|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
مآل الحرب الأميركية على الإرهاب ـــ محمد نديم تقديم يكاد تاريخ البشرية أن يكون بمجمله، هو تأريخاً للحروب، التي خاضتها الجماعات والدول على مر العصور. فتاريخ مصر القديمة عرفناه بأدق تفاصيله من خلال حروبها مع (الهكسوس)، ولم نتعرف إلى الهند وحضارتها إلا من خلال احتلال الرومان لها ومن بعد الاحتلال البريطاني حتى منطقتنا العربية، والإسلامية لم تدخل التاريخ إلا من خلال الغزوات، والاحتلالات التي عانت منها، على مر القرون. ولم يشذ تاريخ أوربا عن هذه القاعدة فمن غزو الشمال للجنوب والحروب الطويلة لعقود من الزمن والتي أصبحت من الحروب التقليدية بين فرنسا، وألمانيا، وانكلترا، وإسبانيا، وعلى رأسها حروب نابليون التي عرفتنا إلى روسيا. ولا ننسى الفتوحات، والغزوات الاستعمارية، التي اجتاحت العالم القديم، والتي قادت، أيضاً، إلى اكتشاف عوالم جديدة، وما الحضارة الأوربية، حديثة الإنتاج، تلك الغزوات، وسرقة ثروات العالم القديم، والعوالم الجديدة، واستعمارها. إن الحروب بمجملها وعلى مدار التاريخ تكاد أن تكون، دوماً، بين ندين؛ وهزيمة أحدهما تكون نتيجة خطأ استراتيجي، أو تكتيكي، في معركة فاصلة، أو نتيجة عوامل أخرى، لم تكن في الحسبان، ففي الحروب، لا يوجد ما يسمى، بالتعادل الذي تعرفه الألعاب الرياضية، هناك دوماً منتصر وآخر مهزوم، وقد ينتصر طرف، في البداية ثم ينهزم في النهاية مثل حروب نابليون ضد روسيا، وألمانيا في الحرب العالمية الأولى والثانية. يستثنى من هذه الحروب، الغالبة، في التاريخ، تلك التي تكون من طرف واحد مثل الحروب الاستعمارية، وتلك التي وسمت نهاية الامبراطوريات العظيمة، التي نخر فيها الانحلال. مثال من التاريخ في عام 1907 تحالفت فرنسا مع إنكلترا وروسيا، في مقابل الحلف الألماني النمساوي، وفي بداية عام 1914 صار واضحاً للمراقبين أن الحرب أصبحت محتملة الوقوع، فقد جرى في البحر وعلى البر سباق للتسلح بين الفرقاء، فتضاعف عدد البوارج والطرادات الإنكليزية بين ضعفين وخمسة أضعاف، وزادت فرنسا ميزانية التسلح ثلاث مرات، وزادتها روسيا ست مرات ومددت الخدمة العسكرية الإجبارية في الدول الأوربية الكبرى، وارتفع عدد المشاة في الجيش الفرنسي، إلى ثلاثة أرباع المليون، من الرجال. في الأول من آب عام 1914 أعلنت ألمانيا التعبئة العامة، وفي الثالث منه أعلنت الحرب على فرنسا، وفي اليوم التالي احتلت بلجيكا. الحرب التي شنتها ألمانيا لم تكن مفاجأة، ولم تكن من طرف واحد، فقد كانت جميع الأطراف تنتظر بداية هذه الحرب، وكل من الجهتين المتحاربتين كان لديها أهدافها، وخططها التي وضعتها موضع التنفيذ. خلال سنوات الحرب، ونتيجة المعارك التي استمرت حتى عام 1918 فقد كان المنتصر هم الحلفاء والمهزوم هي ألمانيا التي قبلت، في غابة (كومبيانيا) بشروط الحلفاء القاسية التي تلخصت بما يلي: ـ جلاء الألمان عن البلدان المحتلة من قبلها، بما فيها الألزاس واللورين. ـ تسليم الآلاف من المدافع والطائرات والقطارات والغواصات وحجز الأسطول الألماني. ـ احتلال قسم من الأراضي الألمانية. وكانت نتيجة هذه الحرب ما يلي: ـ ثمانية ملايين ونصف من القتلى وعشرون مليوناً من الجرحى. ـ فقدان أوربا لسيطرتها على الاقتصاد العالمي، لصالح الولايات المتحدة الأمريكية. ماهية الحرب الأمريكية على الإرهاب قبل الخوض، في خصائص الحرب الأمريكية على الإرهاب، لابد أن نتفق على (مصطلح) هذه الحرب. لقد جرت محاولات خارج وداخل الأمم المتحدة لتعريف الإرهاب، ووضع مصطلح له دون جدوى، ثم تركزت المحاولات حول مجرد التفريق بين الإرهاب والمقاومة المشروعة ضد الاستعمار والظلم وفق الشرائع الدولية الموثقة لدى الأمم المتحدة، دون جدوى أيضاً، وذلك بسبب معارضة الولايات المتحدة لوضع تعريف للإرهاب. وذلك لسببين: الأول: لأن الولايات المتحدة تعتمد بالأساس في تثبيت سيطرتها على العالم، على الإرهاب الذي تمارسه دون قيد أو شرط، وقد كانت البداية، في (هيروشيما) عندما قتلت في لحظة واحدة ثمانين ألفاً من البشر، مرهبة العالم منذ ذلك الوقت بسلاحها النووي، ثم في الأسلحة غير التقليدية التي تقع بين البندقية، والقنبلة النووية وممارسات (المارينز) كما جرى في (فيتنام) والعراق، وفي حرب الخليج الثانية، ويوغسلافيا وما يجري حالياً، في أفغانستان والعراق بعد احتلالهما. الثاني: لأن الإرهاب حسب التعريف الأمريكي الذي تمطه وتلونه وتبدله كما تريد، هو الوسيلة الناجعة التي تستعملها في استهداف أية دولة، أو نظام، أو شعب، يقاوم توجهاتها ولا ينصاع إلى مطالبها، التي تتلخص بعد كشف القناع، عن هذه الدولة.. راعية العالم الحر في التغيير الجذري لمعتقدات شعوب العالم، عامة، وفي منطقتنا على وجه الخصوص. بحيث تقبل بقيادة أمريكا حسب نموذجها، وإلى الأبد، قبولاً مطلقاً. لذلك وحتى لا نتعب أنفسنا، دون جدوى من الاتكاء، على مصطلح لا يعترف به الطرف الفاعل الأول في هذه الحرب (أمريكا) لذلك علينا أن نأخذ بالمصطلح الأمريكي، في جميع ما ندرسه مثلما أخذنا سابقاً بمصطلح (الاستعمار) ذي المعنى الجميل، والمضمون البشع. إن الحرب الأمريكية، على الإرهاب هي حرب عالمية ثالثة، بجميع المقاييس أخذت الولايات المتحدة تتحضر لها، منذ بداية سقوط الامبراطورية السوفييتية، وهي تجمع حولها الحلفاء، وإن جميع قدراتها العسكرية التي كانت قد حضرتها للمواجهة مع الاتحاد السوفييتي؛ تستخدمها اليوم في حربها على الإرهاب. عقدة فيتنام إن حرب فيتنام، التي خاضتها الولايات المتحدة ضد فيتنام الشمالية، ومقاتلي (الفييتكونغ) في فيتنام الجنوبية والتي كان يدعمها من الباطن، كل من الاتحاد السوفييتي، والصين الشعبية وهما في أوج قوتهما، والتي مرغت الجيش الأمريكي وسلاحه في الوحل.. لسنوات كانت هذه الحرب نقطة سوداء بمساحة الولايات المتحدة فتقرر بعدها عدم تكرارها، لذلك ومنذ حرب فيتنام وحتى احتلال العراق كانت حروب أمريكا تعتمد على السلاح الجوي.. ومن بعيد.. وجرى إلغاء دور المشاة، من العقيدة العسكرية الأمريكية. فجرى تطوير، السلاح الجوي الأمريكي بالطائرات فائقة السرعة والعلو والحمولة بالذخيرة الفتاكة، والصواريخ العابرة، وعلى رأسها (التوماهوك)، لذلك فقد تم استسلام يوغوسلافيا في حرب جوية استمرت ثمانين يوماً فقط دون إشراك جندي مشاة واحد. العودة إلى جندي المشاة الحرب على الإرهاب تستهدف بالأساس الشعوب وليس الدول، لذلك كان لا بد للولايات المتحدة الأمريكية أن تعود، إلى (المارينز) وتحييه من جديد لكن عقدة فييتنام كانت تقف حائلاً أمامها، فكان لا بد من التخلص من هذه العقدة بعملية جراحية نفسية تعيد المشاة الأمريكيين إلى ساحة الحرب، فجلبوا نصف مليون منهم ليخوضوا حرب الخليج الثانية، لكن أمريكا اكتشفت أن العراق في حرب (1991)، وهو يستوعب الحرب الجوية التي دمرت سلاحه الجوي ومقاوماته الأرضية، وبنيته التحتية العسكرية، فقد كان ينتظر الحرب البرية وكان مستعداً لها وراح يطلبها خاصة بعد هجومه على (الخفجي)، لكن أمريكا وبعد بدء الحرب البرية قد تفاجأت بنخبة القوات البرية العراقية التي ظنت أنها كانت تحاصرها في الكويت تنتظرها في (الناصرية)، ووجدت أن الأكياس البلاستيكية وعددها خمسون ألفاً والتي جلبتها معها لتضع فيها أشلاء قتلاها المحتملين، قد لا تكفي فضربت صفحاً عن الحرب البرية. وأجلتها إلى عام 2003، وخلال هذا الوقت الذي استمر ثلاثة عشر عاماً من حصار العراق وإضعافه حتى أصبح مثل الجرثومة المضعفة التي تستعمل في اللقاح، والذي مكن الولايات المتحدة من احتلال هذا البلد المترامي الأطراف وبالمشاة خلال مدة شهر من الزمن. المستهدف الأول من هذه الحرب الملاحظة الأساسية في هذه الحرب أن المستهدف الأول فيها، ويكاد يكون الوحيد هو الوجود العربي والإسلامي. الامبراطورية السوفييتية أنهتها أزماتها الاقتصادية، وقد انتهت طموحات روسيا وشعبها إلى الاصطفاف مع الدول المستهلكة للبضائع الغربية، وعقد الاتفاقات التجارية مقابل التنازلات السياسية والعسكرية. في الحرب العالمية الثانية انتهت أمريكا من منافسها الوحيد في القارة الأوربية، فقضت على النازية وعلى تميز الفرد الألماني، ووضعت ألمانيا تحت المراقبة الأبدية. في الشرق الأقصى قضت على صورة أبناء الشمس والكاميكاز، وأصبحت اليابان نموذجاً يحتذى به في الصناعة والتجارة.. فقط. في الشرق الأوسط الذي يكمن فيه دم العالم (النفط)، ويعتبر سوقاً نموذجية تستطيع أن تستوعب المنتجات الأمريكية والحليفة لقرون من الزمن نتيجة احتياط الثروة فيها التي لم يسبر غورها حتى الآن. في الشرق الأوسط حيث العرب والمسلمون الذين تحكمهم عقيدة ترفض التبعية والذل، ولديهم طموحات مشروعة في توظيف ثرواتهم لأخذ نصيبهم من التقدم، والعيش الكريم في هذا العالم الذي أصبح في نهاية القرن العشرين قرية كبيرة يحكمها مبدأ المساواة بين الدول إلا نحن. ويؤمن كثير من الساسة الغربيين بل ويصرحون.. أن الثروات غير المحدودة والكامنة تحت هؤلاء العرب هي لهم لكنها وضعت (خطأ) في هذا المكان. لقد أنشأت بريطانيا الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي، ورعته في فترة حضانته ثم تسلمته فرنسا التي مكنته من إنتاج السلاح النووي، ثم جاءت الولايات المتحدة الأمريكية فجعلت من هذا الكيان بضعاً منها. لنتساءل.. من كان يكره أمريكا على طول المنطقة العربية والإسلامية؟ ألم تكن الأجيال السابقة معجبة بتاريخ أمريكا وحاضرها ومبادئها؟ وقد تعرفت إلى كل ذلك، من خلال مكاتب المعلومات الأمريكية التي كانت تنتشر في كل بقاع الدنيا، إن كل من يراسلها كانت تصله بعد أسبوع رزم من الكتب المقروءة والمصورة والروايات التي خطها عمالقة الأدب الأمريكي، وجميعها تتحدث عن كفاح الشعب الأمريكي في سبيل حريته واستقلاله وتحرير العبيد، ومساعدة العالم كي يصبح جميعه حراً. ألم يختلف الرئيس الأمريكي (ولسن) صاحب المبادئ الحرة مع قادة أوربا الكبار بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى معارضاً ضم الدول المنتصرة لأراضٍ ليست لها؟ وكان قد عبر عن مبادئ الولايات المتحدة الأمريكية في الرسالة التي وجهها إلى مجلس الشيوخ في كانون الأول من عام 1918 متضمنة ما يلي: ـ إنهاء الدبلوماسية السرية. ـ حرية الملاحة في البحار. ـ حق الشعوب في تقرير مصيرها. ـ إنشاء منظمة الأمم المتحدة. فماذا حدث لهذا البلد الذي كان منارة العالم الحر؟ فأصبح اليوم يعاني من كره جميع الشعوب... وبالمطلق، وأن الدول والأنظمة المحبة له إنما تفعل ذلك خوفاً منه ليس إلا. بعد الحرب العالمية الثانية كشفت أمريكا عن وجهها الحقيقي وأهدافها في استعمار العالم كافة، بواسطة نمط من الاستعمار الجديد لا يمت إلى أنواع الاستعمار السابقة بصلة، وذلك بواسطة ما لها واقتصادها وسلاحها المتفوق والمتطور دوماً. في الحرب العالمية الثانية تركت ألمانيا تجهز على ما تبقى في أوربا من قوة واقتصاد وسيادة، وراحت تقدم وهي تشغل معاملها بطاقتها القصوى في قارتها البعيدة عن دخان المعارك الوقود لهذه الحرب وللمحاربين من الحلفاء عن طريق البيع والإعارة والتأجير، وقد كان بإمكان الولايات المتحدة لو دخلت الحرب في بدايتها أن تهزم ألمانيا وتوقف هذه الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس، لكنها فعلت ذلك في خواتيم الحرب وأنزلت قواتها في (النورماندي) لتقطف جميع الثمار، فأصبحت أوربا تحت قبضة الولايات المتحدة الاقتصادية وحتى اليوم ثم أخذت ترث ما جنته الامبراطوريات الأوربية الاستعمارية خلال قرون؛ فاستولت على شركات النفط البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتحولت المطارات البدائية في أنحاء العالم التي كانت تقدم أمريكا من خلالها دعمها اللوجستي للمحاربين والمساعدات الإنسانية للشعوب إلى قواعد عسكرية ثابتة ومجهزة للقفز منها على أي مكان قريب أو بعيد بمساعدة قواعدها المتحركة من حاملات طائرات وأساطيل أصبحت أرقامها علامة فارقة، للمنطقة، التي توجد فيها. بالنسبة لمنطقتنا فقد أصبحت جميع ثرواتنا تحت السيطرة الأمريكية، وأصبحنا أسواقاً لمنتجاتها (نفط مقابل السلع) وأصبحنا أولى أهدافها، فهي تريد منا أمرين: الأول: أن تضع يدها على احتياطاتنا النفطية، وقمع من ينتج لحسابه، ولحساب تنمية بلده حتى لا تبقى سوقاً فقط.. فكان ذلك أحد أسباب احتلال العراق. الثاني: لما كان الوقت في المنظور ليس مناسباً لبناء دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات، فإن أمريكا تعمل ومنذ أن تسلمت الكيان الصهيوني عن طريق سباق التتابع من المستعمرين البريطانيين والفرنسيين بطريق التوارث على أن تجعل من هذا الكيان القوة الوحيدة التي تسيطر عسكرياً واقتصادياً على المنطقة من النيل إلى الفرات مطلقة يده دون رادع، حتى من الأمم المتحدة ومجلس الأمن اللذين كممت أفواههما وقيدت أيديهما على مر عقود من الزمن وحتى اليوم. وبعد كل ذلك تتساءل الولايات المتحدة الأميريكية بسذاجة العارف المفضوحة: لماذا يكرهنا هؤلاء الناس؟ لكنها لم تسأل نفسها في لحظة حقيقة.. هل هؤلاء الناس يكرهونها من أجل الكره فقط كما تدعي أم لأسباب معقولة؟ هذا السؤال لا بد وأن أمريكا قد وجهته إلى نفسها، لكنها تراوغ فيه كل الوقت. الإرهابيون تحدثنا عن الطرف الرئيس في الحرب على الإرهاب (أمريكا)، لكن من هو الطرف المقابل (الإرهاب)؟ الولايات المتحدة موجودة في قارتها البعيدة، وفي قواعدها الثابتة والمتحركة وسلاحها معلوم للجميع، وهو السلاح الوحيد في العالم الذي لا يتمتع بالسرية فهي تعلنه مجاناً لأية وسيلة إعلام سواء كانت صديقة أم عدوة، وهي بالواقع تدفع ملايين الدولارات من أجل ذلك، ألم تنشر قبل شهور من غزو العراق صور ومواصفات جميع الأسلحة التي سوف تستعملها في حربها القادمة؟ لكن من هؤلاء الإرهابيون تلك القوة الوحيدة التي تواجه الولايات المتحدة وحلفاءها، هم مجهولون بالنسبة لأمريكا والعالم.. وحتى هذه اللحظة إلا عن طريق التكهنات، عرفت أمريكا والعالم منهم الجزء الظاهر من جبل الجليد، وهو ما يسمى بالقاعدة، فقد عرفتهم عن كثب عندما شاركوا في إخراج السوفييت من أفغانستان، في ذلك الحين كانت أمريكا بحاجة إليهم ضد خصمها الوحيد آنذاك فقد لبست لهم مسوح رجال الدين وراحت تغدق المديح لدينهم الإسلامي خاصة فريضة الجهاد فيه، وعندما لم تعد أمريكا بحاجة إليهم وصارت حاجتها هي.. ثروات بلادهم وأسواقها وخضوعهم للكيان الصهيوني؛ فقد تغيرت نظرة أمريكا وأصبح هؤلاء يمثلون الإرهاب وأصبحت فريضة الجهاد الدافع الأول للإرهاب. الإرهابيون ومنذ أول عملية قاموا بها ضد مصالح أمريكا، فقد كان ذلك بمثابة إعلان حرب حقيقياً ضدها، لذلك فقد قررت الولايات المتحدة محاربتهم. ولما كانت أمريكا أخشى ما تخشاه أن تحارب عدواً على أرضها، وهي تحاشت ذلك في جميع حروبها. منذ الاستقلال وإنشاء الدولة الأمريكية، وقد كانت أقرب معركة من أراضيها هي معركة (بيرل هاربر) في الحرب العالمية الثانية، وكانت تبعد عن أراضيها بأكثر من ألفي كيلو متر. فكان لا بد لأمريكا أن تختار ميداناً لهذه الحرب بعيداً عن أراضيها، وقريباً من منابع الإرهاب... كما تعتقد. حتى ينتقل الإرهابيون إلى هذا الميدان بسهولة في الوقت الذي فكرت أمريكا، وخططت لهذه الحرب ووضعت استراتيجيتها وتكتيكاتها العسكرية والاستخباراتية، فقد كان الإرهابيون يخططون أيضاً لجر أمريكا إلى ميدان معركة يكون بعيداً عن أراضيها، فقد اكتشفوا أيضاً أنهم لن يتمكنوا من محاربة أمريكا داخل أراضيها؛ يستطيعون أن يفعلون ذلك مرة واحدة فقط، وقد كانوا بحاجة إلى عملية واحدة على الأراضي الأمريكية يقومون من خلالها بجر أمريكا إلى مطاردتهم بعيداً عن أراضيها فيحاربونها ويستنزفونها هناك. عملية 11 أيلول عام 2001 لم تكن الولايات المتحدة نائمة عنها ولو كانت تريد منع وقوعها لكانت فعلت ذلك، لقد كانت بحاجة إلى مثل هذه العملية ليصبح لديها المبرر لتفعل بالعالم ما تريد، وكان أن جرى ما أراد طرفا الحرب أن يجري اختارت أمريكا أول ما اختارت أفغانستان ساحة لهذه الحرب، حيث تقيم القاعدة في حماية طالبان، فاحتلت أفغانستان بعد أن اعتقدت أنها قضت على القاعدة وطالبان معاً وأخذت تنتظر قدوم الإرهابيين، وبعد طوال انتظار اكتشفت أن الساحة الأفغانية، ليست هي المناسبة فاستبدلتها بالساحة العراقية. يخطئ من يظن أن الولايات المتحدة لم يكن لديها الخطط لما بعد احتلال العراق، وأن ما فعلته من حل للجيش والشرطة العراقيين كان من أخطاء (بريمر)، كانت أمريكا تريد لحدود العراق أن تكون مشرعة دون جيش يحيمها، وأن تكون الفوضى هي التي تحكم الداخل دون شرطة تفرض النظام والأمن، وأن تترك ترسانات الأسلحة العراقية التي تقدر بمئات الألوف من الأطنان عرضة لمن يريد سلاحاً فيغترف منها كما يشاء، فقد كان عدم توفر السلاح هو الذي سبب في فشل الجبهة الأفغانية. إن الحرب الأمريكية على الإرهاب كانت تستلزم أن يقوم بها المشاة، فأعادوا المارينز إلى الخدمة من جديد، وهي حرب لا عبرة فيها للتكافؤ بين الطرفين المتحاربين في الرجال والسلاح، فهي ليست حرب أساطيل في البحر أو حرب جيوش متجحفلة في البر. لقد دخلت هذه الحرب سنتها الخامسة وهي أكثر من المدة التي استغرقتها الحرب العالمية الأولى، وهي مدة طويلة جداً في المقياس الأمريكي (السوبرمان) وخلاف حروب أمريكا التي كانت تستغرق شهوراً فقط. لقد حضرت أمريكا (الطعم) العراقي جيداً فقد شنت هجومها على العراق، وهي تستعمل أفضل ما في جعبتها من أسلحة الدمار الشامل والمحرمة دولياً من (النابالم) المطور إلى القنابل (العنقودية)، وقنابل (الأبخرة المحترقة)، ولا يستبعد المراقبون أنها قد تكون استعملت نوعاً من القنابل (النيترونية) التكتيكية صغيرة الحجم، وهي من النوع الذي يقتل المحاربين دون عتادهم أو البنية التحتية، وقد أبادت الجيوش العراقية التي كانت ظاهرة فوق الأرض، وكذلك التي كانت متحصنة تحت الأرض حول بغداد، فقد ظلت تقصفها على مدار أيام الحرب بوجبات مسائية تحملها كل يوم عشر طائرات (ب 52) من قاعدتها في بريطانيا. لقد توقعت أمريكا أن الإرهابيين عندما يأتون إلى الطعم أن تحدث بعض المقاومة الشعبية أيضاً، كما جرى خلال أيام الحرب من عمليات محدودة، لكن الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب في الساحة العراقية رغم المشاركين من الداخل، ورغم استخباراتها الموجودة بالقرب من بغداد طيلة ثلاثة عشر عاماً أن هناك مقاومة عددية، ونوعية كان يجري إعدادها قبل الحرب بسنوات، لها هيكلية الجيش لكنه جيش لم يتلمسه الأمريكان حتى الآن، ولا يعرفون أين يتموضع فهو ليس مثل (الفييتكونغ) حيث كانت أمريكا، تحدد مواقعه في الغابات، وليس مثل طالبان حيث كانت أمريكا تعرف كهوفها في جبال (تورا بورا) إنه جيش يتماهى في بحر الشعب العراقي، لذلك فهو عصي على القوة الأمريكية، وعلى الإدلاء من المتعاونين في الداخل، ولم يعد باستطاعة الجيش الأمريكي أن يفرق بينهم وبين الإرهابيين المفترض أنهم يأتون من الخارج، لذلك فهي الحرب الوحيدة التي لا يستطيع الطرف الأمريكي أن يقدر عدد القتلى من الأعداء وبعد مرور أكثر من أربع سنوات. لقد كان (البنتاجون) يعلم أن حربه على الإرهاب في العراق سيكون وقودها هم المشاة فجاء بكل (المارينز) لديه، وكان يعلم أن أسلحة الدمار الشامل لديه سوف يجري تحييدها. فركن في القواعد والمطارات القلاع الطائرة (ب 52) وجميع أنواع الطائرات الأخرى المتخصصة في كل شيء، وكذلك قوته الضاربة التي تعمل من بعيد (صواريخ التوماهوك) ومئات الأنواع من الذخائر الذكية وكذلك الغبية من ذوات الأطنان، فاعتمد في هذه الحرب على دروعه دبابة (البرامز)، وعلى (الهامفي) و(الهمر) ومئات من طائرات الاستطلاع بدون طيار وعلى (الكشافين) من الداخل، وعلى الجوائز المالية التي صارت تحسب بملايين الدولارات. دبابة البرامز التي جرى تصميمها لتدخل الحرب النووية، فإن برجها مصنوع من اليورانيوم المنضب، ولا يستطيع أي سلاح في أي ترسانة عالمية أن يخرق درعها، فاستطاعت عبوات المقاومة الناسفة والمتطورة أن تفجر هذه الدبابة التي يصل وزنها إلى ستين طناً، وأصبحت ناقلات همفي وهمر تتطاير في الجو مثل الألعاب النارية، الجيش الذي يقابل المارينز في العراق ليس مجموعة أفراد ينطلقون في الظلام فيضربون، ويهربون؛ فقد تطورت معارك هؤلاء خلال سنوات الحرب من مشاهدة الأمريكان لأشخاص ملثمين لا يُرى منهم سوى ظهورهم وهم يهربون إلى مواجهات مباشرة في وضح النهار. هل كان الجيش الأمريكي والبنتاجون وكما يبدو للمطلع العادي يكررون ذات الحركة في مواجهة المقاومة؟ إن البنتاجون يقوم بتطوير سلاحه وتقنياته وتكتيكاته منذ ثلاث سنوات، دون جدوى لأن الطرف المقابل يقوم بتطوير سلاحه وقدراته، لقد رصد البنتاجون في عام 2004 (450) مليون من الدولارات في سبيل التصدي للعبوات الناسفة فقط وفشل ثم عاد ورصد هذا العام في سبيل الهدف نفسه ثلاثة مليارات من الدولارات. يستطيع المدقق وببساطة أن يحسب عدد قتلى الأمريكان بعيداً عن إحصاءات البنتاجون عندما يطلع على عدد الطائرات التي أسقطت، وعلى الدبابات وحاملات الجنود التي دمرت وعلى الهجمات على القواعد الأمريكية المنتشرة بكثرة. فالبنتاجون لا يعلن عن قتلى هذه المواجهات إلا ما ظهر منها للعيان، وكذلك إعداد الجرحى والمصابين بعاهات دائمة والهاربين والمنتحرين. إن أمريكا في حربها على الإرهاب التي دخلت عامها الخامس، هي الطرف الخاسر في هذه الحرب، وفي الوقت الذي يمتنع فيه آلاف الجنود الأمريكيين من الذهاب إلى العراق للمشاركة في هذه الحرب الخاسرة. فإن الأسلوب (الاستباقي) البشع الذي تستخدمه القوات الأمريكية في العراق. من قصف المنازل الآمنة وقتل سكانها من الأطفال والنساء بحجة الاشتباه بوجود إرهابي فيها، وتدمير المدن وتدنيس المقدسات واعتقال مئات الألوف من العراقيين خاصة الشباب؛ تحت شبهة أن يكونوا إرهابيين في السجون الأمريكية داخل وخارج العراق وسجون سلطتهم في العراق، قد أدى إلى تدفق المزيد إلى المقاومة. لما كان المشروع الأمريكي في العراق ليس جميعه الحرب على الإرهاب، فهناك أجندة أخرى اقتصادية وسياسية وعسكرية، فإن الاستئثار بثروات العراق النفطية والمعدنية ووجوده في وسط حقول نفط الخليج، والطريق إلى الأهداف الأمريكية الأخرى، فإن جميع ذلك يؤخر إعلان هزيمة أمريكا النهائية في حربها على الإرهاب. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |