مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 30 السنة العاشرة صيف 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الإرادة في استراتيجية المقاومة والتحرير ـــ يحيى سليمان قسام

أبدأ من الدلالات المباشرة لبعض مفاهيم لغتنا الجميلة، (المقاومة) و (التحرير). وأستدل منها بأن المقاومة: تعني أن أمراً ما أو شيئاً ما أو خطراً ما.... يحيق بالمرء ويقترب منه، أو بالجماعة و المجتمع يهدد استقراره، وعليه أن يرده أو يدفعه قبل أن يستفحل وجوده ويعم أذاه.‏

ويستدل من تعبير التحرير: أن قيوداً وأكبالاً وأصفاداً قيدت الجسم والذات والإرادة وعلى المرء أن يسعى إلى التخلص من خطرها القائم والمستمر...‏

ومنه في حال الصراع مع العدو الصهيوني فإن المقاومة تسبق التحرير، ومطلبنا في الوقت الراهن هو التحرير.‏

في قضايا الصراع من أجل الوجود الكلي للمجتمع، لا يجوز تجزئة المسائل التي تحكم الصراع، كذلك لا يجوز تجزئة الشعارات ولا الأهداف، مع التأكيد على ضرورة وجود مراحل زمنية لتنفيذ الخطط المرحلية التي تؤدي في النهاية إلى تحقيق الهدف النهائي والوحيد، وهذا يعني أنه لا يجوز التوقف عند تنفيذ أي خطة مرحلية، بل التأكيد على أن التوقف المحلي يعني الفشل المحتم.‏

إن قراءة هادئة ومتأنية للصراع مع العدو الصهيوني في مراحله الزمني المتتالية: التحضير ـ الهجرة ـ إقامة الكيان ـ الحروب المثبتة للكيان ـ المفاوضات الوهمية للسلام، تقودنا إلى جملة من الحقائق:‏

الأولى: إن العدو الصهيوني يسعى إلى احتلال الأرض العربية (فلسطين) وقتل الإنسان (العربي)، وهذه الحقيقة ليست بحاجة إلى برهان.‏

الثانية: إن العدو ومن خلفه ومن يدعمه، لا يقيمون أي وزن لكل القيم الإنسانية ـ الأخلاقية والدولية ـ .‏

الثالثة: في هذا الصراع هناك حكم واحد / القوة/ بكل مظاهرها.‏

الرابعة: هناك (قول حكيم) وهو: ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا.‏

الخامسة: من لم يتعلم من التاريخ لا يستطيع أن يتعلم من ذاته. والتاريخ هنا تاريخنا ـ نحن العرب ـ بانتصاراته بدءاً من (ذي قار)... وهزائمه وانكسارا ته حتى الوقت الراهن...‏

الحقيقة السادسة: تفيد بأن للشعوب وللأمم مصالح تسعى من أجلها، ولا يمكن لشعب ولا لأمة أن تحرر أرض شعب آخر دون مقابل!..‏

وهناك حقائق أخرى متعددة ومفيدة، ولا أشك بأن القارئ الكريم يعرف كثيراً منها، ولذلك، سأعيد تلخيص هذه الحقائق بما يلي:‏

إن العدو الصهيوني احتل أرضنا وشرد شعبنا مستخدماً كل الوسائل المتاحة، دون أن يقيم أي اعتبار لأي قيمة من قيم الإنسانية والحق.. ولقد درس التاريخ واستفاد منه، وأن تحرير أرضنا يقع على عاتقنا.‏

أما نحن!!!.‏

وهنا يكمن جوهر المسألة...في تعريف من ( نحن)!!..وحتى لا يحدث أي لبس أو غموض لهذه المسألة أقول: (نحن العرب) لكن الاختصار في هذه المرحلة يحتاج إلى تحديد أكثر، خاصة وقد تعددت التسميات الإضافية، والتعريفية والتجزيئية والعصبية والإنسانية....الخ، مع التأكيد على أن إشكالية خوض الصراع، والاستمرار فيه حتى النصر الكامل أو الهزيمة الكاملة، تكمن في هذا التحديد، ومن المفيد هنا التذكير ببعض دروس التاريخ التي جرت على أرضنا أو على أراضي الآخرين، والتدقيق في نتائجها النهائية:‏

استقلال الجزائر بعد مليون شهيد.‏

نفق (ديان بيان فو) الذي أدى إلى هزيمة أمريكا في فيتنام، ثم معركة التحرير والانتصار في النهاية.‏

انتصار ثورة كوبا التي بدأت بأربعين مناضلاً.‏

ويصح هنا المثل الياباني ليكون مدخلاً للتعبير عن الإرادة حيث يقول:‏

«إن لم تستطع أن تصرع عدوك بسلاحك فاصرعه بيديك، وإن لم تستطع فبرجليك، وإن لم تستطع فبجسمك، وإن لم تستطع فبأسنانك، وإن لم تستطع فبعينيك....» أن تقاتل العدو بكل ما تيسر لك، تلك هي الإرادة الحقة، وهذا تأكيد على أن الصراع يبدأ باستخدام السلاح، وأن إرادة الصراع يجب أن تستمر مع كل نبض من نبضات الحياة.‏

فإذا اتضح في ذهن الفرد مفهوم الصراع، بمعنى المواجهة حتى التحرير، ثم عمم في وجدان المجتمع الذي يجب أن يعرف ما يتطلبه الصراع من وسائل، وإذا تم الإدراك اليقيني بأن العدو الصهيوني ومنذ زمن بعيد أعد عدته واتخذ قراره، ونفذ هذا القرار وما زال ينفذه دون أي توقف، بدليل أن بيوتنا امتلأت بصور شهدائنا حتى غدت أرقاماً!. وأن مآسي القتل والتكسير والخراب والدمار أصبحت مادة للإعلام وللمعارض، إذا اتضح كل ذلك في نظر العرب، يمكن أن يطرح السؤال:‏

هل يكفي كل ذلك ليتشكل عند العرب القناعة بأنهم يخوضون مع العدو صراع الوجود؟!. وما الأسس المعتمدة لخوض هذا الصراع؟.‏

هنا يبدو أن مكونات السؤال منسجمة في المعنى والمدلول، لكن الحقيقة أن اختلافاً واضحاً يكمن في جوهره!!، فإذا كان العرب يخوضون مع العدو الصراع في هذا المفهوم، فيجب أن تكون القناعة المتشكلة في وجدان كل العرب وعلى كامل مساحة الوطن العربي منطلقة من هذه الحقيقة، وهذا أمر مشكوك فيه!!، وذلك لوجود وجهات نظر مختلفة ومتعددة بل ومتناقضة إلى حد كبير!.‏

وحتى لا نبتعد مرة ثانية عن جوهر الموضوع نسأل:‏

من هو العربي في هذا العصر؟.‏

وفي تبسيط الجواب إلى أدنى الحدود الممكنة نجيب:‏

العربي من أراد أن يكون عربياً، وإن كان اسمه واسم أمه واسم أبيه... (قحطان أو ربيعة أو عدنان)، لأن من لم يرد أن يكون عربياً، لا يمكن أبداً أن يتحمل قسوة الصراع وتضحياته، وبالتالي لا يساهم في الإعداد له ولا في خوضه وتحمل تبعاته.‏

وهنا تظهر مركزية الإرادة كقيمة تفعيل وإبداع وعطاء. وهذا يعيدنا إلى جوهر الموضوع، من خلال السؤال:‏

هل نملك إرادة الانتماء إلى الأمة التي تخوض الصراع، أو لا نملكها؟!.هل نعي ذاتنا ووجودنا ومستقبلنا، أو نترك كل ذلك مرتهناً لما تشاء به الظروف؟، هل نعمل لصناعة الظروف أو نتركها تعمل بنا؟. أسئلة هامة جداً في هذه الأيام، وللإجابة عنها لا بد من توضيح بعض المؤشرات الدالة على مفهوم الإرادة، والتي يقصد بها الرغبة والمشيئة، الرغبة في الحياة بكرامة، والعيش سعداء مثل كل البشر، والبقاء على هذه الأرض نحن وأجيالنا اللاحقة، إن هذه الرغبة توجب علينا تفكيراً وإعداداً. هذه الأفعال صعبة جداً لأنها تستند إلى بديهيات، منها:‏

ـ رفض الاحتلال لأنه يتنافى مع القيم العربية المتجذرة عبر التاريخ.‏

ـ السعي لتحرير الذات العربية من الذل الذي يلحق بها جراء الاحتلال حتى لا نتآلف معه.‏

ـ البحث في الذات أولاً، وفي الواقع ثانياً عن وسائل تحقيق ما سبق.‏

ولكن، حتى هذا الوقت ورغم كل ما حصل وما يحصل هناك عرب على الأرض العربية عرب في المولد والنشأة واللغة والنسب... يعيشون ولا تعرفون أن أرضاً عربية محتلة ولا من احتلها ولا من تشرد منها...ولا يهمهم ذلك من قريب أو بعيد، لهذا السبب أو ذاك.‏

وأيضاً هناك أفراد وجماعات ومجموعات، يعيشون الظلم والظلام في كل لحظة، يتنفسوه مع الهواء، ويأكلون مرارته مع الخبز، ويتجرعون ذله مع الماء... فكيف تتساوى الإرادة بين هؤلاء وهؤلاء؟!...ولماذا يهتز ميزانها وتنقلب مفاهيمها ومعاييرها؟..‏

إن هذا الخلل في الواقع العربي يشكل ظاهرة اجتماعية يجب البحث عن أسبابها التي تختلف في الزمان والمكان على مساحة الوطن العربي، وهذا الاختلاف في الزمان والمكان كان واحداً من الأسباب في اختلاف وعي العرب لجوهر المسألة، ولكن، يجب العلم أنه لا يمكن أن تستقيم أمور الواقع حتى يتوحد الوعي، ومنه تتوحد الإرادة، وهذا أساس المشكلة، ولا أظن أحداً استطاع أن يمضي في هذا التحديد إلى نهايته لأسباب موضوعية داخلية وخارجية تمنع ذلك.‏

وهذا يفرض علينا العودة إلى جوهر المسألة، والبحث في أسباب تشتت الإرادة العربية حول مسألة الوجود، أيضاً يقود هذا إلى الحقائق البديهية، ومنها:‏

الحقيقة الأولى: مادية، تتعلق بأنظمة الحكم، أشكالها، وتسمياتها (ملكية، رئاسية، جماهيرية، جمهوري، سلطنات، أمارات، دول....)، ويتبع لها أنظمة نقدية مشتتة (الدينار، والدرهم، والفرنك، والجنيه، والريال، والليرة...).‏

الحقيقة الثانية: إن كل العملات العربية ـ على ضخامة كتلتها النقدية ـ تقاس بالدولار الأمريكي، وكل السياسات الرسمية العربية لها معيار (أمريكي ـ غربي).‏

الحقيقة الثالثة: لا يوجد في الوطن العربي مصنع واحد لدعم القدرات الحربية للجيوش العربية!..‏

الحقيقة الرابعة: لم تستطع أي نظرية أيديولوجية عربية أن تستأثر باهتمام الجماهير العربية، وتستمر متصاعدة في تألقها الذي يستقطب الجماهير حولها!..‏

ينظر العربي إلى واقعه من خلال هذه الحقائق فيعتريه اليأس ويصاب بالشلل والإحباط، وما يزيد من تأثير ذلك قوة الإعلام المركز على الذات العربية، (الاتجاه والاتجاه المعاكس) و(الرأي والرأي الآخر)، ووجهات نظر، ونشرات الإعلام المركزة كبرقيات تأتي من مراكز القرار يغيَب فيها أي أثر لأي فعل عربي، ولأي قيمة عربية، ثم تغزونا الجيوش من كل اتجاه، ومن البحر والجو، حاملة معها النار والدمار، وموافقة أصحاب القرار من أهل الديار، والكل يعرف أن الهدف الأرض والإنسان، أي التراب والإرادة...‏

ونعرف ولا نمانع ولا نقاوم ثم (لا نحرر)!... ثم نقول إسرائيل مخادعة، ونشجبها!، وأمريكا تحمل ميزانين!، ونرفضها، فهل يكفي هذا؟.‏

من هنا يمكن أن نبدأ بالتفكير لوضع استراتيجية التحرير، ولذلك نعود إلى البداية إلى الوجود والصراع من أجله، إلى الحق وكيف يحمى؟... إلى الحقائق الأساسية، إلى جوهر المسألة!..‏

وقبل أن ننتقل إلى صياغة التعريف الخاص برؤيتنا للاستراتيجية من المفيد النظر وبشكل مختصر وموجز جداً إلى الفكر الإسرائيلي؛ فيما يتعلق بالصراع مع العرب من خلال بعض المقولات:‏

في حرب 1982 قال إيريل شارون: «لم ننجز حتى الآن سوى جزءٍ بسيطٍ من العمل...» وقال (ليبو فيتز) عن الحرب ذاتها:‏

«إن هدف الحرب هو التحضير للحرب القادمة».‏

وفي كتاب يوشع ورد:‏

«كل مكان تطؤه أقدامكم إني أمنحكم إياه...».‏

أما الهدف الثابت للصهيونية السياسية فيعبر عنه الجنرال (غازيت) بقوله:‏

«يجب أن تكون أرض إسرائيل يوماً ما بكاملها تحت سيادة إسرائيل بل أكثر من ذلك، على إسرائيل بعد ضم هذه الأراضي أن تفكر بالضرورة الماسة لإيجاد حل جذري لمسألة الوجود العربي على أرض إسرائيل التاريخية».‏

وفي اتجاه آخر نرى الاستراتيجية الإسرائيلية تتجه نحو نوعية السلاح الذي يحقق أهدافها وقد عبر عن ذلك (شلومو آهارونسون) بقوله:‏

«إن السلاح النووي هو إحدى الوسائل القادرة على القضاء على الآمال العربية بتحقيق نصر نهائي على إسرائيل ... . ففي البلاد العربية مئات من الأهداف التي في حال قصفها يفقد العرب كل المزايا التي حققتها لهم حرب الغفران..»‏

في هذه العبارات توضيح للاستراتيجية الصهيونية المستندة في أساسها إلى الحرب، والعدوان والتوسع، كذلك تشير إلى أن تحقيق الأهداف الاستراتيجية يتم على مراحل متتالية؛ حسب أقوال شارون في إنجاز بعض الأعمال ـ الأهداف ـ وقد تشن إسرائيل حروباً بغية التمهيد لحروب قادمة أشد وأوسع في العنف والمدى.‏

وتستند الاستراتيجية الإسرائيلية في مضمونها إلى النصوص التوراتية والتلمودية، أو على ما يلائمها من هذه النصوص حسب عقيدة يوشع في مقولة المنح والعطاء. وترفض أي نوع من أنواع التعايش مع العرب، وهذا ما قالت به أدبياتهم وعبرت عنه سياساتهم، وثبتته حروبهم، وكرسته جدرانهم، فالوجود العربي مشكلة يجب حلها، والحل بالنسبة لهم واضح تجلى في تتالي عمليات التهجير والطرد من جهة والاستيطان من جهة أخرى، أما الوسيلة التي تستخدم فتعتمد على أشد آلات الحرب والدمار فتكاً؛ والتي تضمن التفوق العسكري كماً ونوعاً على كل الدول العربية والإسلامية في آن واحد. وهذا ما جعلها تلجأ إلى الخيار النووي فامتلكته وراحت تهدد به لفرض وجودها، وتمنع أي نوع من التفكير الذي يحقق للعرب بشكل عام وللفلسطينيين يشكل خاص الأمن والحق في الوجود على الأرض .. ولذلك رفع السلاح النووي سيفاً مسلطاً فوق العواصم العربية، وتفيد بعض الدراسات الاستراتيجية أن مجال هذا السلاح يصل إلى كل العواصم الإسلامية في المنطقة وخارجها..‏

من هذه الإضاءات السريعة على مفهوم الاستراتيجية الصهيونية في أبعاده المختلفة وصياغاته المتباينة؛ ومن الإدراك لأبعاد المفهوم النظرية والعملية، والوعي لطبيعة العدو وقوته ومكوناته، وللطبيعة التي يتمثلها الفكر العربي من التراث والحضارة، وسعيه إلى امتلاك وسائل الدفاع عن الأرض والوجود، نستطيع أن نصيغ التعريف التالي للاستراتجية التي يمكن القبول بها عربياً، وهو:‏

(الاستراتيجية هي الرؤية الشاملة لفن استخدام الإمكانيات المتوفرة في الصراع مع العدو حتى بلوغ الهدف ،«النصر»).‏

ولتحليل هذا التعريف يجب بيان مؤشراته، ولذلك نحدد المفاهيم التالية:‏

الرؤية: هي الطابع الفكري والعقلي المسلح بتقنيات العصر المختلفة والقادرة على النفاذ إلى أبعد من إدراك الحواس ، وذلك باستخدام تقنيات المعرفة المختلفة.‏

الشاملة: ويقصد بها الإحاطة بكل جوانب الواقع المتعلقة بأطراف الصراع، بغية معرفة عناصر القوة والضعف في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعسكرية جميعها بكل مكوناتها؛ مع إدخال العوامل الأخرى التي لم يشملها التحديد الآنف الذكر ولها تأثير مهم مثل الإعلام والتقانة ...الخ.‏

الفن: وهو الإبداع العقلي التخصصي في استثمار الإمكانيات المتوفرة بكل طاقاتها في الزمان والمكان اللازمين، وهو أرقى حالات الإبداع الفكري، وبه تستطيع القيادة تفجير كامل الطاقات الكامنة التي لا تظهر في الحالات العادية، ومن المعروف أن كل عنصر مادي (جامد، أو حي)، يحمل في ذاته طاقات كامنة يمكن أن تتحول من حالة السكون إلى حالة الفعل والعمل،وبالعقل تتحول إلى طاقات يمكن السيطرة عليها، فعندما يكون مجال العمل هو الصراع لا بد من وضع الخطط التي تتيح لهذه الإمكانيات مجال انطلاقها الكامل، بحيث تؤدي إلى حذف المعيقات أو تخفيف أثرها إلى أدنى درجة ممكنة، وكذلك معرفة الوسائل التي يملكها العدو، من خلال العمل المتواصل لمعرفة ذلك،استناداً إلى المرتكزات الفكرية والإيديولوجية التي يتبعها، والتي تسيطر على الطبقة القيادية صاحبة القرار في مجتمعه.‏

وعلى هذا الأساس، فالخطة الاستراتيجية تشمل الوسائل والأفراد بمختلف صفاتهم ووظائفهم للوصول إلى المعرفة اليقينية، أما عند إدارة الصراع في مراحله المختلفة فيجب أن يكون الهدف واضحاً، بل يجب ألا يغيب عن الفكر أبداً، ولذلك يجب أن تكون المبادئ والمنطلقات الاستراتيجية ماثلة في الأذهان والأبصار ليتم العمل وفق مقتضياتها، فأي خلل أو ابتعاد عنها يؤدي إلى إرباك الخطة، التي هي كلٌّ متكامل في البناء والمنطلقات والوسائل والتنفيذ والغايات، وكل خطة لا هدف لها فاشلة، فللخطة الاستراتيجية أهداف استراتيجية (جغرافية، اجتماعية، عسكرية، اقتصادية...) فإذا كانت غاية الخطة الاستراتيجية تحقيق كل هذه الأهداف. فإن الإخفاق في تحقيق أي من هذه الأهداف يعتبر فشلاً للخطة كلها. مثال ذلك:‏

إذا كانت الخطة الموضوعة تهدف إلى ذروة المرتفعات (س) فالوصول إلى السفوح يعتبر فشلاً !!.. وإذا كان الهدف إجبار العدو على نزع سلاحه في نهاية المعركة، فإن النزع الجزئي للسلاح يعد فشلاً حتى وإن تحققت بقية الأهداف، وإذا كان من أهداف الخطة منع العدو من استقدام المزيد من المهاجرين، فإن هذا الهدف يعتبر أساساً والتفريط به يعطي للعدو عنصر قوة... بمعنى عام... إن تحقيق الهدف يعني تحقيق كل الأهداف الفرعية الموضوعة وحسب جدولها الزمني...‏

كما يجب الإدراك أن الاستراتيجية تبنى على أساس الترابط بين الزمان والمكان والفعل الإنساني؛ ضمن علاقة محددة وثابتة ومبنية على مرتكزات العلم والتجربة مع الوعي المستمر لتطور تقنيات الصراع واتساع مداه. بمعنى أن الزمن قد اختزل، وان المكان قد تقلص، وتضاعفت قوة التدمير، ودقة الوسائط، فغدت لا تترك مجالاً لأي خلل، كما وفرت التقنيات الحديثة لكل الأطراف فرصاً متكافئة لاستخدام الوسائط والإمكانيات بطاقاتها القصوى.‏

هذه إضاءة سريعة حول تعريف الاستراتيجية، فإذا وضعنا بعدها كلمة العربية فيغدو مصطلح الاستراتيجية العربية يحمل في مضمونه أبعاداً متجددة متطورة، ومن المفيد أن نذكر أن الإمكانيات المتوفرة على نوعين: الأول عقلي إدراكي نوعي، مثل الوعي والإرادة والمعرفة العلمية، والثاني كمي يتعلق بالمكان والعدد والإنسان والسلاح...‏

من هذا نخلص إلى نتيجة وهي:‏

أنا أجابه عدوي... أنا العربي ... وعدوي الصهيوني... أنا أعرف ذاتي وإمكانياتي وقدراتي ومن معي ... ويجب أن أعرف عدوي وقدراته ومن معه...‏

أعرف هدفي، وهدفه، غايتي وغايته، وبعدها أقرر، والقرار هنا، وعي معرفة، وإرادة تنفيذ، ويصح أن نقول:‏

وعي الإرادة ومعرفة التنفيذ، أو معرفة الإرادة ووعي التنفيذ... وبذلك تتداخل هذه المفاهيم مع بعضها، وترتد إلى الذات العربية لتسلحها بالوعي والمعرفة والإرادة، وعي الوجود ومعرفة الواقع وإرادة الانتماء إلى الأمة العربية.‏

مع الإرادة ينطلق الفعل الواعي من حالة الكمون إلى قوة التنفيذ، وهذا الإطلاق تعبير عن رؤية العقل الواعي لمركز الهدف، أو الغاية والقصد، وهذا مترافق مع وعي لمجمل ظروف الواقع، وقراءة متأنية للتاريخ، ونظرة كاشفة للمستقبل، ومن خلالها يصاغ القرار المحدد للحظة الانطلاق لكل قوى الأمة، هذه القوى التي تعيش ظروف الواقع الموضوعية، يختلط فيها السلبي مع الإيجابي، وبينهما تكمن عبقرية القيادة.‏

وهنا نورد مثلاً على الفعل الذي أظهر قوة الإرادة للقيادة والشعب، وذلك في حرب الـ /88/ يوماً، أو ما يسمى حرب جبل الشيخ التي انتهت بتحرير مدينة القنيطرة، وأفرزت هذه الحرب بعض المفردات التي تعبر عن جوهر الإرادة، (جبهة الصمود والتصدي، جبهة الرفض، جبهة المقاومة...) وكان الفعل يستمر، والفعل الآخر يستمر، وظهر واضحاً صراع الإرادات، وبدأت الجماهير العربية تتمركز حول القيادات المقاومة... في لبنان وفلسطين...وتححقت مقولة علي بن أبي طالب(ر): «ردوا الحجر من حيث أتى فلا يدفع الشر إلا بالشر».‏

ونسأل هنا: هل الذي صنع تلك الحرب إرادة الإنسان، أو إرادة المجتمع، أو الإرادة العسكرية، أو الإرادة السياسية أو الإرادة الثقافية، أو كل ذلك؟!.‏

في الجواب نقرأ: إنها إرادة الإنسان السياسي والعسكري والمثقف والعامل والفلاح، بكل بساطة إنها إرادة المجتمع.‏

لكن السؤال الأهم كيف تم صنع تلك الإرادة؟:‏

تم صنعها في تلك اللحظة التي وعت فيها القيادة الفارق بين الذل والكرامة بين الهزيمة والانتصار، في تلك اللحظة التي تم فيها وضع استراتيجية متكاملة الأبعاد والأهداف ينبثق عنها منهجية متكاملة في التربية الفكرية والجسمية، ومنهجية متكاملة في اقتصاد الفرد والأسرة والمجتمع، ومنهجية متكاملة في الصناعة، والسياسة، والقتال والتدريب، وبالتالي صنعها قادة التربية والاقتصاد والسياسة والقتال، في كل المؤسسات أولئك حتماً تدركون انتماءهم، ويملكون إرادتهم.‏

أولئك يسمعون دائماً نداء اليازجي :‏

تنبهوا واستفيقوا أيها العرب ....‏

وهنا تسعفنا الآية الكريمة:(لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (ص). وفيها معنى التأكيد على إمكانية تغيير النفوس، والتغيير هنا فعل خارجي( يغيِِر) وفعل داخلي (يغيروا) وهما يقعان على الأنفس التي هي جوهر الإنسان وقيمته ومركز إرادته.‏

إن فعل التغيير تعبير عن الإرادة؟!...وإنه يبدأ من الداخل، ويستمر في مجال الممكن؟! وهو هنا استجابة لمضمون الآية الكريمة: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم...) أليس الإعداد فعلاً إرادياً واعياً يقوم به الجميع؟!، حيث الضمائر تدل على المخاطب المقصود...‏

مع الإيمان والقناعة بأن الوقت ما زال ملكاً لنا، بقي علينا أن نتجاوز عتبة التردد إلى شموخ الجرأة، ونرفض دوائر التجزئة لننطوي في قدسية دائرة الانتماء، وندع دائرة الهروب والاتكالية لنقف في دائرة المواجهة، ونملك إرادة التحرير التي تتجاوز إرادة المقاومة, ألا فهل نحن فاعلون؟!‏

الجواب برسم القادة والمثقفين العرب!!...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244