مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 30 السنة العاشرة صيف 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

ثقافة المقاومة قراءة... في كتاب ـــ محمود شيخ عيسى

صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية وبالتعاون مع الجمعية الفلسفية المصرية كتاب (ثقافة) المقاومة الذي يعرض أعمال الندوة الفلسفية السادسة عشرة التي نظمتها الجمعية الفلسفية المصرية، بجامعة القاهرة في كانون الأول 2004 بعنوان «فلسفة المقاومة»، والكتاب قيّم يستحق القراءة؛ خصوصاً في زمن المقاومة الذي نعيش. فالمقاومة بالفكر والثقافة، والمقاومة بالسلاح ضرورتان متلازمتان ومتكاملتان فالأولى بذرة الثانية والثانية ثمرة الأولى.‏

قدّم للكتاب د. حسن حنفي مبيناً في مقدمته الدور والمهام الملقاة على الجمعيات العلمية والثقافية والجامعات؛ ومراكز البحث العلمي، والتي هي تحت سيطرة الدولة التي تعد المقاومة مناهضة لتبعيتها في الخارج وقهرها في الداخل، والتي تناط بها مهمة إعادة الموروث الثقافي من الاستكانة إلى المقاومة، ومن التسليم إلى الاعتراض، ومن التوكل إلى المبادرة.‏

قُسّم الكتاب «الندوة» إلى ستة أقسام تناولت المحاور التالية:‏

1 ـ التأصيل النظري.‏

2 ـ المقاومة في الفكر الإسلامي.‏

3 ـ المقاومة في الفكر العربي الحديث.‏

4 ـ المقاومة وحركات التحرر الوطني.‏

5 ـ المقاومة في الفكر الغربي.‏

6 ـ مقاومة العولمة.‏

وقدّم للندوة تسعة عشر بحثاً توزعت في الندوة على ثلاثة بحوث للقسم الأول، وبحثان للقسم الثاني، وأربعة بحوث للثالث، وأربعة بحوث للرابع، وثلاثة بحوث للخامس، وثلاثة بحوث للقسم السادس والأخير.‏

قسّم الكتاب إلى تسعة عشر فصلاً، وهو عدد البحوث التي قدمت من خلال المحاور الستة للندوة.‏

في قسم التأصيل النظري، وفي الفصل الأول من الكتاب يطالعنا بحث د.حنفي بعنوان:‏

ثقافة المقاومة:‏

يتحدث الدكتور حنفي بأسلوبه السلس متسائلاً.‏

لماذا العجز العربي؟ وما أسباب السكون الحالي في الوطن العربي حكاماً ومحكومين؟ والذي يدهش الصديق قبل العدو ما جعل الوقوف إلى جانب المقاومتين الفلسطينية والعراقية محدوداً داخل الوطن العربي وأصدقائهما التقليديين في دول عدم الانحياز وانحياز، أمريكا الكلي إلى الكيان الصهيوني، وهل هي عقدة نقص أمام العدو الصهيوني منذ هزيمة 1948 وحتى هزيمة 1967؟‏

ويطرح الدكتور حنفي في بحثه تساؤلات أخرى لمعرفة الأسباب:‏

هل حصار النظم العربية لشعوبها حتى لا تنتفض ضدها بعد ما تنتصر على العدو الصهيوني؟ هل غياب الشارع العربي عن الحياة السياسية بعد سيادة نظام الحزب الواحد والزعيم الأوحد بالرغم من بعض الهبات والانتفاضات الشعبية بين الحين والآخر؟‏

هل عمّت الاستكانة وقبول الأمر الواقع واستحال البديل؟‏

هل تعود العرب في عصرهم الحديث على الهزائم؟‏

وهل ساعدت حرب الخليج الأولى والثانية على زهد الناس في السياسة وبعدهم عن الحكم؟‏

وطرح تساؤلاً كبيراً: هل هناك ثقافة للمقاومة في تراثنا القديم يمكن البناء عليها واستئنافها لوضع حدٍّ للإحساس بالهزيمة والعجز؟‏

بيّن الدكتور حنفي أن الإسلام الذي جاء مغيّراً للنظام الاجتماعي السائد (مجتمع القبيلة) إلى نظام حرية وعدل ومساواة، وبدايات المقاومة العلنية للسلاح (عند الخوارج) جاءت بعد استلام الأمويين للخلافة وتحويلها إلى ملك. بالإضافة إلى الشيعة الذين ينتظرون «الإمام» ومقاومتهم سرّية والمقاومة العلنية بالفكر، فالرأي بالرأي، والحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان (كالمعتزلة) وهناك مقاومة سلبية تخلق عالماً وهمياً تقاوم فيه كي تحقق غايتها؛ وهو الاتحاد بالله (كالصوفية)، واختيرت (الأشعرية) نظرية الذات والصفات والأفعال نسكاً للعقائد؛ حيث استبعدت الأصول الخمسة ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأفرز السلطان إيديولوجية السلطة لتبرير حكمة وإيديولوجية الطاعة للمحكومين، ونشأ التصور الهرمي للعالم ليؤيد العلاقة الرأسية بين الحاكم والمحكوم، وأعطيت الأولوية للقول على العمل وخرجت الثقافة العربية من التاريخ بالانعكاف على الماضي في قصص الأنبياء، أو على الحياة بعد الموت في أمور المعاد والأخرويات، وأصبح التاريخ في انهيارٍ مستمر من عصر الخلفاء الراشدين إلى الملك الأموي العضود، وانتهت التعددية الثقافية بحديث الفرقة الناجية، ونشأت ثقافة الانسحاب من العالم في التصوف والإشراق عند الناس، إضافة إلى ثقافة السلطة والقهر: قهر الحاكم، وقهر الناس، وقهر القدماء.‏

المقاومة كما يتابع د. حنفي:‏

هي حق مشروع في كل ثقافة ودين وعندما ينتزع شعبٌ من أرضه ويخرج من دياره كما ورد في النص القرآني ?أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ? الحج/ الآيتان 39 ـ 40 ، ويصل د. حنفي للقول إنه إذا كانت هناك كلّ مقومات الثورة وعناصر التمرد في الثقافة الموروثة فلماذا ارتكنت الثقافة على جوانبها السلبية دون الإيجابية؟ وهنا يأتي برأي الدكتور حنفي رأي الصامدين تحت ثقافة المقاومة لمساندة المقاومة الفعلية، فالفكر سند للأرض، والثقافة دعامة للنضال.‏

ويخلص د. حنفي لنتيجة واضحة بأنّ المقاومة تخلق لنفسها صورة أطفال الحجارة الذين يواجهون أعتى جيوش العالم. والتاريخ يتغير نوعياً الآن، وينتقل من مرحلة استجداء العون والتمسك بقرارات الشرعية الدولية إلى مرحلة التحرك الفعلي من خلال مقاومة الشعوب في عصر كاد البشر ينسون فيه تاريخهم النضالي الطويل تحت وهم أن العالم قرية واحدة.. وتبقى ثقافة المقاومة هي الضمان الأول لحركة الشعوب.‏

في الفصل الثاني .‏

يطالعنا بحث الدكتور محمد عبد المجتبى عثمان من السودان بعنوان «المقاومة بين الذاتية والعضوية»‏

والدكتور عثمان حلّل المقاومة كظاهرة مركبة بين الشروط العضوية والإمكانات الذاتية, حيث يمكن أن تتوافر الشروط الموضوعية من دون ثقافة للمقاومة كما يمكن أن توجد ثقافة للمقاومة من دون شروطها الموضوعية لذلك فالمقاومة تتطلب عاملين: المقاوِم والمقاوَم أي الذات والموضوع.‏

الفصل الثاني: في ورقة الدكتور محمد المجتبى عبد العزيز عثمان من السودان والذي عنون ورقته بـ «المقاومة بين الذاتية والموضوعية» فقد حلل المقاومة كظاهرة مركبة بين الشروط الموضوعية والإمكانيات الذاتية، كما يمكن أن توجد ثقافة للمقاومة من دون شروطها الموضوعية، لذلك تتطلب المقاومة عاملين المقاوِم والمقاوَم أي الذات والموضوع، أو الأنا والآخر، الحرية والضرورة واعتمد في بحثه على الأدبيات الغربية عند «كانط، وهيغل، وفخته، وبرديائيف، وألبير كامو». وركّز كما الحال في الأدبيات الماركسية على أهمية التمييز بين التناقض الرئيس والتناقض الثانوي.‏

الفصل الثالث: في ورقة «ناصر صلاح الدين محمد، أستاذ الفلسفة في كلية الآداب، جامعة النيلين، السودانية» ربط بين تطور الوطن العربي في مجال التكنولوجيا بتعدد مجالاته وتطبيقاته رغم اتسامه بنمط الاستهلاك المتزايد؛ وبين التكنولوجيا لدى الاحتلال، وأكّد على بدهية أن يكون للتكنولوجيا الأولوية في الاستراتيجيات الحالية والمستقبلية للدول العربية.‏

وكذلك فإن المقاومة لم يكن لها عبر مختلف مثل هذه الخيارات والآليات (العلمية والتكنولوجية) كما هو الآن وهذه الآليات يمكن نقلها إلى مختلف ومن مختلف دول العالم، وعزا الفضل بذلك إلى العولمة أو تطور التكنولوجيا التي هي إحدى آليات العولمة أو الاثنتين معاً.‏

ووصل د. ناصر للقول إن الاحتلال تكنولوجيا, والمقاومة تكنولوجيا مضادة. وكلاهما يضع في الحسبان مسألة الكسب والخسارة، واعتمد خلال بحثه على الأدبيات الغربية ومصطلحات علوم الاتصال وبعض العلوم الإدارية الخاصة بالأهداف والوسائل في إطار التخطيط والاستراتيجيات العامة.‏

وبينّ أن هناك وحسب رأيه وسيلتين لتطوير وتفصيل التكنولوجيا في المقاومة‏

الأولى: وضع استراتيجيات موضوعية وعملية لتطوير الوعي التكنولوجي لشعوب الدول العربية والإسلامية بصورة تضمن دخول عامل التكنولوجيا، بوصفه مكوناً لشخصية الفرد في حال الاحتلال المحتمل الحدوث.‏

الثانية: بتدريب عناصر المقاومة المحلية في الدول المحتلة على كيفية تفصيل التكنولوجيا في المقاومة.‏

وينتهي د. ناصر بالتأكيد على أن عملية إدخال التكنولوجيا في دول العالم العربي والإسلامي لم تعد مجرد رفاهية أو مواكبة للتطور، بل هي خيار استراتيجي حتمي في ظل التهديدات التي نواجهها.‏

وإن الأهمية الاستراتيجية لتفصيل التكنولوجيا في المقاومة لا تنبع فقط من إحدى النتائج المترتبة على التخطيط الاستراتيجي لتطور التكنولوجيا بصفة عامة في الدول العربية والإسلامية المتمثلة في التطور الاقتصادي والثقافي، إضافة إن توسيع ميادين ومجالات المقاومة، بل لأنها أيضاً تمثل التطبيق العملي والخطوة الأولى للتوجه نحو مفهوم وثقافة مقاومة اللاعنف.‏

في القسم الثاني وكما ذكرنا آنفاً وفي الحديث عن القسم الثاني «المقاومة في الفر الإسلامي» تطالعنا ورقة الدكتور أحمد عرفات القاضي الأستاذ بكلية الشريعة والقانون/ جامعة الإمارات بالحديث عن «عمر بن عبيد وفكر المقاومة عند المعتزلة».‏

ويبدأ بحثه بالحديث تعريفاً بـ«عمرو بن عبيد» قائد المعتزلة ورائدهم الفكري بعد واصل بن عطاء، وهو رمز من رموز المقاومة والصمود في تاريخ الأمة , رفض الانصياع إلى السلطة، ورفض دعوة الخلفاء لاستمالته بمختلف الأشكال والصور حتى يكون بوقاً لهم أو على الأقل غير مقاوم لسياستهم التي لا تقوم على العدل، حتى قال فيه الخليفة العباسي المنصور كلمة مشهورة.‏

«كلكم يطلب صيد, كلكم يمشي رويد, غير عمرو بن عبيد». ومثل هذه الشخصيات تُعَدُّ رصيداً حياً في تاريخ الفكر الإسلامي ومدارسه.‏

ولم ينحسر موقف عمرو بن عبيد كرائد من رواد المعتزلة على المقاومة العملية بالرفض والانضواء تحت لواء السلطة، لكن هذا الموقف العملي كان تجسيداً لفكر نظري آمن به عمرو ابن عبيد عن قناعة، وسعى مع رفاقه إلى تطبيقه في حياتهم عن طريق تقرير قدرة الإنسان وحريته في أعماله, ضد الجبرية وغيرها من الأفكار التي تُعد تكريساً للاستبداد والظلم.‏

بينّ د. القاضي أن فكر المعتزلة انطلق من خلال مبدئهم العملي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن خلاله سعوا إلى تغيير المجتمع من خلال محورين:‏

ـ رفض الظلم والأفكار على الحكام الظلمة ومقاومتهم والدعوة إلى الخروج عليهم.‏

ـ إعداد الجماهير من خلال رفض ومقاومة فكر الجبر الذي يكرّس الاستبداد ويسند الحاكم، والتأكيد على حرية الإنسان كشخصية مستقلة لها دورٌ إيجابي وفعّال في تغيير الواقع ومقاومة الأفكار الضالة والمحرفة التي تتناقض مع طبيعة الإسلام كدين جاد لمقاومة الباطل؛ وتغيير المنكر والثورة على الفساد والمفسدين، ومن هنا كان موقف المعتزلة الرافض من خلفاء بني أمية باعتبارهم مغتصبي سلطة وليسوا خلفاء شرعيين.‏

ورغم ذلك فإن عمرو بن عبيد يرفض الخروج على الحكام نتيجة لقلة عدد أتباعه، ومعرفته بالواقع العملي أن الخروج ربما عرضهم للهلاك ولفناء على أيدي الحكام، حيث رأى من خلال الثورات التي ثارت ضد بني أمية وبني العباس , انتهت بالفشل منذ خروج الحسين(ع) واستشهاده في كربلاء، وخروج محمد بن عبد الله بن الحسين وأخيه يحيى وغيرهما من آل البيت التي انتهت باستشهادهم على يد الملوك والحكام المغتصبين للسلطة سواء من بني أمية أم بني العباس.‏

باختصار رأي عمرو بن عبيد أن من الأفضل صرف الجهد والطاقة في تغيير الجماهير؛ عن طريق تشكيل وعيها وفكرها بمنهج عقلي ينبع من خلال نصوص الشرع، ويقاوم فكر الجبر الذي يكرس الاستبداد، ويعوق التقدم والتغيير ومقاومة الباطل والحكام الظالمين.‏

في البحث الثاني المقدم في إطار «المقاومة في الفكر الإسلامي» قدّم الدكتور عبد المجيد زراقط بحثاً بعنوان «المقاومة في الخطاب الشعري الشيعي في العصر الأموي» حلّل الدكتور زراقط مفاهيم الجهاد عند الشيعة، والثورة ضد السلطان الأموي والمقاومة بالشعر والشعراء، وتحدث بإسهاب عن ظاهرة الشعر النسائي والتحريض الواعي الكاشف لهن لكل أعمال بني أمية كسودة ابنة عمارة بن الأشقرو، وبكارة الهلالية وأم سنان وبنت جسمه، وهند بنت زيد بن حزمة الأنصارية وغيرهن .. والكميت بن زيد الأسدي شاعر الهاشميات , والفرزدق وغيرهم. وفي بحث الدكتور زراقط يتحدث عن طرق مواجهة الطغيان، وبرزت كربلاء الحسين كرمز لتجديد الهجرة، وكشف الزيف ووجوب التوبة عند الردّة، وإعلان الإيمان من جديد فكربلاء مكوّن هوية، الحزن فيها شرط الصحوة والفرار من الإثم والسعي إلى الله، فالشعر في هذه المرحلة من تاريخنا برأي الدكتور زراقط ليس مجرد تعبير فني؛ بل هو خروج سياسي واجتماعي, يساهم في حركة تغيير العالم وإعادة بنائه, يعبر عن عقائد الشيعة ومنها الهاشمية كبناء محكم ورؤية كلية.‏

في القسم الثالث من أبحاث ندوة الجمعية الفلسفية المصرية يعرض الكتاب لمسألة «المقاومة في الفكر العربي الحديث» في حركات الإصلاح في الجزائر وتونس وعموم العالم الإسلامي حيث ضمّ هذا القسم أربعة بحوث.‏

البحث الأول: هو الأمير عبد القادر الجزائري رمز المقاومة الإسلامية للدكتورة سامية بو عمران من الجزائر، حيث عرضت التجربة الأمير عبد القادر الجزائري الثورية ضد الاحتلال الفرنسي، وإن التمييز بين المقاومة السياسية التي تتطلب تجميع كل القوى الوطنية والمقاومة المسلحة الثقافية التي تقوم على الجانب العقائدي والتوجيه المعنوي, والكيف لا الكم , والهدنة المؤقتة لحين الاستعداد لجولة ثانية , والمقاومة الثقافية التي تعتمد أساساً على الرق الصوفية وتحويلها إلى طرق جهادية كالقادرية.‏

البحث الثاني كان للدكتور إسماعيل زروفي رئيس قسم الفلسفة، جامعة قسنطينة الجزائرـ بعنوان «تحديث الدولة وآليات المقاومة» قراءة في خير الدين التونسي عرض فيه مقاومة النظام السياسي المتخلف، ويجعل إصلاح النظام السياسي والإداري هو شرط إصلاح الحكم , والتقدم العلمي هو الطريق إلى التمدن، ويأتي ذلك عن الاقتباس من الغرب والتعاون مع الآخر وتنظيم الاقتصاد والتجارة, ومن ثم يتحقق الأمن والحرية والعدل وبناء المؤسسات، فالدولة تحدّث نفسها بنفسها وهي الوسيلة والغاية؛ كل ذلك من خلال عرض لكتاب خير الدين التونسي الشهير «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك».‏

فحياة خير الدين التونسي في الحقيقة والواقع مدرسة للإصلاح بذاتها, تنزع إلى إصلاح المجتمع والدولة . والأفكار عنده لم تكن مجرد تصورات نظرية مجردة , بل كانت ممارسة وعملاً حياً, من خلال التزامه بقضايا أمته.‏

البحث الثالث «فكر المقاومة في خطاب الحركات الإصلاحية: جمال الدين الأفغاني, محمد عبده , ابن باديس» للدكتور عبد الوهاب خالد من الجزائر.‏

حيث وضع الدكتور عبد الوهاب في بحثه «لعام» الخطوط العريضة للإصلاح باعتباره مقاومة تدريجية، وقسّم بحثه طبقاً للمصلحين الثلاثة من دون أخذ القواسم المشتركة أو أوجه التشابه والاختلاف بينهم، ومع ذلك يبرز الإصلاح الديني والعلمي والإصلاح السياسي والإصلاح الاجتماعي عند الأفغاني , كما تقهر الإصلاحات الداخلية , والإصلاح الديني, وإصلاح اللغة وأساليبها, وإصلاح التربية والتعليم , والإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي عند محمد عبده أما الإصلاح عند ابن باديس فيبدو أنه مجرد مرآة للإصلاح عند محمد عبده، من دون تفصيل أبعاده المحددة.‏

والبحث الرابع «الثورة المهدية في خطاب العروة الوثقى » للدكتور بكري خليل أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة النيلين.‏

يعرض القراءة العميقة لمجلة العروة الوثقى التي أصدرها الأفغاني ومحمد عبده في باريس؛ للمبادرة الشعبية التي أطلقها وقادها محمد أحمد المهدي رداً على الهجمة الاستعمارية الحديثة، وتحرير السودان تحت راية الخلاص المهدوي ووعوده لاجتثاث الظلم والاستبداد وإحياء الدين، حيث امتلأت العروة الوثقى بأخبار السودان، وأرادت بريطانيا تنصيب الأفغاني ملكاً على السودان من أجل احتواء ثورة المهدي في الجنوب , وثورة عرابي في الشمال , حيث اندلعت ثورة الأئمة الأحرار في الجنوب, وفي الشمال اندلعت ثورة الضباط الأحرار، حيث استطاع الثوار في الجنوب قتل غوردون في قصره برمح أحد الثوار، واستطاع عرابي ورفاقه الوقوف في قصر عابدين في مواجهة الخديوي توفيق قائلاً «إن الله خلقنا أحراراً وعم بخلقنا عقاراً, والله لا نورّث بعد اليوم» وخلص الدكتور «خليل في بحثه إلى أن ثورة المهدي» وثورة «عرابي» لم تكن سباحة في فضاء الأحلام, وإنما هي سمة ملازمة للاستشراف الريادي الذي تقدم كُلّ تراكم لعطاء الشعوب, فبعد عقود من المعاناة وتنكب الأخطار قطف الشرق بعض ثمار تلك التطلعات المبكرة, وما زال الجر على الجرار.‏

في القسم الرابع من الندوة «الكتاب»، والمعنون بـ «المقاومة وحركات التحرر الوطني»:‏

يطالعنا بحث الدكتور «البخاري حمانة» من معهد الفلسفة بجامعة وهران ـ الجزائر «فلسفة التحرير والثورة الجزائرية» بتأكيد الدراسات الاجتماعية والسياسية أن ظاهرة الثورة من أهم الظواهر التي تميز السلوك... بل الوجود البشري لأنّ الإنسان وحده القادر, ومن خلال إدراكه للطابع المزري للواقع الذي يعيش فيه, على رفضه وعلى العمل على تغييره بواقع أفضل, بعيداً عن كُلّ استسلام له, وعن مجرد الإدانة اللفظية له، والتاريخ هو قصته الحرية كما يقول بينيديتو كروتشه «Benedetto Croce» ويميز من خلال الثورة في الجزائر بين مفاهيم موازية للمقاومة مثل العصيان والتحرر والانقلاب والإصلاح, والثورة هو اللفظ الجامع لها.‏

البحث الثاني الذي قدمه «سلام إبراهيم» القومي السوري الاجتماعي ـ لبنان كان بعنوان «مفهوم الصراع والبطل المخلّص ثم عرض فلسفة الاستشهاد كفعل الخلاص بقتل التنين» من خلال أقدم قصة رمزية عن التنين والبطل «المخلص» أو «الفادي» قد بدأت في بلاد الرافدين وتواصلها في أرام وكنعان في معتقدات الخصب السورية؛ وصولاً إلى المسيحية وريثة هذه الديانات, ومفهومها في الثورة والحياة الجديدة مروراً بمراحل الصراع آلاماً وصلباً وفداءً وقيامة, واستمراراً في المعتقد و مارجرجس, النموذج المسيحي للبطل الكنعاني «بطلاً مخلصاً صارعاً التنين متعدد الرؤوس قاتلاً الحية الشريرة الطالعة من البحر ذات الرؤوس السبعة».‏

ويؤكد سلام إبراهيم في بحثه على أهمية الثقافة كأعظم سلاح، وما الذي يفجر الإنسان قنبلة في بلادنا لولا الوجدان الداخلي؟ ماذا عن الاستشهاديين يفجّرون أجسادهم في المعتدي موقفاً وبطولة من أجل حياة أمة؟ عندما تتكشف ثقافة التضحية الفردية والبطولة الاجتماعية في فعل الاستشهاد وتغدو الثقافة سلاحاً، بل فلسفة حياة تحسم الجدل والنقاش في القضايا الكبرى والمواقف الفاصلة, ويغدو الاستشهاد قانوناً أسوة بقانون حقوق الإنسان.‏

البحث الثالث في هذا القسم هو بحث «الفعل المقاوم في الأسر سهى... أحلام... وأخواتهما» لعفيف عثمان الباحث في الجامعة اللبنانية والذي ظلّ أسيراً في فلسطين المحتلة حوالي عشرين عاماً.والبحث يسرد تجارب شخصية لعدد من النسوة الأسرى المعتقلات في معسكر الخيام بجنوب لبنان قبل تحريره عام /2000/ وهن: زهرة شعيب, ناهد سميح, سهى بشارة, أحلام عواضة, نزهة شرف الدين, مريم نصار, ورسمية جابر ويوضح الدكتور عثمان من خلال عرضه للتجارب البطلة أن الأسيرة تستطيع أن تقاوم , والصخر ينبت العشب والسلبي ينبت الإيجابي, فالمقاوم يستطيع محو الأمية والتعليم, ومقاومة إرادة الاحتلال, ومقاومة الممنوع وهو الإحساس بالفراغ القاتل واليأس من الحياة, فالموقف هو الأساس والمبدأ هو الصمود. ويساعد نور الإيمان الإلهي عليه, كما يساعد الصوت على التعبير وإثبات الوجود, الصوت نثراً أو شعراً, ابتهالاً أو دعوة, ومشاركة المعتقلات في تجارب مشتركة عن أنشطة المكان, وملء الوقت بالفعل.‏

تشترك تجربة المعتقلات اللبنانيات كما في بحث «عفيف عثمان» ـ في كثير من التفاصيل، وهي تستند في رفضها للاحتلال وعملائه ومقاومتهما إلى الثقافة الموروثة وخصوصاً الدينية؛ ما يكبح بروز أي «أنا» تدرك فرديتها وتعبر عن حميمية خاصة بها تخالف نسق«الخطاب» النضالي السائد.‏

والفعل المقاوم في الأسر أدرك بالحدس واقعتين:‏

الأولى، واقعة المكان وضرورة احتلاله وشغله بل وأنسنته من خلال اعتبار الزنزانة منزلاً، بما يميل إليه من ألفة إقامة والانصراف لتدبير شؤونه اليومية من تجميل وترتيب وتنظيف ومجالاً للتعلم، وحتى تحويل أرضه إلى مسرح لأنشطة يومية واستخدام جدرانه الصماء أوراق كتابة وتدوين لمشاعر دافئة تعزز البقاء، وكذلك أدوات للتواصل بالنقر والأبواب الحديدية المغلقة بشبابيكها شبكة لنقل الأخبار والمعلومات .‏

الثانية, واقعة الزمان, السيف القاطع ذلك العدو الآخر القاتل وكيفية تدبر كسب صداقته من خلال التحايل عليه بتقسيم دقيق للوقت؛ للاستفادة منه بأنشطة تبدأ بالرياضة والتداول والتعلم والصلاة... وتنتهي بمسامرات الليل حول كل شيء شخصي داخلي وخارجي، فالمقاومة بالأسر بحق تعلم الحياة خارج الحياة.‏

البحث الرابع, المقاومة في الخطاب السياسي, جمال عبد الناصر نموذجاً. للدكتورة فايزة خاطر من مصر، تصدره بقول مأثور للكواكبي عن عظمة الرجال، وتعقد مقدمة عن الجهاد من أجل وضع الخطاب الناصري في إطار إصلاحي نهضوي يعرف الخطاب؛ ويطبّق التعريف على الميثاق. وتربط الدكتورة خاطر بعفوية بين المقاومة والديمقراطية والمقاومة في خطاب عبد الناصر موجّهة ضد الاحتلال والرأسمالية والتحزب, ويظل الخطاب الناصري في الوجدان العربي المعاصر تعبيراً عن تطلّعاته نحو الحرية والاشتراكية والوحدة.‏

في القسم الخامس والذي قُدمت فيه بحوث بإطار «المقاومة في الفكر الغربي» قدّم الدكتور جمال مفرج من الجزائر بحثه المعنون بـ «سارتر والالتزام تجاه قضايا المقاومة». حيث قارن مفرج بين سارتر وهيدغر في الالتزام, أي التفاعل مع الأحداث ومن قلبها ـ وبين أن حياة سارتر كانت تجسيداً للمقاومة؛ مقاومة الاحتلال النازي لفرنسا وانضمامه فترة للحزب الشيوعي؛ وتأسيسه جماعة «الاشتراكية والحرية»، والمقاومة هي أحد أهم أبعاد المشروع أي الوجود الإنساني الذي يتحقق ضد الانطواء والانعزال, ومقاومة سارتر الاستعمار الفرنسي للجزائر.‏

ويكفي أن نفهم موقف سارتر المقاوم برفضه لجائزة نوبل للآداب لكي يبقى مستقلاً وملتزماً بمبادئه ومواقفه، ولأنها قدمت له أثناء الحرب الباردة وانتهاء حرب الجزائر التي هدد خلالها بالموت مرات عدة حيث قال: كنت سأقبل بالجائزة باستحقاق, لأنها لم تكن لتشرفني أنا فقط, ولكنها كانت تشرف الحرية التي نكافح من أجلها.‏

يطالعك في الكتاب في القسم الخامس بحث للدكتور هشام عمر النور من السودان بعنوان «نظرية التحرر عند هابرماس» حيث بيّن أن فلسفة المقاومة لا يمكن أن تكون إلا فلسفة تحرر ثم يتعرض الباحث لقضية المقاومة في فلسفة ما بعد الحداثة والتحول من المجتمع التقليدي إلى الحداثة, وصياغة نظرية في عقلنة المجتمع, وتنتهي العقلنة إلى تشيؤ, والحداثة إلى التباس وتتميع قضية المقاومة؛ بالرغم من اكتشاف عالم الحياة والنسق وتحليل النسق في المال والسلطة .‏

ونظرية «هابرماس» في التحرر تنفتح على التعدد والتركيب تماماً، كما تنفتح عقلانيته على التعدد والتركيب فلم يعد مشروع التحرر يرتبط ببعدٍ واحد؛ السلطة أو العمل كما كان سائداً، وإنما صار يرتبط بثلاثة أبعاد: العمل واللغة والسياسة وهذه الأبعاد تشير بوضوح إلى الحضور الطاغي للحرية في التاريخ الإنساني والحياة الإنسانية وتدلّ على أولوية التحرر في المشروع الإنساني من الناحية المعرفية والعلمية والتعبيرية.‏

أما القسم السادس والذي ارتأت الجمعية الفلسفية المصرية أن يكون: «مقاومة العولمة». فالبحث الأول كان «مقاومة الفن» للدكتور مصطفى عبده خير, الأستاذ المشارك ورئيس لجنة الدراسات العليا في جامعة النيلين في قسم الفلسفة في السودان.‏

يتحدث الدكتور خير عن أن الفن هو أداة لمقاومة التدني والهبوط والسقوط إلى القاع، وهو وسيلة لخلق الجمال والمحبة والترقي والسمو، وتأكيد إنسانية الإنسان لتعمير الأرض وليس تدميرها, وخلق إنسان أخلاقي متجمل يعيش في المستويات العليا الرفيعة، كما أن الفنان إنسان «مختار مصطفى» اصطفاه الله واختاره ليقوم بمهام إبداعية (تعبدية وحياتية)؛ للإبداع الفكري والعلمي والعملي ليعمر الأرض بالإبداع والعمل الصالح ليتناسق مع الكون المنسق ومع نفسه, ومع الكائنات ليرى الجمال ويعمل بمقتضى الجمال بوعي أخلاقي متجمل، ويتحدث عن اتحاد الدائرة الجمالية بالدائرة الكونية، ويتحقق من صدق هذه القضية عبر العصور والعثرات التي اعترضت المسيرة الجمالية ومع عنفوانها وجبروتها في استخداماتها البشعة للفن والجمال، إلا أنّ هذه المحاولات تفشل أمام المدّ الحضاري ومقاومة الفن للقبح وكل إمارات الهبوط المادي والمعنوي, ليقف الفن بجمالياته شامخاً أمام البشاعة. ويؤكد على الدور الحاسم للفن في مقاومته للقبح والهبوط والسقوط، لتستيقظ النفوس البشرية لترى الجمال ولتعمل بمقتضى الجمال لبناء الحضارة الإنسانية في تحقيق إنسانية الإنسان .‏

البحث الثاني قدمته الكاتبة اللبنانية (زينب نصّار) وكان بعنوان (مقاومة العولمة) تعرض «زينب نصار» للعولمة كأحد الأشكال الجديدة للهيمنة. العولمة التي هزّت استقرار المنظومات الكاملة للمفاهيم السياسية ـ الاجتماعية التي تشكل في جملتها القالب الرئيس للحداثة السياسية, مثل الوحدة وكذلك مقولات مثل الدولة والسيادة والأمة والوطن والمجتمع، وهي ليست نهاية التاريخ كما يقول «فوكوياما» بل كما يقول بول فيريليو (Paul Virilio) «إنها نهاية الجغرافية».‏

ولأننا محكومون بالحياة, لابدّ لنا من المقاومة كي نحياها فنستحقها عندئذٍ كبشر، والشرط الأول لذلك هو الحرية وانعتاق العقل والتفلسف، وحذار من أي مدرسة فكرية تحتدم وتنقض ثم تترك العقل في العراء. الفلسفة هي قبل كل شيء ثقافة السؤال ونمو المعرفة يعتمد بالكلية على وجود الاختلاف بالحرية، هي قبل كل شيء حرية الآخر.‏

البحث الثالث في فصل (مقاومة العولمة) هو (أزمة الوجود التاريخي العربي من فاجعة الاستعمار إلى مقاومة العولمة) للدكتور نبيل بو علي من الجزائر. يعرض الدكتور بو علي في بحثه المسار العربي في التاريخ، وأن القرون الأخيرة من حياة الأمة العربية كانت مليئة بالأزمات والمآزق، والعرب الذين كانوا ضحايا الاستعمار بالأمس هم ضحايا للعولمة اليوم، وكيف أن المشاريع العربية كان حليفها الفشل والهزيمة المضاعفة رغم التضحيات الجسام؛ وكذلك الحصار المطبق المفروض على الأمة العربية في جميع المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والعلمية من قبل الدول العظمى.‏

وفي ظل هذا الاجتياح المتزايد للعالم وتكريس أسلوب الاستعمار والهيمنة من قبل الدول العظمى يقف العرب على مفترق طريقين: بين تحديات العصر ورهاناته, وبين الاختيارات , بين أن نكون أو لا نكون.‏

ويطرح تساؤلات عديدة عن السبيل لتجاوز القيود التي جعلتنا وتجعلنا تحت وصاية الغرب, وكيف يمكن خلق وبلورة عملية تكوين ذاتي مستقل عن الغرب تجعل من الإنسان محور العمل وغايته؟ أو نبقى ننتظر الحلول من الغرب دائماً لتكريس حالات الاستلاب والتبعية.‏

الكتاب وكما رأينا كتاب هام جداً في الحديث عن ثقافة المقاومة، ومواضيع الندوة التي عقدتها الجمعية الفلسفية المصرية كانت على مستوى عالٍ أكاديمياً. لكن ما يؤخذ على الكتاب وعلى الندوة أنها لم تبحث في المقاومة اللبنانية التي حررت أرض الجنوب وسطرت أروع ملامح البطولة. ولا يكفي أن يُهدى الكتاب للمقاومة الفلسطينية والعراقية ولا يتم التطرق إلى هاتين التجربتين المستمرتين ودراستهما.‏

كنّا نأمل لو أن الكتاب بما حواهُ من بحوث قيّمة قد عرّج على المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة وأطال الوقوف طويلاً عندها، لأنّها المقاومة التي قرنت القول بالفعل، وتمكّنت من السطوع شهاباً مضيئاً استطاع اختراق سماء التاريخ العربيّ المعاصر على ما فيها من حجب كثيفة وظلمات بعضها فوق بعض، والانبلاج في هذه السماء شلاّلَ عطاءٍ اغتسلت القلوب العربيّة بمياهه الطّاهرة من أدران غياب الثقة، واستعادت روح الأمل بالنصر بعد فترة قطيعة طالت؛ وتمّ خلالها الركون إلى إشارات الاستفهام والتعجّب!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244