مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 30 السنة العاشرة صيف 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

المقـاومـة العـراقيــة والمشروع الأمريكي ـــ زبير سلطان

تتوالى الضربات البطولية للمقاومة العراقية الباسلة يوماً بعد يوم؛ موقعة أفدح الخسائر بقوات الاحتلال الأمريكي /الغربي ومن تحالف معها من العملاء ومليشياتهم، مما أدى إلى تصدع المشروع الأمريكي الإمبراطوري وانحساره، بعد أن كان يتطلع إلى مدّه إلى دول عربية كسورية ولبنان والسودان، ومن ثم إلى السعودية ومصر وبقية الأقطار العربية والإسلامية.‏

* ما الـمشروع الأمريكي؟‏

المشروع الأمريكي الذي يطلق عليه (مشروع القرن الأمريكي) ليس مشروعاً جديداً صنع من قبل المحافظين الجدد، لكنه أخذ شكلاً تصاعدياً ووحشياً مع وصول المحافظين الجدد، بل هو مشروع لتحقيق استراتيجية أمريكية عمرها قرن من الزمان، وتنفذها الإدارة السياسية الأمريكية سواء أكان يديرها الديمقراطيون أو الجمهوريون، وما نراه من اختلاف بينهما، فهو يكمن في أسلوب التنفيذ، لأن المطبخ السياسي الاستراتيجي قد أعد المشروع منذ ما يزيد على خمسين عاماً، أي منذ الستينيات من القرن الماضي، تحت عنوان واضح وصريح ومعلن أن القرن الحادي والعشرين هو قرن الولايات المتحدة الأمريكية أهدافه:‏

ـ الهيمنة على أهم ثروات العالم وفي طليعتها النفط، الذي يوجد مخزونه الأعظم في المنطقة العربية والإسلامية، والغاية أنها بامتلاكها للنفط العالمي تتحكم بعصب الحياة الصناعية والاقتصادية لدول العالم أجمع بما فيها الدول الصناعية الكبرى.‏

ـ منع أي دولة في العالم من امتلاك قدرات عسكرية أو تكنولوجية في مجال السلاح الذري أو التقليدي تكون قدراته أكبر مما لدى الولايات المتحدة، أو ما يوازيه، أو أي سلاح يمكن أن يهدد مصالحها في العالم، أو يمنع تنفيذ استراتيجيتها المقررة للهيمنة.‏

ـ القوة العسكرية الضاربة الأولى في العالم هدف مستمر ودائم للولايات المتحدة؛ مهما كان نوع الإدارة الحزبية الحاكمة، من أجل زرع الرعب في نفس أي عدو مضاد لها، أو احتمال ظهور منافس دولي يسعى للسيطرة على مناطق الطاقة في العالم. فالقوة الضاربة هي الأداة الفاعلة لفرض السيطرة على العالم، كما أنها تبقي الأعداء المحتملين تحت دائرة الخوف والخشية من معاداة الولايات المتحدة.‏

ـ تفكيك الدول العربية والإسلامية عبر مخططات الفوضى الخلاقة أو البناءة، لتحقيق هدف مشروع الشرق الأوسط الجديد للهيمنة عليه عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً، هذا الشرق الذي يمتد من المحيط الأطلسي إلى حدود الهند والصين شرقاً ،والرامي إلى إعادة تركيب دوله على أسس طائفية وأثنية وعشائرية، مما يجعل الحليف الاستراتيجي الكيان الصهيوني الدولة الأقوى في منطقة الشرق الأوسط الكبير والمتحكمة في محيطها الإقليمي وفرض إرادتها عليه.‏

ـ منع الدول العربية والإسلامية معرفة أو تعلم العلم النووي، أو تفكيك أسراره، لما يشكل من خطورة على المشروع الأمريكي وعلى الكيان الصهيوني، ويسمح فقط تحت الإشراف الأمريكي والأوربي على بيعهم المفاعل النووية المصنعة من قبلها أو من حلفائها ذات الأغراض السلمية، مع منع إنتاج اليورانيوم المخصب لدى تلك الدول حتى لا تتعرف على أسرار العلم النووي، بل يجب أن يباع جاهزاً لتلك الدول تحت الرقابة، وأن تستمر عملية إشراف الخبراء والجواسيس المعينين من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في أوربا لمراقبة المفاعل السلمية في بلدان العالمين العربي والإسلامي.‏

ـ تكون الولايات المتحدة المتصرف الأكبر في شؤون المنطقة العربية والإسلامية داخلياً وخارجياً تحت مسميات مختلفة وشعارات كبناء الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحرية المرأة، أو تحت ذريعة متابعة مشاريع التنمية والتعليم والثقافة، وتحسين الدخل، وتوزيع الثروة وغيرها من شعارات التي تتفق مع كل مرحلة زمنية تحددها المصالح الأمريكية.‏

ـ يعد أمن إسرائيل وقدراتها العسكرية التي تفوق عدة مرات قدرات الدول العربية مجتمعة خطاً أحمر، وكذلك الهيمنة على النفط منبعاً وممراً وتسويقاً من المحرمات يمنع التنازل عنها أو المساس بهما من قبل إي إدارة أمريكية حالية أو قادمة.‏

ـ محاربة المانع الإيديولوجي الدائم للمشروع وهو الإسلام، من خلال تراثه ومكوناته، فلا بد من خلق البديل له، كإسلام جديد مصنع (المودرن) الذي يتوافق مع المشروع، ولا يهدده، ومنها العمل على استبدال القرآن الكريم بقرآن جديد، وهذا ما حدث باختراع ما يسمى بالفرقان، والعمل على منع آيات القرآن الجهادية، أو الرافضة للهيمنة من كتب التعليم أو وسائل النشر والإعلام في الدول العربية.‏

ـ التركيز على محاربة العروبة والفكر القومي والتاريخ القومي، وفكرة الوحدة العربية، والأحزاب القومية، لأنها تشكل عائقاً ثقافياً وسياسياً للمشروع الأمريكي، وكذلك الدول ذات التوجه القومي العروبي؛ وبالأخص سورية النظام وحزب البعث العربي الاشتراكي، لأنهما يمثلان آخر قلاع الصمود القومي.‏

ـ استخدام عقيدة بوش في فرض المشروع، الذي صاغه المحافظون الجدد، وكتبه وولفيز في عام 2000. الذي كان يسمى (عقيدة وولفيز)، هذه العقيدة التي تقول: (على أمريكا أن تشن حروباً وقائية بشكل دوري للدفاع عن نفسها ضد الدول المارقة والإرهابيين المزودين بأسلحة الدمار الشامل، وعليها أن تفعل ذلك بمفردها إذا اقتضت الضرورة ذلك).‏

ـ اعتبار كل دولة تمانع أو تقاوم المشروع الأمريكي دولة مارقة أو إرهابية أو مصدرة للإرهاب، واليوم يعد الرباعي الإرهابي في نظر صناع المشروع الأمريكي؛ والمكون من سورية وإيران وحزب الله وحماس دولاً ومنظمات وقوى مارقة وإرهابية لممانعتها للمشروع الأمريكي.‏

* أدوات التنفيذ‏

ـ إحداث صراعات مذهبية وطائفية في العالمين العربي والإسلامي.‏

ـ توظيف الصراع الطائفي في خدمة مشروع الفوضى الخلاقة.‏

ـ عزل الدول والقوى الممانعة والرافضة للمشروع سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.‏

ـ توظيف الدين في مصلحة المشروع الأمريكي، كونه الأقدر على تفتيت المجتمعات العربية والإسلامية، لتوزع هذه المجتمعات على الطوائف والمذاهب.‏

ـ زعزعة مجموعة القيم التي أسس عليها المجتمع العربي والإسلامي من خلال نشر الفساد والرذيلة، وصرف اهتمام الشباب خاصة عن المواجهة والمقاومة، وتحويل وجهة نظرهم إلى إثارة الغرائز والشهوات عبر عشرات الأقنية الفضائية، التي تستهدف الشباب والأطفال، وزرع ثقافة الجسد والغريزة بدل ثقافة القيم والأخلاق والفضيلة.‏

* المقاومة العربية للمشروع الأمريكي‏

تتمثل المقاومة اليوم في المقاومة العراقية واللبنانية والفلسطينية، وفي دولة الممانعة سورية التي رفضت المشروع وواجهته بدعم القوى المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين، ورغم العواصف الشديدة لاقتلاع هذه الثوابت، فإنها لم تؤثر عليها، وبقيت سورية تمثل بموقفها القومي الحاضن الجماهيري الصامد في إفشال المشروع الأمريكي.‏

كما كان للدور الكبير لقوى المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين من الصلابة، مما حطم المشروع خاصة في حرب الثلاثة والثلاثين يوماً على المقاومة اللبنانية التي شنته القوات الصهيونية في حزيران 2006، تلك الحرب التي شنت بدعم مطلق من الولايات المتحدة وحلفائها الأطلسيين وعرب أمريكا وحكومة لبنان العميلة، الحرب التي باءت بالفشل التام، وبهزيمة كبرى لإسرائيل وأمريكا وأذنابها في لبنان والمنطقة.‏

كما حطمت المقاومة العراقية التبجح الأمريكي بعد احتلال أفغانستان والعراق، والمشروع الاستعماري (الشرق الأوسط الكبير)، الذي أشرنا على أنه يرمي إلى تقويض العروبة والإسلام عقيدة وإنساناً، ونهب الثروات وفي مقدمتها النفط والموقع الجغرافي الاستراتيجي.‏

هذا المشروع الامبراطوري يتهاوى اليوم تحت ضربات المقاومة العراقية والأفغانية، وبصمود دول الممانعة في المنطقة المسماة ـ بالعرف الأمريكي ـ بدول محور الشر أو الدول الداعمة للإرهاب كسورية وإيران.‏

كما تسطر اليوم المقاومة العراقية أروع صفحات النضال والتضحية في تاريخ العروبة والإسلام، وهي تزداد كل يوم بنظر العالم احتراماً وإعجاباً، فهي تصارع و تواجه أعتى قوة في العالم عدة وعتاداً الولايات الأمريكية من تحالف معها من قوات أجنبية، وتنزل بها الخسائر الفادحة في أفضل قطعاتها العسكرية من مشاة البحرية والمارينز والقوات الخاصة، كما تزرع من خلال ضرباتها الموجعة الرعب والخوف في قلوب جنود الاحتلال، مما اضطر البعض منهم إلى الهرب أو الانتحار، ويؤكد على ذلك ما تشير إليه التقارير الصحفية الغربية على أن غالبية الجنود الأمريكيين مصابون بأمراض نفسية، مما حدا بقيادتهم أن تزيد أعداد الأطباء النفسيين في صفوف المقاتلين، وخير ما عبر عنه أحد الجنود الأمريكيين عن الحالة النفسية التي وصل إليها بقوله: (ما أن يحل الظلام حتى يخرج الشياطين من تحت الأرض)، كما أشارت تقارير أمريكية إلى ارتفاع حالات الانتحار بين صفوف الجنود الأمريكيين.‏

* تاريخ المقاومة العراقية‏

المقاومة بدأت أعمالها القتالية منذ اليوم الأول للاحتلال في التاسع من نيسان 2003، ونمت بشكل مضطرد في أعدادها بشرياً وعتاداً وطورت فنون قتالها، وبشهادة العديد من الخبراء العسكريين الأمريكيين؛ أن هذه المقاومة تطور يومياً أساليب قتالها وفق التطور العسكري والزمني، وتُحدث أسلحتها للتوافق مع تطور أسلحة العدو المحتل، مما أربك قيادة قوات الاحتلال ووزارة الدفاع (البنتاغون) في الخطط والمناورة والمواجهة، فهي لا تتوقف على الرغم من استعمال كل أشكال الإرهاب العسكري ضدها، من استخدام الأرض المحروقة، وقصف الطائرات العشوائي، والمداهمات المرعبة، واستخدام كل أشكال التعذيب مع الأهالي والمعتقلين بما فيهم النساء والشيوخ والأطفال، والتفنن في التعذيب الجسدي والنفسي، كما حدث في سجن أبو غريب أو في سجون وزارة الداخلية العميلة، والممارسات القذرة للمليشيات المتعاملة من أذناب الاحتلال مع المعتقلين. إلا أن كل هذه الأساليب لم تجد في المقاومة إلا زيادة في القوة والتفاني في تحطيم العدو المحتل وإرغامه على الانسحاب من ربوع أرض الرافدين الطاهرة.‏

وأمام شدة المقاومة وتناميها المضطرد توالت اعترافات الإدارة الأمريكية المتصهينة بقدرتها وشراستها وبسالتها، وعدم القدرة على تحقيق إيقافها أو إلحاق الهزيمة بها، وأقرّ العديد من جنرالات البنتاغون بعدم قدرة قوات الاحتلال بإلحاق الهزيمة بها، فأعطوا أنفسهم مدد زمنية طويلة لإلحاق الهزيمة بالمقاومة سنين طويلة، كما جاء في اعتراف رئيس الأركان المشتركة الجنرال ريتشارد مايز بأن قواته تحتاج إلى عشر سنوات للقضاء على المقاومة (مجلة التايمز الأمريكية 22/2/2005)، علماً أن مدة خدمته العسكرية حتماً ستنتهي بعد سنوات قليلة من هذا التصريح. لهذا أعطى نفسه مدة طويلة من السنوات، حتى لا يعترف بالهزيمة. إلا أن تطور القتال في العراق بين المقاومة وقوات الاحتلال، وارتفاع الخسائر التي تتكبدها القوات الأمريكية خاصة بإرسال مئات النعوش من جنود الاحتلال إلى بلادهم، أجبر الناخب الأمريكي في انتخابات الكونغرس والمجلس النيابي في 7/11/2006 أن يحدد مطالبه بإسراع بالانسحاب من العراق، وإعادة جنود الاحتلال إلى وطنهم، مما يؤكد على فشل المشروع الامبراطوري الأمريكي.‏

* من بطولات المقاومة العراقية‏

أسقطت المقاومة العراقية أوهام قوات الاحتلال منذ اليوم الأول للاحتلال، فهي لم تُستقبل من الشعب العراقي بالورود والرياحين كما تصورت، أو كما أوحى لها العملاء الذين رافقوها على ظهور الدبابات الغازية، بل هي لاقت مقاومة ضارية من اليوم الأول لغزوها العراق، تجلت بداياتها في بسالة مقاتلي أم قصر، فكانت الشاهد المباشر على نوعية هؤلاء الرجال البواسل المصممين على الدفاع عن وطنهم واستقلاله بكل ما يملكون من قوة، ثم انطلقت بعد سقوط بغداد مجموعات مقاومة تخبر العدو المحتل أن البقاء في العراق سيكون مراً ومستحيلاً وعالي التكاليف.‏

بدأت المقاومة في 9 نيسان 2003 حين ظهرت مجموعات تطلق النيران على قوات الاحتلال . فقد ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية في 11/3/2003: (أن مشاة البحرية الأمريكية قد تعرضوا لنيران مقاتلين كانوا مختبئين في أبنية وآليات وعلى سطوح المنازل)، في اليوم نفسه ذكرت وكالة رويترز للأنباء أن مقاتلين عرباً يسيطرون على أجزاء من بغداد بينها حي المنصور وشوارع الأعظمية والوزيرية وشمال بغداد.‏

هكذا كان المشهد في اليوم الأول من الاحتلال، ومن المعروف في تاريخ الاستعمار والحروب أن معظم المقاومات لا تنهض إلا بعد عدة سنوات من الاحتلال، في حين تميزت المقاومة العراقية عن غيرها من المقاومات بأنها بدأت من اليوم الأول للاحتلال.‏

كانت المقاومة في الأيام الأولى للاحتلال تخوض ـ مع العدو المحتل وعملائه ـ حالة اختبار للقوة، وكانت تنقصها الخطط الحربية والتنظيم والإدارة العسكرية والتكتيك، إلا أن هذا النقص بدأ بالتلاشي مع مرور الزمن، مع نمو الخبرة وبالتعرف على قوة العدو ومواطن ضعفه .‏

* عوامل تشكل المقاومة‏

1 ـ إن النظام العراقي كما يبدو كان يتوقع السقوط والاحتلال، لهذا أعد تنظيمه الحزبي والشعبي لمقاومة طويلة، فهيأ نفسه لها، فقام بالتدريب العسكري للعديد من تنظيمه ومن أفراد الشعب العراقي، كما قام بتوزيع السلاح على أفراد الشعب، وقد ذكرت بعض المصادر أن النظام السابق قام بتوزيع سبعة ملايين قطعة سلاح على الشعب، في الوقت نفسه شكل هيكلاً تنظيمياً لشبكة المقاومة، كما وفر مخازن سرية للأسلحة، ووفر في الوقت نفسه أموالاً لتمويل المقاومة. وهذا ما يلاحظ في ديمومة استمرار المقاومة مع شبه انعدام التمويل الخارجي الذي تحتاجه كل مقاومة.‏

2 ـ لعب المسجد دوراً هاماً في تحريض الناس للمواجهة والمقاومة خاصة في المناطق الغربية من العراق، فكان لرجال الدين والعلماء دور في تشكل العديد من تنظيمات المقاومة وتعاظمها وتطورها السياسي والقتالي.‏

3 ـ كان هناك دور هام للمقاتلين العرب الذين دخلوا العراق أثناء الحرب بأعداد كبيرة؛ للتصدي لقوات الاحتلال في تشكل مجموعات مقاومة تحولت بعد ذلك إلى فصائل مقاومة قوية، والبعض منهم شكل العمود الفقري لتلك التنظيمات. وقد أشارت تقارير صحف أجنبية في عام 2003، أن عدداً من المقاتلين السوريين والعرب كانوا في بعض الأحيان يفوق عددهم المقاتلين العراقيين في العديد من المناطق مثل الفلوجة، الرمادي، بغداد، بعقوبة، بلد، تكريت، الموصل. لكن هذه الأعداد بدأت تتغير في نوعية شخوصها ما بعد تشرين الثاني عام 2003، ليصبح بعدها أبناء العراق هم الغالبية العظمى في تشكيلات المقاومة. فقد أشارت تقارير صحفية أن أعداد العراقيين في معظم أرجاء العراق فاقت كثيراً المقاتلين العرب، حيث عاد القسم الأعظم من العرب بعد أشهر من انتهاء الحرب إلى بلدانهم.‏

وهذا لا يعني أن المقاتلين العرب عادوا جميعاً إلى بلادهم، فقد خرج الكثير منهم ولكن بقي البعض يشاركون في قتال المحتلين، كما دخل العراق بعد الحرب مقاتلون آخرون من أقطار عربية وإسلامية من الأردن وفلسطين والسعودية والكويت ومصر والمغرب ولبنان والجزائر والسودان، وحتى من إيران والباكستان والشيشان وألبانيا والبوسنة وكوسوفو وبنغلادش، ومن العديد من الدول بما فيها من فرنسا.‏

وقد ذكرت الصحف الغربية أن معظم المقاتلين عبروا من إيران والسعودية والكويت والأردن وشمال العراق والقليل منهم من عبر الحدود السورية.‏

* جغرافية المقاومة‏

تتركز المقاومة وقياداتها في مدن الفرات وقراه، وهنا لابد من التذكير بتاريخ هذه المناطق، فعلى على هذه الأرض الخصبة ظهرت الحضارات الأولى، ومنها أور التي انطلقت منها بشائر التوحيد على يد خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وحضارات بابل وكيش والركاء ولكش أيضاً.‏

وعلى ضفاف الفرات اخترع البابليون الكتابة والعجلة والعربة واستخدام القير (الزفت) في الصناعة، كانوا ينقلونه من هيت إلى بابل، وأقاموا أنظمة الزراعة والري، وفيها سن حمورابي أول تشريعات قانونية في التاريخ، وخلد أحد ملوكها كلكامش الملحمة البابلية المشهورة وقصة الطوفان، وقصة الخليقة، ومنها وصلت إلينا القيثارة التي تستخدم في الموسيقا.‏

وفي بابل حدد ملكها حمورابي صلاحيات الكهنة، وألغى محاكمهم، وأنشأ المدارس، وفصل سلطات الكهنة وسلطات الإدارة، ودخلت المرأة في الجيش، ومارست التجارة والمهن الأخرى. وخرج الملك نبوخذ نصر من بابل وفتح القدس وفلسطين مرتين.‏

من هذه الأرض تنطلق اليوم المقاومة محصنة بتاريخها الحضاري؛ وعروبتها وإسلامها تدك معاقل الغزاة وتسقط مشاريعهم وتسفه أحلامهم.‏

الأنبار محافظة العزة والصمود والتحدي والتحرير منها رضع أبناؤها لبن الكرامة والفداء من أجل العرض والوطن والدين، وأغلب سكانها يؤيدون المقاومة بما فيها شرطة الفلوجة والرمادي، والأنبار هي من أكبر محافظات العراق مساحة حيث تشكل مساحتها 32% من إجمالي مساحة العراق. تحدها ثلاث دول عربية سورية والأردن والسعودية، فيها /419/ موقعاً أثرياً بدءاً من العصر الحجري.‏

إضافة إلى الأنبار توجد المقاومة العراقية في محافظات ومدن مثل: ديالى وصلاح الدين جنوب مدينة بلد وسماره وبيجي والفلوجة والموصل، ومحافظة نينوى شمال وجنوب وغرب الموصل إلى الحدود السورية، وتكريت وكركوك ومحافظة التأميم والجنوب الأعلى واللطيفية والبصرة وبغداد.‏

* أهم تشكيلات المقاومة‏

مع بداية الاحتلال ظهرت مجموعات مسلحة مقاومة تحت أسماء منها: (قيادة المقاومة والتحرير، جبهة تحرير العراق الوطنية، وجبهة تحرير العراق، وحركة المقاومة العراقية الإسلامية وسرايا الجهاد). وما أن قارب عام 2003 على الانتهاء حتى ظهرت مجموعات جديدة منها: جيش محمد، وسرايا المقاومة، كتائب العودة، ومجاميع الفاروق، ومجاميع الحسين، وحركة الجهاد العراقية، والشباب المسلم، كتائب صلاح الدين، الجماعة الجهادية السلفية، ومنظمة ذو الفقار في بعقوبة ومجاهدو حديثة. وغيرهم.‏

بعد عام 2003 بدأ التطور الكمي والنوعي للمقاومة يظهر على الساحة العراقية ،من خلال هجماتها الجريئة على قوات الاحتلال وإلحاق الخسائر بها، والقيام بعمليات شمولية عسكرية واقتصادية وثقافية، نتج عنها عرقلة مشروع الاحتلال وخاصة في قطاع النفط، كما استفادت المقاومة من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال من قصف عشوائي على المدن والقرى وما نتج عنها من ضحايا أبرياء، آو من المداهمات الليلية والنهارية للبيوت الآمنة، وما حدث خلالها من إذلال وقهر وسرقة لممتلكات المواطنين الأبرياء، وما نتج من مفاعيل المحتل من إساءات قذرة بحق السجناء والسجينات، كل هذا خلق حالة ثأرية للمواطن العادي ضد المحتل وعملائه، فانضم العديد من هؤلاء إلى لمقاومة أو تشكيل مقاومات فردية ثأرية، مع توفر قاعدة شعبية كبيرة لها وخزان بشري لا ينفذ.‏

مع تطور المقاومة وتزايد قدرتها، وفشل قوات الاحتلال على القدرة على إحراز نصر سريع على المقاومة أو إضعافها، فاستخدم المحتل وعملاؤه إلى سلاح الدعاية الكاذبة وترويج الأنباء والأخبار الملفقة لأعمال المقاومة، فشن حملة إعلامية منظمة لتشويه صورة المقاومة في أوساط الرأي العام الداخلي والعربي والدولي، وترافق هذا العمل الدعائي إلى تشكيل ميلشيات وعصابات تدعي بأنها فصائل مقاومة، وتلبس لبوس المقاومة ولكنها تقوم بترويع المواطنين الآمنين وقتلهم واستخدام الوسائل القذرة في الترويع، ونشر الإرهاب المنظم على البسطاء من الشعب بغية فصل المقاومة عن جماهيرها وعن حاضنها الاجتماعي.‏

كما ترافقت مع هذه الحملة المضادة للمقاومة؛ دخول دولي معاد للولايات المتحدة وحلفائها من عديد من الدول المنافسة والمتضررة من الهيمنة الأمريكية على مصادر الطاقة، فأرادت إفشال مشروعها بإدخال أعداد كبيرة من أجهزة استخباراتها أو عناصر منظمة تابعة لها، تلبس لبوس المقاومة، وتقوم بأعمال قذرة بحق الشعب العراقي تحت يافطة المقاومة، من أجل خلق حالة أمنية مرعبة تؤدي إلى إرباك الولايات المتحدة وإغراقها في المستنقع العراقي كما وقعت في المستنقع الفيتنامي سابقاً. حتى بات العراق اليوم ساحة صراع دولي استخباراتي وعسكري بين تلك الدول والولايات المتحدة وحلفائها . وهدفت تلك الدول المعادية للولايات المتحدة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف منها:‏

ـ إسقاط المشروع الأمريكي في العراق؛ لما يشكل من خطر على دول عديدة بما فيها دول كبرى من هيمنة أمريكية على مصادر الطاقة مما يبقي صناعتها واقتصادها وسياستها رهينة في يد الولايات المتحدة .‏

ـ تصفية حسابات سياسية واقتصادية وعسكرية مع الولايات المتحدة على أرض العراق بعيداً عن أراضيها.‏

ـ استغلال فرصة تاريخية وفرها الاحتلال لتدمير العراق، وإنهاء وجوده الجغرافي ككتلة واحدة لما تهدد وجوده كما يفعل الموساد الصهيوني في العراق ويعبث في أرضه وثروته وأوابده التاريخية وتصفية وقتل كوادره العلمية والعسكرية والثقافية.‏

ـ تفتيت العراق وتقسيمه إلى دويلات خدمة لمصالح إقليمية ضيقة أو منعه من يكون مركز تهديد للمشروع الصهيوني كما كان سابقاً.‏

* أهم تشكيلات المقاومة العراقية‏

ظهرت على ساحة المقاومة العراقية العديد من التشكيلات والفصائل، أخذ البعض يتوحد في مجموعات مشتركة وبقي البعض منفرداً في التنظيم والأداء والممارسة، وتنتمي الغالبية العظمى من تلك التشكيلات إلى التيارين العروبي والإسلامي, حيث لم يعد في الساحة العراقية المقاومة فصل بين التيارين القومي والإسلامي، بل تلاقيا بشكل وثيق من اجل العراق، ومع ذلك تبقى بعض الفصائل الدينية المتطرفة والمغالية والمرفوضة من الشعب العراقي لما تمارسه من زرع الانقسام والتناحر الطائفي، ينعكس سلباً على نضال الشعب العراقي لطرد الغزاة.‏

من أهم تشكيلات المقاومة العراقية نذكر:‏

1 ـ المقاومة الإسلامية الوطنية (كتائب ثورة العشرين): ظهرت في 16 حزيران 2003 وغالبيتها من العرب القوميين والإسلاميين، غير موالية لصدام.‏

2 ـ جيش التحرير الوطني العراقي: ظهرت في هذه المجموعة في بغداد في 14 تموز 2003 وتضم كل الجماعات الأثنية والدينية في العراق الوطنية غير المتدينة، ويدعي هذا الجيش أن له دعماً من حوزة النجف.‏

3 ـ كتائب المقاومة الوطنية العراقية: وصفت نفسها في البيان الأول لها، والصادر في 16 حزيران 2003 بأنها مجموعة من الشباب العراقيين والعرب، يؤمنون بوحدة وحرية وثقافة العراق العربية .‏

4 ـ الجهاد الإسلامي: ظهرت في 26 آب 2003، وقد أصدرت بياناً مشتركاً مع الشباب الإسلامي ومنظمة التحرير العراقية عن قيامها بعملية مشتركة معهم ضد قوات الاحتلال.‏

5 ـ القيادة العامة للقوات المسلحة ـ المقاومة والتحرير في العراق: من الفصائل المقاومة الهامة ظهرت في أواخر أيار 2003 بقيادة طه ياسين رمضان، وتعمل بشكل رئيسي في منطقة الفلوجة.‏

6 ـ السكرتارية العامة لتحرير العراق الديمقراطي: جماعة يسارية لا يعرف عنها الكثير والملاحظ أن عملياتها اقتصرت على شجب قوات التحالف، و تبدو أنها غير فاعلة في ساحة القتال مع المحتلين.‏

7 ـ جبهة التحرير العراقية: ظهرت في حي المنصور في بغداد في 28 نيسان 2003 وهي من المنظمات الموالية لصدام حسين.‏

8 ـ جيش المهدي: يتبع رجل الدين مقتدى الصدر قامت بعمليات ضد الاحتلال، وساند المقاومة في الفلوجة حين حوصرت وقدم لها المساعدات، وقد حاول قوات الاحتلال القضاء عليه إلا أنها فشلت، اتسم هذا الجيش بعدم الانضباط التنظيمي، كما أن الأحداث الأخيرة التي تلت أحداث سامراء بينت عدم قدرة قيادة التيار على ضبطه من الداخل، وكونه تجمعاً كبيراً، فاستطاعت عناصر مخربة ومشبوهة من اختراقه والقيام بأعمال تسيء إلى مقاومته.‏

9 ـ كتائب أبو حفص المصري: مجموعة متدينة متطرفة لها امتدادات خارج العراق قامت بالعديد من العمليات العسكرية.‏

10 ـ أنصار صدام الجهادي: أعلنت مسؤوليتها عن هجمات تشرين الأول 2003 وهي من العناصر الموالية للرئيس السابق.‏

11 ـ كتائب الفاروق: الجناح العسكري للحركة الإسلامية العراقية تأسست في حزيران 2003 تضم عناصر قومية وإسلامية وعدداً من عناصر الجيش العراقي السابق، تعمل بشكل رئيسي في الفلوجة والبصرة والرمادي، قامت بالعديد من العمليات الناجحة ضد قوات الاحتلال.‏

12 ـ كتائب الأنبار المسلحة للثوريين العراقيين: عناصر قومية غير موالية للنظام السابق تعمل في محافظة الأنبار.‏

13 ـ فرقة المدينة المنورة: مجموعة من العسكريين العراقيين غالبها من فرقة المدينة المنورة للحرس الجمهوري السابق.‏

14 ـ كتائب القدس: تضم مجاهدين عرباً وعراقيين قادها العميد صبحي كمال في بداية الاحتلال، ورغم اعتقاله في 20 آب 2003 لا تزال هذه الكتائب تعمل في العراق.‏

15 ـ أنصار الإسلام: منظمة كردية على الرغم من القصف الجوي الأمريكي العنيف الذي شن عليها في بداية الاحتلال، وقتل العديد منهم، فإن قسماً من عناصر التنظيم عاد إلى العراق، وشكلوا خلايا مسلحة مع آخرين لمقاومة الاحتلال.‏

16 ـ تنظيم القاعدة لبلاد الرافدين: مجموعة من المقاتلين العراقيين والعرب والأجانب تعرض التنظيم لضربة قاسية بعد مقتل الزرقاوي.‏

17 ـ جيش الحق: منظمة سرية غير مرتبطة بالنظام السابق.‏

18 ـ منظمة الرايات السود: وهم من المجاهدين العرب المسلمين، دعوا إلى تدمير بنية العراق النفطية لمنع الأمريكان من الاستفادة من عوائد النفط.‏

19 ـ جيش أنصار السنة: ظهر في 3 تشرين الثاني 2003، شن العديد من العمليات ضد قوات الاحتلال، وهو تنظيم ديني سلفي.‏

20 ـ سرايا الجهاد: جماعة من المجاهدين العرب ذوي ميول قومية عربية مقرها الفلوجة وبغداد.‏

21 ـ فصيل حمزة: ظهرت بعد اعتقال الشيخ جمال نضال في 10 تشرين الأول 2003 لا تتوفر معلومات عنها.‏

22 ـ كتائب الأمام علي بن أبي طالب الجهادية: مجموعات عربية شيعية سنية، ظهرت في تشرين الأول عام 2003 في الفلوجة، ميدانها النجف وكربلاء تقوم بعمليات مقاومة ضد القوات الأمريكية والبريطانية ومؤخراً البولندية.‏

23 ـ تحرير الجيش العراقي: مجموعة دعت أنها تعمل على تصفية عملاء الاحتلال والجواسيس، تنشط في الأنبار حول مدينة حديثة.‏

24 ـ كتائب خطاب الاستشهادية: مجموعة غير معروفة سوى أنها سلفية متشددة.‏

25 ـ جيش محمد: جماعة مجاهدة تضم عراقيين وعرباً، قامت ولا تزال بعمليات ناجحة تقول إن لديها خمسة آلاف مقاتل في منطقة الفلوجة والرمادي وبغداد وبلد وبعقوبة وشمال بغداد، لديها كتيبة نسائية مجاهدة.‏

26 ـ كتائب المجاهدين في الجماعة السلفية في العراق: تتبنى أفكار الشيخ عبد الله عزام تضم عرباً وعراقيين، غير معروفة التنظيم.‏

27 ـ المنظمة الناصرية: جماعة قومية ناصرية لا يعرف لها عمليات واضحة.‏

28 ـ الجبهة الوطنية لتحرير العراق: تضم عشر مجموعات مقاومة تحت جبهة واحدة مؤلفة من قوميين وإسلاميين ومتطوعين عرب وجنود سابقين.‏

29 ـ العودة الجديدة: جماعة مؤيدة لصدام.‏

30 ـ منظمة كتائب الجهاد في العراق: منظمة أغلبها من المجاهدين العرب ظهرت أواخر تموز2003.‏

31 ـ الجيش الإسلامي: وهو من أهم الفصائل المقاومة، استطاع هذا التنظيم أن يحقق الكثير من العمليات الهامة ضد المحتل، ويضم في صفوفه عدداً كبيراً من رجال القوات المسلحة السابقة، لهذا تميزت عملياته بالدقة وإنزال الخسائر بقوات الاحتلال.‏

32 ـ كتائب ثورة العشرين: وهي من الكتائب الهامة أيضاً تضم قوميين وإسلاميين، برزت أيضاً في إنجاز العديد من العمليات النوعية الهامة، التي أدت إلى زعزعة المشروع الأمريكي.‏

يوجد العديد من المنظمات الجهادية الصغيرة مثل سرية جعفر الطيار ومجاهدو حديثة، وسرية عبد الله بن عياض، وفرسان صدام، سرية ياسين البحر، وغيرها من تنظيمات المقاومة لا يسع المجال لذكرها، وتضم في صفوفها مختلف التيارات الفكرية والدينية.‏

توحدت العديد من المنظمات مثل مجلس شورى المجاهدين، والذي ضم سبع مجموعات سلفية في مقدمتها تنظيم القاعدة لبلاد الرافدين، وقد حل المجلس نفسه بلسان زعيم القاعدة أبو حمزة بعد ما سموا إمارة في العراق.‏

كما توحدت سبعة فصائل مقاومة في نهاية تشرين الثاني عام 2005 تحت اسم / الجبهة الإسلامية لتحرير العراق، كانت أبرز المنظمات المتوحدة الجيش الإسلامي وجيش الموحدين.‏

كما تم تشكيل القيادة العامة للمقاومة العراقية، وهي فصائل قومية وإسلامية يغلب عليها الطابع البعثي، ويعد هذا التنظيم من أكبر تنظيمات المقاومة العراقية.‏

ومنذ منتصف العام الحالي 2007 توالت الأنباء عن تلاقي عدد من فصائل المقاومة العراقية في تجمعات جبهوية من أجل تعزيز حالة مقاومة قوات الاحتلال وذلك بعد الهزات العنيفة التي شهدتها ساحة المقاومة العراقية في عام 2006، خاصة بعد الصدامات بين بعض فصائل المقاومة وخاصة الجيش الإسلامي وتنظيم القاعدة في العراق، بعد مقتل بعض المجاهدين والقياديين على أيدي القاعدة في الأنبار، مما خلق حالة التوتر في مناطق المقاومة، تم استغلاله من قبل القوات المحتلة فشكلت ما أسمته صحوة الأنبار من عدد من زعماء عشائر الأنبار، وباركته قيادة الاحتلال وحكومة المنطقة الخضراء، حتى أن الرئيس بوش زار زعيم الصحوة عبد الستار أبو ريشه وأكد مساندته لزعماء الصحوة، إلا أن المقاومة لم تمهل أبوريشة إلا أياماً حتى قتلته في انفجار مركبته.‏

وسعت قوات الاحتلال لخلق مناخات عميلة لها ومؤيدة للاحتلال في المناطق الحاضنة للمقاومة بنسخ أشكال جديدة من صحوة الأنبار في ديالى والموصل وغيرها لزرع الفتنة وشراء الضمائر وتجفيف منابع المقاومة. وهذا ما دعا العديد من فصائل المقاومة المتشابهة في الهدف والمضمون إلى التجمع وتشكيل الجبهات، والبعض منها شكل أو مجلس سياسي لبعض فصائل المقاومة، مما اعتبر خطوة هامة في الطريق نحو بلورة تنظيمات المقاومة إلى تشكيل جبهة واحدة عريضة لها قيادة سياسية وعسكرية تقود المقاومة العراقية إلى تحقيق هدف التحرير والاستقلال.‏

ففي 3 تشرين الأول 2007 ذكرت قناة العربية أن مجموعات مقاومة عراقية ذات توجهات قومية وإسلامية أبرزها (جيش الطريقة النقشبندية) شكل قيادة عليا للجهاد منتخبة من قبل أعضاء المؤتمر تسمى (القيادة العامة للجهاد والتحرير)، وأن المؤتمر انتخب عزة الدوري قائداً أعلى، وانتخب نائباً أول له ونائب آخر للشؤون العسكرية.‏

وفي 11 تشرين الأول 2007 تم الإعلان عن تشكيل أول مجلس سياسي لبعض فصائل المقاومة العراقية أطلق عليه اسم (المجلس السياسي للمقاومة العراقية) وقد وقع على هذا التشكيل كل من جبهة الجهاد والإصلاح ممثلة بفصائلها ألأربع والجيش الإسلامي وجيش الفاتحين والهيئة الشرعية لجيش أنصار السنة بالإضافة إلى جبهة المقاومة الإسلامية (جامع) وكتائب حماس العراق.‏

وقد أعلن مجلس علماء العراق عن مباركته للمجلس السياسي للمقاومة العراقية، واعتبره (خطوة رائدة لأسود المقاومة العراقية، ويمثل نقلة نوعية في العمل المقاوم تثبت أن مقاومة المحتل فعل حضاري يحقق للأمة الرشد، ويصنع إرادة التحرير في الأمة) وأنه سد فراغاً في وقت يولي الخصم الأدبار، والعراق يجني الثمار قال بيان العلماء: (من أجل لا يتسلق لص لسرقة الجهود) على حد قول البيان.‏

كما أعلن في تشرين الأول 2007 عن تشكيل جبهة ضمت (22) فصيلاً من المقاومة العراقية تحت اسم (جبهة التحرير والبناء) وذكر أن تلك الجبهة غير محسوبة على طائفة أو قومية أو حزب، بل تمثل كافة مكونات وفصائل المقاومة المسلحة القومية والدينية والوطنية من عرب وأكراد وتركمان ومسلمين سنة وشيعة ومسيحيين وصابئة فهو تشكيل وطني يغطي كل البلاد.‏

وقد أعلنت الهيئة العراقية للشيعة الجعفرية في 18 تشرين الأول 2007 تأييدها لجبهة التحرير واعتبرتها مشروعاً وطنياً هاماًن وأن ما ورد في الخطاب السياسي للجبهة يأتي متوافقاً مع ثوابتها الوطنية التي تعتبرها قاسماً مشتركاً لكل القوى الوطنية. وكانت الجبهة أوردت في بيانها السياسي ما يلي:‏

ـ تحميل الولايات المتحدة بصفتها الدولة المحتلة مسؤولية كل ما يجري في العراق، وتطالبها بتنفيذ جميع التزاماتها تجاه العراق بموجب اتفاقية جنيف والمواثيق الدولية الأخرى وتحميلها مسؤولية الأمن والاستقرار في البلاد .‏

ـ إلغاء القوانين والقرارات التي صدرت تحت غطاء «اجتثاث البعث» وإعادة دور كل القوى العروبية للمساهمة في بناء العراق الجديد. والتأكيد على الوجه العربي للبلاد.‏

ـ الاعتراف بشرعية المقاومة الوطنية المسلحة وعدم حشرها مع الفصائل الإرهابية.‏

ـ حل كافة المليشيات والقضاء على التنظيمات الإرهابية.‏

ـ إعادة النظر في تشكيلات الجيش العراقي الجديد والشرطة الوطنية الحديثة وتطهيرها من المليشيات وإبعادها عن الميول السياسية.‏

ـ استخدام كافة الوسائل والأساليب المشروعة لوضع برنامج سياسي حضاري يتعامل مع الاحتلال من أجل وضع جدول زمني للانسحاب المبكر وإرجاع السيادة لكافة العراقيين.‏

* التنظيم والبرنامج للمقاومة‏

اعتمدت المقاومة في هيكلها التنظيمي على مبدأ التسلسل الخيطي في تنظيماتها والاعتماد على المجموعات الصغيرة جداً، من أجل مواجهة أي اختراق أمني من قبل قوات الاحتلال أو من السلطة العميلة، فمن خلال المعارك قد يسقط بعض الجرحى يصعب على المقاومين ترحيلهم، فيخشى من خلالهم الوصول بالتعذيب إلى التنظيم، لهذا يمنع التنظيم الخيطي كشف التنظيم كله، إضافة إلى منع الجواسيس أو المداهمات للمنازل والقرى قد تؤدي كشف عناصره.‏

أما البرنامج السياسي للمقاومة فهو يتباين بين تلك الفصائل؛ إلا أن الإجماع لكل تلك الفصائل هو تحرير العراق من قوات الاحتلال، وإعادة الحرية والاستقلال له، وبناء عراق موحد، ومقاومة تقسيمه.‏

* من خسائر المحتل‏

استطاعت المقاومة في فترة زمنية قياسية أن تلحق الخسائر في العدو والمحتل وإفشال مشروعه وتحطيم أحلامه، وتدمير الروح النفسية لدى مقاتليه وعملائه، مما أربك الإدارة الأمريكية اليمينية، وتهاوى رصيدها حتى في بلادها، وأصبحت منبوذة من العالم كله، ومن يرى الاستطلاع الذي جرى في عام 2006 في أوربا يعرف مدى رفض الرأي العام الغربي للاحتلال، حيث اعتبر الغالبية العظمى منهم أن جورج بوش من أخطر الإرهابيين على العالم، وما هزيمة الجمهوريين في الانتخابات إلا دليل على قوة وفعالية المقاومة، وقدرتها على تحطيم المشروع الأمريكي الإمبراطوري.‏

والخسائر التي تذكرها المصادر الأمريكية والعملاء في صفوف قواتها في العراق ليست إلا النزر القليل من الحقيقة، ونذكر بعض الخسائر من تقارير أمريكية وأوربية للاستدلال على كذب ما يعلن عنه قادة الاحتلال:‏

ـ في تشرين الثاني عام 2003 ذكر المركز الطبي في رامستان في ألمانيا أنه استقبل /9500/ إصابة من العراق. تطلب بتر أكثر من / 3000/ من أطراف الجرحى.‏

ـ في الشهر نفسه صرح الرئيس الإداري الرئيسي الأمريكي في مطار بغداد بأنه شحن إلى الخارج حوالي /22000/ جريح من النساء والرجال من المقاتلين.‏

ـ في نيسان 2004 ذكرت صحيفة المحاربين القدماء الأمريكيين أنها استلمت /26633/ طلباً من طلبات العجز لأفراد من القوات المسلحة عادوا من العراق.‏

ـ في حزيران 2004 ذكرت محطة السي إن إن الأمريكية أن الإصابات بلغت /27000/.‏

ـ ومن نيسان 2004 لغاية كانون الثاني 2005 قدرت الإصابات في الفلوجة والنجف /21000/ إصابة، ويكون المجموع الكلي مع تقدير المحاربين القدماء /48000/ إصابة.‏

ـ وفي رأي أمريكي مستقل أن الأرقام الصحيحة للإصابات هي حوالي /6000/ قتيل و/48000/ جريح حتى الشهر الأول من عام 2005، ويقول التقرير إن كانت هذه الأرقام دقيقة فإن البنتاغون لا يبلغ إلا عن 20% من الإصابات.‏

وقد ذكرت مصادر المقاومة في بداية شهر تشرين الثاني 2006 أن عدد القتلى الأمريكيين تجاوز /15000/ قتيل.‏

إن القيادة الأمريكية وهي تخفي الكثير من الخسائر من أجل عدم هيجان الرأي العام الأمريكي ضد إدارتها التي غرقت في المستنقع العراقي، وما تم إعلانه حتى تاريخ 17 أيلول 2007 (3773) قتيلاً وبلغ عدد الجرحى /28/ ألفاً نصفهم لم يعودوا قادرين على العودة للجيش، فالبعض بترت بعض أطرافه أو فقدوا الرؤيا، وحسب وزير الدفاع الأمريكي الجنرال غيتس أن ثلثهم مصابون بأمراض نفسية وعقلية، وتجاوز الفارون من الخدمة الأربعة آلاف، إضافة إلى تزايد حالات الانتحار بين الجنود، إلا أن الحقائق ستعرف بعد أعوام قليلة لتظهر قدرة وعظمة المقاومة العراقية على دحر الغزاة وإلحاق الخسائر بهم.‏

ونتيجة للخسائر الكبيرة في الجنود الأمريكيين، ورفض التطوع في داخل الولايات المتحدة عملت الإدارة الأمريكية لسد هذا النقص على خطين:‏

الأول: تجنيد آلاف المرتزقة في صفوف قواتها وأسمتهم (بالمتعاقدين)، وهؤلاء ليس وارد لدى البنتاغون ذكرهم حين يقتلون، بل يرمون في صحراء العراق للكلاب الشاردة والأدلة على ما نقول كثيرة، يعرفها رعاة الشاة في بادية العراق.‏

والثاني: استخدام الشركات الأمنية الدولية التي تضم: عتاة القتلة والمجرمين للقيام بحروب بشعة ضد الشعب العراقي، وقد بلغ تعداد عناصر تلك الشركات ما يزيد على المئة والستين ألف عنصر، ومن أشهرها شركة (بلاك ووتر) التي أصدرت كتاباً حول أعمالها القذرة في العراق، وهي التي تعاقدت مع القيادة الأمريكية على تصفية المقاومة العراقية الفلوجة بدلاً من الجيش الأمريكي، ويبلغ راتب البعض من هؤلاء المرتزقة اليومي ما يقارب ثلاثة الآلاف دولار.‏

* آفاق مستقبل المقاومة‏

إن المقاومة العراقية التي حققت في أكثر من أربعة سنوات، ما عجز العرب عن تحقيقه بهزيمة المشروع الأمريكي الذي يهدد العرب والمسلمين معاً، إن المقاومة تستطيع أن تحقق الكثير إن توفرت لها العوامل التالية:‏

ـ ضرورة توفر الدعم المادي والسياسي.‏

ـ العمل على توحيدها إن أمكن في جبهة واحدة لمواجهة الاحتلال.‏

ـ إبعاد المقاومة عما يحاول المحتل والعملاء توريطها بحرب طائفية قذرة، ليصرفها عن مهامها النضالية.‏

ـ تكثيف حملات التوعية الإعلامية والثقافية والفكرية من التحذير مما يخطط له العدو الأمريكي الصهيوني؛ بفتح باب جهنم /الحرب الطائفية/ التي لا تبقي ولا تذر، ولن ينجو منها أي قطر عربي، و لا يستفيد منها إلا العدو المحتل والصهاينة والعملاء.‏

ـ إن المقاومة العراقية هي الحربة المدمرة لمشروع الشرق الأوسط الكبير، ولأحلام الصهاينة والإدارة الأمريكية اليمينية ذات المشروع الصهيوني الامبراطوري، والذي أعلنه بوش صراحة أن ما يعنيه (إسرائيل والنفط).‏

ـ إن انتصار المقاومة هو تحطيم لمشروع احتلال الدول العربية والإسلامية وتقطيعها إلى كانتونات طائفية وعرقية متصارعة خدمة للكيان الصهيوني، كما أنه نهاية المشروع الأمريكي الذي بدأ في العراق ويتمدد في لبنان ن ويعمل على تقطيع السودان ويعلن الحصار على سورية الممانعة.‏

كما إن المقاومة العراقية وهي اليوم تعبر عامها الخامس مدعوة إلى الحوار واللقاء على برنامج سياسي موحد وإلى تشكيل قيادة سياسية وعسكرية قادرة على إدارة الصراع، وتحمل مشروع التوحد والمصالحة لبناء العراق العربي الموحد والمستقل.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244