذي حصن نفسه بالمعرفة وتمرّس بالمهام الإدارية؛ إذ عمل مديراً لناحية أرض روم، ثم قائم مقام فيها، ثم رئيساً لديوان ولاية حلب، وكان قبل ذلك مستنطقاً في بلدته كفرتخاريم فاكتسب خبرة قضائية، وخبرة سياسية وتمثيلية خاصة بعد أن انتخب عضواً في مجلس ولاية حلب، ثم عضواً في المؤتمر السوري في العهد الفيصلي مندوباً عن قضاء حارم، ثم أصبح رئيساً للجنة الدستورية في المؤتمر، فضلاً على ما يتمتع به من غيرية ووطنية أهلته ليكون السيد والقائد. لقد جسـّـد هنانو النضال خلقاً وأخلاقاً وسـياسـة ومنازلة، كما تجسّدت رجولته ووعيه في فهمه لطبيعة الامتداد الجغرافي والتنوّع الطائفي والمذهبي والديني. إذاً لم تكن الثورة تمرداً وعصياناً ارتجالياً، وإنما هي قرار الرجال فخبرت زعيمها في الإدارة وأهليته في القيادة ساعدتاه في بناء الثورة التي تألقت بسلوكها وأدائها، واستطاعت أن تجذب إليها الناس بكل مشاربهم وانتماءاتهم وجمعت الفصائل المقاوِمة في سهل العَمق (لواء الاسكندرونة) تحت لوائها، وشكلت فصائل في جبل الزاوية والأرياف المحيطة بقيادة المجاهد مصطفى الحاج حسين، وكانت حافزا ومحوراً لفصائل المقاوَمة في جبال اللاذقية وصهيون، وكانوا جميعاً يعدّون أنفسهم جزءاً من ثورة هنانو مؤمنين بزعامته مسلّمين له قيادهم طائعين. ولقد حرص هنانو وعمل جاهداً لأن يكون استمراراً للحكومة العربية في دمشق وليس بديلاً. كما عمل على تنظيم عمل الثورة منذ اليوم الأول؛ فقام بتشكيل أول لجنة إدارية للثورة عرفت باللجنة التأسيسية وكانت مؤلفة من السادة: (عزت هنانو، نجيب عويد، محمد درويش كيالي، ابراهيم الصرما) مهمة هذه اللجنة جباية الأموال وتأمين السلاح، كما عين إبراهيم الشغوري ضابط ارتباط وكان الشغوري ملازماً في الجيش ومدرباً على السلاح، بعد ذلك اصطفاه هنانو أميناً لسر قيادة الثورة فكان مرافقاً له. وبعد إعلان الثورة توزّعت المهام بين عسكرية وإدارية ومالية وإمداد، ففي المهام العسكرية تم تعيين قادة للسرايا هم: الشيخ يوسف السعدون، نجيب عويد مصطفى الحاج حسين، عقيل اسقاطي، هزاع أيوب، وكان عبد الرحمن الأفندي رئيس قسم الأفراد في عرفنا اليوم، وقد كان للثورة جباتها وجندها وكان الزعيم القائدَ العام ويشرف بنفسه على عمليات التعبئة والمعارك الحربية. أما في مجال توزيع المهام جغرافياً فقد تطابقت مهمة قادة السرايا مع مهمة التوزع الجغرافي تقريباً فقد ذكر الملازم إبراهيم الشغوري في مذكراته ما يلي: تم تقسيم المنطقة الشمالية إلى عدة مناطق ثانوية أوكل الأمر في كل منطقة لرئيس شجاع:1 ـ منطقة القصير وتضم /400/ متطوع بقيادة الشيخ يوسف السعدون. 2 ـ منطقة كفرتخاريم وتضم /250/ متطوعاً بقيادة نجيب عويد. 3 ـ منطقة جبل الزاوية وتضم /200/ متطوع بقيادة مصطفى الحاج حسين. 4 ـ منطقة جبل صهيون وتضم /150/ متطوعاً بقيادة عمر البيطار من الحفّة. أما تنظيم جيش الثوار فكان عبارة عن قسمين «جيش قائم بالخدمة، وجيش احتياطي». وقد أسندت الأمور الحربية كقيادة ميدانية للمجاهد نجيب عويد فقام بواجبه على أكمل وجه، كما أسندت الأمور الإدارية للشيخ يوسف السعدون، فقام الشيخ السعدون بتوزيع نقاط الأمن والمراقبة والتفتيش، فقد أقام مخفراً على سور إنطاكية، وفي منطقة جسر الحديد، كما أقام مخفراً لمراقبة العدوعلى كل طريق يؤدي إلى منطقة أوعقدة مواصلات، وكلف قائم مقام القصير التحتاني ومقره قرية الزيارة، وقائم مقام للقصير الوسطاني مقره قرية بابرون، بالإشراف العام، وجعل قرية البرج الكبير مركزاً للإعاشة والتموين)، وبذلك يكون قد أحكم المراقبة على كل خطوط إمداد للعدو، فضلاً على تعيين محكمة إدارية ومحكمة عسكرية متخصصتين تبتان في القضايا التي تواجه مسيرة الثورة، أما الأمور المالية فأسندت إلى المسؤول المالي القائم مقام علي كمال الجمالي يساعده في ذلك حسني الجسري. وقام المسؤولان الماليان بتنفيذ السياسة المالية فقد خصصت الثورة حصصاً مالية؛ بحيث خصّت الأفراد برواتب يتقاضونها كل شهر فكل فرد من المشاة كان مرتبه عشرين مجيدياً، والعريف 25 مجيدياً، والرقيب ثلاثين مجيدياً، والخيّال أربعين مجيدياً. ومن المفيد أن نذكر أن الرواتب والمعاشات وقيمة شراء السلاح والذخيرة والتموين؛ كانت تأتي للثوار وعائلاتهم إما على شكل هبات أو على شكل ضرائب تفرض على المنطقة التي تحكمها الثورة إداريا، وكان إذا تضاربت ضريبتان بين الفرنسيين والثوار تقوم قيادة الثورة بإعفاء الأهالي من دفع الضرائب، منتظرة جمع الضرائب العينية من قبل الفرنسيين، لتكلف الثوار بالإغارة على القافلة الفرنسية المحملة فيغنموها، وبذلك يحفظون الأهالي، ويستولون على الأرزاق، وكان يعتمد الترتيب التنازلي في توزّيع الغنائم، على المجاهدين أولاً، ثم على الاحتياط، ثم على الفقراء، ثم على بقية المواطنين. يقول إبراهيم الشغوري في مذكراته إثر هزيمة فوج الإمداد الفرنسي القادم من حلب إلى الجسر في منطقة دركوش (أكاد أجزم أنه لم يبق أحد في منطقة دركوش لم يولم من أرزاق الجيش). وقد رأت هذه الحكومة بكامل مكوناتها أن تكون في حالة استنفار دائم (مالي وإداري وسياسي ودبلوماسي وقضائي)، فأي مسيرة لا بد من أن تواجه قضايا بحاجة إلى معالجة فورية، وعلى المسيرة أن تحسب حساباتها، فقد قال الشيخ السعدون في مذكراته: (إن نزاعاً وقع بيني وبين عاصم بيك، وذلك من أجل حدث وقع بين إبراهيم هنانو وبينه؛ إذ أمره إبراهيم بأمر فاستخف به وتمرّد عليه، ولم يتخذ إبراهيم هنانو أي إجراء بحقه، فثارت بيني وبين عاصم بيك الفتنة، وانحازت جماعته إليه وانحازت جماعتي إليّ وافترقنا في كللي، وذهب إثرها عاصم بيك إلى المعرة، ودخل البلدية، وأخذ مفاتيح الصندوق وسلب ما فيه من دراهم، ثم بعد ذلك ذهب إلى قرية السقيلبية ونهب القرية، ولم يترك بها كثيراً ولا قليلاً من حلي ودواب وغيره). فاجتمعت المحكمة العسكرية وحكمت بإعدام عاصم بيك كي لا تخرج الثورة عن أهدافها النبيلة. هذه السنة سنتها الثورة منذ الأيام الأولى فحافظت على شرفها النضالي ومصداقيتها أمام الآخرين. يقول الملازم إبراهيم الشغوري أمين سر قيادة الثورة: (إن بعض الأيدي غير الأمينة التي غرّها حمل السلاح والرفعة وأهالها العلو عمدت إلى استخدام السلاح في غير ما حملته لأجله وشذ رقيبان واستخدما سلاحهما في السلب والنهب، فأنذرا بلزوم كف اليد عن الأذى والتسلط على الأموال وضبط منهما المسلوب، وأعيد إلى أصحابه، إلا أنهما عادا بعد حين، واغتصبا من أحد فلاحي بلدة سلقين رأسين من البقر، ولما دافع الفلاح عن نفسه بسلاحه وجرح أحد رجالهم والتجأ إلى سلقين موطنه ومسكنه أخذتهما العزة بالإثم، وهاجما تلك البلدة في وضح النهار، وأطلقا النار عليها بشدة، وقتلا اثنين من أهلها بشراسة، وعادا وكأنهما لم يرتكبا إثماً ولا عاراً. فاجتمع المجلس الإداري للثورة وقرر الاعتذار من ذوي القتيلين ودفع الدية وتجريد الرقيبين الباغيين، وهما محمد حسين زهرة وعبدو حسن زنوب من سلاحهما تمهيداً لمحاكمتهما على جريمتهما الشنعاء، رفض ذوو القتيلين الفدية المعروضة وأصروا على لزوم محاكمة المعتدين، وحفاظاً على الوحدة القائمة بين بلدتي كفرتخاريم وسلقين وتوحيد الجهود لمحاربة العدو؛ اجتمع المجاهدون برئاسة قائدهم عبد الرحيم الأفندي، وقادة الفصائل الذين يقودون فصيلي الرقيبين المجرمين أيضاً والسيد نجيب عويد العضو والقائد العسكري، وقرروا إعدام الرقيبين المذكورين لارتكابهما جريمة القتل العمد؛ واستخدام السلاح في غير مصلحة الوطن وفي سبيل مأرب دنيء؛ أراد الرقيبان التمرد والالتجاء إلى القوة فوقع اصطدام أدى إلى إصابة رئيس العصبة عبد الرحيم الأفندي في ذراعه، وسلمت القيادة إلى نجيب عويد فنفذ حكم الإعدام بأحدهما وتمكن الآخر من الفرار والاتجاء إلى الفرنسيين في حارم، وقد تمكّن منه أحد رجال الثورة بعد حين فقتله)، وبهذا الفعل وأمثاله حافظت الثورة على مصداقيتها ومنهجها بمحاسبة أبنائها الذين شذوا عن سلوك الثوار وابتعدوا عن غاية الثورة. الفطنة والذكاء وسرعة البديهة التي تمتع بها الزعيم هنانو لقد قيض الله لهذه الثورة قائداً حسن التصرف، وسريع البديهة تمتع بمواقف شجاعة وحنكة وحكمة استطاع أن يتدارك بها نفسه وثورته ويطيل أجلها، فمثلاً بعد أن دخل الفرنسيون دمشق وحلب أصاب المقاتلين شيء من الوهن والتشاؤم، وحتى يبعث فيهم روح الأمل ويشحذ النفوس؛ دعا إلى اجتماع في داره وبرئاسته، وكان قد أعطى رسوله (150 ليرة ذهبية) لاستبدالها بعملة فضية، ونحن نعلم أن العملة الفضية تظهر أكبر حجماً، ودخل الرسول إلى الاجتماع بعد الاستبدال، وهو يحمل كيساً مختوما من المال للدلالة على أنه قادم من مكان بعيد، وأعلن رسالته الملقنة له: (إن هذا المال من الأمير زيد بن الحسين وإن السلاح والعتاد وافر وفي الطريق إلى الثوار) كان ذلك في 21 / 8 / 1920 وبهذه الطريقة تم تجاوز التردد). ومن مواقف الذكاء والفطنة ما جرى بينه وبين البدو الذين خلصوه أمواله وحاولوا الغدر به لينالوا الجائزة من الفرنسيين، فهو مرة من موظفي المالية وأخرى ضابط شركسي ذاهب إلى الاردن. علاوة على إعطاء كل موقف حقه، فهو عندما يخاطب أهل بلدته كفرتخاريم ينادي يا أهلي، وعندما وزع منشوراً باسم الثورة نادى المواطنين بكل أطيافهم ودياناتهم فقال: (من العرب إلى العرب)، ثم في ثنايا المنشور قال:(يا بن سورية)، وفي ندائه إلى قناصل الدول لافتا نظرهم إلى ما يجري من تدمير وانتهاك للحرمات قال: (حضرات القناصل المحترمين...). أخيراً لقد استطاع هنانو بهذه الخبرة والقدرة والوعي والوطنية أن يجعل الثورة في علاقاتها مع الدول الأخرى تتكلم باسم سورية بلداً وشعباً وحكومة دون أن تكون بديلاً عن السلطة المركزية. هنانو والأداء السياسي: من المفيد أن نذكّر أننا نتكلم عن إنسان عاقل فاعل، وناشط سياسي فمنذ أن كان طالباً تعرض للسجن والملاحقة، واضطرته المفاجأة لابتلاع بعض الأوراق التي يمكن أن تدينه، وفي زعامته السياسية كان الزعيم السياسي الذي أقام علاقات سياسية مع الدول الأخرى من تركيا الدولة المجاورة إلى إمارة شرقي الأردن، إلى إنكلترا إلى الثورة البلشفية الناهضة في روسيا. فقد دوّن لنا التاريخ رسائل تبادلها هنانو مع لينين زعيم الثورة الشيوعية، وجاء ذلك عند السيد زياد ا لملا في كتابه صفحات من تاريخ الحزب الشيوعي؛ نقلاً عن السيد يوسف يزبك في مذكراته التي تحمل عنوان (أول نوار في العالم وفي لبنان) يقول يزبك: (إن لينين أرسل ضابطاً من القفقاس عرف هنانو قبل بضع سنوات، وعمل معه في خدمة الدولة العثمانية في ولاية حلب، وكان الضابط يحمل رسالة مكتوبة بالتركية يعرض فيها مساعدة ثورة هنانو وأخوته)، يقول يزبك سألت الزعيم هنانو عن مصير الرسالة فأجاب أبو طارق رحمه الله (إنها عدة رسائل وليست واحدة تبودلت بيني وبين بطل البولشفيك لأجل إشعال نيران الثورات على الفرنسيين والإنكليز في تركيا وسورية وفلسطين ومصر، وإن لينين كان مخلصاً في عرضه عليّ، ولكنه أراد أن تكون الثورات من الشعوب الإسلامية كان ذلك بعد نكبة ميسلون) نقل يزبك هذا الكلام عن هنانو عندما زار هنانو بحمدون للاستشفاء عام 1934، ويتابع يزبك قوله إنه جاء ليزور هنانو في مرضه الأخير في حلب عام 1935 وسـأله عن الرســائل المتبادلة بينه وبين لينين، فأشار الزعيم إلى علبة بسكويت موضوعة على خزانة بنيّة اللون، ويقول يزبك: إنه لا يعرف مصير هذه الرسائل بعد وفاة الزعيم هنانو. ويقول سمير سعيد في المرجع ذاته: هناك خطوتان قام بهما لينين تدلان على علاقة سياسية مباشرة مع الشعوب العربية والشعوب الإسلامية الأخرى، تمثلت الأولى بإقامة صلة عملية بثورة البطل السوري إبراهيم هنانو.. . أما الخطوة الهامة الثانية فكانت الدعوة إلى انعقاد المؤتمر الأول لشعوب الشرق في باكو عام 1921 أيلول، وفي رسالته إلى مجلس شعوب الشرق للدعاية والعمل المنبثق عن مؤتمر باكو؛ أكد لينين على المضمون العام في النظر إلى حركة شعوب الشرق والأهمية البالغة التي تعود إلى هذه الحركة على صعيد تقرير الوضع العالمي، وهذا الكلام يدل على اهتمام هنانو بعروبة الثورة، والقيام ضد المستعمر في مصر والشام وفلسطين والأردن. نذكر ذلك لهنانو ونحن نعتز بهذا الامتداد السياسي، فضلاً على قدرته التفاوضية عندما احتاج لإدارة المعركة الدبلوماسية فكان الدبلوماسي المحنك، والمفاوض العنيد فقد دخل في مفاوضات حقيقية، وقاد المعارك السياسية مع المحتلين بقدرة فائقة لا تقل كفاءة عن قيادته المعارك الحربية؛ إذ كان يفهم العلاقات الدبلوماسية علاقة ندية، لذلك تكلم باسم سورية، وقد بدأت مفاوضاته مع تركيا ليؤمن جرّاء ذلك سنداً ودعماً مالياً وسياسياً وعسكرياً للثورة، وكان يعرف تماماً أن المفاوض لا يمكن أن يحصل على كل ما يريد وكما يريد، فجاءت مفاوضاته تحافظ على الثوابت وتحصل على الممكن. أمّا عن المفاوضات بين الزعيم وبين الجنرال غوبو قائد الفرقة التي تعدادها حوالي عشرة آلاف جندي، ومعه الكولونيل فوان الذي كان هنانو قد حرره من الأسر في أريحا يوم كان على رأس خيالة عددهم 150 جنديا وضابطاً، وبعد أسره احتج أنه جاء لمقابلة هنانو حيث أوفده قائد الفرقة للمفاوضة فخلّى عنه هنانو وأطلق سراحه، فقد اقترح الزعيم على الجنرال عقد اجتماع تمهيدي لبحث ضمان أمن وسلامة الاجتماع، وفي 15 نيسان 1921 في قرية كفر نجد تحت الشجرة بحضور كل من عمر زكي الأفيوني قائمقام إدلب في الحكم الوطني والمستشار السياسي لهنانو، والقائد هاشم جمال، وعاصم بك ابن خالة صبحي بركات وإبراهيم الشغوري أمين سر قيادة الثورة ومرافق هنانو، وراسم سلطان، والشيخ يوسف السعدون وهزاع أيوب، يرافقهم أحد عشر فارساً، وفي 17 نيسان 1921عقد الاجتماع التفاوضي في قرية كورين جنوب إدلب عند آل بهلول، ويحدد الأستاذ صلاح الدين كيالي دار المختار الحاج حسن بهلول، وفي رواية أخرى عقد الاجتماع بين قرية نحليا وكفر نجد، وفي هذا الاجتماع الماكر كان الجنرال قد نصب كميناً لهنانو ورفاقه يريد أن يلقي القبض عليه، وكان الكولونيل فوان قد شعر بنية الغدر عند الجنرال من قبل أن يأتي هنانو لموعد اللقاء؛ فاقترح على هنانو وقتها أن يبقيه رهينة بين الثوار حتى عودته لكن هنانو رفض العرض، ولذلك لما تمت المقابلة وتظاهر هذا الجنرال بمظهر القوة والاستخفاف بهنانو، وقال للكولونيل فوان بحضور هنانو: تريدني أن أتفاوض مع هذه العصابة من اللصوص والأشقياء ألا يعلمون أن فرنسا ترفع السماء بحرابها. وكان كلامه بحدة، لكنّ هنانو بادل الجنرال الاستخفاف باستخفاف مواز؛ فتدخل الكولونيل فوان باسم الشرف والعهد والوفاء الذي كان قطعه أن لا يغدر الجنرال بهنانو، وبعد تدخل القدرة الإلهية في الأمر وإيهام الجنرال أن الثوار يطوقون القرية عرض الجنرال غوبو على هنانو تسليمه رئاسة حكومة محلية تشمل حارم ـ إدلب – الجسر – المعرة ـ انطاكية جبل سمعان. فأجابه هنانو: إن من موجبات نقمة السوريين على سياستكم الاستعمارية إقامة هذه الدويلات فهل أرضى لنفسي رئاسة دولة حاربتكم من أجل تمزيقها إلى دويلات؟ إن الفرنسيين دخلوا البلاد بدون رغبة سكانها فلينسحبوا منها إلى خارجها، ولتعلن في البلاد إجراء انتخابات حرة حتى إذا ما تمت الانتخابات فإن هنانو سيكون في طليعة من يرضخون لمقررات المجلس المنتخب. علاقة هنانو مع تركيا: لقد دار حول هذه العلاقة كثير من اللغط غير المبرر، ولأن اللغط بني على سوء فهم علق في أذهان بعض المتابعين السياسيين، فقد رأينا أن نفرد لهذه العلاقة فقرة خاصة لتفنيدها، وإبراز أهميتها من الناحية العسكرية والاستراتيجية. لقد فاوض هنانو الترك، وكأنه يمثل الحكومة السورية، وعقد معهم اتفاقات كانت تخصّ زمن الحرب، وعلقت القضايا المهمة إلى ما بعد التحرير. وطغى الشك على علاقة الزعيم بتركيا، ووزّعت الاتهامات يمنة ويسرة، ولكن كل هذا حصل لأن بعض المغرضين أرادوا أن يدخلوا على الرجل، فبدؤوا بالبحث عن جذور لهذه العلاقة يعلقون عليها حقدهم ويختلقون مداخل لاتهامه بالعمل لمصلحة تركيا، فوجدوا على الغالب الدخول من بوابة دراسته وتسلمه مسؤولياته في ظل الحكم العثماني، فضلاً على ما كان يتلقاه من الدعم المادي و(اللوجستي) من الجيش العثماني. وإذا ما بحثنا عن الدافع الحقيقي للدعم العثماني للزعيم فسنجد أن هناك ما يبرر هذا الدعم. أول هذه التبريرات التوافق على الهدف؛ فقد بدأ هنانو بمقارعة الفرنسيين، وكان العثمانيون لا يزالون في حالة حرب مع الفرنسيين؛ يؤكد ذلك توقف الدعم العثماني عن هنانو بمجرد دخول الأتراك في مفاوضات مع الغرب لإنهاء حالة الحرب. وقبل هذه العلاقة كان الزعيم يطارد فلول الجيش العثماني فلقد ذكر المجاهد يوسف السعدون في مذكراته (أنّ الزعيم هنانو التقى الأمير ناصر ابن عم الأمير فيصل في قضاء المعرة حيث عهد إليه الأخير تطهير منطقتي حارم وانطاكية من الشراذم العثمانية والحيلولة دون وقوع الفوضى التي تعقب كل انقلاب وتأمين الأمن وتثبيت النظام، ولما بلغ مدينة انطاكية بعد أن أقام في الريحانية حكومة عربية، وكانت الريحانية مركز قضاء حارم آنذاك، وانسحب الجيش العثماني رأى تصرفاً لا يليق بأخلاق المقاتل المسلم؛ إذ انفرد نفر من ضعاف النفوس من أبناء انطاكية، وأرادوا تمزيق العلم العثماني المرفوع فوق دار الحكومة، استنكر الزعيم هذه المحاولة، وتقدم آمراً بإنزال العلم محترما، وأمر برفع العلم العربي الذي أخذ يرفرف لأول مرة في سماء المدينة، وألقى كلاما لا يصدر إلا عن قائد شريف يستلهم الوحي من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «ارحموا عزيز قوم ذل» وألقى على الحشود المجتمعة الكلمة التالية: ( إن هذا العلم قد أظل الإسلام والعروبة ستة قرون فمن حقه عليهم أن يبقى محترماً، وإن الشعب التركي الذي لا زال يستظل به هو أخ للشعب العربي وإن تفرقا)، وهذا الكلام يفرق بين الأخوّة والاحتلال فالزعيم هنانو قاتل الترك ليحرر الأرض، ولمّا تحررت أصبح الواجب احترام حق الأخوّة، وهذه الحادثة تزيد في وطنية هنانو ولا تنقصها، وأعتقد أن هذه الحادثة أيضاً زادت من الرغبة في التعاون العسكري بين العثمانيين وبين هنانو في الدفاع عن حرية الأرض لما داهمهما الخطر الفرنسي، ولا يمكن لمن يضحي لطرد الغاصب من أرضه مرتين أن يقبل بعودة الحكم العثماني، لقد كان هنانو يتعامل مع تركيا من موقع الندّية؛ إذ تفاوض مع صلاح الدين عادل باشا قائد الفيلق الثاني التركي وباسم الحكومة السورية، والدليل ما جاء في بنود الاتفاقية ومن يقرأ البنود المتفق عليها يدرك قدرة هنانو على التفاوض وحرصه على الثوابت، وهذه بنود الاتفاقية كما أوردها الشيخ يوسف السعدون في مذكراته غير المطبوعة: 1 – تدفع الحكومة التركية إلى الثورة ما يحتاجونه من الخرطوش، ومدفع جبلي واحد أو أكثر حسب اللزوم. 2 – شكل العلم أن يكون العلم ذا وجهين الوجه الأول عربي والوجه الثاني تركي، ويكتب على الوجه الأول ( إنما المؤمنون أخوة ) وعلى الوجه الثاني ( فأصلحوا بين أخويكم ). 3 – لا تحدد الحدود بين سورية وتركيا إلا بعد جلاء العدو عن أراضيهما وحصولهما على الاستقلال التام، فحينئذ تتفق الحكومة التركية والسورية على تعيين لجنة مشتركة تقوم بوضع الحدود التي تتفق عليها الدولتان. 4 – إن هذه الإعانة التي تقدمها تركيا إلى السوريين هي إعانة الأخ لأخيه؛ والجار لجاره ولا وليس لطمع أو جر مغنم. 5 – تقدم الحكومة التركية بعض الجنود المدربين على المدفعية لتدريب الثوار على كيفية استعمال المدافع المتنوعة من رشاش وقذائف وغيره، بعد أن يوجد بين الثوار متدربين على المدافع بأنواعها يعود هؤلاء الجنود إلى بلادهم. من يقرأ هذه البنود يعرف أن المفاوضات كانت بين الحكومة التركية وممثل عن الدولة السورية المرتقبة بعد الاستقلال، والدليل ما ورد في البند الثالث من عبارات مثل (تتفق الحكومة السورية والتركية على تعيين لجنة مشتركة )، إذ وردت صريحة في جملة (التي تتفق عليه الدولتان). وهكذا نرى هنانو عندما كانت الجيوش العثمانية لا تزال على أرض الوطن كان هنانو يلاحق فلولها، وعندما داهم الوطن العدو الأبعد والأخطر عقد اتفاقية دبلوماسية في تعابيرها وندّية في مؤداها. هنانو ومفهوم الوطن والمواطنة: لقد فهم الزعيم أنّ الوطن هو الانتماء الأول، كما فهم أنه غير مقتصر على الجغرافيا لكنه بوحدته الجغرافية يشكل ذاكرة الأمة وفاعلية الأجداد دوّنها التاريخ على هذا التراب الطاهر أحداثاً وحضارة، وفهم أيضاً أن الوطن بوحدة مواطنيه مظلة تظلل كل الشركاء في التراب والماء والهواء والآمال والآلام بكل مشاربهم ومذاهبهم؛ من هنا أقام علاقاته الودية مع جميع المذاهب والطوائف والأعراق على أرضية حرية الوطن وكرامة المواطن. وبنظرة فاحصة مدققة لهذا المجتمع المعلن حديثاً (مجتمع الثورة بقيادة هنانو) نجد الخليط العجيب من جميع العائلات الفقيرة والغنيّة الضعيفة والقوية؛ إذ ترى (المزارع والتاجر والعامل البسيط والفلاح والمرابع والضابط والوجيه) كل هذه الشرائح كانت ممثلة في ثورة هنانو، وكانوا منسجمين مؤمنين بأنهم يقومون بواجب الوطن، ويدافعون عن العقيدة، كما أنهم كانوا مؤمنين بقيادة هنانو الفذّة فقد أسرهم بشخصيته وأدهشهم بزعامته، وأرضى طموحهم بحكمته وحنكته فهو القائد الوحيد على مساحة الحقب المتأخرة الذي استحق صفة الزعامة بحق؛ إذ لم يذكر اسمه قط في المحافل إلا وصفة الزعيم متلازمة مع هذا الاسم فلو أنك سألت عن قائد ثورة الشمال فسيكون الجواب: إنه الزعيم إبراهيم هنانو، والزعامة هي أشمل صفات القيادة لأنها صفة لا تمنح من سلطان، ولا من أمير وليست محددة في دستور ولا ضمها تسلسل هرمي؛ إنها صفة تمنح من المحيط الاجتماعي. نعم لقد تميّز هنانو فتميّزت شخصيته وتميّزت ثورته لأنه بدأها قبل أن تضطرب مصالحه الشخصية، فالثورة عنده ليست مصلحة شخصية، ولا ردة فعل غير محسوبة النتائج، كما أنها ليست غيرة أو تنافساً، ولم تكن قط لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، إنها الثورة من أجل حرية الوطن والمواطن، والدفاع عن الكرامة بكل تأكيد، وهي كثورة ميسلون ليس لها غاية ولا دافع إلا الشرف والكرامة الوطنية، وهكذا تكون المقاومة الحقّة حالة نضالية مرهونة بحفظ الحقوق والدفاع عن الحرية الإنسانية ومقوماتها، وقد فهم هنانو أنّ المال والنفس وسيلتان يضحى بهما من أجل الكرامة والحرية عند بروز أي تحدٍّ للثوابت الثلاثة التي حدّدها رسولنا الأكرم في حديثه الشريف الذي أورده الترمذي في حلل ثلاث تجمع في معناها (المال والدين والأهل)، فقال صلى الله عليه وسلم: «من مات دون ماله فهو شهيد ومن مات دون دينه فهو شهيد ومن مات دون أهله فهو شهيد»، وهنا وضع رسولنا الكريم النفس وسيلة يضحى بها عند تهديد الوطن والمال والدين، وهاهو هنانو يقدم نفسه وماله فدية رخيصة في سبيل حرية الوطن، ويخرج متاعه وأثاث بيته، وهو أهم وأقرب مال يملكه الإنسان، فيحرقه أمام منزله قبل أن يطلق رصاصة واحدة، بعد أن حدّد هدفه وغايته فكان مقاوِماً بحق إذ المقاوِم الحق هو الذي يحدّد الغاية والوسيلة والكيفية، فضلاً على زمان ومكان المقاومة، كما فهم أن الأهل كل أبناء الوطن بكل أديانهم ومذاهبهم ومشاربهم يدافع عنهم جميعاً ويدافعون عنه، فعلاقاته الاجتماعية والنضالية بكل الطوائف والأديان، ويمكننا أن نأتي على بعضها فمع المناضلين من الطائفة العلوية كانت الأخوة الرائعة في النضال والوحدة الوطنية كما تشهد بذلك مواقفه، وأيضاً علاقاته المتميزة التي أقامها مع المسيحيين واحترامه لهم ودفاعه عنهم. أما عن علاقته مع الأكراد فحدّث ولا حرج لقد دافعوا عنه بأكثر مما طلب منهم، فمن آل غباري عارف آغا الغباري، إلى سيدو ديكو آغا الذي طلب منه هنانو يوماً نسف خط القطار القادم من اسكندرونة بين محطتي ميدان اكبس وبلدة قاطمة، لكن سيدو آغا نفذ الأمر في ممر وادي الشب، وهو ممر يقسم سلسلة جبلية بطريق إجباري للقادمين من ميدان اكبس إلى عفرين. فأخرج عربات القطار عن مسارها وهاجم القطار في موقعة نضالية تعج بالوطنية، بهذا الحب وذاك الفداء كانت تتميز العلاقات بينه وبين من يعرف ومن لا يعرف من أبناء وطنه. ومن محبة الناس لهنانو خرجت حلب بممثليها تطوق المحكمة التي كانت تحاكمه، ومن الموقف ذاته وقف شاب لا يعرفه هنانو، بل لا يعرفه كثير من الحضور في قاعة المحكمة ليجيب عن سؤال هيئتها القضائية عمن كلف هنانو بالدفاع عن سورية من أبنائها ليعلن بصوت عال: إنني أحد الذين كلفوه بحمل أمانة الدفاع عن الوطن، ويعرف هذا الشاب بعد ذلك لكل أهل سورية، بل لكل العرب بسعد الله الجابري الذي أصبح مع هنانو ركني الكتلة الوطنية المدافعة عن الوطن. ولما شعر هنانو أن عمر الثورة أصبح قصيراً دعا إلى مؤتمر عام للثورة حضره جميع القادة، وشرح لهم وضع الثورة وموقفها العسكري والاقتصادي والتمويني والإمداد، وتباحث معهم عن أفضل السبل الواجب اتباعها بعد أن نفدت الذخيرة، ولم يعد هناك مال لشرائها، وإن وجد المال فلن توجد الجهة التي تبيع السلاح، فاقترح المجاهد نجيب عويد الالتجاء إلى تركيا حتى يتمكن من شن الغارات كلما مكنت الظروف، ولكن هنانو أدرك أن هذا الالتجاء إلى تركيا خطأ بعد أن قطعت الإمداد عنه، ولم تعد حليفة حتى في الموقف، كما أن هذا الالتجاء سيجعل من الممكن وصم الثورة بالتعاون مع رجال هذه الدولة؛ خاصة بعد أن عقدت اتفاقات مع فرنسا وأغلقت أمامهم الأبواب، كما أدرك أيضاً أن ذهابه إلى تركيا ليس كذهاب غيره، لذلك جاء رده «والله لو خيرت على أن أكون مسلماً تركيا أو مسيحيا عربيا لاخترت الثانية، ولذا فإنني أفضل اجتياز الصحراء الشاسعة إلى شرق الأردن لأعيش في كنف حكومة عربية على أن التجئ إلى تركيا التي هي على مرمى قوسنا». تحليل عام للثورة أولاً: إن أشهر معارك الثورة هي ما كانت تحريراً لمدينة أو بلدة ، مثل تحرير كفرتخاريم بشبه معجزة، وتحرير جسر الشغور يوم تكبدت القوات الفرنسية يومها /1050/ قتيلاً واستغرقت المعركة أحد عشر يوماً وهذا الرقم والمدة لا تحصل في حرب حديثة. أما معركة إدلب ومعركة جبل الزاوية يتراجع فيها العدو مخلفاً وراءه /1200/ قتيل. كما تذكر معركة إدلب الثانية ومعركة أريحا عند المجاهد يوسف السعدون. ثانياً: إن أهم ما يميز ثورة هنانو أنها كانت أول ثورة منظمة تحسست الخطر الداهم عبر المتوسط فجابهته بتنظيم قل مثيله، وبعلاقات عقدتها مع الدول الأخرى باسم سورية دون أن تكون بديلاً عن السلطة، ودون أن تتكلم باسمها، فقد بدأت ثورة هنانو قبل معركة ميسلون بأكثر من عام،. لأن الفرنسيين دخلوا الاسكندرونة، ومنها إلى انطاكية قبل أن يدخلوا دمشق كما رأينا، وكانت لا تزال الحكومة السورية على رأس السلطة في سورية، كما تميّزت ثورته بجماهيرية حقيقية وبحب دافئ غمر الثوار حيثما حلّوا وأينما توجهوا. ثالثاً: إن ثورة هنانو كانت تحمل صفة الدولة بكل ما تحمل كلمة الدولة من معانٍ، ففيها السياسة والتوجيه والتربية الوطنية والأخلاقية، وفيها الترغيب والترهيب، وفيها الأمن والإمداد والعلاقات السياسية مع الدول الأخرى، فلقد أضفى إبراهيم هنانو من شخصيته ووعيه على الثورة، كل هذه المعاني لأنه عني بكل الجوانب التي تعطي الحياة للثورة، فهو الزعيم السياسي والعسكري والاقتصادي والاجتماعي، وهذا ليس كلاماً عاطفياً، وإنما البرهان العقلاني الواضح المعالم والبيّن السبل. لم يوقف هنانو قتاله ولم تلن له قناة بالرغم من مواقف الدولة السورية وقتها قليلة التأثير وقليلة المساعدة، وفي عام 1920 تموز عندما قام الفرنسيون باحتلال دمشق خاطبه الأمير زيد شقيق الملك فيصل يدعوه للالتحاق بعمله والاستمرار على نهج المقاومة، وكان يرى هنانو استمرار القتال وهم كانوا يرون الرضا بواقع الاحتلال 1920، وبعد هذا التاريخ بدأت الثورة تمر في أصعب ظروفها فالفرنسيون أحاطوا بها من كل جانب، وكان قبل ذلك يتلقى هنانو دعماً معنوياً، كما أن ظهره كان محمياً لعدم وجود أعداء في الداخل، فقد كانت حلب وحمص وحماة خارج دائرة الاحتلال. إنّ ما كتب ويكتب عن ثورة هنانو على غناه لا يعدو أن يكون غيضاً من فيض وملامسة بسيطة لبعض الأحداث. وتبقى الثورة أغنى منه عطاء وأكبر منه قيمة، ففي كل يوم نعثر في بطون الكتب، أو عند أصحاب الأخبار على خبر يضاف هنا وحادثة تدوّن هناك، لقد كان هنانو بحق مثال المناضل القائد والزعيم الخالد. خاتمة: للتاريخ نقول: إن ثورة هنانو على ما فيها من تميّز وأسبقية تبقى واحدة من ثورات القطر، وانتفاضاته التي جعلت من مساحة القطر الجغرافية ميداناً للنضال الوطني، فمن فاعور درعا وأحمد مريود في الجولان وأطرش السويداء إلى دمشق الشام برجالها ونسائها حسن الخراط، وأم فهد الزيبق، إلى حمص العديّة إلى لاذقية العرب وآل البيطار في الحفة إلى ثورة الشيخ صالح العلي في جبال العلويين إلى حماة فحلب والجزيرة، كل هذه المناطق كانت في حالة غليان عام طيلة فترة الاحتلال، وفي حالة مقاوِمة سياسية وعسكرية حتى اقتصادية. والفقرة التي أحب تقديمها قبل أن أختم كلامي هي عبارة عن مجموعة أفكار. الفكرة الأولى: كنت دائماً أشعر بالذنب وألوم نفسي لأنني لم أكتب عن الزعيم إبراهيم هنانو، كما أنني أعتب على أهل الزعيم وعشيرته وأهل بلده ومحافظته، وأخيراً أهل الوطن كله للتقصير الحاصل مع هنانو وأمثاله والذي لا يدل على وفاء لتاريخنا المضيء ورجالاته، فنحن اليوم نجيد العبث وفن العقوق، ومن يعق تاريخه أو يعبث به، ولا يحترم رجالاته، ولا يتكئ على ماضيه ويجعله قاعدة لانطلاقه يعبث فيه الحاضر والمستقبل. فالتاريخ جذر، والجذر هو الوتد الأخير المقاوِم، ففي بلدة هنانو الصغيرة وعلى سبيل المثال، وحتى تاريخ كتابتي هذه السطور لا يوجد نصب تذكاري لهذا الزعيم البطل، كما لا يوجد أي إشارة تدلّ على موقع واحد من مواقع المعارك الخالدة التي جرت بين الثوار وبين المستعمرين الفرنسيين، لذلك اسمحوا لي أن أقترح عبر مقالي مقترحات أظنّها مفيدة، كما أظنها تخصّ محافظة إدلب بلد الزعيم هنانو والجغرافيا المركزية التي احتضنت الثورة أكثر مما تخص جهة أخرى، علماً أن كثيراً من الجهات الرسمية أو المنظمات الشعبية يمكن أن تقوم أو تشرف، أو تنفذ بعض أو كل ما نقترح ويكن أن نلخص اقتراحاتنا بالآتي: أولاً: تحديد أهم عشرة مواقع لمعارك سطّر فيها الثوار ملاحم البطولة، ولا تزال محفوظة في أذهان الناس وبالوثائق، وذلك بوضع شاخصة في كل موقع تؤرخ للمعركة، وتكون منارة سياحية ونضالية وتاريخية تقدّم للزائر بشكل مختصر أسباب ونتائج هذه المعركة ( أسماء الشهداء، وخسائر العدو)، وتحتفظ بذاكرة نضالية تقدمها للأجيال، ويمكن تعبيد مساحة بحدود 100 م2 تقف بها الحافلات، ويسجل الموقع كموقع أثري وسياحي نضالي وطني، خاصة وأنّ أشهر المعارك التي دوّنت التاريخ الناصع على جغرافية الأرض، كانت كما قلنا إما على شكل كمائن على جوانب الطرقات يتصدى الثوار لحملة فرنسية كمعركة دركوش، والمرد، وإدلب الأولى، وتلتيتا، وإما دفاعاً عن مدينة،أو محاولة تحرير مدينة، كما حصل في جسر الشغور الأولى، والثانية، وأريحا، وكفرتخاريم، واسقاط، وكللي)، وهذا العمل البسيط وغير المكلف مع طبيعة محافظة إدلب الساحرة يساعداننا في الاستقطاب السياحي، ولمن لا يعرف إدلب نقول: إن في إدلب توافقاً بين الموقع السياحي، والسياحي الأثري، ولا بأس أن نضيف السياحي النضالي. وهذا يسهل وضع برنامج لطلاب الوطن لزيارة هذه المواقع، وفي هذا نكون قد أرّخنا للموقع، وحفظنا جغرافيته من الضياع، كما حفظنا تاريخه من النسيان، وربينا طلابنا على التعلّق بوطنهم فضلاً على خلق روح النضال والعزة في نفوسهم، وساهمنا بتخليد المشهد والمعلومة في ذاكرتهم، علاوة على أننا نكون قد وفينا لرجال الثورة شيئاً من الدَين الذي في رقابنا، ودللنا على قليل من الود، وحفظ الحقوق علينا. ثانياً: التعميم لكل أبناء الوطن ممن يوجد عنده وثيقة أو معلومة موثقة أو مذكرات مخطوطة تتكلم عن الثورة أو تفيد بالإشارة إلى سلوكها أو علاقاتها، أو أي شيء يتعلق بالثورة ضرورة تقديمها إلى الجهة المعلنة. ثالثاً: إحداث بنك معلومات نضالي مهمته جمع المعلومات المشار إليها في الاقتراح الأول. رابعاً: تشكيل لجنة من الباحثين المشهود لهم بالغيرية والوطنية، ممن أحبوا هنانو بالعمل على توثيق المعلومة لتكون إرثاً نضالياً وشاهداً حاضراً ودليلاً صادقاً. خامساً: العمل على إحداث جناح في متحف إدلب يضم التراث الثوري في المحافظة، وصور شخصية لرجال الثورة وشهداء العزة والإباء، ومجسمات ومخططات للمواقع الحربية. سادساً: ضرورة توضيح نقاط التوافق الأخلاقية بين الفرنجة في حروبهم الصليبية وأخلاقية الفرنسيين الإفرنج الجدد من حيث الجرائم الجبانة والقتل الجماعي، فمذبحة كللي مثلاً راح ضحيتها أكثر من عشرين شاباً أعدموا في ساحة القرية، وقصف الجامع الكبير في معرة مصرين باثنتي عشرة طائرة، لأن القيادة الفرنسية توقعت وجود هنانو وصحبه فيه، وحرقت البيادر والمحاصيل الزراعة في قرية زردنا. الفكرة الثانية: وهي اعتراف بالفضل لأهله وأخص بذلك شخصيتين كبيرتين لا بد لي من ذكرهما هما (الحاج فاتح مرعشلي، والأستاذ فتح الله الصقال) هذان الفاتحان اللذان حملا باسمهما بشرى الفتح، فالأول: كان له شرف دعم الثورة بالإمداد. والثاني: دعم الثورة بالدفاع عن قائدها في وجه عدالة المستعمر الظالمة. الفكرة الثالثة: ضرورة التوضيح بأن النضال الوطني يمثل أعلى مراتب العز، فقد أصبحت وفاة هنانو عرساً وطنياً ورمزاً للوحدة العربية، وقد انهالت البرقيات من المسؤولين العرب بالرغم من أنه لم يتسلم مسؤولية قط سوى قيادة ثورة الشمال وزعيم الكتلة الوطنية فيما بعد. الفكرة الرابعة: الاستفادة من الدروس النضالية لمن ضحى بكل غال ونفيس، وكان معلماً في النضال يقول المجاهد يوسف السعدون: أفراد هذه الثورة هم أساتذة كل ثائر في الشرق الأوسط عامة، وفي العرب خاصة؛ حتى الأتراك أنفسهم اقتدوا بثورة الشمال وعنهم أخذوا / السعدون صفحة 13 . الفكرة الخامسة: أحببت أن أقدم أقوالاً وأفعالاً نقلت عن الأعداء لنعرف هنانو في عيون أعدائه، فإذا ما كان الحق ما يشهد به الأعداء فإليكم ما جاء على لسان بعض الجنرالات الفرنسيين في الزعيم وثورته. ـ يقول الجنرال غورو: ( إن ثورة الشمال التي اندلعت شرارتها بقيادة إبراهيم هنانو ونجيب عويد جعلتنا نفقد كثيراً من عزتنا و مكتسباتنا المادية، وقد أجبرتنا هذه الحركة على ترك كيليكيا التي هي الثدي الطبيعي لتغذية مواردنا الفرنسية). ـ أما الجنرال فيجان فقد وقف في ساحة الشهداء ببيروت في عام1923 متحدثاً عن الخسائر التي ألحقها إبراهيم هنانو بالجيش الفرنسي في ثورته: (لقد اضطرت فرنسا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى إلى أن ترسل أبناءها إلى ساحة القتال في سورية لمواجهة الثورة هناك فبلغ عدد قتلانا تسعة آلاف ومئة وتسعين جندياً مع أربعمئة وخمسين ضابطاً. فقولوا أيها الناس هذه الحقيقة لأولادكم ولأهلكم). ـ وكان قد كتب الجنرال سراي في صحف فرنسا عن ثورة هنانو مقالاً قال فيه: (إلى عام 1922 فقط قامت في سورية أكثر من 32 ثورة دفن في أرض سورية من الجيش الفرنسي مالا يقل عن تسعة آلاف جندي) (من إيبلا إلى إدلب)، والذي يدقق في التاريخ يرى أن الثورات التي قامت حتى ذلك العام أهمها ثورة هنانو والشيخ صالح العلي ومعركة ميسلون، وبعض المناوشات في المدن والقرى السورية. ـ أما الجنرال غوبو فقال: (عندما قابلت ابراهيم هنانو شعرت كأنني أقابل جبلاً عنيداً وخصماً شريفاً، وإنني انحني إجلالا لصمود هذا الرجل). ـ وقد علمنا أن الكولونيل / فوان / ظل يراسل هنانو من فرنسا حتى وفاته 1935 احتراماً له. ـ المستشار الفرنسي في عفرين ترك ضيوفه من آغوات المنطقة في مكتبه، وقفل عليهم بالمفتاح وذهب لاستقبال هنانو الذي جاء لزيارته، ولما عاد وجدهم غاضبين فقال: أنا أسرعت لاستقبال الزعيم واحترمته لأنه يستحق ذلك، فهو قاتلنا، ولكن دفاعاً عن وطنه، وقد باع أرضه ودفع ماله ليصرف على قتالنا، أما أنتم فتأتون إلي لتأخذوا مني أموالاً وأملاكاً لتقفوا ضد وطنكم، ولا يهمني غضبكم فأنا استعملكم بالمال، ويهمكم غضبي لأنني لو غضبت فسوف استبدلكم فمن من الطرفين يستحق الاحترام والتقدير أنتم أم الزعيم . أصدقكم القول لو كان هذا الزعيم منا لأقمنا له التماثيل تقديراً لما فعل. أخيراً لا بد لي من توجيه شكري الخاص إلى مدينة حلب التي احتضنت هنانو رئيساً لديوان ولايتها، واحتضنته وأمدته بالمال والسلاح، وقفت إلى جانبه ثائراً وزعيماً، ودافعت عنه سجيناً ومتهماً، واحتضنته محامياً وسياسياً فذّا في الكتلة الوطنية، وأخيراً احتضنت رفاته رمزاً نضالياً يليق به، فشكراً لحلب التي كانت لهنانو أماً حنونة يأوي إلى صدرها حين يشعر بالبرد والحاجة إلى الحنان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته المراجع ـ الثورات السورية المؤلف – الجندي ـ أدهم آل الجندي، طباعة سنة 1960 ـ مطبعة الاتحاد. ـ كتاب صفحات من تاريخ الحزب الشيوعي – لمؤلفه زياد الملا – الصادر عن دار الأهالي دمشق 1994 صفحة 36 / نقلاً عن السيد يوسف يزبك في مذكراته أول نوار في العالم وفي لبنان. ـ كتاب من إيبلا إلى إدلب – المؤلف: الباحث فايز قوصرة – دار العلم للطباعة حلب ط 1 / 2004 / – /صـ 283 – 370 /. ـ مخطوط بركان الشمال – المؤلف صلاح الدين كيالي . نسخة المؤلف ـ مخطوط مذكرات الشيخ يوسف السعدون . نحفظ صورة منها في مكتبتنا ـ مخطوط مذكرات المجاهد ابراهيم الشاغوري . نحفظ صورة عنها في مكتبتنا ـ مخطوط ما قيل في الزعيم هنانو يوم رحيله . نحفظ صورة عنها في مكتبتنا |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |