مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 30 السنة العاشرة صيف 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

قراءة في تقرير لجنة فينوغراد(*) ـــ فتحي رشيد

سنتعرف بداية على الأسباب التي أدت إلى تشكيل هذه اللجنة بزعامة كولونيل متقاعد في الجيش الإسرائيلي للتحقيق في الفشل الذي مني به جيشه في العدوان على لبنان في تموز الماضي.‏

وثانياً سنتعرف الأهداف المباشرة وغير المباشرة، القريبة والبعيدة، الظاهرة والمستترة التي شكلت من أجلها هذه اللجنة وغيرها من اللجان السابقة.‏

ثالثاً سنلقي الضوء على الآثار التي سيخلفها التقرير على التجمع اليهودي في فلسطين، وعلى المؤسسة العسكرية والسياسية للكيان الصهيوني. لنستخلص بعد ذلك على الدروس التي يمكن أن نستفيد منها كلبنانيين وفلسطينيين وسوريين وكعرب بشكل عام من قراءتنا للتقرير .‏

1ـ أسباب تشكيل اللجنة:‏

استناداً لما ورد في مقدمة تقرير اللجنة من أنه «لم يكن لهذا الفحص لما جرى في حرب تموز أن يحصل؛ لولا وجود شعور واسع لدى الجمهور «الإسرائيلي» بأن إخفاقات وعيوب وأخطاء كثيرة ومهمة وخطيرة قد حصلت، كان من الضروري تشخيصها بدقة بهدف العمل على تلافيها أو إصلاحها».‏

يفهم مما سبق:‏

أولاً: أنه لو لم يحصل ذلك الفشل ولم تحدث إخفاقات ولو حقق العدوان الصهيوني على لبنان أهدافه المعلنة وغير المعلنة، وبشكل خاص ضد حزب الله، لما تشكلت هذه اللجنة.‏

ثانياً: أنها شكلت لتلافي الآثار النفسية والفكرية والسياسية التي خلفها الفشل العسكري على الكيان الصهيوني.‏

ثالثاً: محاولة امتصاص الشعور العام بالإخفاق والفشل؛ بما يبقي التجمع اليهودي الصهيوني متماسكاً، ومتمسكاً بأيديولوجيته العنصرية العدوانية.‏

رابعاً: العمل على تشخيص أسباب الإخفاقات التي حصلت في عدوان تموز بهدف العمل على تصحيحها أو تلافيها.‏

خامساً: أن المؤسسة العسكرية والسياسية الصهيونية تراعي و تأخذ بعين الاعتبار مواقف ومشاعر التجمع العنصري الذي اختارها.‏

2 ـ الأهداف التي شكلت من أجلها هذه اللجنة وسابقاتها:‏

بداية لابد أن تذكر من نسي أو تناسى أن الفشل الذي منيت به المؤسسة العسكرية والسياسية الصهيونية في حرب تشرين استدعت تشكيل لجنة تحقيق كان من أهم نتائجها استقالة كلا من : وزير الدفاع الصهيوني موشى دايان (القائد العسكري الفذ) على الرغم من أنه حقق أعظم الانتصارات في حرب عام 1967، ورئيسة وزراء الكيان الصهيوني غولدامائير إحدى أهم قادة التيارات السياسية التي ساهمت في بناء الكيان الصهيوني.‏

كما نذكر بأن الفشل الذي منيت به إسرائيل عام 2000 بعد عدوانها على لبنان عامي 1978 و1982 وعدم تحقيق الأهداف السياسية غير المعلنة من وراء تلك الحرب (كان المعلن حينها إخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وغير المعلن خلق قيادة لبنانية تقيم سلاماً منفرداً مع إسرائيل) مما استدعى تشكيل لجنة تحقيق أسقطت الإرهابي الكبير مناحيم بيغن، على الرغم من أنه كان من المؤسسين لأكبر تنظيم إرهابي صهيوني ساهم في قيام ذلك الكيان وكان إحدى القوى الأساسية التي تشكل منها ما يطلق عليه جيش الدفاع الإسرائيلي بعد قيام الكيان الصهيوني.‏

ونذكر أيضاً بأن الفشل الذي منيت به حكومة باراك بعد نشوب الانتفاضة الفلسطينية بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية عام 2000 استدعى إسقاط تلك الحكومة، لتأتي بدلاً منها حكومة أشد تطرفاً وإجراماً بقيادة الإرهابي شارون. وبأنه بعد أن فشل الأخير في القضاء على الانتفاضة- خرج أولمرت من داخل حزب الليكود (حزب كاديما) ،الذي كان ينتمي إليه شارون، وسعى من خلال العدوان على لبنان في تموز الماضي ـ بعد فشله في قمع الانتفاضة الفلسطينية ـ إلى تحقيق انتصار استراتيجي على حزب الله، باعتباره كما ذكر التقرير يشكل رأس الحربة المقاومة للمشروع الصهيوني في المنطقة.‏

ولما فشل في تحقيق ذلك النصر شكلت هذه اللجنة بما يبقي التجمع الصهيوني متماسكاً ومتمسكاً بأهدافه الاستراتيجية، الأمر الذي يعني أولاً أن الإخفاقات المتكررة لم تعمل على تغيير البنية العقائدية والسياسية لهذا التجمع اليهودي الصهيوني؛ بل على العكس زادتها تطرفاً، بدليل أن القوى المناهضة للحرب أو الداعية للسلام قد ضعفت كثيراً، وما زالت محدودة الأثر والتأثير حتى اليوم.‏

ثانياً: أن تشكيل هذه اللجنة وسابقاتها والتغيرات التي أحدثتها على المستوى الظاهري؛ لم تعمل إلا على تلافي آثار الفشل العسكري الحاصل.‏

الأمر الذي يعني ثالثاً: أن الهدف غير المعلن من وراء تشكيل اللجنة وغيرها من اللجان السابقة، كان يرمي إلى تهيئة المناخ الفكري والنفسي والسياسي والأمني للقيادة العسكرية والأمنية والسياسية بشكل رئيسي، بما يتيح لها الإعداد لتلافي أسباب الأخطاء والعيوب والإخفاقات الحاصلة بهدف شن حرب جديدة ، تحقق انتصارات عجزت عنها الحرب السابقة.‏

رابعاً: إن تشكيل هذه اللجنة بزعامة كولونيل عسكري متقاعد من قبل أولمرت، وليس من قبل الكنيست، (أي ليس بزعامة سياسي أو مفكر بارز) هو إصلاح العيوب والأسباب التي أدت إلى ذلك الفشل العسكري بشكل رئيس، وليس تغيير النهج السياسي والأيديولوجي للكيان الصهيوني.‏

خامساً: من يستعرض تاريخ إنشاء هذا الكيان الصهيوني يجد أنه: ما كان له أن يقوم اعتماداً على سياسة مصادرة أراضٍ فلسطينية عن طريق التجويع والإرهاب والأموال. حيث لم تستطع الوكالة اليهودية خلال الانتداب البريطاني الذي دام ثلاثين سنة أن تمتلك حتى عام 1947 أكثر من 6.3% من أراضي فلسطين، و لم تستطع تغيير الواقع السكاني في فلسطين، حيث لم تستطع الحركة الصهيونية أن تجلب إلى فلسطين عام 1947 أكثر من ستمئة ألف مهاجر، مما يعني أن سياسة القوة والبطش التي قامت بها المنظمات الإرهابية الصهيونية خلال حرب عام 1948 هي التي مكنت القيادة الصهيونية من الاستيلاء على 78% من أرض فلسطين، وطرد شعبها منها. بهدف استقبال أعداد جديدة من المهاجرين. الأمر الذي جعل الانتصار العسكري الذي تحقق عام 1948 يعطي للمنظمات الإرهابية التي تحولت إلى جيش للكيان اليهودي ذلك الدور البارز في قيادة هذا التجمع اليهودي العنصري العدواني منذ ذلك التاريخ وحتى هذا اليوم.‏

والذي ازدادت أهميته وتعاظم دوره بعد الانتصار الذي تحقق في حرب عام 1967 وجعل فيما بعد المؤسسة العسكرية تصبح القوة القائدة للتجمع الصهيوني، وجعل منطق القوة والبطش هو المنطق الوحيد السائد.‏

أما عندما اهتزت صورة هذه المؤسسة بعد حرب تشرين أو بعد حروب عام 1978 و1982 و2000، وبشكل خاص بعد عدوان تموز الماضي وفقدت هذه المؤسسة مصداقيتها ودورها، كقوة أساسية في فرض ما تريده الحركة الصهيونية ظهر خطر اهتزاز الأهداف الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية التي قام ذلك الكيان عليها. مما يهدد مكانة تلك المؤسسة ودورها في الحياة والمجتمع، ويهدد مستقبل ذلك الكيان، مما يعني أن الهدف غير المعلن من وراء تشكيل هذه اللجنة؛ خامساً هو إبقاء التجمع الصهيوني مؤمناً ومتمسكاً بالمؤسسة العسكرية عن طريق إلقاء المسؤولية على موشي دايان أو بيغن أو دان حالوتس أو عمير بيرتس أو أولمرت، بما يجعل ذلك التجمع خاضعا لها ومتمسكاً بأيديولوجيتها القائمة على منطق القوة والهيمنة والعدوان .‏

إن ما ذكره التقرير عن أن حزب الله شكل تحدياً خاصاً وخطيراً على دولة إسرائيل، بسبب تلقيه دعماً من سورية وإيران يتجاهل أن الكيان نفسه يتلقى دعماً أمريكياً وبريطانياً وأوربياً وغربياً أكبر بمئات المرات مما تلقاه حزب الله، ويتجاهل أن إخفاقا سابقاً قد حصل بسبب وجود مقاومة فلسطينية وعربية مع أن حزب الله لم يكن موجوداً.‏

كما يتجاهل أن الفشل قد حصل ليس بسبب عدم توفر القيادة الكفؤة كما ذكر التقرير،‏

بل لأن ذلك الحزب يمتلك إيماناً قوياً وقدرة على الصمود والثبات والتضحية. مما يعني سادساً: تجاهل البنية السياسية والأيديولوجية لحزب الله والمنظمات الفلسطينية المقاومة، وقوى الممانعة العربية والإقليمية والدولية؛ فراح يلقي بالمسؤولية على القيادة العسكرية ذات الخبرة القليلة، أو على القيادة السياسية التي تسرعت في اتخاذ قرار الحرب.‏

مما يعني سابعاً: أن التقرير تجنب الإشارة إلى أن ذلك الفشل الجديد الحاصل، والإخفاقات العسكرية السابقة تعود إلى وجود مقاومة وممانعة عربية ناتجة عن وجود أطماع صهيونية- لابد أن تحصل وتتزايد مهما فعل حلفاء وحماة وأدوات إسرائيل وأمريكا وأوروبا تقتضي تغييراً في النهج السياسي والعسكري للكيان الصهيوني؛ يفترض التخلي عن تلك الأطماع والأهداف أو تعديلها، وليس الاكتفاء بتغير بعض القيادات أو بالسعي إلى إصلاح بعض العيوب والنواقص الفاقعة، أو التركيز على القوة العسكرية كطريق أساسي لتحقيق تلك الأهداف غير الواقعية أو غير القابلة للتحقق.‏

حيث أشار التقرير في متنه إلى أن المبادرة إلى عملية عسكرية واسعة النطاق يمكن أن تتطور إلى حرب شاملة كان يجب أن تتخذ بمسؤولية وتفكير معمق وحذر خاص. وإلى أن الطريقة التي شنت بها تلك الحرب؛ والأهداف المعلنة لها كان من الممكن لها أن تتحقق بطريقة مغايرة. أو لأن القيادة العسكرية والسياسية عندما اتخذت قرار شن الحرب؛ كانت تفتقر إلى معرفة عميقة بساحة العمليات، وبما يمتلكه حزب الله، والواقع السياسي الإقليمي والدولي وتعقيدات الوضع اللبناني. ومن دون أن تقوم بفحص دقيق لجاهزية الجيش وقدرته على تحقيق تلك الأهداف.‏

3 ـ الآثار التي خلفها التقرير على المؤسسة الصهيونية:‏

رد أولمرت إثر صدور التقرير قائلاً أن الإخفاقات العسكرية والسياسية الحاصلة كانت بسبب إخفاقات متخذي القرارات وعلى رأسها أنا شخصياً- وأضاف قائلاً: يجب استخلاص العبر والدروس وإصلاح الخلل والعيوب التي أشار إليها التقرير، وعمل الكثير الكثير على هدى ما توصل إليه، ثم ختم قوله بالتأكيد على أنه سوف ينشط من أجل الإصلاح السريع، وبأن التقرير لا ينهي فصل الحرب، بل يفتح صفحة جديدة تهدف إلى الإصلاح الداخلي.‏

يفهم من ذلك أن أولمرت سعى إلى استيعاب الانتقادات الموجهة إليه وإلى غيره بهدف البقاء؛ والعمل على إصلاح العيوب، وأن تقبل أولمرت للتقرير ونتائجه وسعيه إلى إقناع الإسرائيليين بنيته الصادقة وجدارته للقيام بالإصلاحات المطلوبة هو من اجل العمل على تلافي الإخفاقات بما يؤدي إلى تحقيق انتصارات جديدة.‏

مما يعني أن التقرير لم يلامس جوهر البناء الأيديولوجي والسياسي المعتمد على القوة العسكرية، والمنطق الذي يؤمن به أولمرت وحزبه والتجمع الصهيوني بشكل عام، وهو ما أراد أولمرت التأكيد عليه منذ البداية عندما شكل تلك اللجنة بقيادة عسكري متقاعد.‏

صحيح أن التقرير اعترف بشكل لا يقبل النقاش بوجود فشل وإخفاقات كثيرة وخطيرة ومهمة، ولم يستسلم أو يسلم بها كقدر لا يمكن تلافيه. لكنه تجاهل أن التجمع الصهيوني بغالبيته قد وقف وراء تلك الأهداف. ولم تعارضها إلا قلة قليلة لم تسمع صوتها. وتجاهل وجود قوى ممانعة عربية فلسطينية ولبنانية وسورية ستجعله أو تجعل غيره يمنى بالفشل ذاته مهما فعل.‏

مما يعني أن الكثرة من اليهود والصهاينة لم ولن تغير من قناعاتها السياسية والأيديولوجية المرتكزة على منطق القوة والهيمنة، ولن تعمل مهما تظاهر البعض ونددوا أو طالبوا بتغيير النهج الأساسي للقيادة السياسية والعسكرية الصهيونية، مما يعني أن أولمرت سوف يعمل على استيعاب التمرد داخل حزبه، وقد يعمل على إقالة الكثيرين وإقامة تحالفات سياسية جديدة. حتى لو افترضنا أنه سوف يستقيل فإن من سيأتي بدلاً منه ـ وهذا هو المهم ـ لن يكون أقل منه تطرفاً وعدوانية كما حصل بعد الإخفاقات السابقة، وهو ما عبر عنه محمد بركة عندما قال: إن جميع الذين يسعون إلى الجلوس مكان أولمرت لن يكونوا أقل عبودية منه للعقلية العسكرية والغطرسة والإيمان بمبدأ القوة مهما كلفهم ذلك من ثمن.‏

4 ـ الدروس المستفادة من تقرير اللجنة:‏

أولاً: إن الإخفاقات التي تحصل تستدعي من المسؤولين عن الوطن، أو الذين أخذوا أو يريدون أن يأخذوا على أنفسهم مسؤولية الدفاع أو الحفاظ على الوطن، تشكيل لجان تحقيق وفحص تعمل على تلافيها أو إصلاحها أو الحد من تأثيراتها على المستقبل، وهذا فارق أساسي ومهم جداً بين قياداتهم وقياداتنا . فالفشل في تحقيق أهداف عسكرية أو سياسية يستدعي الدراسة والفحص الدقيق لكل ما حصل ويحصل؛ بغية العمل على تلافيها، بما يجعل تلك الأهداف قابلة للتحقق في المرحلة المقبلة؛ من دون جلد للذات أو عمليات تيئيس وإحباط أو الخضوع للأمر الواقع كأمر ليس قابل للتغيير.‏

ثانياً: إن تشكيل لجنة للدراسة والفحص من قبل المسؤولين لا تضع في اعتبارها الدفاع عن الأشخاص الذين شكلوها، بقدر ما تضع في اعتبارها المؤسسة والوطن؛ حتى لو تعارضت بهذا القدر أو ذاك مع إرادة المسؤولين من وراء تشكيلها ما دامت الغاية هي الإصلاح والنجاح في تحقيق الأهداف.‏

ثالثاً: إن أي قيادة سياسية أو عسكرية ليست مقدسة، وليست خارج النقد حتى لو حققت أعظم الانتصارات، ولا يجوز إبقاؤها والتمسك بها إذا ما فشلت؛ بل يتطلب البحث عن قيادات جديدة تعمل على تحقيق الأهداف التي فشلت القيادات السابقة في تحقيقها.‏

رابعاً: وسواء بقي أولمرت أم جاء نتنياهو أم أي شخص آخر، فإن الأهم هو أنهما لن يختلفا كثيراً إلا من حيث أسلوب التعامل، أما من حيث الجوهر فالغاية واحدة لم ولن تتغير.‏

خامساً: إن الإخفاقات المتتالية التي مر بها الكيان الصهيوني عام 1973 ثم عام 1982 ثم عام 2000 ثم عام 2006 تشير إلى أن هذا الكيان (رغم عمليات التغيير والإصلاح والتجديد) يعيش أزمة عامة وتؤكد على ان هذا الكيان مهما فعل أو فعل زعماؤه؛ حتى لو شكلوا لجان تحقيق جديدة وأصلحوا ما أفسده السابقون؛ حتى لو شنوا حروباً جديدة أو غيروا من سياستهم فإنهم لن يحققوا في المستقبل إلا مزيداً من الإخفاقات التي ستعمق أزمة هذا الكيان منذ أن ظهر للوجود عام 1948 وحتى اليوم.‏

سادساً: إن الإخفاقات المتتالية والأزمة العامة ما كان لها أن تحصل؛ لولا وجود خلل أساسي في بنية هذا الكيان وتركيبته العقائدية الدينية والسياسية وفي الغاية من إقامته، والأهداف التي يعمل على تحقيقها، مما يجعل من تلك الأهداف وسيلة تستدعي خلق مقاومة أو مقاومات وومانعات جديدة في الطرف المقابل، وبأسماء جديدة وإن لم تكن على المستوى المطلوب إلا أنها أدت إلى إلحاق ذلك الفشل، الأمر الذي يؤكد على أن المقاومة أو المقاومات والممانعات الحاصلة في الجانب العربي كانت سبباً أساسياً في جعل ذلك الكيان يمر من فشل إلى آخر، ويبقى في أزمة دائمة على الرغم من محدوديتها وملاحظاتنا الكثيرة عليها؛ الأمر الذي يؤكد على أن المقاومة والممانعة هي السبيل الوحيد لجعل تلك الأزمة العامة مستمرة، وتزداد عمقاً واتساعاً بما يمكن أن يؤدي إلى تفجيرها في لحظة ما.‏

سابعاً: إن الركون إلى وجود أزمة عميقة ومستمرة داخل الكيان (لا يمكن) بدون مقاومة وممانعة، أو بدون تفعيلها وجعلها تتصاعد؛ سيؤدي إلى إخراج ذلك الكيان من أزمته؛ وتتيح له أيضاً تحقيق أهدافه الاستراتيجية الثابتة والراسخة بقوة.‏

ثامناً: إن إصرار القيادة الصهيونية على تعديل المبادرة العربية؛ بما يؤدي إلى إسقاط حق العودة ورفض الانسحاب الشامل من جميع الأراضي المحتلة بما فيها القدس الشرقية بشكل كامل، والإصرار على الاستمرار ببناء الجدار العازل، وفرض حصار شامل على الفلسطينيين، ورفض إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين، والإصرار على استيراد أسلحة جديدة كان آخرها دفعة بقيمة 70 مليون دولار من الولايات المتحدة يوم 25/4/2007 مؤلفة بأغلبها من أجهزة اتصال حديثة وقنابل ذكية (3500 قنبلة) تشير إلى أن هذا الكيان لن يغير نهجه القائم على منطق القوة والبطش والغطرسة والعنف والقتل والاغتيالات والمناورة، ولا إلى وجود أية نية حقيقية للاعتراف بأن الحرب والقوة لا يمكن أن تولد إلا بالفشل وتشير أيضاً وهو الأهم إلى عدم وجود نية حقيقية للسلام، ويؤكد على أن هذا الكيان مازال متمسكاً بأهدافه الاستراتيجية والأيديولوجية والسياسية العنصرية والعدوانية التوسعية.‏

مما يعني تاسعاً: أن علينا أن لا نركن إلى أن الاعتراف بالفشل أو الإخفاقات التي أقرت بها هذه اللجنة وسابقاتها؛ كدليل على أننا انتصرنا وكفى الله المؤمنين شر القتال حتى لو تراجع الكيان مؤقتاً عن كثير من مواقفه المتشددة، أو قبل بنوع من الهدنة المؤقتة مع الفلسطينيين أو التهدئة مع حزب الله وسورية أو قبل بإجراء مفاوضات جديدة للسلام سواء مع سورية أو مع السلطة الفلسطينية والعرب، بل علينا أن نبقى يقظين ونعد أنفسنا لمواجهة حرب جديدة ( خاصة في سوريا ) قد تكون أشد شراسة مما حصل في الحروب السابقة.‏

عاشراً: إن تشكيل لجنة برئاسة جنرال عسكري يعني أنه لو كان هناك ديمقراطية حقيقية، كما زعم البعض لكان يفترض باللجنة أن تشكل من قبل الكنيست، أو من قيادات سياسية وأيديولوجية وليست عسكرية حصراً كانت سوف تتوصل حتماً إلى نتائج مغايرة تماماً عن نتائج لجنة فينوغراد، كما يعني وهو الأهم أن الديمقراطية المزعومة التي أطاحت بغولدامائير ودايان أو ببيغن وشارون لم تطح بهما إلا لتفرض قيادات عسكرية أشد تطرفاً لتبدأ الإعداد لشن حرب جديدة، وليس تغيير النهج السياسي والأيديولوجي للكيان الصهيوني ما هي إلا ديمقراطية ـ شكلية وانتقائية ـ تقوم على إعطاء الحق فقط للقيادات الصهيونية العنصرية الكولونيالية الاستعمارية العدوانية؛ في حين تجاهلت دائماً القيادات المعتدلة أو الصهيونية غير المتطرفة الراغبة في البحث عن السلام، أو من القيادات المعارضة لمنطق القوة أو التخفيف منه على الرغم من قلتها، وعملت على إقصائها عن مراكز اتخاذ القرارات المصيرية.‏

مما يعني أن هذه الديمقراطية الصهيونية بشكل خاص والإمبريالية بشكل عام انتقائية محصورة بالمتطرفين والمتغطرسين والعدوانيين فقط، وأنها لم تأخذ من الديمقراطية الليبرالية إلا توجيه النقد للإخفاقات العسكرية، وليس للبناء السياسي أو الأيديولوجي الذي قام عليه وما زال يقوم عليه هذا الكيان؛ والذي لا يمكن إلا أن يولد الحروب والإخفاقات والفشل.‏

يبدو أن البعض بعد صدور التقرير وبعد أن هالهم النصر الذي حققته المقاومة وعلى الرغم من أنه لم يعد بإمكانهم إلا الإقرار بهزيمة العدو عسكرياً فإنهم ما زالوا يصرون على إعطائه نصراً أيديولوجياً وسياسياً أو معنويا بصورة مجانية. وهذه مشكلة تحتاج إلى بحث آخر.‏

(*) القراءة مستندة إلى الملخص الذي نشرته صحيفة الأخبار اللبنانية في الأول من أيار2007.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244