|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
المقــاومــة ـــ مدير التحرير فريقان عربيان، يعملان على مشروعين مختلفين، متضادين، متناحرين.. يكاد كلٌ منهما يلتهم الآخر ويطويه، أو قل، يكاد يدحره إلى البعيد البعيد، ولكل منهما حججه ومؤيداته من جهة، ولكل منهما مرجعياته من جهة ثانية.. الفريق الأول يدعو إلى التخلي عن المقاومة، وكل طيوفها الأخرى، كالممانعة، والصلادة، والمواجهة وحوار المناددة (الند للند) والسبب في دعوته هذه يعود إلى أسباب عديدة، لعل في طالعها: أن المقاومة تحتاج إلى القوة، وإلى المقومات التي تنهض بها، ونحن أمة بلا قوة، بلا مقومات أساسية تنهض بهذه القوة؛ هذا أولاً، وثانياً، أننا أمة تُركت قروناً عديدة نهباً للآخر، فامتُصت حتى آخر قطرة، وإعادة بنائها والنهوض بها، واللحاق بركب الحضارات الإنسانية.. أمور صعبة المنال والنوال في آن معاً.. إذ ما من سبيل لأمة ضعيفة خائرة، منهوبة القوى.. أن تقف لمناددة الآخرين في الأفكار، والعلوم، والمعطيات.. وثالثاً إننا كأمة، وبعد التشخيص، متخلفة، متأخرة، الأُمية تتفشى فيها، ودخل الفرد معدوم، ودرجات التقدم في العلوم والتقنيات لا تكاد تذكر، ورابعاً إن المقاومة لو كانت سبيلاً للخلاص مما نتخوف منه، فمؤداها أن يتوجه إلى الداخل لا للخارج، لأن أية مقارعة خارجية تتطلب أن يكون الداخل قوياً ومتيناً.. وخامساً، إنه لابدّ من تقليد الشعوب المتقدمة والمتطورة ومحاكاتها لأن الغربي، لم يتقدم بالمقاومة، وإنما تقدم عندما فك اشتراطه بالماضي (تراثاً، ولغة، ومقولات، وأساليب، وذهنيات)، بقولة أخرى لابدّ من تغيير المدارات القديمة (التراثية) نشداناً للغايات العصرية المحلومة، خصوصاً عندما افتك الدنيوي نفسه من الأخروي.. وسادساً أن زمن المقاومة ولى، فهو أسلوب قديم، ودموي، وغير حضاري.. هذه دعاوى الفريق الأول،أما الفريق الثاني، فيدعو إلى المقاومة، وتبني كل طيوفها.. والسبب في دعوته يعود إلى أسباب عديدة لعل في طالعها: أن المقاومة هي الأسلوب الأوضح والأهم والأبدى كرد على الظلم، والاحتلال، ومحو الهوية، والقتل والتدمير.. هذا أولاً، وثانياً أن ما من أسلوب تتخذه الشعوب الحيّة غير أسلوب المقاومة للحفاظ على شخصيتها وتراثها وسيادتها.. وثالثاً أن المقاومة تتمثل بنفسها، كما تتمثل في نهوضها، أيّاً كان هذا النهوض، والأمثلة من تاريخنا، ومن تاريخ الشعوب.. عديدة وكثيرة، ولعل أقربها خروج يوسف العظمة لملاقاة جيش فرنسا الغازي لسورية 1920، فالشعوب لا تنظر إلى ما تمتلكه من قوة حين تُغزى وإنما تنظر إلى ما تمتلكه من إرادة مواجهة. ورابعاً، إن المقاومة هي الوسيلة المطلوبة لدحر العدو الخارجي، فبدحره يتصلب الداخل ويتوحّد، ويقوى الانتماء فيصير بنية. وخامساً أن جميع الشعوب التي هي في المواقع المهمة من السلم المتقدم (تكنولوجياً وعلمياً) إنما تقدمت وتطورت بعدما فرغت من كل أشكال الاحتلال والهيمنة.. والتهديد الخارجي، وأن تغيير المدارات تقليداً هو عماء، وتغييرها وعياً إنما هو شكل من أشكال المقاومة ضد التخلف والتأخر والأُمية، والتراجع الاقتصادي.. وسادساً، إن زمن المقاومة زمن ديمومة، وليس زمن نفاد وتولٍ، إنه الزمن الذي ينهض وقت الحاجة، أي حين تتعرض الشعوب والأمم والبلدان للاحتلال والغزو والهيمنة.. وهذه هي ردود الفريق الثاني وتوجهاته. بقي شيء، من أجل استكمال عرض وجهتي النظر، وهو أن أهل الفريق الأول يُصنَّفون على أنهم استسلاميون، ومرهونون لإرادة الأجنبي، وقصيرو نفس، وضعفاء، ومتشائمون، وانهزاميون.. الخ وأنهم أيضاً مقنَّعون بألف قناع وقناع.. من أجل مصالحهم الشخصية، التي يقدمونها على كل المصالح، ومنها المصالح الوطنية، وأنهم من أجل المستقبل يضحون بالهوية، والتراث والماضي، والكرامة.. أما الفريق الثاني فيصنّفون على أنهم تراثيون، ودمويون، ومتحجرون، ومتشدقون، وأصحاب (مراجل) (لا يمتلكونها)، و(خطابات) لا يعون معانيها وأهميتها.. وأنهم ماضويون يريدون استنساخ الماضي كصورة وإلصاقها بالحاضر. إذن، ها هم دعاة الفكرتين، فريق مع المقاومة بسبب الاحتلال والهيمنة، وفريق مع اللا مقاومة بسبب عدم امتلاك القوة والأسباب المؤيدة (للمقاومة).. لكن، ما العمل، والواقع العربي نعرفه، احتلال إسرائيلي لـ فلسطين، واغتصاب للجغرافية، والتاريخ، والهواء، ما العمل وعشرات الألوف من الفلسطينيين سجناء في أقبية الصهاينة، وما السبيل ومئات الألوف من المشوهين الفلسطينيين [بلا عيون، بلا أطراف]، يعيشون مع جراحهم والتشوهات التي ألحقها الصهاينة بهم، وما السبيل وأعز المقدسات الإسلامية والمسيحية منهوبة ومباحة ومدنسة من قبل الصهاينة، وما العمل والجولان محتل، والمستوطنات الصهيونية تتوالد فيه مثل الذباب، وما السبيل وخيرات الجولان ومواسمه منهوبة عاماً بعد عام.. ثم إلى أين نمضي بتربيتنا الوطنية، وأعرافنا، وشرعنا، ونفوسنا.. وكلها تنادي بالمقاومة، وكلها مستندة إلى ما أثبتته الأيام أن ما من لغة يفهمها العدو إلا لغة المقاومة، ثم كيف ندير وجهنا عن نصوص التاريخ وأحداثه، وقولاته ونتائجه وكلها تؤكد أن خلاص الشعوب من الاحتلال والهيمنة كان بالمقاومة، وأن ما من شعب في الدنيا أخرج محتلاً لأرضه إلا بالمقاومة.. هذا أمر؛ والأمر الآخر هو أن المقاومة ليست خصيصة عربية، أو هوى عربياً، أو ذهنية عربية، وإنما هي خصيصة إنسانية، ونزوع طبيعي، حتى المجتمعات الحيوانية، إن صحت التسمية كمجتمعات، تدافع بالغريزة عن مكانها، فالنمال، وهي مجتمع تدافع عن أمكنتها حين تطأها أرجل الفيلة.. فهل تُسأل النمال عن قوتها أمام قوة الفيلة؟! إن المنطق السليم، والفطرة السليمة.. يقولان أنه لا خيار آخر لنا، ونحن الذين نعي واقعنا وتاريخنا، سوى المقاومة، فعدونا لا عمل له سوى تدريب أبنائه يومياً على كيفية قتل الفلسطينيين والعرب، أيّاً كان موقعهم الجغرافي، وأيّاً كان انتماؤهم.. إنهم [الصهاينة] يدربون أولادهم في البيوت، والمستوطنات، ومراكز التدريب، والمشاغل، والمعامل، والمدارس، والأندية.. على أمرين اثنين: ـ كراهية العرب ـ وتصويب البنادق فهل نبقى من دون فعل، أو حتى من دون رد فعل؟! وهل من المنطق أن نلتحق بفريق الاستسلام طلباً لما يروجونه من صيغ (العقلانية) و(الاعتدال)؟! وهل العقلانية هي أن تتعايش الضحية مع قاتلها، والمسروق مع السارق، والمظلوم مع الظالم، والمغتَصب مع غاصبه؟! ثم ليدلنا دعاة اللامقاومة.. من هي الشعوب التي رضيت بالاستسلام والهوان والمذلة ولها مكانتها وكرامتها اليوم حتى نقلدها، ونرضى بما رضيت به؟!.. العقلانية الحق، هي أن نلعن المقاومة درباً ومنهاجاً ما دامت الأرض محتلة، وما دامت مخاطر الهيمنة قائمة.. فلا لشريعة [تقادم الأزمنة] على الاحتلال والاغتصاب، [تقادم أزمنة] الاحتلال للأرض يرتب عليه حقوقاً جديدة لأصحاب الأرض وأهلها، ومعاني جديدة أكثر سوءاً للاحتلال.. إن الأزمنة، وإن طالت، لا تحلل الاحتلال ولا تشرعنه.. وأول من يعي هذا.. هو المحتل نفسه، فالمحتل والسارق كائنان متماثلان.. كلاهما يعرف أن ما فعله هو الظلم والعدوان والاغتصاب.. وأن ما من ممحاة في الدنيا، تمحو الظلم والعدوان والاغتصاب.. أحسن وأفضل من ممحاة المقاومة.. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |