|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
حرب تموز انتصار الإنسان على آلة الدمار ـــ محمد إسماعيل حديد 1 ـ المقدمة ونحن نعيش تجليات الذكرى السنوية الأولى لانتصار المقاومة الوطنية اللبنانية على آلة الحرب الصهيونية، لا يسعنا إلا أن نقف باحترام وإجلال أمام تجربة فريدة معاصرة، هزت كيان العدو، وأرغمته على الاندحار من جنوب لبنان مرغما يجر ذيول الهزيمة والانكسار. إن الانتصار الذي حققته المقاومة الوطنية اللبنانية المتمثلة بحزب الله وأمينه العام السيد حسن نصر الله، قد ألغى مفاهيم ومبادئ ظلت سائدة لأكثر من ألفي عام، واستبدلها بما هو أفضل، وأكثر منها تطورا وغنى، وأكثر توافقا مع قوانين الحرب الثورية المعاصرة. فمنذ أن وضع القائد والمفكر الصيني «صن تسو» كتابه الشهير «فن الحرب» في القرن الخامس قبل الميلاد وحتى عصرنا الحديث، ظل هذا الكتاب مرجعا لقادة الحروب الشعبية في الصين والاتحاد السوفييتي الأسبق ويوغوسلافيا السابقة وكوبا وكوريا وفيتنام.. وغيرها الكثير، إلى أن جاء العدوان الصهيوني الشامل على لبنان في تموز 2006، فبرزت مدرسة جديدة هي مدرسة حزب الله، لترسي قواعد معاصرة لفن الحرب الشعبية غطت شتى جوانب هذا الفن، بدءا من إعداد المقاتل فنيا ومعنويا، مرورا بتجهيز الأرض وتخطيط المعركة، وصولا لقيادة العمليات وتأمين متطلبات القتال في الزمان والمكان المطلوبين في ظروف قتالية معقدة للغاية. 2 ـ الحرب غير المتكافئة في لبنان في حساب موازين القوى التقليدية بين طرفي الصراع، تعد القوات الصهيونية الغازية هي الطرف الأقوى بلا منازع، والطرف اللبناني المقاوم هو الأضعف على الإطلاق. وإزاء هذا التفوق الساحق في القوى والوسائط لصالح الكيان الصهيوني، تذرعت حكومة «اولمرت» باختطاف جنديين صهيونيين من قبل مقاتلي حزب الله، وبررت عدوانها على أنه محاولة لتحريرهما، ووقعت الحرب العدوانية الشاملة على لبنان تحت هذه الذريعة، مستفيدة من تفوقها المؤكد في السلاح والعتاد. وتبين فيما بعد، ومن خلال الوقائع، أن العدوان على لبنان كان مبيتا ومخططا لـه بعناية منذ أمد طويل، ذلك بعد أن حسمت حكومة العدو أمرها، وحسبت لكل شيء حسابه، وأعدّت الخطط اللازمة لـ «مباراة الثأر» بعد هزيمة عام 2000. آ ـ أهم مظاهر التفوق لدى القوات الغازية خلال حرب تموز 2006: حيثما تجولت بناظريك في ترسانة السلاح لدى الجيش الصهيوني تلمس التفوق الحاد في العدة والعتاد. فكل ما في الترسانة متفوق على قدرات حزب الله في شتى الصنوف، البرية والبحرية والجوية، وقد تجلت عناصر هذا التفوق بالنقاط التالية : * القدرة على الحشد خلال أزمنة قياسية، وتحقيق التفوق المطلوب على جبهات القتال في الوقت المناسب. * القوة النارية المتفوقة كما ونوعا على كل الصعد. * السيطرة الجوية المضمونة زمانا ومكانا. * التفوق البحري وقدرة الأسطول على فرض حصار بحري على كامل السواحل اللبنانية. * سلاح الدروع المتطور وأساسه دبابة «ميركافا 4» التي تعد آخر ما توصلت إليه التقنية العسكرية، من حيث متانة الدرع والغزارة النارية ودقة الرمايات والقدرة على المراقبة والاتصال المأمون. * القدرة على المراقبة والرصد الميداني والعملياتي والاستراتيجي لساحات القتال ومحيطها، بداية من استخدام طائرات الاستطلاع بدون طيار مرورا بطائرات التجسس وصولا إلى الأقمار الصناعية. * استخدام التكنولوجيا المتقدمة في إدارة الحرب، والاعتماد على شبكة واسعة للاتصالات المضمونة والمأمونة. * امتلاك الأسلحة المحرمة دوليا مع إمكانية استخدامها (دون إدانات دولية)؛ كالقنابل العنقودية والفسفورية وقنابل اليورانيوم المستنفذ والقنابل الفراغية والغازات السامة والنابالم وغيرها... * إمكانية تأمين المعلومات الاستخبارية الطازجة التي تأتي من العملاء والجواسيس المنتشرين على الساحة اللبنانية. * الدعم الأمريكي والغربي اللامحدود في المجالات السياسية والعسكرية والتكنولوجية... ب ـ عناصر القوة لدى حزب الله : * قيادة مجرِّبة وعنيدة وحاضرة في كل الأوقات. * قوات خفيفة التسليح وسريعة الحركة. * مقاتلون مؤهلون عسكريا وعقائديا لتنفيذ أرقى الأعمال القتالية وأعقدها(1). * إيمان مطلق بعدالة الحرب الدفاعية ضد الغزاة المعتدين. * تحصينات دفاعية حصينة مترابطة بالنيران، وتسمح بالمناورة في القوى والوسائط بشكل مستور. * منظومة صاروخية مؤثرة وقادرة على الوصول إلى عمق الأراضي المحتلة. * جهاز نيران فعال ومؤثر مضاد للدبابات. * سكان محليون مؤيدون للمقاومة ومتعاونون معها. 3 ـ الأهداف الاستراتيجية للعدوان الصهيوني على لبنان : كما هي العادة في كل الحروب العدوانية، يحدد المعتدي أهدافا معلنة، في حين يبيت أهدافا أخرى غير معلنة، تبقى طي الكتمان. آ ـ الأهداف المعلنة : * تفكيك البنية العسكرية لحزب الله ونزع سلاحه. * تحرير الأسيريْن «الإسرائيلييْن» لدى حزب الله. * احتلال الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني، وتسليمه لقوات دولية تقوم بحراسة الحدود اللبنانية – الفلسطينية المحتلة. * التطبيق القسري للقرار 1559 لاسيما ما يخص نشر الجيش اللبناني في الجنوب، وبسط سلطة الدولة على كامل لبنان. ب ـ الأهداف غير المعلنة : * إعادة تكريس «إسرائيل» كقوة رادعة، بعد أن اهتزت صورتها بعنف بعد انتصار المقاومة وتحرير الجنوب في 25/5/2000 * نزع الفكر المقاوم من الذهن العربي بإثبات عدم جدواه أمام آلة الدمار الصهيونية، مما يسهل القضاء لاحقا على المقاومة المسلحة في فلسطين والعراق، وإطلاق اليد الصهيونية في المنطقة العربية. * تأمين المناخ الملائم لانطلاقة الولايات المتحدة باتجاه فرض مشروع الشرق الأوسط الجديد، وترسيخ التقسيم الجديد للبنية العربية المقسمة أساسا بعد سايكس – بيكو. * إحكام السيطرة على دول الشرق الأوسط الجديد، وإدراج جميع الدول الرافضة للهيمنة الأمريكية على أجندتها الخاصة لتطويعها أو استبدالها. 4 – الخطط العسكرية التي تبناها طرفا الصراع ومن أجل تحقيق المؤسسة العسكرية الصهيونية لأهدافها المرسومة، وضعت الخطط اللازمة والمدروسة بعناية فائقة قبل الغزو الصهيوني للبنان بأمد بعيد، وقد وضعت هذه الخطط بشكل يرسخ القناعة لديها بأنها كفيلة بتحقيق الأهداف المطلوبة بشكل مؤكد ومضمون، وقد وافقت عليها حكومة «أولمرت» دون تحفظ. وفي مقابل ذلك وضع حزب الله خططه الدفاعية الخاصة به لحماية تراب الجنوب من الغزو، والتمسك به بكل ما أوتي من قوة، وتكبيد القوات الغازية خسائر جسيمة بما يرغمها على التقهقر والانسحاب غير المشروط. أ ـ الخطة العسكرية الصهيونية لاجتياح الجنوب اللبناني : لم يعلن العدو الصهيوني بعد عن خطته العسكرية المفصلة التي انتهجها خلال غزو الجنوب اللبناني، لكن المتابع لمجريات الحرب، وما رشح عن لجنة «فينو غراد» من وقائع جرت خلال الغزو، يمكن أن يلحظ المراحل المتتالية التي انتهجها جيش العدوان خلال حربه مع مقاتلي حزب الله. وقد برزت خلال الحرب العدوانية المراحل التالية : ـ المرحلة الأولى : الصدمة والترويع – على الطريقة الأمريكية – وتنفذ باستثمار جميع الوسائط المنتجة للنيران (جوية، برية، بحرية) وتهدف هذه المرحلة إلى تدمير البنية العسكرية واللوجستية للمقاومة، وكل ما يعتقد بأنه مخزن أو مستودع أو قاعدة، وفرض الحصار البحري على سواحل لبنان، وذلك للتأثير المادي والمعنوي على المقاومين، وتقطيع أواصر لبنان وعزلـه عن محيطه من خلال تدمير الجسور وعقد المواصلات، وتدمير البنى التحتية وإنزال خسائر فادحة في صفوف المدنيين لتشكيل رأي عام ضد المقاومة، وتطبيق سياسة الأرض المحروقة في الجنوب مع استمرار القصف (الجوي والبري والبحري) طيلة أيام الحرب. ـ المرحلة الثانية : تصفية الصف الأول القيادي في حزب الله، أو شل قدرته على مواصلة الحرب، واختطاف بعض مسؤوليه الكبار بقصد نشر الفوضى والاضطراب في صفوف المقاتلين بعد غياب قادتهم، وبالتالي تسهيل مهمة القضاء عليهم. ـ المرحلة الثالثة : وخز منظومة الدفاع لحزب الله في أكثر من مكان، أو تطبيق ما يعرف بـ «الاستطلاع عن طريق القوة»، لتحديد نقاط القوة والضعف فيها. ـ المرحلة الرابعة : بدء الهجوم الأرضي الواسع على عدد من المحاور والاتجاهات الضعيفة، والاستعانة بالإنزالات الجوية والبحرية لتشتيت الجهود، ودعم الخرق وتعزيزه على نحو يسمح بوصول القوات «الإسرائيلية» إلى نهر الليطاني في وقت قصير. ـ المرحلة الخامسة : توسيع الخرق يمينا ويسارا، وحصار المقاومة بين نهر الليطاني شمالا والحدود الفلسطينية المحتلة جنوبا، ثم القيام بعمليات التمشيط، والقضاء على جيوب المقاومة التي لا تزال تبدي مقاومة للاحتلال، وتكريس الاحتلال. ب ـ الخطة العسكرية لحزب الله للدفاع عن الجنوب : اتسمت خطة حزب الله بالبساطة والديناميكية، ولعل هاتين السمتين كانتا سببا أضفى على الخطة سهولة الاعتناق والتطبيق، يضاف إلى ذلك أن معظم بنود الخطة كانت ميدانية (تكتيكية)، لأن موارد البلاد ليست في يد حزب الله كي يتم تكريسها لصالح المجهود الحربي على المستوى الاستراتيجي. أما أهم بنود الخطة فتمثلت بما يلي : * استثمار التحصينات الدفاعية الحصينة لحماية المقاتلين من النيران المعادية، مع الاحتفاظ بالقدرة على القتال من هذه المواقع، وتنفيذ أقصى درجات الإخفاء والتمويه. * استيعاب القصف الجوي والبحري والبري الصهيوني، وحرمان العدو من فرصة النجاح في تفتيت الجبهة اللبنانية الداخلية خلال الحرب أو التأثير المعنوي عليها. * الصمود في مسرح الأعمال القتالية (الميدان)، وتنفيذ المناورات الجريئة على مجنبات ومؤخرات العدو المتقدم. * الاحتكاك الدائم والتماس المباشر مع العدو؛ لتحييد قواه الجوية والمدفعية والصاروخية ميدانيا ما أمكن. * الرد المتدرج صعودا، بدءا من القصف الصاروخي للمستعمرات الحدودية، وصولا إلى المستعمرات والمدن الأعمق فالأعمق. * اعتماد مبدأ إخفاء النوايا والمفاجآت التي تأتي في وقتها دون الإعلان عنها بشكل مسبق. * انتهاج أسلوب إعلامي رصين، بعيد عن الغوغائية والتهويل، ويتوخى المصداقية في نقل الحدث. 5 – سير الأعمال الحربية على المسرح اللبناني : أ- تنفيذ المرحلة الأولى : بدأ الجيش الصهيوني عدوانه الواسع على لبنان يوم 12 تموز 2006، واستهله بالصدمة والترويع، فدمر عددا كبيرا من الجسور وقطع الطرقات التي تربط وسط لبنان بجنوبه، حتى الطرقات التي تربط القرى يبعضها لم تسلم من القصف الصهيوني، وامتد القصف ليصل إلى جزء مهم من بنية لبنان التحتية والخدماتية وأهمها مطار بيروت. واستهدف القصف ما يُعتقد بأنها مقرات قيادة وسيطرة لحزب الله، وفرضت البحرية «الإسرائيلية» حصارا بحريا على الساحل اللبناني لمنع وصول أية إمدادات من أي نوع ولو كانت مساعدات طبية، وفي الجنوب كان الوضع أشد وطأة حين بدأت بتدمير المنازل على رؤوس سكانها المدنيين، وتطبيق سياسية الأرض المحروقة، وحتى اليوم السادس من الحرب بلغ عدد القتلى في الجانب اللبناني 300 مواطن، منهم 132 كانوا أطفالا دون سن الثامنة، عدا النساء والشيوخ. وفي الطرف المقابل، كانت المقاومة اللبنانية تتوقع أن يلجأ العدو عند بدء عدوانه لاستخدام أسلحة التفوق لديه وعلى رأسها «الذراع الضارب» سلاح الجو. فلجأت إلى تدابير صارمة لحماية قيادتها وبنيتها العسكرية والتنظيمية من أخطار القصف بشتى أنواعه، وهذه التدابير ساهمت في حماية البنية العسكرية برمتها من أية أضرار أو خسائر، وعلى العكس من ذلك، فقد تم تزويد المقاتلين بجرعات إضافية من الاحتياجات والمستلزمات التي تؤهلهم للبدء بالرد الفوري والموجع للمعتدين. على ضوء ذلك طبقت المقاومة اللبنانية مبدأ «الردع الذي يخدم الدفاع» فشنت في اليوم التالي للعدوان هجوما بصواريخ «الكاتيوشا» على أهداف متعددة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة حتى عمق 25 كم، وحققت إصابات مباشرة لأهدافها، شهد العدو بدقتها وتأثيرها، (انظر المخطط ). وبذلك ارتد السحر على الساحر، وكان العدو هو الذي أصيب بالصدمة والمفاجأة جراء فشل أعماله العدوانية في النيل من قوة وصمود المقاومة، وبروز خطر جديد يهدد أهدافه الحيوية في العمق التكتيكي. كانت نتائج المرحلة الأولى للعدوان مخيبة لآمال القيادة الصهيونية، فقد وقفت آلة الحرب الصهيونية عاجزة عن تحقيق أهداف المرحلة خاصة الجزء المتعلق بتدمير القدرة العسكرية لحزب الله بعد قرابة أسبوع من العمليات الحربية النشطة للغاية، والتي غطت أرجاء لبنان من شماله لجنوبه، كما أن ظهور قدرات جديدة للمقاومة ـ لم تكن بالحسبان ـ تمثلت بصواريخ تصيب أهدافها بدقة، أربك القيادة العسكرية الصهيونية، وجعلها تتخبط في البحث عن حل ناجع لوقف صواريخ حزب الله، وهذا ما دفع بأحد أعضاء المجلس الأمني المصغر إلى اتهام أجهزة الأمن «الإسرائيلية» بالتقصير في مراقبة سلاح حزب الله في الجنوب. ب- تنفيذ المرحلة الثانية : بالرغم من عدم استكمال أهداف المرحلة الأولى بعد أسبوع من القصف العنيف والمدمر، وعدم صحوة القيادة «الإسرائيلية» بعد من الصدمة التي أصيبت بها بعد ظهور أسلحة ردع جديدة لدى حزب الله، اجتمع المجلس الأمني المصغر الصهيوني لمناقشة ما ينبغي فعله بعد المأزق غير المتوقع الذي واجه تنفيذ العمليات العسكرية. لم يكن لدى القيادة الصهيونية سوى خيارين اثنين، إما أن توقف «إسرائيل» عملياتها الحربية في الجنوب، وتلغي جميع أعمالها العدوانية بما يحمل هذا الخيار من تداعيات كارثية على المشروع الأمريكي – الصهيوني في الشرق الأوسط، وإما أن تستمر في عملياتها العسكرية بتجاوز المرحلة الأولى والانتقال مباشرة إلى المرحلة الثانية،علّ ذلك يمكنها من الحصول على نتائج أفضل تعدّل إخفاقات المرحلة الأولى، وتقرر الاستمرار في العدوان وتوسيعه مع إضافة هدف جديد إلى أجندة الأهداف المتوخاة من المرحلة الثانية، هو رد الاعتبار للهيبة «الإسرائيلية» التي وهنت بعد هزيمة عام 2000، وهزلت بعد اختطاف الجنديين «الإسرائيليين»، وسقطت أرضا مع سقوط صواريخ حزب الله على مستعمرات ومدن الشمال، ووقوع خسائر بشرية بين المستوطنين، وإصابة زورق حربي من طراز «ساعر» قبالة شاطئ بيروت، والفشل في إنجاز أهداف المرحلة الأولى من الحرب. وفي إطار الانتقال إلى المرحلة الثانية من العدوان، شرعت أجهزة الاستخبارات «الإسرائيلية» في البحث عن وملاحقة قيادات الصف الأول في حزب الله، مستخدمة عملاءها وجواسيسها لهذه المهمة، لكن جهازي الاستخبارات العسكرية والموساد أصيبا بنكسة كبيرة عندما تم اعتقال أكثر من عشرين جاسوسا كانوا قد أعدوا لهذه المهمة، لذا لم يكن أمام العدو إلا الاعتماد على عملاء من الدرجة الثانية والثالثة، والتي كانت معلوماتهم تفتقر إلى الدقة والموثوقية. قام الطيران «الإسرائيلي» ـ وفقا لمعلومات هؤلاء غير المؤكدة ـ بقصف جميع منازل قياديي حزب الله في الضاحية الجنوبية وبعلبك، فتبين أنها لم تكن تحوي قياديين. ثم انتقل إلى قصف كل مبنى ترد معلومات عن احتمال وجود أحد القياديين لحزب الله بداخله، واستخدم الجيش الصهيوني خلال قصفه لما يعتقد بأنها مقرات لقياديين في حزب الله القنابل الذكية ذات الأوزان الثقيلة التي وصلت للتو من الولايات المتحدة، وكان يثبت في كل مرة أنها لم تكن مقرات كما يزعم «الإسرائيليون»، مما اضطرهم إلى الكذب لإخفاء فشلهم، فادعى قائد المنطقة الشمالية بأن طائراته قد نالت من قياديين بارزين في حزب الله، وثبت فيما بعد أن أحدا من القياديين لم يصب بأذى، وإزاء ذلك ظهر السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله على شاشات التلفاز ليكشف عمق الكذب وزيف الادعاءات ويعري التضليل، وليحذر العدو من مغبة التمادي في قصفه للضاحية الجنوبية حين قال : « قصف الضاحية الجنوبية يقابله قصفٌ لمدينة حيفا » لكن سلطات الاحتلال الصهيوني لم تأخذ تحذير أمين عام حزب الله على محمل الجد، فقصفت الضاحية الجنوبية مجددا، فجاء الرد الحاسم والسريع بقصف مدينة حيفا. لقد جاءت المرحلة الثانية من العدوان، لتضيف فشلا إلى فشل، ولتفاقم الأزمة في الوضع الداخلي «الإسرائيلي» وتزيده سوءا، فقد فشلت كل الترسانة الصهيونية في النيل من قيادي واحد في حزب الله ولو كان من الصف العاشر، بينما برزت مشكلة أكبر صعقت القيادة الصهيونية وهي وصول صواريخ حزب الله إلى قلب حيفا(2). وعادت القيادة العسكرية والسياسية للتخبط في قراراتهما وانقسمت القيادة بين مؤيد لاستمرار الحرب مهما كانت النتائج، وبين معارض لها، ونزل بعض المستوطنين إلى الشارع مطالبين بوقف الحرب. لقد كانت المرحلة الثانية وبالاً على الكيان الصهيوني الذي بدأ يتوجس خيفة من مفاجآت حزب الله، وساد التردد طويلا في القيادتين السياسية والعسكرية قبل أن تبدأ المرحلة الثالثة. وفي الوقت نفسه عرقلت واشنطن قرارا في مجلس الأمن لوقف القتال، معطية بذلك وقتا إضافيا «لإسرائيل» علها تحقق أي إنجاز مهما قل شأنه، لأنه بوسع الدعاية الأمريكية والصهيونية تضخيمه لتجعل منه إنجازا عظيما عسى أن يعيد إلى الجيش «الإسرائيلي» (الذي لا يقهر) شيئا من الهيبة وماء الوجه. ج – تنفيذ المرحلة الثالثة : جاء تنفيذ هذه المرحلة مشوبا بالحذر الشديد من الجانب الصهيوني، فهو عاجز تماما عن معرفة حقيقة وطبيعة ونوايا الخصم، فبدأ بجس نبض المقاومة في الجنوب عبر وخز المنظومة الدفاعية في أكثر من موقع، بحثا عن نقاط ضعف يمكن أن يتسلل منها لإنجاز خرق عمودي على الجبهة باتجاه نهر الليطاني. إن مثل هذه الإجراءات ضرورية عندما تكون المعلومات عن الخصم واستعداداته معدومة أو محدودة، وقررت القيادة العسكرية «الإسرائيلية» البدء بما يعرف عسكريا بـ «استطلاع بالقوة»، واختارت القطاع الأوسط ساحة لهذا الاستطلاع، وكان محور مارون الراس ـ عيترون ـ بنت جبيل هو الذي وقع عليه الاختيار بالتحديد, فدفعت بقوة مدرعة بقوام كتيبة دبابات لإجراء عملية الاستطلاع، والتوغل باتجاه بنت جبيل، وكانت تتوخى من ذلك هدفا مباشرا هو التعرف إلى طبيعة وأسلوب حزب الله في القتال كما ذكرنا، وعند النجاح في احتلال بنت جبيل ستكون الفرصة قد سنحت للبدء بدق أسفين طولاني يفصل الجنوب الغربي عن الجنوب الشرقي، فيمهد هذا الشرخ للشروع بالمرحلة الرابعة والوصول إلى الليطاني، أما الهدف غير المباشر فهو الحصول على إنجاز عسكري سريع عبر احتلال هذه المدينة التي تعد العاصمة التاريخية لجبل عامل، يعيد للجيش «الإسرائيلي» مكانته التي اهتزت بعنف، ويعيد تكريسه لفترة طويلة كقوة ردع إقليمية(3). جاءت النتائج الأولية للمرحلة الثالثة تحوي الكثير من المفاجآت التي لم يتوقعها «الإسرائيليون»، فقد ذهل الجنود ومن خلفهم القادة من شراسة وضراوة مقاتلي المقاومة، والصدمة الأكبر كانت من التكتيك المتبع القائم على الكمائن والإغارات واستدراج العدو إلى مناطق قتل معدة مسبقا، والمفاجأة التي أفقدت العدو صوابه كانت في التأثير الناري الفعال على دبابات «الميركافا الإسرائيلية»، هذه الدبابات التي تعد أرقى ما توصلت إليـه الصناعة الحربية الصهيونية، حتى أطلق عليها «الدبابة التي لا تصاب، وإذا أصيبت لا تدمر». لقد أوقعت المواجهات الضارية بين الدبابات «الإسرائيلية» من جهة، والقذائف المضادة لها من جهة أخرى خسائر جسيمة في صفوف القوة المتسللة، وأعاقت تقدمها المدعوم بقوة نارية مؤثرة، وبعد أربعة أيام على هذه العملية الاستطلاعية تمكن جيش الاحتلال من التقدم إلى مسافة 1300متر داخل الأراضي اللبنانية بجبهة عرضها كيلو متر واحد، تكبد خلالها سبعة قتلى و20 جريحا وتدمير خمس دبابات «ميركافا» تدميرا كاملا (حسب اعترافات العدو)، مقابل ثلاثة شهداء من المقاومة. كانت هذه العملية صفعة جديدة لآلة الحرب الصهيونية التي أعدت لتتوغل عشرات الكيلو مترات في اليوم الواحد، وهذا الفشل الذي أصاب القيادة الصهيونية بالإحباط دفعها للكذب مرة أخرى لتغطية فشلها فزعمت أنها دمرت 70% من قدرات حزب الله الصاروخية، لكن الصواريخ عادت لتنطلق من جديد وبوتيرة أعلى لتفضح زيف المزاعم الصهيونية وتكشف أكاذيبها المضللة. لقد برزت في هذه المرحلة حقائق ونتائج على قدر كبير من الأهمية، فقد انتهجت المقاومة أسلوبا جديدا من القتال ألغى بعض النظريات القديمة التي استمر العمل بها لأكثر من ألفي عام منذ أن وضع المفكر والمؤرخ الصيني «صن تسو» في القرن الخامس قبل الميلاد أول مؤلف عن حرب العصابات يتضمن المبادئ التسعة لهذه الحرب، والتي ينص أحد مبادئها على ضرورة الانسحاب أمام العدو إذا تقدم، والتقدم إذا انسحب، وذلك تفاديا للمواجهة المباشرة مع الكتلة الرئيسة لقوات العدو لقد كان الأسلوب الجديد في المواجهة المباشرة مع دبابات العدو، وعدم التخلي عن الأرض، تغييرا جذريا وتطويرا لهذا المبدأ، وقد أثبتت التجربة نجاحا ميدانيا منقطع النظير(4)، ستظل عبرها ودروسها راسخة مستمرة في الفكر العسكري المقاوم لمئات من السنين القادمة إن لم يكن أكثر. إن الأسلوب الجديد من القتال الصدامي المباشر والالتحام بالعدو أصاب الطغمة العسكرية الصهيونية بالهلع، ودفع الكثيرين من القادة للاعتراف بتفوق اللحم على الحديد، والإنسان على آلة الفتك والدمار، فهذا قائد لواء النخبة في الجيش «الإسرائيلي» ( لواء غولاني) يقول : « نحن لا نحارب ميليشيا بل لواء من القوات الخاصة (قوات النخبة) في الجيش الإيراني»، وقال ضابط ميداني آخر : « نحن نواجه مقاتلين على غرار مقاتلي الفيتكونغ في فيتنام». وجاءت هذه التصريحات محاولة مفضوحة للتخفيف من أثر الهزيمة التي مني بها الجيش «الإسرائيلي» في مارون الراس، وكانت بمثابة رسالة واضحة لواشنطن التي عولت آمالا كبيرة على انتصار الجيش الصهيوني من أجل شرق أوسطها الجديد، هذه الرسالة توحي بمضمون مفاده : ليس عارا على الجيش «الإسرائيلي» إذا هُزم في جنوب لبنان من قبل مقاتلين كمقاتلي «الفيتكونغ» الذين هزموا أمريكا في فيتنام(5). لم يتأثر أداء المقاومة جراء خرق العدو لجزء من أراضي الجنوب، فاستمر الصراع البري على أشده، وتعرضت مجنبات ومؤخرات القوة القائمة بالاختراق للعديد من الهجمات الجريئة والمؤثرة من مقاتلي حزب الله. ولم يتوقف قصف المستوطنات والمعسكرات والمدن «الإسرائيلية»، وكان هذا دليلا كافيا على أن المقاومة لا زالت بقوتها ولم تخسر 70% من قدراتها القتالية كما زعم قادة العدو. أدرك القادة العسكريون بعد معركة مارون الراس أنه يترتب على الجيش«الإسرائيلي» دفع ثمن باهظ من الخسائر البشرية ودبابات «الميركافا» إذا أصرت القيادة السياسية على تنفيذ المرحلة الرابعة للوصول إلى الليطاني، فكان لا بد من وضع الكرة في ملعب القيادة السياسية لتأخذ الأمر على عاتقها،ولتتحمل النتائج المترتبة على قرار خطير كهذا. بعد معركة مارون الراس تغير الموقف تماماً وأصبحت الحرب أو الاستمرار فيها حاجة «إسرائيلية» ملحة وجذرية مهما تكبدت من خسائر، لأنها تمثل الوسيلة الوحيدة لإنقاذ صورة الجيش «الإسرائيلي» التي اهتزت على أيدي رجال المقاومة اللبنانية، وانقلبت المعركة إلى معركة حياة أو موت حسبما قال «شمعون بيريز» نائب رئيس الوزراء «الإسرائيلي»،ومعركة مصير مشروع بأكمله في الشرق الأوسط بالنسبة لأميركا. هنا تلاقت المصلحتان «الإسرائيلية» والأميركية، واتخذ القرار الصعب بمتابعة الحرب، وأجهضت الولايات المتحدة كل الفرص لوقف إطلاق النار قبل أن تحقق القوات «الإسرائيلية» نصرا من أي نوع أو صيغة على الأرض، وشجعت «إسرائيل» على المتابعة، واعدة إياها بالمزيد من الدعم المادي والمعنوي والديبلوماسي وشتى أشكال الدعم الأخرى. على ضوء ذلك قررت القيادة العسكرية الصهيونية استئناف المحاولة على المحور ذاته رغم الخسارة، مما أدى إلى ملحمة بنت جبيل البطولية، حيث أدى تكتيك المقاومة الجديد إلى خسائر بشرية ومادية فادحة في صفوف «الإسرائيليين»، مما حملهم على تغيير محور العمل، فانتقلوا إلى عيتا الشعب، ولم يكن حظهم هناك أفضل بل كانت الخسائر أشد وأدهى، فغيروا محور العمل ثانية وانتقلوا إلى محور الطيبة ـ العديسة وكان الإخفاق حليفهم، هنا رأوا أن هناك حاجة ماسة إلى عمل استعراضي يخفي الإخفاقات الشديدة التي حدثت، فاعتمدوا العمل خلف الخطوط بإنزال في بعلبك بقصد خطف قيادي من حزب الله، وأخفقت العملية أيضا عندما تبين أن من خطفتهم القوة «الإسرائيلية» مواطنون لا علاقة لهم بالحزب ولا عهد لهم باستعمال سلاحه، وعندما تكررت عملية الإنزال في صور وعلى ضفة الليطاني، كانت النتيجة واحدة : الإخفاق والفشل. بعد 18 يوما من الحرب أيقنت أميركا و«إسرائيل» أن الهزيمة العسكرية واقعة لا محالة، ولا ينقذ «إسرائيل» إلا الحل السياسي، لذلك انطلقت «كوندوليزا رايس» إلى المنطقة للبحث عن الحل، وحصل تغيير «إسرائيلي» في الخطة العسكرية وأهدافها، بعدما اتضح استحالة تحقيق المرحلة الرابعة والخامسة من الحرب، بالوصول إلى نهر الليطاني وتمشيط الجنوب والقضاء على حزب الله، وتم استبدالهما بخطة جديدة سميت «النار في خدمة الديبلوماسية»، وهي تقوم على مبدأين : ارتكاب المزيد من المجازر للضغط على لبنان لقبول أية حلول تفرضها الولايات المتحدة عبر «رايس» كثمن لوقف المجازر، واستمرار المناوشات الميدانية مع التهديد المستمر باجتياح بري واسع النطاق يصل إلى الليطاني. عملت القوات الصهيونية على هذه الخطة لمدة أسبوع، توصلت أمريكا وفرنسا في نهايته لوضع مشروع قرار فرنسي ـ أميركي يعطي «إسرائيل» (المهزومة) كل ما كانت تريد، كما لو أنها هي المنتصرة في الحرب، وبعد جدل سياسي تدخلت فيه الدول العربية، عدل المشروع إلى حد القبول به لبنانياً، رغم أنه يحقق «لإسرائيل» الكثير من مما كانت ترمي إليه من عدوانها على لبنان، لكنه أخفق في وضع الآلية لتنفيذ المطلب «الإسرائيلي» – الأمريكي الأساسي وهو نزع سلاح حزب الله، وعرض مشروع القرار على مجلس الأمن للتصويت عليه، وأشترطت الولايات المتحدة ألا يتم التصويت إلا بعد منتصف الليل من يوم الخميس 27/7/2006، وكانت تقصد من هذا الطلب إعطاء «إسرائيل» فرصة أخيرة ( فرصة الربع الساعة الأخيرة من الحرب حسب التعبير العسكري ) لتحسين وضعها على الأرض وتحقيق أي إنجاز يصلح لكي يكون ورقة ضغط، يتم التفاوض عليها مستقبلاً(6). وصدر القرار رقم 1701 عن مجلس الأمن الذي ينص على وقف القتال اعتبارا من يوم الأربعاء 2/8/2006 الساعة الثامنة صباحا، ليعطي القوات «الإسرائيلية» مزيدا من الوقت لتزج كل إمكاناتها لاحتلال بقعة من الأرض اللبنانية تكون محور تفاوض لانتزاع مكتسبات سياسية، وانطلق الهجوم البري من غير حساب للخسائر على محور (المطلة ـ كفار كلا) باتجاه الخيام ومرجعيون، وكانت النتيجة الموجعة «لإسرائيل»، خسائر في يومين تعادل خسائر الحرب كلها، حيث اعترفت بـ 50 قتيلا و140 جريحا وتدمير 40 دبابة «ميركافا». وخلال الحرب كانت قد اعترفت بـ47 قتيلا و180 جريحا و30 دبابة. لقد كانت المعركة الأخيرة من الحرب كارثة على الجيش «الإسرائيلي»، دفعت أحد المعلقين العسكريين للقول: «إن الجيش «الإسرائيلي» لم يعد الجيش الذي لا يقهر »، وتمكن الجيش «الإسرائيلي» من احتلال قطيعات محدودة من القطاع الشرقي بعد أن دفع ثمنا باهظا في الأرواح والمعدات، وتوقفت الحرب في موعدها لتنقذ القوات «الإسرائيلية» المخترقة من الدمار المحتم. 6 ـ تحليل الأداء العسكري لطرفي الصراع : آ ـ نقاط الضعف في الحلقة الأقوى : لقد تبين خلال الحرب العدوانية على لبنان، أن تحضيرات وأداء الجيش «الإسرائيلي» قبل الحرب وأثناءها كان يتخللها الكثير من نقاط الضعف والأخطاء التي ساهمت في تكريس الهزيمة العسكرية، ويأتي في مقدمتها : ـ فقدان شرعية الحرب العدوانية على لبنان رغم محاولات القيادة الصهيونية تبني مسوغات ملفقة لكي تضفي على الحرب بعدا أخلاقيا وشرعيا. ـ تدني كفاءة القيادة السياسية والعسكرية الصهيونية في إدارة الحرب، وارتباكها عند مواجهة الأحداث العاصفة، ويتجسد هذا التدني في شخصية «أولمرت» رئيس الوزراء و«بيرتس» وزير الدفاع و«دان حالوتس» رئيس الأركان. ـ القصور الاستخباراتي الكبير في معرفة طبيعة المقاومة في جنوب لبنان، من حيث الكفاءة التدريبية والروح المعنوية والأسلحة الدفاعية المتطورة والتحصينات الآمنة وأساليب القتال. ـ غطرسة القيادة الصهيونية واستخفافها بقدرة المقاومة في الجنوب اللبناني، حيث قدّرت هذه القيادة الزمن اللازم لتدمير حزب الله من ثلاثة أيام حتى أسبوع كحد أقصى. ـ الإحباط المسبق الذي كان ينتاب الجنود والضباط الميدانيين قبيل الحرب جراء تجربة سابقة انتهت بهزيمة منكرة أمام مقاتلي حزب الله عام 2000، والشك في مقدرة الجيش «الإسرائيلي» على الصمود أمام الضربات المتقنة لمقاتلي المقاومة. ـ العداء الذي يكنه السكان في الجنوب لجيش الاحتلال والتأييد المطلق للمقاومة. ـ تفسخ الجبهة الداخلية الصهيونية بين مؤيد ومعارض للعدوان على لبنان، وكان لهذا أثره على قرارات القيادة السياسية التي اتسمت بالتردد طيلة فترة الحرب؛ باستثناء الأيام الثلاثة الأخيرة. ـ وهن الجبهة الداخلية الصهيونية، وعدم قدرة المجتمع الصهيوني على تحمل حرب طويلة الأمد، وعدم قدرته على تحمل الخسائر لاسيما البشرية منها، وعدم استعداده لتقبل مفاجآت الحرب. ب ـ نقاط القوة في الحلقة الأضعف : في مقابل ما ذكر، كان هناك الكثير من جوانب القوة في البنية العسكرية والتنظيمية للمقاومة، أعطتها زخماً قتالياً وروحاً معنوية عالية دفعت بأدائها إلى القمة، فأحرزت الانتصار على أكبر قوة إقليمية في الشرق الأوسط، ويأتي في طليعة هذه الجوانب ما يلي : ـ تبني استراتيجية واضحة تجاه جميع المواقف المحتملة والطارئة. ـ الأرض المحضرة جيداً للقتال عبر حفر الخنادق والأنفاق التي تمكـّـن من الحركة والاختفاء بعيداً عن مراقبة العدو ونيرانه. ـ التطبيق الصارم لمبادئ الإخفاء والتمويه، مما دفع العديد من الجنود والضباط الميدانيين للقول : « نحن نقاتل أشباحا يرونا ولا نراهم ». ـ حسن اختيار السلاح الملائم للهدف الملائم خلال المواجهات، وهذا يحقق أفضل استثمار للسلاح، ويعطي أفضل النتائج في الميدان. ـ المستوى الرفيع للمقاتل مهنيا ومعنوياً، إذ إنه مقاتل يتجاوز المعقول في المواجهة والثبات والقدرة على التحمل. ـ منظومة الأمن والاستعلام التي يملكها الحزب، والتي تمكنه من الوصول إلى ما يريد أن يعرفه عن العدو، ويحول دون اختراق العدو أمنيا لبنيته العسكرية والتنظيمية. ـ القدرات الصاروخية الهائلة التي هددت العمق «الإسرائيلي» إلى 70 كم على الأقل. ـ اعتماد أسلوب الدفاع المتحرك المرن الذي ينطلق بداية من القتال على خطوط الصد في مواجهة العدو المتقدم، وتكبيده ما أمكن من الخسائر، وتجدر الإشارة إلى أن الدفاع على خطوط الصد شكل من أشكال الحرب النظامية استخدمته المقاومة اللبنانية مستفيدة من خصائص الأرض لفترة وجيزة من الزمن لكسر حدة الهجوم وإعاقة التقدم، ثم تنتقل بمناورة خاطفة إلى مجنبات العدو والتعامل معها بالنيران المناسبة. ـ اتباع مبدأ «لكل نقطة مقاتلوها»، وهذا المبدأ حرم العدو من استدراج المقاتلين إلى مناطق القتل التي أعدها لهم، كما جنّب المقاومة من الحشد الزائد الذي لا داعي لـه في نقطة ما، وفي الوقت نفسه منع وجود مناطق فارغة تخلو من المقاتلين، وأفشل سياسة تقطيع الأوصال. ـ اعتماد مبدأ الحركة الدائمة وعدم إخلاء الميدان إلا للمناورة على الأجناب أو المؤخرات المعادية، مما حال دون تحوّل الاختراق إلى احتلال، وفرض في الوقت عينه مفهوم «مناطق الاشتباك» بدلا من مفهوم «مناطق الاحتلال». ـ تنوع أساليب القتال وعدم اللجوء إلى نمط تكتيكي واحد، حيث شهد الجنوب اللبناني أساليب تكتيكية مختلفة قام بها مقاتلو حزب الله ونفذت ببراعة، سواء القتال على خطوط الصد ( كما أسلفنا )، أو ضرب المجنبات والمؤخرات المعادية، أو استدراج قوات من العدو إلى الجيوب النارية المعدة مسبقا، وتنفيذ الكمائن البسيطة والمركبة، إلى الإغارات الجريئة على تجمعات العدو، وتجهيز الأفخاخ البسيطة، والملاغم المسيطر عليها ذات القوة التدميرية الهائلة، بمعنى أن المقاومة نوعت نمطها القتالي بحيث لم يستطع العدو أن يتنبأ بنواياها في أي نقطة من نقاط المواجهة، وكان يفاجأ دائما ويتكبد الخسائر في خط تصاعدي كلما زاد توغله. ـ الحرب النفسية، والإعلام العقلاني الرزين، والمصداقية في تقديم المعلومة. ـ القيادة المستمرة، الواعية والحكيمة، الثابتة على الأهداف، والصادقة في القول والعمل، والصلبة في مواقفها سياسيا وعسكريا، والواثقة من النصر. ـ تماسك الجبهة الداخلية اللبنانية (خلال الحرب)، والتأييد الشعبي للمقاومة وتعاون السكان المحليين. 7 ـ النتائج العسكرية والسياسية للحرب العدوانية على لبنان : تقيّم نتائج الحروب عادة بمدى نجاح كل طرف في تحقيق أهدافه التي حددها قبل بدء القتال. وحدد جيش العدو أربعة أهداف لعدوانه لم يحقق منها شيئا يذكر : 1) تحرير الأسيرين «الإسرائيليين» لدى حزب الله، 2) تفكيك حزب الله وتجريده من سلاحه، 3) احتلال الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني، 4) انتشار الجيش اللبناني على الحدود مع فلسطين المحتلة. بينما كان لحزب الله هدفان رئيسان هما : الاحتفاظ بالأسيرين وإجراء عملية التبادل برعاية طرف ثالث لتحرير الأسرى اللبنانيين في سجون الاحتلال لاحقا، والتمسك بتراب الجنوب ومنع العدو الصهيوني من احتلاله، وقد أنجز هذين الهدفين بنجاح. وفي التقييم الموضوعي لنتائج الحرب يمكن القول بمصداقية كبيرة : إن «إسرائيل» خسرت الحرب عسكريا في لبنان، ولحقت بها هزيمة منكرة وخسائر جسيمة نوجزها بما يلي : آ – النتائج العسكرية : ـ فشل آلة الحرب الصهيونية بكل ما تحويه ترسانتها العسكرية من أسلحة متطورة في تحقيق الأهداف المتوخاة من الحرب العدوانية على لبنان، سواء الأهداف المعلنة أم غير المعلنة. ـ فقدان قوة الردع التي طالما تغنت بها «إسرائيل»، وانتقالها (قوة الردع) ولو جزئيا إلى المقاومة، وللدلالة على ذلك نستشهد بجملة قصيرة قالها الأمين العام لحزب الله خلال الحرب: «إذا قصفتم عاصمتنا قصفنا عاصمة كيانكم الغاصب ». لقد شكلت هذه الكلمات القليلة في مفرداتها، الكبيرة في معناها ومضامينها قوة رادعة جسدت الردع المتبادل أو ما يعرف بتوازن الرعب، منعت الطرف «الإسرائيلي» من قصف العاصمة بيروت، لا سيما وأنه لمس القدرة على ربط الأقوال بالأفعال عندما قصفت الضاحية الجنوبية فقامت صواريخ حزب الله بقصف مدينة حيفا. ـ انتهاء عصر الانتصارات « الإسرائيلية» السريعة أو الخاطفة، وإبطال فعالية وجدوى استراتيجية نقل المعركة إلى أرض الخصم. ـ خلقت شرخا عميقا بين القيادات «الإسرائيلية» المختلفة، العسكرية والسياسية والأمنية، وزعزعت ثقة المستوطنين الصهاينة بقدرة الجيش على تأمين الحماية اللازمة لمستوطناتهم وممتلكاتهم وأرواحهم. ـ سيكون لتداعيات الهزيمة العسكرية الصهيونية أثرها على الهجرة اليهودية؛ والمجتمع الصهيوني اقتصاديا ومعنويا، وستمتد هذه التداعيات لتشمل الولايات المتحدة، وهي الدولة المحرضة على الحرب من أجل تطبيق مشروعها في الشرق الأوسط الجديد الذي مات قبل أن يولد. ـ سقوط أسطورة الدبابة « ميركافا4»، وإثبات فشلها في أول تجربة ميدانية حقيقية لها، وما يستتبع ذلك من تأثير على سمعة هذه الدبابات، وتأثير ذلك على سوق التصدير العالمي. ـ ثبوت فشل صواريخ «باتريوت» في التصدي لصواريخ حزب الله، مع الأخذ بالحسبان أن تكلفة صاروخ «باتريوت» واحد تعادل أضعاف التكلفة لصاروخ من صواريخ حزب الله. ـ افتضاح وهن الجبهة الداخلية والبنية الدفاعية في العمق «الإسرائيلي». ـ عجز منظومة الاستطلاع والاستخبارات الميدانية والعسكرية عن الحصول على معلومات ذات قيمة أمنية، أمام إجراءات السرية والكتمان التي غلفت تحركات وتحضيرات حزب الله في الجنوب اللبناني؛ رغم محاذاته للحدود الفلسطينية المحتلة. ـ تعرية الدعاية المبالغ فيها للزورق «الإسرائيلي» (ساعر5) وكشف نقاط الضعف العديدة في تصميمه، بعدما قدمته الدعاية الصهيونية على أنه زورق أسطوري قادر على حماية نفسه بنفسه. ـ كشف الضعف في البنية التنظيمية للجيش لاسيما القوات البرية، وبالتحديد ما أطلق عليه «قوات النخبة» (غولاني – نحال). ب ـ النتائج السياسية للحرب : لم يحقق الأداء السياسي اللبناني والعربي مكتسبات سياسية ناجزة، منسجمة مع الأداء العسكري الرائع للمقاومة اللبنانية، فقد فجاء القرار 1701 ليعطي الجانب «الإسرائيلي» مكتسبات سياسية عجزت عن تحقيقها عسكريا، وكانت هذه المكتسبات نتاج مؤامرة دولية، وتواطؤ دولي واضح، شاركت به بعض الأقطار العربية لإنقاذ هيبة «إسرائيل»، بداية من مجلس الأمن الذي تسيطر عليه أمريكا، مرورا بالولايات المتحدة والدول الأوروبية، انتهاءً ببعض القادة العرب الذين ساروا في الفلك الأمريكي فأصبحوا جزءا من أدواته في المنطقة العربية. كما عجزت الدبلوماسية العربية عن تحويل النصر العسكري إلى نصر سياسي يفرض نفسه بقوة في المحافل الدولية، وعلى العدو المحتل بشكل خاص. لقد أثبتت المقاومة الإسلامية قدرات هائلة في الميدان بعدما بلورت نمطاً جديداً من القتال اللاتماثلي، يختلف عن القتال التقليدي، وعن القتال غير التقليدي، وكان نمطه المستند إلى القدرات الصاروخية الهائلة نمطاً ثالثاً تصح تسميته بـ «أسلوب حزب الله» المختلف عن قتال الجيوش وعن قتال العصابات(7). 8 – الخاتمــة الإنسان هو الأساس والأصل والجوهر، وبناء الإنسان المقاتل من أسمى المهام وأعقدها، والعَرَق الذي يبذل في السلم يوفر دما في الحرب، هذا ما أكدته كل الحروب والتجارب عبر التاريخ. لقد ظهرت صنائع الإنسان الخارقة جلية واضحة في الحرب العدوانية على لبنان. إن ما حققته المقاومة اللبنانية ما هو إلا ثمرة لتفوقها في مجال من أبرز المجالات وأعظمها، إنها أسطورة الإنسان المقاوم، وملحمة الفداء بكل مضامينها المجازية وشحناتها الرمزية والروحية، وأبرزها الإيمان بسمو الشهادة، وبأن الشهيد ليس لـه مكان إلا الجنة. إن ملحمة البطولة والانتصار في جنوب لبنان، ستظل تجربة رائدة تنهل منها الشعوب المستضعفة لسنوات وعقود، وربما لقرون قادمة، تستلهم منها عناصر القوة المضافة التي أدت إلى النصر المؤزر وصون الكرامة الوطنية، وستظل تجربة بناء الإنسان المقاوم، النبراس والقدوة والهدف لأمم كثيرة ترزح تحت نير الاحتلال والهيمنة والتسلط، فتستوحي من إشراقها نوراً يضيء الطريق، ويمهد الدروب، نحو بناء الإنسان المقاتل، الإنسان المقاوم.. الإنسان المعجزة. المراجع والهوامش (1) حسب التقديرات كان عدد مقاتلي حزب الله في الجنوب اللبناني لا يزيد عن عشرة آلاف مقاتل، مقابل 150 ألف جندي «إسرائيلي» شاركوا في القتال. (2) يقع في مدينة حيفا معهد «التخنيون» للدراسات المتطورة ويحوي كميات هائلة من المواد الكيماوية السامة، هذا فضلا على بعض النظائر المشعة التي تستخدم لأغراض البحث العلمي العسكري في المعهد المذكور، وتقع في المدينة نفسها مصفاة حيفا لتكرير النفط، وهي من أكبر المنشآت النفطية في الشرق الأوسط، وتحوي عددا كبيرا من خزانات النفط المنتشرة على الساحل الفلسطيني، هذا علاوة على كون مدينة حيفا تضم الميناء الرئيس للكيان الصهيوني، وهي من أهم المدن الصناعية في فلسطين المحتلة. (3) العميد الركن الدكتور أمين محمد حطيط مدير كلية القيادة والأركان بالجيش اللبناني سابقا على موقع الجزيرة : www.aljazeera.net (4) ستظل تجربة حزب الله في الجنوب مثار بحث ودراسة لعدة سنوات قادمة، وستدرّس في أرقى الأكاديميات العسكرية للدول الكبرى كتجربة رائدة جديرة بالدراسة والتحليل وأخذ الدروس والعبر. (5) مع التقدير الشديد لتجربة «الفيتكونغ» في فيتنام الجنوبية، لكن يجب ألا ننكر أن تجربة حزب الله في الجنوب اللبناني هي نسخة مطورة ومحسنة ومحدثة عن تجربة مقاتلي فيتنام. (6) اليوم التالي للتصويت هو الجمعة حيث العطلة الرسمية للديبلوماسية العربية والإسلامية، ويوم السبت عطلة اليهود، والأحد عطلة الديبلوماسية الغربية بأكملها. (7) مدير كلية القيادة والأركان بالجيش اللبناني سابقا على موقع الجزيرة في شبكة الإنترنت. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |