مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 30 السنة العاشرة صيف 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الصراع حين تحركه التعاويذ ـــ كلاديس مطر(1)

لفت نظري أن التحولات الكبرى في التاريخ حدثت بسبب استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها، وكأن التاريخ في انطلاق مسيرته لا يلتوي إلا قسراً، وتحت تأثير العنف العقائدي المسلح!‏

كما لفت نظري انه من الصعب أن تحدث هذه التحولات الجذرية الفجائية، بسبب كتاب نقد أو قصيدة أو لوحة أو مشهد تمثيلي.‏

إن مثل هذه (الأمور) تحدث تغييراً على المدى الطويل أو البعيد، بينما تملك الرصاصة العقائدية تأثيراً لحظوياً أقوى.‏

يغزونا الأمل كل يوم كمهتمين بالشأن الثقافي أن نرى التحولات تحدث بالعمق (لا طولا ولا عرضا) وان يشمل مداها نسيج روح الإنسان بالذات..طبيعته الأكثر تجذراً في الإرث والتراث، وتطلعاته التي مازالت تكبو وراء القضبان.‏

يغزونا الأمل أن نرى التابوات العقائدية مفككة ومطروحة جانبا، أن تقوم هذه التحولات بإعادة صياغة مفهوم الحرية والكرامة والشرف لدينا كعرب، وأن نبدأ بالتطلع إلى الدنيا بعيون من يراها للمرة الأولى، من دون ذاكرة الماضي المؤلمة، ومن دون هذا الميل القديم لتبيان تاريخنا العربي وكأنه قطعة موسيقية لا نشاز فيها.‏

أول خطوات التيه‏

حين أفكر بالصراع العربي الإسرائيلي، لا أجده يشذ عن هذه القاعدة، فهو صراع عقائدي ـ عسكري لدرجة تجاوز شكله العملياتي ليتحول إلى (حالة) بقائية بشكل ما، انه صراع الفكر المسلح الطالع من الكتب المنزلة والنوايا الغامضة الدفينة التي لا تشي بالمطلق بأي ود لوجود الآخر.‏

صحيح أن العنف المسلح (خمسة حروب رئيسية إسرائيلية عربية، وأكثر من سبع عشرة حالة صراع عنيف بينها وبين جيرانها العرب مثل سوريا ومصر والأردن ولبنان) قد ميز هذا الصراع، منذ أن صادقت الجمعية العمومية على القرار 181 الذي يقضي بتقسيم فلسطين، بمجموع 33 صوتاً مقابل 13 وامتناع 10 عن التصويت، منهم بريطانيا، وبإقامة دولة يهودية على 56 % من مساحة فلسطين دون القدس، إلا أن حالة الحرب كانت دائمة بل ولحظوية، فحين كان يتوقف العنف العسكري لفترات، كان يكمل التهديد وظيفته الأبشع!‏

إن الفكر التلمودي التوراتي، هو البذرة التي سمحت لبعض الجماعات البروتستانتية في القرن السادس عشر، بوجوب إعادة اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها، وهذه الجماعات هي نفسها اليوم التي تخلق المناخ التعاطفي نفسه مع شعب ارض الميعاد، لدرجة أطلق عليها المسيحية المتهودة أو اليهودية. وتحت تأثير ذلك يستمر رجل الشارع في الغرب بشكل خاص وحتى الكثير من المثقفين ورجال السياسة طبعاً، بتصديق هذا الفكر المسيحي الحاخامي المتطرف، فكر يتشبث بمناخ العهد القديم بحذافيره، بدلاً من الفحوى الرمزي للدين المسيحي، بل إنه أوصل لقمته حين أصبح فكراً سياسياً عملياً على أرض الواقع ومن الطراز الرفيع.‏

و لكن! أليس مفهوم التعويذة مؤسساً برمته على كتابة النوايا على أوراق، ودفنها فيما بعد وتركها تتحقق مع الوقت؟. إننا لا نعرف من كتبها وإلى ماذا يرمي! لقد قالوا لنا أنها تشفي وتعالج وتدفع المحب للاعتراف وحتى إنها تجمل العمى إنها فوق التحليل والتمحيص والمراجعة والتساؤل تماما، لقد كتبت وكأن حبرها من فولاذ وكأن الكلمات والجمل مهما كانت تافهة وركيكة وغير مترابطة فهي متحققة في الزمان والمكان ولا يمكن إزالتها.‏

إن الحروب التي شنها العبرانيون على العرب بدأت وستنتهي باعتبارها حرب تعاويذ مكتوبة وأدباً سيئاً، والفكر الذي يحركها هو فكر تعويذي سخيف، زاد من ركاكته تراجمه السيئة وتفاسيره المبنية على التزوير الجغرافي والتاريخي وحتى الفكري، ومن أجل تنفيذه، لا بد لتوازن المنطقة من أن يقلب رأسا على عقب وربما لتوازن العالم كله.‏

إن طبوغرافية فلسطين لا يمكن رؤيتها إلا باعتبارها جزءا من التكوين الجغرافي الأوسع للمنطقة السورية(2). وإذا ما أمعنا النظر في هذه الطبيعة نجد أنها بتركيبتها تتألف من مناطق بيئية معزولة؛ الأمر الذي مهد لانقساماتها السياسية لاحقاً، ولم تكن الرحلات الاستكشافية الأولى للتنقيب في أرض فلسطين سببها الميل البحثي المعرفي الخام، وإنما النبش في ملفات العهد القديم، ومدى تطابقها مع أحلام الهيمنة الامبريالية. إنه تنقيب عن إسرائيل بالذات في تاريخ فلسطين التوراتي، فلقد كانت التوراة وكتب المؤرخ اليهودي يوسيفوس (تاريخ اليهود) و(الحروب اليهودية) من أهم مرشدي الحملات التنقيبية على الإطلاق، وهي مراجع تفتقر إلى الدقة تماماً لأنها مليئة بالحكايات والروايات القديمة، أكثر مما تنطوي على معلومات تاريخية محققة.‏

وإذا ما ابتعدنا عن صخب المراجع التي ذكرتها أعلاه والتي كانت المعتمدات الأساسية في التنقيب الأولي في فلسطين.. لن نعثر على ذكر لأورشليم سوى مرتين، وذلك خلا ل فترة تمتد إلى 1500 سنة (من بدايات العصر البرونزي الوسيط وحتى نهايات القرن الثامن قبل الميلاد)(3)، كانت المرة الأولى في نصوص اللعنات المصرية (و هي كتابات محفورة على جرار الفخار التي يتم كسرها في طقوس سحرية لجلب الأذى للأعداء الواردة أسماؤهم في النقش)، حيث ورد ذكر أورشليم وحاكمها ضمن مجموعة من المدن الفلسطينية، التي كانت من أعداء مصر في المنطقة، في تلك الحقبة ثم ورد اسمها مرة ثانية في عدد من الرسائل المتبادلة بين أمير إحدى دول آسيا الغربية والملك اخناتون، ثم صمتت الوثائق التاريخية.. خصوصاً الآشورية.. إلى أن ظهر اسمها مرة أخرى عندما استولى عليها داوود وجعل منها عاصمة للمملكة الموحدة لجميع قبائل إسرائيل، وذلك بحسب التوراة من الآن وصاعداً. وهكذا فإن الحروب التي ستقاد هي حروب لاستعادة أورشليم التوراتية.. أورشليم النظرية التي يريدون لها اليوم أن تكون ممتدة من المحيط إلى الخليج.‏

كيان افتراضي‏

لقد داخ المساحون الإسرائيليون وهم يزرعون الهضاب الفلسطينية متراً متراً... ينقبون عن آثار البلد الافتراضي الزائل. فكان كلما ضرب معولهم في مكان ما، أُسقط من يدهم أكثر. وهكذا، لم تتقاطع قصص محرري التوراة مع ما وقع تحت أيديهم من معلومات نتيجة التنقيب(4). والواقع، إنه خارج إطار التاريخ الحقيقي للمنطقة لا يمكن أن نعول على التعاويذ والآداب الدينية من أجل المطالبة بحق.‏

ومع أن الهضاب الفلسطينية هي مسرح الحكايات التوراتية، إلا أنها لم تعرف أركيولوجيا هذه الممالك. ولقد كانت شبه خالية خلال العصر البرونزي (3000 ـ 2000 ق.م) ولا أثر للحياة فيها خلال القرن العاشر، ولقد ذكر زائيف هيرتسوغ، عالم الآثار الإسرائيلي والأستاذ بجامعة تل أبيب في مقالة له نشرت في هآارتس عام 1999 إن (الحفريات المكثفة في أرض إسرائيل خلال القرن العشرين قد أوصلتنا إلى نتائج محبطة: إن قصص الآباء في سفر التكوين هي مجرد أساطير، ونحن لم نهبط إلى مصر ولم نخرج منها،ولم نته في صحراء سيناء، ولم ندخل إلى فلسطين بحملة عسكرية صاعقة، احتلت الأرض ووزعتها على الأسباط. وأصعب هذه الأمور أن المملكة الموحدة لداوود وسليمان التي توصف في التوراة بأنها دولة عظيمة، كانت في أفضل الأحوال مملكة قبلية صغيرة).‏

الحق، إن الربط بين العهدين الجديد والقديم ـ ولننتهي هنا من هذه الكذبة لننتقل إلى ما هو أجدى وأهم ـ هو ربط كان سببه الأساسي التشدد الديني اليهودي العجيب عند ظهور المسيح. لقد بدأ الأمر كله كصراع مسيحي يهودي بدرجة امتياز، صراع بين ما كان مكتوبا أصلا وبين رجل أراد أن يعيد الأمور إلى نصابها، ماذا فعل رسل المسيح بكل هذا الإرث اليهودي المتعصب لإقناع اليهود بالرسالة الجديدة؟ " لقد كان يتوجب عليهم أن يبرهنوا لهم أن المسيح هو المنتظر بالمفهوم الديني اليهودي، عامدين إلى استخلاص حججهم تثبيتا لمجيء المسيح من كتاب التوراة، أكان هذا من الأقوال التي أنزلوها منزلة التنبؤات أم من أقوال المسيح في معرض الحديث عن الناموس؛ شريعة موسى"(5). والحقيقة لم يكن هناك أي داع لهذه التنبؤات من أجل الاعتراف بالنبوة لأنها في الحقيقة ما هي إلا شهادة الله وحده. وإن التوراة بكل ما فيها من استنساخ عن التراث السوري الرافدي (سأتحدث عنه لاحقا هنا) لا يمكن أن يكون وثيقة للعبور إلى الإيمان المسيحي بالمطلق.‏

كذلك ليس الإسلام بحاجة إلى شهادة التوراة وتنبؤاته بالمطلق، لأن الله هو الذي شهد للنبي محمد (()، وإليه وحده أنزل كتابه وانتشر بين الأمم كلها.‏

إذاً ليست التوراة مصدراً أو مقدمة لما سيأتي بعدها. ولقد تحدث القرآن نفسه عن تحريف التوراة في الكثير من السور(6)، ? ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ? سورة البقرة، 74 ـ ?وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ? سورة آل عمران، 77 ـ ?مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن موَاضِعِهِ? سورة النساء، 45 ـ ?قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً? سورة الإنعام، 91.‏

ويمكننا أن نتصور الخلاف العميق الذي يركن بين اليهودية وهذين الدينين السماويين (الإسلام والمسيحية) والذي تبدى كله في بروتوكولات حكماء صهيون التي تنطوي على بنود التخريب وتمرير الدسائس، وحيث المسيحية هي أبعد ما تكون عن كونها امتدادا لليهودية التي تريد دكها من أعلى سلطة دينية فيها (البابوية)، وذلك كما هو وارد في البند السابع عشر من البروتوكولات.‏

الحق إن كل ما يهمنا هو فصل التوراة، الذي هو تراث اليهود الديني والتاريخي عن المسيحية والإسلام، فصلا تاما، إن بالعقيدة أو بأي رابط استنتاجي آخر. أما الأبحاث الأركيولوجية الإسرائيلية التي تبحث عن التقاطع بين التاريخي والتوراتي من أجل تمرير أفكار الاستيطان، فهي الأخرى قد أسقط من يدها بسبب نسخ التوراة في أغلب نصوصها عن الرقم الرافدية والشامية، الأمر الذي دفع بأحد الأساقفة في محاضرة له عن مدينة إيبلا أن يقول: (كانوا يكتبون وكأن أمامهم نصوصا ينسخون عنها)، وربما كان من أهم النصوص التي استنسخت عن التراث الرافدي القديم هي الأسفار التالية؛ التكوين، الخلق، الطوفان، أيوب، جنة عدن، قايين وهابيل. أما عن التراث الكنعاني فقد نسخوا منه كل الطقوس الدينية والعبادات والتقاليد والأمثال والأعداد.... الخ(7).‏

أنبياء جدد بربطات عنق‏

يفهم اليهود بشكل عام السلطة الكونية باعتبارها سلطة الإله اليهودي خلال سياق التاريخ الإنساني(8)، فلقد استطاع مؤرخ اليهود يوسيفوس، أن يرى سلطة العالم الروماني على اليهودية، كنتيجة للإرادة الإلهية، لدرجة أنه وجد تبريراً حتى في هدم الهيكل، ورأى فيه نوعا من العقاب والتدبير. والمطلع على تفنيد يوسيفوس يعرف أنه مبطن بالسخرية أيضاً، فالرومان لم يكسبوا الحرب تماما مثل اليهود لأنهم عصوا الله، وبهذا المعنى فهم خسروها. إذا حتى السلطة الرومانية بقيت من وجهة نظره تحت رعاية الإله اليهودي.‏

إن المطلع على هذا التراث الديني سوف يعرف إلى أي مدى تحاول العقلية اليهودية، تطويع الوقائع التي لا لبس فيها، وتحويرها بشكل تتناسب ورؤيتها للعالم، وفهمها له.‏

فالحرب هي الحرب، والخسارة هي الخسارة، وهدم الهيكل يعني أنه كان ولم يعد موجوداً مثلاً، ومع ذلك لم تستطع الرؤية اليهودية أن تفهم السلطة إلا من منطلقاتها التوراتية البحتة، وهكذا خرج هذا العقل تماماً من سياق التاريخ وحوادثه، وبقي في إطار الافتراض والاحتمال. إنه عقل على صورة تراثه ومثاله..قابع في الافتراض ومحاولة خلق الحاضر من سقط الماضي المركب.‏

لقد تميزت العقلية اليهودية التوراتية بروح العداء القبلية، فلقد كره اليهود كل أرض نزلوا بها، واحتقروا شعبها وحاكوا الدسائس ضده، وهم باقون إلى هذه اللحظة، محررين أوفياء للدسائس والمؤامرات وطرق التهديد السرية، ليس يهوه العهد القديم هو نفسه الله في المسيحية والإسلام، فإله اليهود هو إله غاضب، غيور منتقم..هو رب الجنود، عنيف وربما متعصب في (محبته). ومع ذلك، يا للعجب، يستمر تمرير هذه الأخطاء المصيرية يوميا وإعلاميا وأدبيا، والأهم سياسيا وعقائديا، من دون أن يحرك أحد ساكنا.‏

خلاصة القول إنه يجب أن لا يكون للتوراة هذا الدور في تحريك سياسة المنطقة بالمطلق، فان قبلنا أنه كتاب اليهود الديني، فيجب أن لا نقبل أن ينفذ ما فيه، وكأنه منزل وعلى حساب مستقبل المنطقة بأسرها. ويجب أن لا نستمر في الظن أن التكوين يبدأ من التوراة، لأن التكوين والتاريخ بدأا قبل ذلك في سومر منذ أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد إنه العماء المائي الذي انتقل كفكرة من السومريين، إلى الآشوريين والكنعانيين والآراميين....الخ. فلقد كتبت التوراة في أيام السبي في بابل على يد عزرا، منذ عام 586 ق.م. وظلت تنقح وتصحح بمشيئة اليهود حتى بعد مجيء المسيح بأكثر من أربعمئة وخمسين عاما...!‏

إذا، إلى أين نحن سائرون بكل هذا اللايقين، ولم يجب على النصوص القديمة، مهما كانت، أن ترسم مستقبل الشعوب التي تريد للمؤسسات فقط أن تحكمها وليس الشعر المرتجل؟! إن حكام اليهود المعاصرين هم أنبياء العهد القديم نفسهم، ولكن بربطات عنق حديثة.‏

إني أراهم مشرئبي الأعناق يتلصصون بعيونهم الحجرية، من وراء بزاتهم الأكثر حداثة في منطقتنا وفي العالم، يحيكون الوجود على هواهم.‏

إن المجازر الدينية عبر التاريخ لم تترك مجالا للشك أن دفة القيادة، يجب أن لا يعثر عليها بين ركام النصوص المنزلة، مع كل ثرائها التراثي الفاحش وجمالها الأدبي والفني، وإنما بين مجلدات القوانين المدنية الراسخة.‏

لقد ظهر الكثير من القادة في تاريخ العربية ممن سحروا شعوبهم التي عاملتهم كأنصاف آلهة، ولكنهم ـ مع ذلك ـ بعد وفاتهم، لم يتركوا أثراً يذكر، لأن كل ما في بنيان الدولة كان مرتبطا بشخصهم وليس بالمؤسسات التي فشلوا في خلقها. وهذه العقلية أيضا لا تعرف أن تنهي صراعاً ولا أن تقرأ التاريخ أو تواجه متطلباته.‏

ما زلنا، كملوكنا وآلهتنا القدماء، نمارس سلطة مركزية مقدسة في البزة الأوروبية الأكثر أناقة، بينما ترقد تحت وسائدنا نسخ من الكتب القديمة المرصعة بالمحللات والمحرمات.‏

بابل، التوراة، وتيارد دي شاردان‏

إن النظرة إلى الحياة والكون في الحقيقة قد تطورت عبر مراحلها الأكثر أهمية في التاريخ: البابلية والتوراتية وأخيرا الكنيسة الغربية تحديدا، ومن بينها كلها كنت أتمنى أن يكون نشيد التكوين بنسخته البابلية الكوسموغونية (اينوما ايليش)، والذي هو من أعظم الأدبيات الدينية القديمة على الإطلاق، هو المعتمد بدلا من التكوين التوراتي الذي أخذت به الكنيسة المسيحية الشرقية من دون رفة جفن أو تمحيص.‏

لقد كنت أتمنى أن ننهل من النصوص الأولى غير المحرفة، النقية، وحتى من الرقم الأكثر تأذياً بينها؛ وأن نعتبرها التراث الفعلي الأول لحضارة الرافدين وبلاد الشام، والدين الضمني لشعوبها، وأن نعيد إحياء هذا التراث المرة تلو الأخرى كأغنية لا نمل من سماعها، بدلا من الضياع في التفاسير والاجتهادات اللاحقة التي خلقها الفهم الأكثر إحباطاً وإرباكاً لمفهوم الله في المسيحية والإسلام.‏

إن الازدواجية التي يعيشها العقل المرتبك سببها الرجوع المؤلم إلى الماضي غير البعيد، ماضي الحقب الدينية التي كان يجب أن تكون إشعاعا لا لبس فيه، وطريقا واحدا لا غير باتجاه الحرية الروحية للإنسان. لكن ما حدث كان مرعبا حقاً، لقد تم التلاعب حتى بالتراث وتدجينه وتفسيره وشرذمته لصالح السياسي. وهكذا خلق دين آخر لم يكن بالحسبان، دين وليد جديد لا أجد أي نبي كريم سابق مسؤول عنه أو له صلة به، إنه دين خرافي قمعي خلقه عقلنا الذي لا يرى استقرارا له إلا في التفكيك، وإعادة الصياغة، بحسب قناعاته الضيقة الآنية.‏

لقد أخطأت الكنيسة الشرقية المسيحية عندما لم تستطع أن تخلق هذا الرابط بين الإيمان والعلم، فابتعدت بنفسها عن حركة الزمن المتصاعدة المتبدلة وربطت من دون أن تدري العقيدة بالغيبي المقدس (المنسوخ والمركب ـ التوراة) الأمر الذي لم يكن أبدأ لصالح هذه العقيدة بالذات.‏

لكنه في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ظهر كاهن مسيحي يسوعي يدعى (تيارد دي شاردان)، درس في السوربون، العلوم الطبيعية والجيولوجيا وعلم النبات والحيوان (1919 ـ 1923). وحاول أن يؤسس النظرة الشمولية إلى الكون والحياة من المنفذ الأكثر انسجاماً مع العلم، فلقد تحدث عن (طبيعة المادة) في فصل فذ مبتكر، قائلاً إنها لا يمكن أن تستمر في حالتها الظاهرة الستاتيكية (الساكنه) وإنما تحمل بذور تطورها في داخلها، كما تحتضن بشكل استثنائي حركتين متضاربتين على الدوام خلال مسيرتها نحو البناء والاكتمال أو التحول. هكذا الماضي، يتبدل لونه ويتخذ اتجاها مختلفا من حقبة إلى أخرى، إنه يتحول بقدرة فتية جديدة في كل مرة(9).‏

و(النقطة الحرجة) التي تحدث عنها شاردان (point crucial) أثناء تناوله لظاهرة الإنسان هي بالضبط هذا الاختلاف النوعي في الارتقاء، وتحديداً خلال المرحلة التي خرج فيها وجدان الإنسان من رحم الحيوان، وتحول إلى (فنان) بدرجة امتياز مقارنة به، أي إنه خرج من رحم المادة المتحولة إلى وجدان الروح. أما ارتقاؤه، بحسب شاردان، فكان من خلال العلم والتقنية والفن والحياة الاجتماعية والجنس الوجداني والأخلاق ومعاينة الله. وهكذا فإنه يرى، بحسب نظريته في التطور المادي الروحي أن (قصة التكوين التوراتية هي محض خرافة، خلقتها مخيلة الإنسان البدائي الذي لم يستطع تفسير ظواهر الكون تفسيرا علميا وفلسفيا جليا)، وبالتالي، فإنه يعلن أيضا سقوط التواريخ الواردة في التوراة من حيث عمر الإنسان الذي لا يتعدى بموجب التوراة أكثر من 4000 سنة، بينما يرجعه العلم إلى 3 ملايين من السنين(10). وهكذا، بسقوط كل هذا يسقط تاريخ الخليقة وقصة آدم وحواء ونوح وسلالته كما أتوا في التوراة.. ونكون بالتالي أمام حقيقة أن هذا الكتاب لا يستند لا على علم ولا على وقائع، وهو لا قيمة له إلا لحقن وجود اليهود اليومي والشرعي وإدارة دفة الصراع اللانهائي التعويذي.‏

إن هذه الفكرة المبتكرة لتفسير ظهور الإنسان تعتبر خرقا أولا للفكر اللاهوتي القديم وتحديدا التوراتي الذي يبدو الآن أمامها ضحلا وأسطوريا بدرجة ما. ليس الإنسان جزءا من الطبيعة بعد الآن ولا تحت سطوة أي سلطة شكلية، وبحسب هذا المعنى، أصبح هو العنصر الأكثر ندية لها، والراغب في تفكيكها والسيطرة عليها.‏

لهذا، نجد أنه ضرب من المستحيل أن يكون هناك نهاية لأي صراع مبني على العقائد الثابتة ـ ما دام الثابت غير موجود حتى في المادة ـ الواردة في كتب حكايات الحياة القديمة. ومستحيل أن يبقى المبدأ مبدأ إيجابياً بالقدر نفسه في غمرة التحولات المهولة المستمرة التي تصيب هذا الكون كله. لهذا، المواقف الإنسانية هي الأخرى جزء لا يتجزأ من هذه التحولات، فبقدر ما تسايرها وتحافظ على خطها متجددا ومعدلا، بقدر ما تؤمن الاستمرارية لها بحلل أخرى مختلفة، غير ذلك، لا مجد، وبلا طائل أي جهد يصرف بغير اتجاه، وإنما قد يكون سببا مستمرا لخلق الصراعات الأكثر دموية.‏

الصراع العربي /الإسرائيلي ـ الأميركي‏

أعود إلى الصراع العربي الإسرائيلي التي مازالت رحاه دائرة إلى اليوم. ان الملاحظ العادي سوف ينتبه إلى أن الإرهاب بكل أشكاله وتداعياته، مرورا بالحادي عشر من أيلول، ووصولا إلى آخر مفرقعة صغيرة في ضواحي بغداد.. هي ثمرة لهذا الصراع العقائدي الأول في الشرق الأوسط، والذي جسده اليهود والفلسطينيون منذ أول قدوم لهم إلى أرض كنعان، إنه صراع أدب سيء خلق أمة افتراضية ذهنية توراتية خالصة وأراد أن يحققها بقوة التزوير والترهيب، ففي عام 1976 وبعد وصول جيمي كارتر إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية قال: (إن تأسيس إسرائيل المعاصرة هو تحقيق للنبوءة التوراتية.)‏

وهكذا، وبعد قرار الجمعية العمومية ببضعة أشهر بدأ أطول مسلسل عقائدي يهودي في التاريخ الحديث؛ فلقد نفذت منظمتا (شتيرن) و(الأرغون) اليهوديتان مذبحة في قرية دير ياسين القريبة من القدس قتل فيها 250 فلسطينياً، تبعتها مجزرة أخرى ارتكبها اليهود قرب طبريا. وهكذا كانت بداية نزوح الفلسطينين إلى الدول العربية المجاورة، وكأن تاريخ هذا الصراع مبني على دورة (يوم لك ويوم عليك) مستعيدين قصة السبي البابلي القديمة.‏

الحق لست بحاجة لإنعاش الذاكرة العربية كثيراً فيما يتعلق بتواتر حوادث الصراع وتأريخ ما حدث، وإنما أردت لفت انتباهها، خلال مراحل الصراع كلها، إلى كيفية ردود فعل العرب، تجاه القرارات التعسفية بشأن قضيتهم وكيف بدأ تعاونهم في سبيل إنهائها! والحق إن مثل هذه القراءة تدفعنا إلى الاستغراب الكبير حين ننتبه إلى أنه بالرغم من كل هذه المقاومة الظاهرية التي نراها، لربما كان التواطؤ في ضياع فلسطين هو الحقيقة الأولى الخفية، وكأن الجهل بالتاريخ أول خطوة في طريق هذا التواطؤ الطويل.‏

فبعد أن احتلت إسرائيل ميناء إيلات على خليج العقبة وأصبحت عضوا في الأمم المتحدة، وأعلنت القدس عاصمة لها..... وبعد العدوان الثلاثي في عام 56 على مصر من قبل إسرائيل وبريطانيا وفرنسا، ورفضها الانسحاب من غزة وشرم الشيخ... وبعد حرب حزيران 67 بينها وبين العرب، واحتلالها قطاع غزة والضفة الغربية في فلسطين وشبه جزيرة سيناء المصرية ومرتفعات الجولان السورية.....‏

و بعد حرب الاستنزاف، بينها وبين مصر عام 69 على جبهة قناة السويس وإحراق المسجد الأقصى في العام نفسه من قبل اليهودي الاسترالي مايكل روهان..... وبعد اندلاع المعارك على الجبهة السورية الإسرائيلية في الجولان، وعلى دلتا النيل وصعيد مصر، في السنة اللاحقة، أقول بعد كل هذا...أخذ ينكشف الفكر التعويذي التوسعي اليهودي خطوة خطوة أمام أفواه العرب المفتوحة، وقلة حيلتهم وجهلهم بالتاريخ.‏

إن الالتزام بالوطن القومي لليهود هو من الثوابت الراسخة في السياسة الأميركية الخارجية، ابتداء من روزفلت مرورا بترومان وكارتر وانتهاء ببوش الابن.‏

أما المدحلة التوراتية الدينية التوسعية، فقد أكملت عملها، فاجتاحت إسرائيل جنوب لبنان عام 1970 رافضة الانسحاب حتى حدود 67 بمعونة حق الفيتو الأميركي، الذي أخذ من الآن وصاعداً يترك هو الآخر نفسه منقادا وراء أحلام أرض الميعاد، التي حكت عنها أساطير التوراة التي أصبحت مقدسة مسيحيا، بعد لصقها بالعهد الجديد.‏

وغني عن القول إن الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان عام 1975 كانت بداية المتاهة المرعبة، التي سوف يساهم في خلقها الإعلام العربي والغربي من الآن وصاعدا. لقد قرع جرس الخطر وبدأت الانقسامات في الموقف العربي تتبدى على مذبح هذه الحرب، التي أنهكت كل من اقترب منها بوصة واحدة.‏

أهداف الله!!‏

في عام 1975 استفاق العرب على توقيع مصر وإسرائيل اتفاقاً انتقالياً ينهي حالة الحرب بينهما، على أن تفتح قناة السويس أمام السفن الإسرائيلية غير العسكرية، وبعد عامين كان أنور السادات يقف في الكنيست الإسرائيلي متحدثاً عن السلام، بينما رفضت أميركا على لسان رئيسها آنذاك جيمي كارتر، إقامة دولة فلسطينية مستقلة، هذا الرئيس الذي يقوم اليوم بمهامه الإنسانية المستقلة متنقلاً من عاصمة إلى أخرى!!!!!!!‏

ترك هذا انطباعاً أن الصراع العربي الإسرائيلي قد انتهى بجزء منه كما قالت لنا عناوين الأحداث.‏

ولكن، لماذا بعد كشف النوايا الحسنة وتبادل الزيارات والابتسامات والصور، لم تتغير التعاويذ؟ ولم يستطع أن يرق قلب يهوه ولو بقدر بسيط؟! ولِمَ خططت إسرائيل لاحتلال عشر لبنان فيما عرف بعملية الليطاني، وأقامت حزاما أمنياً لإبعاد الفدائيين عن حدودها، بينما كانت تكمل توقيع اتفاقية سلام كاملة مع مصر، وإقامة علاقات اقتصادية وديبلوماسية وثقافية طبيعية معها؟ ولم أصرت في العام التالي (1980 على إقرار قانون في الكنيست على أن (القدس عاصمة موحدة لإسرائيل). ولم....بعد كل هذا، وكنتيجة له، اغتيل صاحب أغرب قراءة حديثة للصراع العربي الإسرائيلي، الرئيس أنور السادات على يد مجموعة منتمية إلى التيار الإسلامي؟!!!‏

بعد خمس سنوات، قامت إسرائيل بضرب الفلسطينيين في لبنان، وأبعدت قيادتهم إلى تونس، ليدخل العرب في مناخ القبول الجماعي للسلام معها، ولتبدأ النسخة الأغرب من قراءة الصراع تحت عنوان: قبول الأمر الواقع. ففي عام 1987 تعقد قمة عربية غير عادية، تنتهي بإعادة ثماني دول علاقتها مع مصر، وهي الإمارات والسعودية وموريتانيا وقطر واليمن الشمالي والكويت والبحرين والعراق.‏

ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام 1993 يدخل الصراع مرحلة ثورات الحجارة وانطلاق التفاوض العربي الإسرائيلي.‏

الواقع، لم يشذ رونالد ريغان الذي واكب الاختراقات الإسرائيلية للبنان عن غيره، فكثيراً ما كان يتحدث أمام زواره عن نبوءات التوراة في فلسطين؛ مما دفع بالقس الإنجيلي برتسون لكي يقول عنه إنه (قد نما روحيا بشكل كبير، وهو قادر على إدراك ما يجري على ضوء نبوءات العهد القديم...و إنه عارف جيد لأهداف الله في الشرق الأوسط....) أهداف الله!!!‏

الواقع، لم تتوقف إسرائيل التلمودية ثانية واحدة عن الحلم بأرض الميعاد، فلقد تبدلت مواقف العرب وتغيرت سياساتهم، والفكر التلمودي والحلم بالكيان الافتراضي ما زال على أشده، انه حلم تعويذي بحاجة إلى قوة أكبر منه لكي يفككه ويبطل مفعوله. اما اميركا الانجيلية، البروتستانتية والمعمدانية السياسية، فهي الراعية الثابتة للموقف الإسرائيلي بكل خطوطه العامة، كما أنها طرف (غير محايد) في دعم قدرات إسرائيل العسكرية والسهر على سلامتها وخصوصا في الإبقاء على القدس المستردة (برأيهم) كعاصمة أبدية، والهيكل الذي يجب أن يعاد بناؤه والذي سيكون فاتحة لعهد جديد للبشرية.‏

لست أطالب العرب بأن يتحولوا إلى سحره في رمشة، فهم يتعاطون السحر بطريقة أخرى، أكثر رومانسية، فلقد أسقط من يدهم، كقادة، واكتفوا كلهم بالطلب من إسرائيل باسترداد (قطعة الأرض) الصغيرة التي احتلتها من أجل كف (بلاهم عنها)، الأمر الذي لم يدفعها إلا إلى الإمعان في الدلال.‏

ميثاق شرف‏

لماذا على المسيحي الغربي، أن يسعى من أجل أهداف يهودية؟! أليست اليهودية بانتظار الوعد بالمخلص الذي لم يأت بعد، والذي هو بالنسبة للمسيحي قد أتى وانتهى الأمر؟!!! ألا ينم هذا عن تناقض للمعتقد المسيحي؟!! ألم تنه المسيحية الوعد، وأنهت صفة شعب الله المختار بانتهاء فكرة الوعد؟!! ألا ينطوي، بعد كل هذا، ربط التوراة بالعهد الجديد على فخ مؤامراتي لا علاقة له بأي بعد ديني أو لاهوتي؟!!! وإذا كانت التوراة بنبوءاتها تشكل القاعدة الأساسية للفكر السياسي لكل القيادات الإسرائيلية، ألا يدفعنا هذا إلى التساؤل لماذا ينساق المسيحي الغربي وكأنه منوم وراء أحلام يقظة الآخرين؟!! أية مصلحة لأميركا وغير أميركا في تحقيق أحلام التوراة المركبة ومعاداة كل شعوب الأرض؟!! أية مصلحة لها في الترويج للإله الأكثر تطرفاً، والأكثر ضيق نظر وغروراً!‏

ألم يأت أنبياء هذه الدنيا بروح مثقلة بالاشتراكية ومبادئ العدل والمساواة؟!!!‏

ترى أي لقاء هذا الذي تم في عام 1997 بين مرجعيتين إسلامية وإسرائيلية ممثلتين بشيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي والحاخام الإسرائيلي لاو؟!!! أي حديث دار بين ممثل نبي قال إن الناس سواسية كأسنان المشط، وبين رجل دين ممتلئ بفوقية إله قال لشعبه: (أنتم أولاد للرب إلهكم، وقد اختارك الرب لكي تكون له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض) .سفر التثنية 140.‏

مطالباً إسرائيل باستعباد غيرها من الشعوب: (بالوجوه إلى الأرض يسجدون لك، ويلحسون غبار رجليك). اشعيا 49.، "... وأمّا عبيدك الذين يكونون لك ضمن الشعوب الذين حولكم، منهم تقتنون عبيداً وإماءً، وأيضاً من أبناء المستوطنين النازلين في أرضكم منهم تقتنون". لاويين 25.‏

أي إله متطرف أخرق هذا الذي يجرؤ على القول: (أمّا مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً، فلا تستبق منها نسمة ما، بل تحرمها تحريماً، الحثيين الأموريين الكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، كما أمرك الرب إلهك).سفر التثنية 20!!!!!!‏

إن الله في التوراة هو إله محارب مدجج بالرعب والنوايا السيئة للآخرين، إنه يحذر شعبه من التعامل والتزاوج مع شعوب الأرض التي يقيمون بينها: (وإذا رجعتم ولصقتم ببقية هؤلاء الشعوب وصاهرتموهم، فاعلموا يقيناً أنهم يكونون لكم فخاً وشركاً وسوطاً على جوانبكم، وشوكاً في أعينكم). يشوع 22!(11).‏

لقد سمح انتهاك المسجد الأقصى لشارون، أن يفوز برئاسة الوزراء في إسرائيل، ليطبع المرحلة كلها برؤيته وطريقته في تصعيد الأمور. لقد اعتبر بناء المستوطنات في عهده أمراً قومياً حيوياً (يقصد توراتيا) ورفض كل دعوة أو اقتراح لتجميد بنائها كما رفض اقتراح مجموعة الثماني، بوجود مراقبين دوليين للإشراف على وقف إطلاق النار بينهم وبين الفلسطينيين، وهكذا كرت سبحة الاستفزازات الاغتيالية الدموية بين الطرفين.‏

لكن الصراع الذي دخل القرن الحادي والعشرين، عانى منعطفاً شديد التمفصل بعد الحادي عشر من أيلول 2001، فبعد تفجير مبنى التجارة العالمي، ومقر البنتاغون بواسطة طائرات مدنية، تدخل أميركا مرحلة الحرب على الإرهاب، هذه الكلمة التي قسمت عقائدياً بلاد العالم بأسرها إلى طرفين، ومنذ ذلك التاريخ تحقن الحملة على الإسلام، كأصول المدفع الإسرائيلي، ولتقف إسرائيل بكامل جاهزيتها في خندق الحرب على الإرهاب ولتكتسب شرعية مضاعفة من أحلافها في (قمع الوجود) الفلسطيني وكل حركات المقاومة الإسلامية. وفي غمرة المسلسل اليومي الفلسطيني الإسرائيلي تبرز إدانة الفاتيكان (أي الكنيسة الغربية) للعمليات العسكرية الإسرائيلية والاعتراضات الصديقة من هنا وهناك كمن يخط في الماء؛ موقف تكمن قيمته في رمزيته غير أنه غير فعال ككل المواقف الغربية السلمية، وككل المواقف العربية التي تساير في الخفاء وتعترض في الظاهر، وكأن فلسفة شاردان ورؤيته ليست إلا ترفا لاهوتيا لا قيمة له!!!!!‏

إنهم يبحثون الآن في القرآن الكريم عن فتاوى القتل والشهادة في سبيل الله بلا هوادة، حتى إنهم اقترحوا تعديل نصوصه المنزلة!! بينما تمتلئ أسفار اللاويين والتثنية والخروج واشعيا... الخ بأدب الاستعباد والفتك الباذخ من الطراز الرفيع!!! سبحان الله!‏

لنتفق على هذا إذن: لا يقيم اليهودي عهداً مع أحد وإنما مع يهوه إلهه!!‏

حين قال كارتر (إننا نتقاسم معكم تراث التوراة)، ظن البعض أن الأمر لا يتعدى أدبيات اللياقة السياسية ـ الديوانية! اليوم ندرك أن هذا ميثاق شرف كامل الالتزام! ميثاق باق، بالنسبة لأميركا على الأقل، ما دام في هذه الأرض نفط!!‏

قايين وهابيل أو قصة الراعي والفلاح‏

زخرت الرقم السومرية بالنصوص الأدبية التي تمتلئ بالحكمة والوعظ الأخلاقي. وربما كان أسلوب المناظرة عند الكتاب السومريين، هو من أكثر الأشكال الأدبية اعتماداً من أجل إيصال الدرس الأخلاقي أو الحكاية التي تنطوي على حكمة ما.‏

ومن بين هذه المناظرات التي كشفت التنقيبات عنها هناك: (مناظرة الصيف والشتاء) و(مناظرة الماشية والغلة) التي تقابلهما في التوراة قصة قايين وهابيل. تختزل النسختان السومرية والتوراتية، فكرة الانتقال الحضاري من الرعي إلى الزراعة، من خلال عنف الصراع بين أخوين، الأول فلاح والثاني راعٍ. وبالمقارنة بين القصتين، نجد أن القصة التوراتية مأخوذة عن القصة السومرية، مع تحوير في النتائج. ففي النسخة السومرية نجد أن الآلهة تتدخل لفك النزاع بين الأخوين وإنهاء الخصومة التي تأتي لصالح الفلاح الذي يخضع له الراعي، وينتهي الصراع بينهما بأن يسود الوئام والحب. بينما في القصة التوراتية نجد أن الأخوين يحتكمان إلى الرب الذي ينتصر للراعي هابيل، خلافاً للقصة السومرية، وليخرج قايين غاضباً على أخيه رافضاً لحكم الرب، وبينما يذعن السومري لحكم الآلهة، يقتل التوراتي أخاه هابيل، وهكذا تحمل هذه النسخة من القصة فكرة النزاع المستمر بين الرعي والزراعة.‏

وفي إطار أوسع للصورة أقول، إن الشعب العبراني عندما بدأ يجتاح سورية الجنوبية (فلسطين) كان يمثل الراعي المرتحل، بينما كان الكنعاني في سورية الجنوبية، فرداً ذا نشاط متعدد؛ زراعي وفني وتجاري وأدبي، لقد كان منتقلا من حياة الرعي ودالفا إلى حضارة الاستقرار الزراعية. إن الكنعاني السوري هو الفلاح في المناظرة السومرية والتوراتية. وبحسب النسخة السومرية فإن المنتصر هو الفلاح الكنعاني، الأمر الذي ينفي القيمة الوجدانية والتاريخية عن العبري الراعي. وهذا أمر لم يستطع أن يتحمله كما يبدو مدونو التوراة، فكان أن جعلوا النصرة للراعي الذي قتل الفلاح الكنعاني، بعد أن أسبغ على هذه العدائية نوعاً من القدرية الإلهية.‏

لقد تبدل (شكل الصراع) اليوم، فأصبح أكثر إشكالية وابتعد عن رمزيته، فلم يعد صراعاً بين مرتحل ومستقر أو بين كنعاني ـ سوري وعبراني أو بين حضارتين، كان مرسوما لهما في النص الأصلي أن يتتاليا لا أن يتنافسا، وإنما تحول إلى صراع وجود وحدود حتى في أكثر لحظات السلم وضوحاً.‏

لقد نجحت إسرائيل الحديثة تماماً في خرق أراضي هذا الفلاح، بكل ما أوتيت من قوة توراتية وعدائية يحميها رب الجنود. فليس هاجس هذا الفلاح القديم بعد اليوم أن يكسب معركة الحضارة، وأن يجد له مكاناً في حركة الفتوحات العلمية والفكرية وإنما دخل، بسبب أحصنة طروادة، وهي كثيرة زرعت في عمق كيانه، في نزاع مؤلم مع تطرفه الديني واحتدام العقائد وما لها وعليها، بينما استطاع هذا الراعي العبري أن يستخدم أقصى ما يمكنه من التوراة من أجل بعث كيان افتراضي توسعي وهمي، بينما لم يتجاوز المرشحون الدينيون ـ يا للمفاجأة ـ في مقاعد الكنيست الإسرائيلية العشرين بالمئة.‏

لقد وقعنا في الفخ الذي قدمه لنا حصان طروادة يهودي على طبق من ذهب، وفي الوقت الذي حجبنا شمس الحرية عن عقيدتنا وأفكارنا وبدأنا نحتضر بسبب إفلاسنا الروحي، (كانت السيدة يائيل موشيه دايان، عضو الكنيست في حزب العمل، والكاتبة والأديبة المرموقة، تقف لتقول، إن النبي داوود كان لوطياً، بواقع علاقته الغامضة بيوناتان بن شاؤول. وداوود من أقدس الشخصيات في الديانة اليهودية، والتي يرى اليهود الأرثوذوكس أنها ما تزال حية في السماء، وسوف تعود يوماً إلى الأرض) ومع ذلك..لم يتقدم أصولي يهودي لاغتيالها وربما هذا سر قوتهم..!!!(12).‏

ليس بالدعاء ندخل معركة الحضارة وننتصر، ولا بالوعظ، ولا بتقديم الذبائح، أو الاسترضاء، ولا بحفظ التراث بالملح و(النفتالين). وإنما بالتعرف إلى التاريخ بدقة ومعرفة أين تقع أقدامنا. لا نريد بعد اليوم أن نتواطأ على أنفسنا من خلال الجهل الأعمى، بما يدور حولنا، ولا نريد أن نبعث كأمة جديدة متحضرة من خلال إمارات الطوائف، ويجب بعد اليوم أن لا نمرر انتصارنا من ثقوب الغربال الطائفي.مع ذلك، وبالرغم من كل ما قلناه عن سياسة إسرائيل المبنية على تعاليم التوراة، فإن اليهود أمة دينية فقط بقدر ما تسمح لها عقيدتها بالتوسع وتسويغ أسباب هذا التوسع لا أكثر ولا أقل. وبالرغم من التحوير والتزوير الفاضح في هذه العقيدة. وبالرغم من تصريحات الكثير من مفكريهم بأن لا أثر (مادياً) للتوراة على أرض الواقع، نتوه نحن في دهاليز أفكارنا الخاصة وتشعبات تراثنا، بينما نهمل الحقيقة الفاقعه كعين الشمس.‏

إن الصراع الكنعاني ـ اليهودي الذي أصبح اليوم (الصراع العربي الإسرائيلي) بدأ منذ أكثر من ألفي عام ومازال مستمراً إلى هذه اللحظة، فإذا لم نستطع أن نفهم إلى الآن، لِمَ بقيت جذوته مشتعلة بهذا الاتقاد؟ ولِمَ لم يتمكن إنسان من وضع حد لها أو إخمادها؟ فإننا لن نستطيع، بالمطلق، أن نضع حدا له بالطرق التي نعتمدها اليوم، طرقٍ يغيب عنها الفهم الحقيقي للتاريخ.‏

(1) روائية وباحثة.‏

(2) فراس سواح ـ تاريخ أورشليم. صفحة 19.‏

(3) فرا س سواح ـ تاريخ أورشليم، صفحة 39 ـ 40.‏

(4) Israil Finkelstein, The Archaeology of the Isaelite Settlements,Israil Exploration Society, 1988.‏

(5) التوراة والتراث السوري، مفيد عرنوق، صفحة 16.‏

(6) من كتاب أغاليط المؤرخين د. محمد أبو اليسر عابدين، التوراة والتراث السوري ـ مفيد عرنوق، صفحة 18‏

(7) التوراة ـ مفيد عرنوق، صفحة 20.‏

(8) Religion & Power. Douglas R.Edwards ـ New York Oxford university press 1996 p.65‏

(9) teilhard de chardin ـ un evolutionist Chrétien ـ editions Seghers par l'abbe Paul Grenent‏

(10) teilhard de chardin ـ un evolutionist Chrétien ـ editions Seghers par l'abbe Paul Grenent‏

(11) teilhard de chardin ـ un evolutionist Chrétien ـ editions Seghers par l'abbe Paul Grenent‏

(12) يوم انحدر الجمل من السقيفة. نبيل فياض، بيروت ـ ليماسول 1994 صفحة 14.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244