مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 32 السنة الحادية عشرة 2008
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الفكر القومي والآخر ـــ أ.د.حسين جمعة

حدود وأبعاد:

ليس غريباً ـ اليوم ـ أن تشيع ظاهرة التراشق الفكري والسياسي والاجتماعي والأدبي واللغوي و... في الفضائيات والتلفزة والشابكة (الانترنيت) والحاسوب (الكومبيوتر) والناسوخ (الفاكس) وفي أعمدة الصحف والدوريات، وبطون الكتب الورقية والإلكترونية ـ فأياً كانت طريقة النقاش أو الحوار فهي تؤسس مفهوماً جديداً يعالج جملة من القضايا الوطنية والقومية التي نحتاج إليها... ولكن الغرابة أن هذا الحوار أخذ يرسخ مبادئ الشك في جملة من الثوابت والقيم الأصيلة، فضلاً عن وصوله إلى حالة جديدة من التّصادم ثم السباب والتهاجي، والفرقة والتنابذ ثم القطيعة والعداوة... فالاختلاف في الرأي لم يعد باباً في التنوع وإثراء القضية المعالجة، ولم يعد ملتزماً بقبول الآخر والانفتاح على أفكاره، أياً كان جنس الآخر أو انتماؤه، أو رأيه أو موقفه.. إذاً تغيّر مبدأ الحوار والنقاش عما عرف في تاريخنا وتراثنا وتغيرت أدواته وأهدافه... ولو عدنا إلى تراثنا لتبين لنا أن الحوار مؤسس على النقاش الحر والموضوعي، وقبول الآخر والانتفاع برأيه لقوله تعالى: ]وجادلهم بالتي هي أحسن[ (سورة النحل 16/125). وهذا مُفَصّل في الحديث الشريف: [اختلاف أمتي رحمة]([1]).

وفي هذا المقام نتذكر ما روي عن الإمام الشافعي حين خاطب محاوره قائلاً له: رأيك عندي يحتمل الخطأ والصواب، ورأيي عندك كذلك، أو ما في معناه، بل قيل: ذهب إلى أكثر من ذلك حين اتهمه رجل ما بأمر ما فأجابه: ((اللهم اغفر لي إن كان رأيه صحيحاً، واغفر له إن كان خاطئاً)).

إذاً اللغة الثقافية والسياسية الجديدة في الحوار لا تورث ـ في كثير من الأحيان ـ إلا الشحناء والبغضاء؛ والقتال والعنف و...

وكذا هي معالجة مضمون القضية التي يدور حولها النقاش... وما من اختلاف أصاب قضية من القضايا كالخلاف الذي وقع حول الفكر القومي العربي وماهيته... وهو خلاف ينبثق من مصادر ذاتية داخلية تعود إلى أبناء الأمة أنفسهم، في الوقت الذي تعود فيه إلى أسباب خارجية للآخر المغاير سواء كان صديقاً أم معادياً. ولعل الأمرين معاً قد أسسا لتراجع الوعي بالفكر القومي، ثم قصوره عن المواجهة.

ومن ثم فإن تطبيق الفكر القومي العربي في الواقع العربي أخذ يتراجع إلى الوراء، ويسقط في مستنقع الانحراف والتغيير أو التجاهل والنسيان... فالقراءة الموضوعية والعلمية لتاريخ الفكر القومي العربي بأنماطه المتعددة ليبرالية أو إسلامية أو قومية أو اشتراكية أو... تؤكد أنه عاش ـ ولا يزال ـ أزمة كبرى على الصعيدين النظري والتطبيقي.... فهو يعاني حالة من الحيرة والارتباك في الأدوات والأساليب، ويتعرض لهزة عنيفة في تبدّل الثوابت والمبادئ الفكرية....

وما تقدم يفرض علينا أن نتناول تعريف الفكر المجرد؛ فهو ((إعمال العقل في الأشياء للوصول إلى معرفتها. ويطلق على كل ظاهرة من ظواهر الحياة العقلية. وهو مرادف للنظر العقلي والتأمل العقلي ومقابل للحدس))([2]). وقال ابن سينا: ((وأعني بالفكر ما يكون عند إجماع الإنسان أن ينتقل عن أمور حاضرة في ذهنه متصورة أو مصدّق بها تصديقاً علمياً أو ظنياً أو وضعاً وتسليماً إلى أمور غير حاضرة فيه))([3]). أما ديكارت فقد عرفه بقوله: ((إنه الشيء الذي يشك ويفهم ويدرك ويثبت ويريد أو لا يريد ويتخيل ويحس))([4]).

وبناء على هذه التعريفات وغيرها فالفكر القومي العربي ـ كما نراه ـ هو مجموعة القواعد والنظم الفكرية والعلاقات السياسية والاجتماعية والعناصر العاطفية والدينية التي توافقت عليها جماعة سكانية متشابهة عاشت تاريخاً مشتركاً في أرض متقاربة ومتداخلة فتقاسمت الجغرافية والانتماء والثقافة واللغة والقيم والعادات والآلام والآمال، ما جعلها تصطبغ بذات قومية متماثلة، عُرفت باسم (العروبة) هوية وثقافة؛ ولا تزال كذلك على الرغم من الأمراض التي ابتليت بها من الآخر الموافق والآخر المعادي...

فالفكر القومي ينبثق من هذا الامتداد في الزمان والمكان والإنسان والثقافة، ويسير في إطار عقلي موضوعي يستند إلى تلك العناصر المشتركة، فضلاً عن تماثل أبناء الأرض العربية بالعقيدة الدينية بشقيها الإسلامي والمسيحي.. ويتطلع إلى ممارسة الذات القومية بحرية وديمقراطية، لتحقيق كرامة العربي وسيادته على أرضه، واستغلال مواردها أحسن الاستغلال... ما يعني أن حرية الفكر العربي تنبثق من هذا الامتداد والاتساع والانفتاح على الآخر... وفق مبدأ الامتداد البشري العربي الذي يؤكد أنه لم يلتزم بقيود وراثية توجه أفكاره كما يرى (إميل زيدان) في بعض آرائه([5])، وإنما كان يخلقها في إطار الأصالة والمثاقفة كما ذهب إليه (اسماعيل أدهم 1911ـ 1940م) و(طه حسين 1889 ـ 1973م) في حرية الفكر([6])... وهذا يثبت أن الفكر العربي تجاوز حدود الدولة الوطنية القطرية التي عرّفها الدكتور محمد عزيز شكري قائلاً: «الدولة مؤسسة سياسية وقانونية تنشأ وتقوم حين يقطن مجموعة من الناس بصفة دائمة إقليماً معيَّناً ويخضعون لسلطة عليا تمارس سيادتها عليهم»([7]).

إذاً؛ غدت الهوية العربية كينونة مميزة للجماعة العربية، وأصبح الأمل بتحقيق الدولة القومية الواحدة هدفاً مقصوداً لذاته، ومن ثم صارت الوحدة مرتكز الفكر القومي لا يعادلها إلا تحقيق مفهوم الحرية في إطار قيم الخير والعدالة والمساواة في ظل المواطنة، والانفتاح الفكري الثقافي الإنساني والخلقي على الآخر أياً كان جنسه ولونه...

ولمّا كان الفكر القومي العربي لا يعيش بمعزل عن الآخر وثقافته وفكره؛ لأن الوعي والقدرة على الحوار والمناقشة والإنتاج يتشكل من خلال الاتصال بالآخر كان يتطور وينضج، أو يتدهور ويتحول من شكل إلى شكل بناء على قدرة أصحابه وصانعيه...

فتقويم الذات، وما تنتجه من إبداعات ونشاطات إنسانية لا يمكن أن يتم من دون معرفة الآخر؛ وأثره في النتاج الحضاري الإنساني... ثم إن تقويم الذات بصورة مطردة يدفع أي أمة إلى تصحيح مسيرتها، والارتقاء بها إلى ما فيه الخير، استناداً إلى ما يجري في العصر الذي تعيش فيه..

وإذا كان ذلك كذلك لزمنا أن نبين مفهوم الآخر وموقف الذات منه... فالآخر كل ما هو خارج الذات الفردية؛ أو الشخصية (الأنا) أو الذات الجمعية (نحن). وتشمل الذاتُ الجمعيةُ الأفرادَ الذين تماهَوا في بنية عاطفية وفكرية وثقافية وسياسية واجتماعية متجانسة، سواء أكانوا عائلة أم عشيرة؛ فئة أم طائفة، وطناً (الدولة الوطنية) أم أمة (الدولة القومية)...

والآخر في اللغة العربية مطابق لما ذهبنا إليه؛ فهو ـ لغة ـ غير الذات؛ كقولنا: رجل آخر، وثوب آخر.. ويُثَّنى فيقال: آخران، ويجمع فيقال: آخرون، ويؤنث فيقال: أُخرى (للمفرد) وأُخْريات (للجمع)([8]). واستعمال الآخر قديم عند العرب كقول امرئ القيس([9]):

إذا قلت: هذا صاحبٌ قد رَضيته

 

وقَرَّت به العينان بُدِّلت آخرا

كذلك جَدِّي ما أُصاحب صاحباً

 

من الناس إلا خانني وتغيَّرا

وربما قام المفرد مقام المجموع في لفظ (أُخرى) لقوله تعالى: ]ولي فيها مآربُ أُخْرَى[ (سورة طه: 20/18) بمعنى جماعة أخرى.

وقال الليث؛ يقال: هذا آخر؛ وهذه أخرى في التأنيث والتذكير؛ علماً أن أُخَر جمع لأُخرى([10])...

ومن يدقق في استعمال مصطلح (الآخر) الذي شاع استعماله هذه الأيام يجد أنه يستعمل على الإطلاق للمذكر والمؤنث، وللمفرد والمثنى والجمع؛ وغلب عليه في الاستعمال الدلالي للآخر المغاير في العقيدة والطائفة والمذهب، والجنس والانتماء العرقي، وفق ما يدل عليه سياق الموضوع المعالج، علماً أن أكثر ما يستعمل لدى الباحثين المفكرين اليوم في دلالته على الآخر المغاير ولاسيما الأجنبي، والمعادي الصهيوني...

وعلى الرغم من ذلك كله فمصطلح (الآخر) مصطلح محايد في معالجتنا وفي تراثنا؛ إذ لا يتخذ الباحث منه موقفاً مسبقاً، ما يعني أنه يطلق على ما هو خارج الذات الفردية والشخصية، وخارج الذات الوطنية والقومية، أياً كان الآخر موافقاً أم معادياً...

وهذا الفهم في المعالجة مستمد من موقف النص القرآني في تعامله مع الآخر ـ أياً كان موقفه من الذات مخالفة أم موافقة ـ كقوله تعالى: ]وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين[ (سورة سبا: 34/24). فهذا النص ساوى بين الذات والآخر ولم يتخذ منه موقفاً عدائياً مسبقاً، لأنه نظر إليه باعتباره الإنساني، والخلقي، وكذلك هو في قوله تعالى: ]يا أيها الناس؛ إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم[ (سورة الحجرات: 149/13).

ثم جسّد الحديث الشريف الموقف القرآني من الآخر على أساس فعل الخير واتباع الفضيلة، ولم يُقم للجنس أو اللون أو العقيدة المغايرة وزناً فقال (صلى الله عليه وسلم): [ليس لعربي على عجمي، ولا لأسود على أبيض فضل إلا بالتقوى] وقال: [ليس لأحد على أحد فضل إلا بالدين أو عمل صالح]([11]).

ويدخل في هذا الاتجاه قول الإمام (علي) حينما أوصى الأشتر النخعي قائلاً له: ((الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)). ومثله كثير في التراث العربي نثره وشعره، قديمه وحديثه كما نقع عليه في فلسفة إمام المتصوفة (جلال الدين الرومي) المتوفى بالقاهرة (793 هـ/ 1391م)([12]) وهو يخاطب الآخر قائلاً: لا يهمني من أنت، المهم أنك معي...

أما شيخ الصوفية (محيي الدين بن عربي 560 ـ 638هـ) فقد ذهب بعيداً حين جعل الحب دينه وإيمانه في النظر إلى الآخر أياً كان دينه وعقيدته وجنسه ولونه فقال([13]):

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة

 

فمَرْعى لغزلان ودير لرُهْبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

 

وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنّى توجهت

 

ركائبي فالحب ديني وإيماني

وكأن ابن عربي ينظر بعين العارف إلى قوله تعالى: )وإن هذه أمتُكُم أمةً واحدة وأنا ربكم فاتقون( (سورة المؤمنون: 23/52). أو قوله تعالى: )قولوا آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون( (سورة البقرة: 2/136).

وعليه يمكن أن يطلق الآخر على الواحد أو الجماعة من أبناء جلدتنا سواء أكان موافقاً أم مبايناً في العقيدة أو الثقافة أو المذهب أو الطائفة، أو... وكذلك هو في الآخر المباين، من غير العرب سواء أكان صديقاً أم محايداً أم مغايراً أو معادياً في الجنس والانتماء والثقافة والفكر والسياسية و... ونحو هذا نجده في المسيحية المصرية([14]).

وقد قَصَرنا الحديث في الآخر على اثنين منه كان لهما أعظم الأثر في إخفاق المشروع القومي العربي النهضوي؛ ولاسيما حينما نجحا في توجيه ضربات قاصمة لظَهْر الفكر العربي القومي. وهما يتمثلان في الآخر الصهيوني، والآخر الأمريكي الذي ورث الآخر الأوربي في العداء للعرب.

فكل منهما يمارس أنماطاً من الهيمنة على الفكر الإنساني، وثقافته ويحاولان إلغاءهما سياسة وإعلاماً واقتصاداً وتقنية ونمط حياة، ومشاريع استعمارية استيطانية وفق ما نشأا عليه في الفلسفة الأوربية، والأدبيات السياسية والثقافية التي نهلوا منها. فالآخر كما حدّده (هيغل) في كتابه (فلسفة التاريخ) هو إنسان الشرق، وهو يتحرك في إطار هامشي، أي إنه متخلف عن مركز الحكمة والمعرفة (أوربا) المعاصرة (واليونان القديمة) وهي التي تمثل (الأنا) الغربية([15]). فالآخر عند الغربيين يدل على التخلف والضعف والهمجية، والتوحش، والبعد عن الإبداع والإنتاج، على حين تمثل (الأنا) الغربية الرقي والتفوق والاستعلاء... وهذا الفهم للآخر هو الفهم المنبثق من التوراة والتلمود والتاريخ اليهودي...([16]) .

لهذا كله ما من باحث يتناول الفكر القومي العربي من دون أن يتعرض للفكر الآخر الغربي الذي آل إلى الفكر الأمريكي أو ما يعرف اليوم بالفكر العولمي الذي يُقاد من واشنطن، ويبث مشاريعه ومبادئه في العالم لتحقيق مصالحه مثل (مشروع الشرق الأوسط الجديد) ومبدأ (الفوضى الخلاقة) و(الحرب الاستباقية) و(القرية الكونية الواحدة) و(إشاعة الحرية والديمقراطية) و...

أما الآخر الصهيوني فهو الداء العياء في حياة الأمة العربية، الباحث أبداً عن كل سبب يؤدي إلى السيطرة على أرضها وتشويه هويتها وفكرها القومي...

ولكي نصل إلى هذا وذاك لابد من وقفة مركزة مع الإرهاصات التاريخية لنشوء الفكر القومي؛ وبيان ما آل إليه في الواقع العربي متسائلين: لماذا ظل الفكر العربي بعيداً عن الإنجازات التي عولتها عليه الجماهير العربية؛ إذ لم يقدم الاستحقاقات المرجوة منه ولم يستطع أن يجيب حتى الآن عن كل الأسئلة التي طرحت في عصر النهضة؟! فهل يكمن الأمر في ضعف فيه أو قصور أو تشويه، أو انحراف... أو أن ذلك كان بسبب عجز القائمين عليه وعدم امتلاكهم للمبادرة والوعي والمعرفة والمنهج والتقانة المطلوبة لتطويره والارتقاء به إلى درجة كبيرة؟...

وإذا لم يكن يتصف هو أو القائمون عليه بذلك فهل يكمن السبب في الشرط الخارجي (الآخر المعادي والمباين) الذي وقف موقفاً قوياً للقضاء على المشروع القومي العربي الحامل للفكر القومي، ولاسيما ما يتعلق بأهم ركيزة فيه، ألا وهي العروبة التي غدت تساوي (الوحدة العربية)؛ علماً أن الآخر في المفهوم الأمريكي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي صار ممثلاً بالإسلام، باعتباره العدو الجديد؟!!

وفي ضوء ذلك كله كيف يمكن للفكر القومي العربي أن يتجدد والحال كما هو عليه؛ إذ فقد الشرط الموضوعي التاريخي والواقعي؛ نتيجة بنيته الوظيفية القاصرة وطبيعة منهجه المتخلفة، أو نتيجة عجز أدواته العربية، فضلاً عن قوة فعل الآخر المعادي؟!...

لهذا كله كان هذا البحث بعنوان (الفكر القومي العربي والآخر)، وسنعالجه وفق النقاط التي أشرنا إليها سابقاً؛ لنَصل إلى تصورات محددة لتجديد هذا الفكر ومعرفة المصير العربي.

1 ـ إرهاصات تاريخية

لا مراء في أن الحضارة الفرعونية قد تلاقت بالحضارة الفينيقية فضلاً عن التزاوج الذي حصل بين أفراد المجتمع، وعلى مستوى رفيع... علماً أن الحضارة الفينيقية هي التي ورثت حضارة بلاد الرافدين ـ على نحو ما ـ وكل منها أثر في الحضارات التي تلتها كاليونانية وغيرها.

ونرى أن هذه الحضارات قد انتقلت بوساطة الذاكرة الجماعية والأوابد التاريخية إلى أزمان لاحقة انصهرت في بوتقة الحضارة العربية الإسلامية مثلما انصهر فيها كثير من العناصر الحضارية الهندية المعاصرة([17]) والفارسية واليونانية، والمغرب العربي القديم ثم أثرت الحضارة العربية الإسلامية في الحضارة الأوربية المعاصرة.

وسجَّل التاريخ وثيقة حضارية إنسانية متفاعلة ومتسامحة لم يعرف العالم نظيراً لها منذ (1400) سنة؛ في هذه الحضارة التقى المسيحي بالمسلم على أساس هوية العروبة الجامعة، والنهوض الاجتماعي والفكري المشترك. ولعل بُنية قبيلة تَغْلب وبَكْر وطيْء وغسان ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ تؤكد ذلك، فما زال أناس يؤكدون نسبتهم إلى غسان وهم مسيحيون.

ولعل هذا يشي بأن الفكر القومي العربي ظهر في إطار الانتماء إلى أرومة مشتركة أنتجت خصائصها الذاتية المتشابهة على مدى التاريخ وعلى أساس عقلي ووجداني معاً؛ فضلاً عن الأساس التجريبي الذي تراكم تاريخياً، ما جعل هذه الأرومة تنفتح على الآخر في إطار المثاقفة الإنسانية الحيوية والفاعلة فأخذت منها ثم أعطتها.

فالفكر القومي العربي نشأ في إطار حضاري لحماية الوجود الذاتي للجنس العربي (الأمة العربية) منذ القديم. وقد بدأت إرهاصات هذا الوجود تتضح في العصر الجاهلي؛ في ضوء انتساب القبائل العربية إلى أرومة واحدة، ولغة أدبية راقية تجمعهم؛ وعقائد متماثلة.. وكان التجمع القومي (القبلي ـ آنذاك) يشهد مدّاً أو تراجعاً تبعاً لطبيعة الأحداث والصراعات التي تتعرض لها القبائل... فإذا دهمها خطر خارجي التقت جميعها على مواجهته، ولا شيء أدل عليه من حرب ذي قار... وإذا كان الصراع داخلياً بين القبائل العربية على الماء والكلأ لجأت القبائل إلى التجمع عن طريق العصبية القبلية الكبرى أو الصغرى، أو لجأت إلى الأحلاف التي تقيمها قبائل ما لأمر ما... علماً أن العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كانت أصلاً في التجمع والالتقاء، كما تعبر عنه أسواق العرب في عكاظ وذي المجاز والشِّحْر ودومة الجندل وهَجَر، إذا أهملنا رحلة الشتاء والصيف بين اليمن والشام، وهي تمر بحواضر الجزيرة العربية ولاسيما المدينة ومكة...

ثم أخذ الفكر القومي يتشكل بأنماط أوضح في إطار الدولة العربية الإسلامية، لكن وفق مفهوم العقيدة الإسلامية التي دمجت بين ما هو قومي عرقي وما هو ديني إنساني... وطفقت الرؤى القومية تنصهر في إطار الرؤى المكونة للأمة التي ولدت بولادة الإسلام مع النّبوه ثم الخلافة([18])، واستندت إلى نصوص قرآنية شددت على مفهوم الأمة الإسلامية: ]كنتم خيرَ أمةٍ أُخْرجت للناس[ (سورة آل عمران 3/ 110)، ]وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس[ (سورة البقرة 2/143)([19]).

ثم قدمت الدراسات الفقهية وغيرها في العهود اللاحقة رؤى كثيرة عملت على صهر الفرد في إطار الأمة.. وإن ظل النزوع العربي بارزاً في العهد الأموي.. وظل الجنس العربي يظهر في دراسات المفكرين المعاصرين أمثال (محمد عزة دروزة) في كتابه (الجنس العربي)...

هكذا رأينا أن مفهوم الأمة العربية لم يتخل عن أرومة الانتماء والثقافة الجامعة، واللغة الواحدة في إطار واقع تجريبي ثم عقل يعلل ويشرح؛ وإن تطور باعتباره الديني العرفاني ليصبح جزءاً من منظومة فكرية خلقية أوسع التقت فيها الشعوب الأخرى مع الشعب العربي في تمازج ثقافي وديني يعرفه القاصي والداني، فكما كانت المدينة المنورة ومكة ودمشق وبغداد والقاهرة رافعة لعقيدة العروبة الإسلامية المتسامحة كانت القيروان وفاس وغرناطة وأصفهان وبخارى وسمرقند واستانبول رافعة لها وللنهوض القومي العربي.. وأكد كل منها أن الجغرافية واحدة، والثقافة مشتركة، والعادات والتقاليد متطابقة، وغدت لغة التفكير والتعامل واحدة هي لغة القرآن الكريم...

ولعل هذا يثبت أن الفكر القومي العربي قد مَرَّ بتغيرات شتى حتى اكتسب رؤية وسلوكاً ومعطيات ترتبط بالفكر الإسلامي([20]). ثم أخذ يتطور في بنيته ووظائفه في عصر النهضة ليصبح ذا بعد ثقافي وسياسي يعزز فكرة العروبة الجامعة، وهي التي تؤسس المشروع القومي النهضوي، وتقضي على التبعية، وتنتصر للحرية والسيادة لتحقق العدالة والتنمية لكل أبنائها. فحين شكلت المدينة ومكة ودمشق وبغداد قاعدة الثقافة الأولى المشتركة فإن بقية الحواضر صهرت ثقافتها وحياتها بتلك الثقافة المشتركة... وهذا يثبت أن تجربة الفكر القومي ليست تجربة وليدة ولا أحادية؛ إنها تجربة إنسانية قبل أن تحمل الطابع السياسي والفكري في أواخر العهد العثماني.

ولمّا كان وعيهم السياسي لفكرة العروبة متقدماً ومستوعباً لحركة الأحداث فإنهم لم يكونوا يلجؤون إلى معاداة الحكم العثماني، وإن وجد قلة قليلة من المفكرين الذين ذهبوا إلى نزوع قومي متشدّد، أمثال عبد الرحمن الكواكبي (1849 – 1902م) في كتابيه (أم القرى) و(طبائع الاستبداد)([21])...

فالباحث المؤرخ يدرك أن الدعوة إلى الدولة العربية تعززت إبان نهاية الدولة العثمانية، وفي إطار ما سمي بالنزعة العثمانية أو غيرها؛ ولاسيما حين طرحت الجمعيات العربية فكرة العروبة المؤسسة لقيام كيان قومي عربي موحد... وكان مؤتمر باريس (1913م) واحداً من المؤتمرات التي عقدها مفكروها لتلك الغاية.

فالحركات العربية كانت تحرص على تكوين الدولة العربية المتماهية في جسم الدولة العثمانية، بيد أن قيادة الثورة العربية الكبرى ذهبت مذهباً آخر، وانحازت تحت تأثير الآخر البريطاني ـ ولاسيما (مكماهون)ـ إلى الانفصال عن الدولة العثمانية؛ علماً أنها كانت تدرك أطماع الدول الأوربية بالوطن العربي.. وهي الأطماع التي أخفق الفكر القومي بسببها ـ من بعدُ ـ حين انكشف أمر معاهدة سايكس بيكو (16/5/1916م) التي قسمت الوطن العربي ووضعته تحت سلطان الهيمنة الفرنسية البريطانية  .

ومهما قيل في هذا الشأن فقد اجتهد مفكرو عصر النهضة ورجاله في معالجة مسألة النهوض القومي العربي مثل (رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873م) الذي تحدث عن الحرية الفردية بمثل ما تحدث عن حرية الدولة، وعالج شؤون الديمقراطية وغيرها معالجة مستمدة من التوفيق بين تعاليم الدين الإسلامي والثقافة الغربية ولاسيما الفرنسية([22])، وكذا فعل غيره من رجال عصر النهضة إذ عرضوا عدداً من الأسئلة لم نستطع أن نجيب عنها حتى الآن.

ويظل ساطع الحصري (1883 ـ بغداد 1968م) أبرز مفكر قومي عُني بفكرة العروبة المشكلة للفكر القومي في عدد من مؤلفاته، ولاسيما كتابه (العروبة أولاً) و(الدفاع عن العروبة) و(آراء في الوطنية والقومية) و(فن التربية وآراء في التاريخ)... فقد دعا هو وأمثاله إلى نهوض قومي عربي يستند إلى الإطار الجغرافي والتاريخي والثقافي واللغوي المشترك([23])...

وأياً ما يكن الأمر فقد برزت الحاجة في عصر النهضة إلى المثاقفة الكبرى مع الغرب ونظرياته الفلسفية ما جعل المفكرين والمثقفين القوميين العرب ـ أياً كان اتجاههم الفكري والسياسي، ليبرالياً، أو اشتراكياً، أو إسلامياً تنويرياً([24]) ـ يولون عنايتهم لتجديد الفكر العربي، ويتطلعون إلى تحقيق نهضة شاملة في حياة الأمة، نهضة يستفيدون فيها مما حققته فلسفة الغرب ونظرياته وثقافته و... ابتداء برفاعة الطهطاوي ونجيب عازوري وانتهاء بمحمد عابد الجابري وطيب تيزيني وحسن حنفي.

وفي ضوء ما تقدم تبين لنا أن تجربة الفكر القومي تجربة أمة صهرت أفكارها وثقافتها ومثلها وقيمها وعاداتها وتقاليدها بما استجلبته من الثقافات الوافدة وعالجت ذلك بكل حيوية وتفاعل وتسامح.. وقد ساعدها على ذلك لغة عربية ثرية بالأساليب والمفردات، لما تتميز معاييرها اللغوية من قدرة ومرونة واتساع لاستيعاب ثقافة الآخر وفكره، فاللغة العربية أثبتت أنها وعاء للفكر، ولاسيما المعقد منه.

لقد كانت هذه اللغة حاملة للفكر العربي الذي حمل المفهوم الجامع للعروبة؛ وهو مفهوم نهض به الأجداد وفق المعطيات التاريخية المشكلة في عصرهم حتى أسلموه إلى رجال أشداء في عصر النهضة، رجال آمنوا إيماناً لا يشوبه شك أو تردد في فاعلية الفكر القومي على النهوض بالأمة العربية، وإيجاد الدولة العربية، وهم من أسلموه إلى المفكرين والمثقفين والقادة والساسة العرب في منتصف القرن العشرين، وما تبعه فكاد يضيع...

وهذا ما سنُوجز الحديث فيه لننتقل إلى الفكر القومي للآخر الأمريكي ثم الصهيوني...

2 ـ الفكر القومي والواقع العربي

اتضح لنا أن الفكر القومي تطور شيئاً فشيئاً منذ مطلع القرن العشرين جيلاً بعد جيل، وأخذ يتماثل في إطار مجموعة من الأفكار المتماثلة... والتي رسخت الإيمان لدى الجماهير وغير قليل من الساسة بوجود رابطة قومية واحدة لا تنفصم عراها نفسياً واجتماعياً وثقافياً وتربوياً وخلقياً وأدبياً ولغوياً وسياسياً و...

لقد نشأ التيار القومي في القرن العشرين وهو مطمئن إلى تحقيق إنجازات يطمح إليها على الرغم من تعدد الحركات في صميمه كالحركة الناصرية، وحركة البعث، والقوميين السوريين وغيرهم... على اعتبار أن التعدد تنوع وثراء للفكر القومي.. بيد أن ما حدث في الواقع أن التيارات القومية أخذت تركز على التحرر الوطني في عهد النضال السلبي، نظراً لوقوع الأقطار تحت الاستعمار الغربي فكانت معبرة عن تطلعات الجماهير في التحرر، ثم بدأت المناجزة الفكرية والسياسية تتخذ أساليب ووظائف متقاربة غالباً ومتباعدة أحياناً، تبعاً للقطر الذي نشأت فيه ونمت كما هو حال حركة البعث ـ مثلاً ـ وكان عدد من المثقفين والمفكرين العرب قد أنشؤوها في سورية ولبنان والعراق والكويت، والأردن... ولم تلبث أن انشطرت إلى جناحين في العراق وسورية... وعاش بعض المؤمنين بها منفردين في بقية الأقطار ـ على الأغلب ـ.

ويبدو أن تلك المناجزة الفكرية شرعت تفكك التيارات القومية في إطار الدولة الوطنية الواحدة حتى بلغ عددها في عام (2006م) (116) حزباً وحركة، اجتمعت في دمشق تحت اسم (مؤتمر الأحزاب القومية). ونرى وَفق هذا العدد أن الحركات القومية والأحزاب ذات الأسماء المتنوعة قد افترقت على حبال التباينات الفكرية التي حملها الأفراد المؤثرون فيها حين ضعفت الثقة فيما بينهم، وبرز النزوع الفردي لديهم متضخماً على الرغم من أن عدداً غير قليل من أفكارهم لا تخرج عن باب التقليد والمحاكاة لفكر الآخر الغربي في الهوية والدولة والحرية...

وانتقل التشتت إلى داخل بعض التيارات القومية المعروفة تاريخياً فأصابها الانشطار أيضاً كحركة الوحدويين، والاتحاد الاشتراكي، وغيرهما من التيارات...

ولو راجع الباحث المدقق تجربة الفكر القومي عند بعض التيارات والحركات القومية لانتهى إلى أن الاختلاف حول الفكر القومي لم يكن ـ فقط ـ بسبب الآخر الغريب والمعادي وإنما كان بفعل داخلي أدى إلى خلل واضح وفق ما يأتي:

1ـ هناك ممارسات خاطئة في تنفيذ السياسة القومية على صعيد التيارات السياسية وبناء الدولة القطرية([25]). ولا شيء أدل عليه من تجربة الأحزاب القومية التي أسهمت في إنشاء الوحدة بين مصر وسورية، فما إن قامت الوحدة حتى أخذت الآراء تتباين بفعل الممارسة اليومية للمسؤولين... ولعل من أبرز الممارسات الخاطئة للتيارات القومية أنها مارست الفكر القومي من خلال توزعها على قوميين ليبراليين أو قبليين، أو إسلاميين معتدلين أو متشددين، أو اشتراكيين... ولعل من أعظم ما ابتُلي به الفكر القومي عدم الالتقاء مع الفكر الإسلامي على مفهوم الهوية والأمة ـ ولو كان الفكر الإسلامي تنويرياً ـ بعكس ما هو عليه فكر الآخر الصهيوني، الذي جعل الخرافات والأكاذيب التوراتية منطلقاً دينياً للهوية والأمة، والوطن الموعود ووفّق ما بين أصحاب هذه الخرافات وأصحاب التيارات العلمانية، على حين أدت الممارسة العربية إلى نتائج أخرى مخيفة، فقد استيقظت القبلية والعشائرية والفئوية والعرقية الإثنية ثم الطائفية، والمذهبية... ولا جدال في أن هذه الأمراض التي أسهم فيها الآخر الغربي والأمريكي والصهيوني، قد نجحت في زرع الشك في قدرة الفكر العربي على إنجاز المشروع القومي؛ ولا سيما حين برزت الولاءات الصغرى على حساب الولاء للوطن ثم للأمة...

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى ممارسة خاطئة أخرى للفكر القومي على صعيد التطبيق حين جعل كل حزب نفسه محتكراً لهذا الفكر ومعبراً عنه، ما انتهى به إلى تبعية قاتلة لأفكار الحزب التي تتغير بتغير زعاماته، في الوقت الذي أصبحت فيه الدولة الوطنية تابعة لفكرها وسلطتها، من دون بقية التيارات المكوِّنة لحركة الفكر السياسي في الوطن الواحد.

2ـ هناك تأثّر ملحوظ للفكر القومي بالنظريات الفكرية والسياسية الوافدة ولا سيما الغربية كالليبرالية والرأسمالية والاشتراكية و... الماركسية و([26]) وهو تأثر قد يبلغ حدّ الاستنساخ، علماً أن الفكر العربي ـ منذ القديم ـ سيد من انفتح على ثقافة الآخر وقبوله وفهمه واستيعابه دون أن يفقد خصائصه...

ولعل هذا كله قد ترك بصمته واضحة في مسيرة كل حركة من جهة، وفي طبيعة الفكر القومي ووظيفته من جهة أخرى، بيد أنه ربما أدى إلى صراع عنيف في بعض الأحيان فيما بينها. ولا شيء أدل على هذا من تجربة حركة (البعث) التي انطلقت في البداية من مفهوم الأمة الواحدة، والرسالة الخالدة، فلما اندمجت بحركة (العربي الاشتراكي) صارت الأبعاد الفكرية متأثرة بالفكر الماركسي والاشتراكي. ولعل هذا الاندماج كان منطلق الصراعات داخل التيار القومي في حزب البعث العربي الاشتراكي فقد انقسم أعضاؤه حول المرجعية الفكرية بين الليبرالية والاشتراكية، ثم تنازعوا حول البعد الإسلامي في الرسالة الخالدة التي نص عليها دستور الحزب، على الرغم من أن التيار القومي الإسلامي كان موجوداً أو فاعلاً في الحركة الفكرية والحياة العامة كلها...

ولعل هذا كله لا ينسينا الإشارة إلى الفكر الاستشراقي الاستعماري الذي تحدث عنه المفكر (إدوار سعيد) وتناولناه في كتابنا (مشروع القومية العربية إلى أين)([27]). فهو يفند الرؤية الاستشراقية التي تزعم أن العرب لم يملكوا أي فلسفة خاصة بهم، وما لديهم منقول عن الحضارة اليونانية. فالمستشرق (أرنست رينان) ـ مثلاً ـ يرى أن الفكر العربي كله ظل محكوماً بالوقوف عند عتبات التصنيف المنهجي بأسلوب عرفاني يعتمد النقل والتقليد للفلسفة الغربية القديمة.

إذاً هناك دعوات غربية وجهت سهامها القاتلة إلى الفكر القومي العربي لإضعافه وتقزيمه، مستفيدة من المناهج النقدية والفكرية التي تملكها، ومن سعة إطلاعها على التراث العربي وشرعت تنسج الأباطيل والأكاذيب حوله... علماً أن بعض المفكرين العرب المعاصرين لم يكونوا أفضل حالاً؛ إذ شرعوا يتأثرون بكل ما ينتجه الغرب، وينقلونه في إطار المحاكاة الخالصة، حتى غدوا أكثر خطراً على الفكر العربي من المستشرقين، وبخاصة حين أوهموا الناس أن الفكر القومي العربي عقيم عن الإبداع وإنتاج ما يحتاج إليه من أفكار، ونظريات، و...

وربما قوي هذا الزعم وذاك حين عجز ـ أيضاً ـ المفكرون العرب عن نفي الأشواك الضارة عن الثقافة الموروثة، دون أن ننكر لحظة واحدة أن هناك عدم وضوح ـ أحياناً ـ في كثير من المسائل التي تتعلق بالفكر العربي القديم...

ولعل هذا كله لا يُغَشِّي عيوننا عن اختلاف الرؤية والمنهج بين القدماء وبيننا، وبين القدماء والآخر الغربي اليوناني والمعاصر... ويؤكد ذلك كله ما ورد في كتاب (آراء أهل المدينة الفاضلة) للفارابي... فهو في ظاهره يستند إلى كتاب (المدينة الفاضلة) لأفلاطون، ولكنه يختلف عنه كل الاختلاف... وكذا هي فلسفة الجمال لديه ولدى أمثاله([28]).

ومهما قيل في هذا الاتجاه فهناك بعض المفكرين الإسلاميين الذين تعلقوا ـ غالباً ـ بالقديم لقدمه؛ وحاكوا كل ما هو كامن في التراث، فانطبع الفكر القومي بالاستنساخ، استنساخ القديم على أيديهم([29])، واستنساخ الفكر الغربي الوافد على أيدي بعض المعاصرين... فكان النقل والتقليد والمحاكاة أساس العملين في الفكر العربي القومي عند عدد من التيارات القومية.

ومما تقدم نرى أن الفكر القومي الموحد للأمة مطلب جماهيري مهما كانت قوة المرجعية السياسية أو الفكرية لأي ثقافة وافدة أو قديمة موروثة([30])، وهي المرجعيات التي زرعت تناقضات شتى في التصور القومي الواحد، فنتج عنها تسخير بعض الفئات ذلك كله لهدم المشروع النهضوي القومي، ثم هدم الفكر القومي نفسه.

3ـ تغليب التقدم الاجتماعي على الديمقراطي:

ربما تكون المرجعيات الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية والفنية والتقنية والإعلامية الممثلة في الآخر الغربي قد أنتجت خلافات شتى في أوليات النهوض العربي للفكر القومي... فلما كان الاستقلال قريباً فإن التحرر الداخلي الاجتماعي ـ الاقتصادي والارتقاء به قد أخذ حيزاً كبيراً من جهود أصحاب التيارات القومية، وحكام الدولة القطرية على السواء؛ إذ توهم من دعا إلى تغليبه على غيره أنه أساس النهوض الوطني والقومي، ما جعل الفكر القومي الديمقراطي يتجه اتجاهاً أحادياً، أو يتأخر أو يتراجع إلى الوراء تبعاً للحالة الراهنة لكل دولة. ومن ثم ضعف التقدم الديمقراطي، ولا سيما أن الدولة القطرية قد أرست أنظمتها التعليمية والثقافية وفق ذلك الوهم.

وبكلام آخر نقول: لما صار التقدم الاجتماعي ـ الاقتصادي متجذراً في العمل السياسي؛ وانتقل الكفاح من المطالبة بالاستقلال إلى الكفاح من أجل العدالة الاجتماعية ـ الاقتصادية فإن النتيجة الواقعية انتهت إلى بطء في التقدم الاجتماعي ـ الاقتصادي، ثم بطء أعظم في التقدم الديمقراطي؛ ثم انتكاسة كبرى للمشروع النهضوي القومي.

ولا مراء في أن تكون النفس مملوءة بالرغبة في التحرر الاجتماعي والاقتصادي باعتباره هدفاً للفكر القومي، ولكن الخطأ الذي وقع في الممارسة أن الانتقال التحرري لم يتجه نحو الديمقراطية فكانت الطامة الكبرى ثم إن المشروع القومي بتياراته الفكرية والسياسية، وبدولته القطرية بعد نكسة (حزيران ـ 1967م) لم يحسن استثمار الإنسان العربي حين عجز عن توظيف مفهوم الديمقراطية لكل ما كان قد طرحه في المراحل السابقة. وكان بعض الأحزاب قد نجح ـ آنذاك ـ في توجيه المجتمع نحو الديمقراطية، ورغب في جعل الأنموذج الثقافي سائداً في حياة الناس... ولكن سرعان ما تدهور هذا الاتجاه الفكري نتيجة تكون الدولة الشمولية القطرية من جهة، ونتيجة الاختلاف الحاد في رؤية التيارات القومية لمفهوم الديمقراطية من جهة أخرى ما أحدث بلبلة في وعي الجماهير له؛ ثم تشتتاً وصراعاً، فضلاً عن ضياع الديمقراطية، ثم آل الأمر إلى الصراع على وعي الفكر القومي نفسه.

وقد يكون ما ذهبنا إليه يناقض ما قامت به أمريكا، إذ أحدثت حالة من الوعي في تجميع أفكار المهاجرين إليها وجهودهم بغية النهوض بالولايات المتحدة التي يجب أن تتحد على مصلحة واحدة... فانتهت إلى ما انتهت إليه من قوة وهيمنة على العالم بالرغم من اختلاف مواطنيها في العقائد والثقافات والأجناس... على حين أخفقنا في مشروعنا نتيجة انخفاض الوعي به على الرغم من وجود العناصر المشتركة بيننا، وكذلك يقال فيما انتهت إليه أوربا فقد نجحت في التوحد، وأخفقنا نحن فيه.

4ـ اختطاف الفكر القومي من مفكريه:

يقودنا ما تقدم إلى انتشار خطط لبعض المفكرين وبرامج لم تكن أكثر من آراء آنيّة، في الوقت الذي تراجع تأثيرهم لحساب الذات المنتفخة لبعض السياسيين من التيار القومي... فهؤلاء استطاعوا أن يختزلوا تياراتهم القومية، بل الوطن في ذواتهم، فضلاً عن أنهم أكدوا الاعتقاد لدى الجماهير والآخر بعدم جدوى الفكر القومي.

ثم نتج عن ذلك كثرة النفاق والمنافقين والمزايدين، وبدأ عدد من التيارات أو من ينتسب إليها يرفع شعار الفكر القومي لدغدغة حس الجماهير العربية... على حين أن هذه الممارسة فَرَّغت الفكر القومي من مصداقيته، وأدخلته في العمل الفكري السياسي الذرائعي، القائم على تلبية الرغبات الآنية، أو تلبية النفع الخاص لهذا المفكر أو ذاك، أو لهذا التيار أو ذاك. وهذا يناقض بنية الفكر القومي القائمة على النفع العام، وخدمة الوطن والأمة، ودراسة أي فعل مؤثر دراسة موضوعية، لا تستند إلى الفعل وردّ الفعل.

وكذلك نتج عن سيطرة أصحاب الذات المنتفخة على الفكر القومي قتل روح المبادرة عند المفكرين والمثقفين والأدباء عن سابق علم وتصميم وإرادة، فصيرتهم أمشاج مثقفين، أو أتباعاً طيعيين للقائد السياسي الفذ، وبخاصة حين أصبح ملاكماً من الوزن الثقيل. فإذا غضب على مفكر غيبه في التراب أو السجن، أو النفي، ما أدى إلى عزلة كثير من المفكرين أو إلى نفي أنفسهم طوعاً... وهذا كله أدى إلى تناقض صريح بين ما هو فكري وما هو شخصي، فالفكري يحافظ على كرامة الإنسان وسعادته في وطنه؛ والشخصي يطلق الاستبداد والقهر في كل اتجاه، ويقتل أي نمط من أنماط الديمقراطية لأنها ستكون وبالاً على صاحب الذات المنتفخة.

ثم إن كثيراً من المفكرين القوميين اتبع سياسة المهادنة أو بدّل مواقعه. ويدل عليه ما حدث في التيارات القومية هنا وهناك، علماً أن كثيراً من المثقفين بدّلوا مواقعهم لأمر آخر ولا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أو بعد احتلال العراق.

فالإرهاب العجيب للتيارات الفكرية، ثم الإرهاب الخطير للقائد السياسي قتل الفكر القومي المتسامح، من دون أن نهمل فكرة الاتهام المتبادلة بين التيارات القومية أو بينها وبين غيرها. فالتيار القومي ربما اتهم التيار الإسلامي أو غيره بالإرهاب، والعكس صحيح، فغدت المنطقة العربية تعيش حالة من الاضطراب والعنف والقتل والشك في الأمن الذي تتحدث عنه الحكومات الوطنية بين الفينة والأخرى. وهذا كله أنتج ضياع الثقة بالفكر القومي، وزاد بعثرة الأمة ومزقها شر مزقة، ولم يبق لها من المشروع القومي إلا الجامعة العربية؛ وكذلك لم يبق لها من التوحد إلا اجتماع القمة العربية السنوية التي تتعرض لهزات كثيرة نتيجة الاختلاف السياسي بين الأنظمة الرسمية.

5ـ الخلط بين الفكر القومي والفكر السياسي:

لعل ما تقدم قد أدى بمجمله إلى الخلط بين الفكر القومي والفكر السياسي؛ إذا تجاوزنا الأداء السياسي المشوّه أو المنحرف أو العاجز أو ... لهذا التيار أو ذاك سواء ما يتعلق بالهوية، أم الدولة الوطنية، أم الأمة، أم التحرر الاجتماعي، أم الديمقراطية أم([31])...

فقد غرق الفكر القومي العربي في واقع سياسي استهوى كثيراً من المثقفين والأدباء والسياسيين و... إنه الواقع السياسي المتأثر بالأحداث الجارية في المنطقة المتقلبة على جمر الحرب وتبدّل الأفكار والمواقع. من ثم بدأ الحصار يحيط بالفكر القومي العربي؛ ويؤدي به إلى التقهقر... ولا شيء أدل على ذلك من أن انسحاب الفكر القومي لحساب الصراع من أجل الحضور السياسي الذي آل إلى أنماط من الاستهلاك الآني... ولهذا أخذ الفكر يتغير لحساب الحضور السياسي مهما اختبأ وراء الثوابت التي تبناها الفكر القومي منذ مطلع القرن العشرين. فالتبدل الفكري الثقافي السياسي للوجود القومي والتفاعل مع التغير السياسي العالمي لم يكن بالمستوى المطلوب أو المفترض عند الكتاب والمثقفين والأدباء. فهناك كثير منهم فقدوا الوعي الدقيق بالفكر القومي ولا سيما المرتبط بالعقيدة الدينية؛ ونتج لدينا أنصاف مثقفين لم يوجهوا البوصلة بالشكل الصحيح إلى الإفادة من الثقافة الوافدة والثقافة الأصيلة على السواء، فتعلقوا بأوهام وحماقات امتدت إلى الفكر القومي نفسه.

وإذا كان الخلط قد أدى إلى الاختلاف بين التيارات الفكرية والسياسية فإنه أدى إلى نمط من الصراع حول قبول الأفكار والنظريات الوافدة أو رفضها... ومن ثم نتج عن هذا القبول أو الرفض صراع آخر داخل مفكري كل تيار، إذا سلّمنا أن أصحاب الأفكار الغربية لم يتدخلوا في تشويه الفكر القومي، أو أن أذهان أقطاب التيار القومي كانت صادقة وعازمة على تحقيق المشروع القومي...

وكل ذلك وصل ـ في نهاية المطاف ـ إلى انتقال الخلط إلى الساحة العربية، ففقد الفكر القومي شيئاً عظيماً من مصداقيته وجديته... وشجع الآخر الصهيوني والغربي على توجيه الضربة تلو الضربة له.

لذلك نرى أن الفكر السياسي العربي المنحرف يعدُّ أشد خطراً على الفكر القومي من الفكر الآخر الأمريكي أو الصهيوني... حتى صار أي خلل في الفكر السياسي يعني خللاً في الفكر القومي، وشتان بينهما.

6ـ السقوط في الفساد:

كشفت مسيرة الفكر القومي أن عدداً غير قليل من أقطاب التيارات القومية قد سقطوا في الفساد، إذا لم ينحرفوا إلى تيارات فكرية جديدة، فتمزقت الرؤى الواحدة، ومن ثم فقد الفكر القومي جدّيته وصدقه...

فهناك نزيف مستمر للفكر القومي نتيجة أقنية الفساد التي اتسعت على صعد كثيرة في التعليم والثقافة والإعلام والسياسة والتربية و...

وهناك فلتان خلقي واجتماعي واقتصادي نتيجة الانفتاح على الآخر وثقافته والتزود منه كيفما اتفق دون وضع معايير علمية وموضوعية، ودون اعتماد عوامل كبح منهجية للمثاقفة. فقد غدا الانفلات مشروعاً، وصارت الرشوة، والسمسرة، والسرقة، وبيع الشهوات، وشراء الجاه و... أمراً مسوغاً بل مشروعاً بحجة التمدن والانفتاح على الآخر اجتماعياً وسياسياً وثقافياً واقتصادياً وتقنياً وإعلامياً وعسكرياً، إنه انفلات لم ينتج إلا انكساراً للفكر القومي.

وقد اثبت ذلك كله أن تجربة الانفتاح على المرجعيات الفكرية والسياسية الوافدة وعلى المدنية الغربية كانت تجربة خاطئة سياسياً وفكرياً، ما أدى إلى انتكاسة المشروع القومي العربي النهضوي، وإلى ازدياد التبعية للغرب، و... وهي تشي ـ أيضاً ـ  بأن المفهوم الحضاري للفكر القومي تعرض لأزمة حقيقية في حضوره النفسي والاجتماعي والثقافي والسياسي نتيجة التجربة الخاطئة في الانفتاح على الثقافات الوافدة، بعكس ما كان عليه الشأن إبان العصر العباسي أو عصر النهضة... لأن الرجال الذين حملوه ـ آنذاك ـ كانوا مدركين للأبعاد الكبرى التي تحيط به.

وينتهي بنا المطاف في الحديث عن الفكر القومي العربي والواقع إلى نتائج مهمة، فضلاً عما انتهينا إليه من قبل. فهناك عملية تشويه كبرى تلحق بالمفهوم الحضاري للفكر القومي بنية وماهية ووظيفة وحضوراً سياسياً واجتماعياً وثقافياً وعاطفياً، واقتصادياً و... فإذا كان التيار القومي ضعف وتراجع بسبب ما ذكرناه فإن هناك هجوماً مدروساً ومنظماً للقضاء عليه نهائياً من قبل الآخر الصهيوني والغربي، وبخاصة الأمريكي. فقد استغل كل منهما ضعف الإنسان العربي في النتاج المدني والتقني والإعلامي والعسكري و... فأمعن في الهيمنة عليه وسرقة ثرواته الباطنية واستنزافها على اعتبار أن العربي عاجز عن الإفادة منها لجهله ـ كما يزعم الآخر المعادي ـ من جهة، ولعدم وجود الإمكانات لديه من جهة أخرى، مما يعني أنه لن ينتفع بها، ولن تنتفع منها البشرية بغير السيطرة عليه. ومن هنا برزت الرؤية الفوقية العنصرية للآخر الغربي، ولا سيما الأمريكي، ولم تر العربي إلا تابعاً جاهلاً لا يحسن الإفادة من الخيرات والموارد التي وهبها الله إياه في أرضه، وأسكنه فيها، فضلاً عن المزيات الأخرى لهذه الأرض؛ فهي تقع في قلب العالم؛ ماجعلها واسطة العقد بين قاراته... ولو فكر هذا العربي أن يتصدى للآخر المعادي، أو يمنعه من احتلال أرضه واستغلال ثرواتها لوصفه بأنه إرهابي ولابد من قتله.

وهذا ما سنتحدث عنه إذ نبين موقف الآخر الأمريكي من الفكر القومي، ومن ثم نعرض للأمر نفسه مع الآخر الصهيوني... فالآخر الصهيوني أشد عنصرية وصلفاً وتوحشاً في رؤيته للعربي، وهو عنده ليس أكثر من مخلوق ينتمي إلى الأغيار الذين وجدوا لخدمة الكيان الصهيوني([32])..

3ـ الفكر القومي العربي والآخر الأمريكي:

لعل الفكر القومي العربي يرقص على وجع الآلام والأزمات المتتالية التي تعرض لها في واقعه، ففقد الجسم قدرته على مقاومة الوهم والانحراف، والتعاسة والعجز، والتبعية والإلغاء لحساب الآخر، علماً أن هذا الآخر قد استغل مفاهيم الصراع لحسابه ولحساب فلسفته... وعليه فإن مظاهر الأنين والتأوه والتبرم تلفُّ العربي أينما كان، وكأنه غدا إنساناً بدائياً، ولا فرق بينه وبين الإنسان البدائي إلا أن الأخير يلجأ إلى المغاور والكهوف ليتقي الشر الذي يتوقعه من الآخر المتوحش سواء كان إنساناً متوحشاً أم وحشاً حقيقياً مفترساً... على حين أن العربي أخذ يلجأ إلى مغاور نفسه إذ خشي مواجهة من يقوم بقتله. وسلبه، وتحطيم ثقافته، وفكره...

فأينما نظرت وقعت على إحباط وقلق وتردد واضطراب في الموقف والرأي، وإسناد التهمة إلى ذلك الآخر المتوحش أو إلى الزمان. فالعرب تعودوا أن ينسوا ما تعمله أيديهم، ويتهمون غيرهم بأنه سبب تخلفهم وفقرهم وتشتتهم؛ بل طفقوا يلقون ما هم فيه على الزمان الذي يجعلونه وراء التخلف والذل النفسي والعجز عن تشخيص الواقع تشخيصاً دقيقاً من جهة، ثم إنهم لا يريدون أن ينقدوا ذاتهم، ولا يرغبون في توجيه التهمة المباشرة إلى الآخر الذي يتمتع بكل خصائص القدرة والقوة والتأثير من جهة أخرى، لا يريدون أن يقولوا له: أنت السبب الأهم في كل المصائب والمآسي التي تحل بالأمة، ما يجعلهم يتهمون الزمان بأنه زمان رديء... ولكننا نقول لهم ما قاله الشاعر العربي:

نشكو الزمان وما به من علة

 

ولو استطاع تكلماً لشكانا

نعيب زماننا والعيب فينا

 

وما لزماننا عيب سوانا

فالعرب ـ كما يبدو لي ـ لم يجدوا أضعف من الزمان حتى يتهموه ويكيلوا له كل أصناف الشتم، ثم طفقوا يتبرمون منه ويعيبون عليه ما آلت إليه حالهم المزرية...

ومن ثم نرى أن قاموس مفرداتنا اليومية على امتداد ساحة الجماهير العربية تتركز حول سمة الانحدار وضعف القدرة على الإنتاج والتأثير والفعل... فهناك تذمر في كل مستوى من مستويات الحياة والناس؛ تذمر وصل إلى أصحاب القرار أنفسهم، فالفقر في الإنتاج والعجز عن أخذ القرار السليم والموضوعي خالط كل شأن من شؤوننا، حتى بات صفة موضوعية أو شبه موضوعية للمرحلة التي حُسبنا عليها... ولكي تستريح النفس العربية شرعت تلقي اللوم على الآخر الغربي عامة والأمريكي خاصة، بيد أن الحقيقة تؤكد أننا حينما هُنَّا على أنفسنا فقد هُنّا عند الآخر الأمريكي والغربي والصهيوني... ومن هنا تنبثق الأسئلة الموضوعية؛ لتقف أمامنا طالبة أجوبة لها: لماذا تصرّف الغرب الأوربي معنا في النصف الأول من القرن العشرين وفق ذلك المنهج الاستعماري؟ ولماذا تتصرف معنا ـ اليوم ـ أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا بكل هذه التصرفات المذلة؛ والمشينة لكل إنسان عربي؟!.

هل كانت أمريكا ـ يوماً ـ معنية بنشر الديمقراطية في بلادها وهي التي أبادت ما يزيد على (120) مليوناً من الهنود الحمر؛ وتناقص عددهم منذ استقلالها سنة (1776م) من (600) ألف إلى (200) ألف، وما تزال فلسفة كثير من البيض تقوم على نزعة عنصرية نحو الزنجي الأمريكي حتى اليوم؟!!

وهل هي ـ حقاً ـ مع الديمقراطية وحرية التعبير في الوطن العربي؟ وهل أشفقت حقاً على شعب العراق وحقوق الإنسان في (الدجيل) حين أقدم صدام حسين على قتل (150) شخصاً([33])؟!. ـ نحن لا نريد أن نتحدث عن تقرير الإدارة الأمريكية السنوي حول إدانة الدول لاختراقها مبادئ إعلان حقوق الإنسان([34])، فالتقرير نفسه ـ وإن ساير الموقف الأمريكي على الدوام ـ يكشف الآراء العبثية التي يقدمها معدوه، ويعبر عن الآراء الكيدية بحق عدد من الدول، إذ نصّبت أمريكا نفسها قيمّة على الحريات والحقوق في العالم، على حين لم تلتزم إدارة بوش بحقوق السجناء في السجون التي أحدثتها في أوربا والعراق وغوانتانامو... ثم منعت الأمم المتحدة من أن تُصدر أي قرار يدين جرائم جنودها، فهم خارج القانون الدولي الباحث عن حقوق الإنسان، وكذلك هي تمنع أي قرار أممي يدين جرائم الكيان الصهيوني ومجازره البشعة في فلسطين أو لبنان. ولسنا نذيع أمراً مجهولاً حين نقول: لقد وصل عدد القتلى من الجنود الأمريكان منذ احتلالهم العراق في (20/ 3/ 2003م) حتى مساء 23/ 3/ 2008م إلى (4000) جندي، فضلاً عن نحو خمسين ألف جريح؛ على حين يموت تحت مرأى جيش الاحتلال في عام واحد من العراقيين في شوارع بغداد ما يزيد على ذلك العدد حتى صار عدد القتلى ينوف /500/ ألف قتيل؛ علماً أن جورج بوش قتل مليون طفل عراقي في الحصار الذي ضربه على العراق قبل الاحتلال، فالموت أو القتل أصبح مشهداً عادياً يراه المرء على قارعة الطريق في أنحاء العراق. إن العراق يتوضأ بالدم مثلما تتوضأ فلسطين المحتلة بالدم والجراحات النازفة... فهل هذا كله يمثل حقوق الإنسان؟ إن القارئ الموضوعي والحيادي لخارطة الأحداث في المنطقة يدرك جيداً أن هناك عجزاً عربياً في الفكر والفعل اليومي؛ منذ أواسط سبعينيات القرن العشرين، على اعتبار أن الفكر القومي شرع يتراجع في بناء المشروع القومي لأسباب داخلية وخارجية...

وكانت الأسباب الخارجية الأبرز والأكثر تأثيراً في ذلك التراجع، وبخاصة حين ارتبطت دورة الإنتاج الفكري والتقني والإعلامي والثقافي والاقتصادي للدولة القطرية بالآخر الغربي والأمريكي. فالآخر كان ينظر إلى مصالحه الخاصة؛ من دون أن يستند إلى ثوابت حقيقية دائمة، أو إلى مبادئ خلقية يتعامل فيها مع الدول الأخرى ولا سيما الدول العربية. فسياسة الآخر الغربي والأمريكي تتحرك وتتغير تبعاً لتغير المصالح الدولية، وتبعاً للمواقف التي تؤدي إلى مصالحه الذاتية، وهي المصالح التي وجدت في المشروع النهضوي العربي عدواً مباشراً لها...

وإذا كان الفكر العربي قد عجز عن مواكبة التطور السريع في مواجهته للآخر الغربي لضعف المحصلة الفكرية والسياسية والتقنية والإعلامية والعسكرية، ولضعف ملكات عدد من السياسيين والمفكرين العرب في تسخير الموارد البشرية والاقتصادية لصالح المشروع القومي؛ ما أدى إلى ضعف الوعي بالفكر القومي نفسه... نقول إذا كان ذلك كذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية ـ على اختلاف إداراتها ـ نجحت في تحويل كثير من الأفكار التي أسست المشروع القوي العربي لمصلحتها... ولعلها كانت وراء الإيحاء بتشكيل تجمعات إقليمية عربية، ما دامت تصبُّ في نهاية المطاف في خدمة مصالحها، وإلا وقفت ضدها كما هو حالها من الوحدة السورية ـ المصرية... فالوحدة السورية المصرية جاءت في سياق زمني مغاير لما كانت أمريكا تمرُّ به من تحول نحو هيمنتها على العالم... وحينما أدركت أمريكا خطر قيام الجمهورية العربية المتحدة على مخططاتها عملت مع الكيان الصهيوني وعملائها على إجهاضها... أما موقفها ـ سابقاً ـ من العدوان الثلاثي على مصر سنة (1956م) فقد أرادت أن تأخذ زمام المبادرة في قيادة المنطقة، فتركت العدوان يمضي إلى التنفيذ ثم تدخلت فأوقفته، وما زال تأثيرها قوياً في المنطقة حتى اليوم... وهي التي تطرح المشاريع العديدة لإنهاء كل ما يتعلق بالمشروع العربي القومي؛ مثل مشروع الشرق الأوسط الجديد، والكبير، وكانت من قبل قد شجعت شاه إيران (رضا بهلوي) والقادة الأتراك على الدخول في أحلاف تضم عدداً من الدول العربية لإسقاط أي حلم للجماهير العربية بالوحدة...

وإذا كان الفكر القومي قد شهد مدّاً متعاظماً مع كل حدث قومي مثير كحرب (تشرين الأول/ أكتوبر 1973م) وانتصار المقاومة الوطنية اللبنانية في (25/5/2000) و(تموز 2006م) فإنه اليوم يشهد إجهاضاً قاتلاً نتيجة التدخل الأمريكي المباشر، وبخاصة نتيجة مشروعه المتمثل بالعولمة؛ إذ صارت العولمة تعني الأمركة([35])، وهو ما أصرّ عليه كثير من مفكريها وسياسييها الذين أسسوا لها، كما أكده بريجنسكي في قوله: «يمارس النفوذ العالمي الأمريكي من خلال نظام عالمي مصمم أمريكياً وفق التجربة الأمريكية»([36])، وكما صرح به الرئيس الأمريكي نيكسون إبان حرب فيتنام: «إن الله مع أمريكا، إن الله يريد أن تقود أمريكا العالم»([37]).

فالعولمة لا تعني العالمية التي عرفتها الأديان، وإنما تختص بالكوننة الشاملة التي بدأت من النمو الحقيقي للشركات الكبرى الاقتصادية ثم امتدت إلى الحياة كلها نظاماً وفكراً وسياسة و...([38]).

وهذا كله يؤكد ما انتهى إليه عالم الاجتماع المصري (سيد ياسين) حين قال: «إن العولمة ما هي إلا وصول نمط الإنتاج الرأسمالي عند منتصف القرن الفائت إلى نقطة الانتقال، أي إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج نفسه»([39])، فهو نظام اختراق للدول والشعوب في كل اتجاه لتكون في خدمته...

فالمشروع الأمريكي الذي اتكأ على الفكر الأوربي والقوة الذكية لمجموعات عالمية شتى ولاسيما المعلوماتية والفضائيات التي دخلها نحو (65%) من العقول الهندية المتميزة قد استغل الموارد البشرية التي اتجهت إلى الولايات المتحدة وسخرها لمصالحه، وجعلها أدوات طيّعة في إعلامه ومصانعه وجيشه، ولاسيما أنه مشروع عولمي يعزز الفرد على حساب الجماعة، والاستهلاك على حساب الإبداع في أي دولة يحتلها، لأنها تمثل له سوقاً جديدة... ويشجع الفلتان على حساب القواعد الخلقية وعلى حساب القانون بما فيه القانون الدولي الذي يخترقه جنود أمريكا في غير ما مكان من العالم...

لقد قدَّم مشروع العولمة فلسفته بين يديه، فهو في الداخل الأمريكي يعزز قيمة الإنسان الأمريكي، وفي الخارج يحطم كرامة الإنسان ويجعل الآخر سلعة في سوق البيع والشراء([40]).

لهذا كلّه امتلك المشروع الأمريكي أكبر قدرة بشرية إنتاجية، وعالية الجودة حين سخَّر الوعي الإنساني لصالحه، فماذا فعل أصحاب المشروع القومي، وماذا فعلوا بالإنسان العربي وتنمية الوعي لديه؟

ثم إن المشروع الأمريكي خطط للدورة الاقتصادية العالمية وجعل مشاريعه وخططه تستنزف الموارد الاقتصادية في العالم، وكنا نحن عجلة في طاحونته، ما فرض علينا أن نقدم له المواد الخام الرخيصة لصناعته وتقنياته ثم نستهلكها مصنعة بأغلى الأثمان... في وقتٍ لا يزال يحتفظ بموارده مخبّأة في أرضه، معززاً فكرة عدم قدرة الشعوب على استغلال مواردها الاقتصادية.

لهذا كلّه غدا مفهوم العولمة مساوياً لمفهوم الأمركة، وإن بدا لضعيفي النظر أنه غير ذلك، أو أنه متناقض بين التوحيد والتفتيت... فالعولمة تعزز توحيد القرية الكونية لتضعها تحت قيادتها، وتوجهها من واشنطن وفق مصالحها المتعاظمة، وبهذا يتضح لنا لماذا تقدم المساعدات السخية للنظم السياسية التي تعاونها أو تسير في ركابها...

أما التفتيت فهو كامن في القضاء على الشعوب التي تعاند المشروع العولمي، ولا تستجيب لمتطلباته... ولعل هذا وراء ما يوجه إلى الفكر القومي العربي من نقد شديد لأنه رفض الانصياع للمشروع الأمريكي...

فإذا كان المشروع الأمريكي ـ ومثله المشروع الصهيوني ـ قد تكوّن من دون أن يملك المقومات الأصلية والمجمّعة لإيجاد فكر واحد، ودولة واحدة بعكس ما هو عليه المشروع العربي القومي الذي يملك كل مقومات التجميع.... نقول: إذا كان ذلك كذلك فقد نجح المشروعان الأمريكي والصهيوني على حين أخفق المشروع القومي العربي، لأن قادتهما اعتمدوا برنامج البحث العلمي والموضوعي المدروس مسبقاً في مراكز أبحاث قام عليها خبراء ومفكرون وباحثون ومثقفون وكتّاب ومهندسون و... ثم توحد القرار السياسي على ذلك.... وهي المراكز التي خططت لابتلاع موارد الوطن العربي وضرب الفكر العربي، وقتل المشروع القومي. ولا شيء أدل على هذا من التساؤل: ما الذي قدمتهُ الإدارات الأمريكية المتعاقبة للمشروع القومي العربي في فلسطين والعراق ولبنان والسودان؟ وما الذي ستقدمه له في الصومال وسورية والسعودية ومصر وغير ذلك من دول الوطن العربي؟... ثم ما الذي تريد أن تبقيه من هذا المشروع بل من الفكر العربي القومي نفسه، بوصفه أساس المشروع القومي النهضوي؟...

وفضلاً عن ذلك فإن كل من يرغب في الإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي أن يتذكر أن الشر الأكبر يكمن في أنفسنا وفي عجز فكرنا عن الإنتاج والتأثير. وتخلفنا لم يعد سراً في هذا الاتجاه، ومفاهيمنا المتبلبلة والمبعثرة غدت عنوان شخصيتنا... ولاسيما أن المصلحة القطرية لكل بلد عربي صارت أولى من المصلحة القومية؛ بل إن مصلحة النظام في كل قطر فوق مصلحة الشعب، علماً أن قوة الفكر العربي القومي الموحّد والفاعل تنبثق من قوة الشعب وفاعليته... ولعل ما آلت إليه التسويات السياسية والفكرية الكثيرة التي جرت هنا وهناك قد أكدت غياب المشروع القومي الواحد، على اعتبار غياب الفكر القومي الموحّد أمام مواجهة الفكر الغربي وفاعلية مشروع الهيمنة الأمريكية في بث الشك في المشروع القومي ثم إضعافه ثم إلحاق الهزيمة به وبالفكر الذي يستند إليه...

لذلك كله فهناك خارطة طريق لحل القضية الفلسطينية ليس فيها للاجئين حق في العودة، ولن تكون القدس موحدة في ظل دولة فلسطينية، ولن تكون إدارة رأس السلطة الفلسطينية حرة لأنها تحت الوصاية، إذ عليها الاعتراف بكيان صهيوني له اليد الطولى في القرار الفلسطيني...

وفي لبنان انبعثت رائحة الفوضى الخلاّقة البشعة التي كادت تجر الشعب اللبناني إلى فتنة طائفية ومذهبية، وصراع ثم تقسيم...

وفي العراق جرى ويجري شلال من الدماء المزنّرة بالفتنة الطائفية والمذهبية والعرقية، ودستور إِثْني/ عرقي قضى بتقسيم العراق إلى حكومات كونفدرالية تبعاً للأقاليم (الجنوب للشيعة، والأنبار للسنة، والشمال للأكراد، والوسط بما فيه بغداد يكون محايداً للجميع). فديمقراطية الأم الغُولة (أمريكا) تلجأ إلى صناديق الاقتراع المحروسة بأفواه البنادق والصواريخ والدبابات والطائرات الأمريكية... ولكن هذه الديمقراطية لم تنتج إلا سماءً من القنابل والنيران، وأنهاراً من الدماء، ولاسيما حين أصبح الولاء الأصغر للمذهب أقوى من الولاء للطائفة، والولاء للطائفة أو العرق أقوى من الولاء للوطن، علماً أن كل ولاء صار أقوى من الولاء للأمة الجامعة. وكذلك على السودان أن يستجيب للمصالح الأمريكية ـ الصهيونية، وإلا فإن مشكلة إقليم (دارفور) لن تحلَّ، وهو مهدد بفصل هذا الإقليم وأقاليم أخرى...

وهناك مشاريع أمريكية تقسيمية معدّة لبقية الأقطار العربية،  على اعتبار أن المصلحة الأمريكية فوق مصالح الشعوب...

إذاً، المشروع القومي العربي النهضوي بدأ ينكسر ثم هو مهدد بالزوال إذا لم يستطع الفكر العربي أن يقف في وجه المشروع الأمريكي (مشروع الشرق الأوسط الجديد) الذي يهدف إلى تجزئة المجزَّأ، وتفتيت الدولة القطرية الواحدة إلى دويلات؛ ولاسيما أن أمريكا قد نجحت في تعميق الفتنة والفرقة بين أبناء القطر الواحد... فتمزَّق شيعاً وأعراقاً... وكادت الهوية الجامعة الممثلة بالعروبة والإسلام تموت أو تتلاشى...

وهذا كلُّه يؤكد أن الآخر الأمريكي لا يزال يوجه الطعنة تلو الأخرى للفكر القومي العربي، علماً أن هذا الفكر لم يتعامل مع التحديات الناشئة بالشكل المطلوب والفاعل؛ وإن صمد حتى الآن في بعض المواقع المهمة...

ولعل هذا الشأن هو الذي يجعلنا نتوقف عند الفكر القومي العربي والآخر الصهيوني.

4 ـ الفكر القومي العربي والآخر الصهيوني:

نشأ كل كيان قطري متأثراً بما زرعه الاستعمار الغربي في إطار معاهدة (سايكس بيكو) ثم في إطار حركة الاستقلال التي كانت متماهية في إطار الدولة الوطنية... وقد كانت كل دولة تسعى إلى النهوض معتمدة على نفسها لتحقيق التحرر الاجتماعي والاقتصادي والثقافي و...

وقد تبيّن لنا من تحليل واقع الجماهير العربية المنتمية إلى دولها الوطنية أنها لم تتخلّ عن فكرة الهوية الجامعة القومية التي تأسست على أساس العروبة... وهو الأساس الذي نسفه الغرب الأوربي في معاهدة سايكس بيكو، ثم في توزيع الوطن العربي على دوله، وفي زراعة داء سرطاني فيه تمثل باستقدام الشراذم الصهيونية إلى قلب الوطن العربي. ومن ثم دعم إقامة دولة لهم في فلسطين المحتلة واعترف بها في (16/5/1948م) إثر النكبة المشهورة في العام نفسه. وهي النكبة التي ارتكب فيها الصهاينة كثيراً من المجازر بحق العرب في فلسطين المحتلة، وطالما كان يرتكب هذه المجازر من قبل تحت مسمع الانتداب البريطاني وسمعه... إنه الانتداب الذي اعترف من قبل بحق عودة الصهاينة إلى فلسطين المحتلة بوعد مشؤوم باسم وعد بلفور (2/11/1917م)([41]).

فمفهوم العروبة، ومن ثم الوحدة العربية قد شكَّل قلقاً عظيماً للغرب الأوربي، مما جعله يمزّق الأقاليم الموحدة تاريخياً إلى أجزاء؛ فبلاد الشام صارت أربع دول (لبنان وسورية وفلسطين والأردن) وبلاد النيل قسمت إلى السودان ومصر، أما جزيرة العرب فصارت أصقاعاً شتى (اليمن ـ عمان ـ الإمارات العربية المتحدة ـ السعودية ـ قطر ـ الكويت) وكذا فُعل بالمغرب العربي (ليبيا ـ تونس ـ الجزائر ـ المغرب ـ موريتانيا ـ الصحراء العربية).

فما إن حقق العرب انتصارهم التحرري الوطني وحازوا استقلالهم في حركة نضالية جماهيرية حتى وجدوا أنفسهم في دول مبعثرة، ثم وجدوا في وسطهم كياناً هجيناً اعترف به دولياً، وحمته أوروبا، وهاهي ذي أمريكا تحرسه بعناية شديدة... وكل منهما يُمدّه بكل أساليب البقاء والاعتداء على العرب...فقد زرع الكيان الصهيوني في جسد الوطن العربي وقلبه ليظل رأس حربة للمشروع الأوربي الأمريكي في تمزيق الوطن العربي، ووسيلة للتدخل في شؤونها، ولإعاقة تقدمها الاجتماعي والاقتصادي، علماً أن الغرب الأوروبي نفسه قد تخلّص من المشكلة اليهودية بنقلها من أوروبا إلى الوطن العربي... إذ قام الكيان الصهيوني بدعم غربي أوروبي، وإشراف بريطاني مباشر والمشاركة معه في القتل والتدمير والتهجير لشعب عربي فلسطيني ليس له ذنب إلا أنه يملك أرضاً يزعم الصهاينة اليهود أنها أرض الميعاد، ولا بدّ لهم من العودة إليها وفق مزاعم التوراة والتّلمود، وتنفيذاً لأجندة أوروبية ثم أمريكية مستمرة تؤكد مفهوم الهيمنة على المنطقة؛ وتعمل على زرع الفتنة القاتلة بين أبناء الهوية الواحدة.

ولاشك في أن الوحدة بين مصر وسورية في (22/2/1958م) كانت رداً على الآخر الغربي الأمريكي ـ الأوروبي، ولاسيما أن هذه الوحدة جاءت بعد انتصار الشعب العربي في مصر بتأميم قناة السويس سنة (1956م) ونجاحه في التصدي للعدوان الثلاثي على مصر. ولعل ذلك كله قد شكّل للقوى الإمبريالية الأمريكية التي أخذت تحل محل الاستعمار الأوربي اختراقاً عربياً أخلَّ بالمعادلة الدولية. لهذا تربّص لها ذلك الآخر الأمريكي الغربي مستفيداً من التسرّع في إقامتها، ومن الأخطاء التي ارتكبتها قيادة الجمهورية العربية المتحدة برئاسة الزعيم جمال عبد الناصر، ما آل مصيرها إلى الانفصال الأسود في (28/9/1961م)...

ومهما كان الرد الشعبي غاضباً، ومدوياً على الانفصال بين سورية ومصر، أو بين مصر والسودان من قبل... فإن التجزئة قد فرضت ووئدت التجربة الوحدوية في مهدها الأول بحجة أنها لم تولد ولادة طبيعية هادئة وموضوعية؛ إذ لم تتوافر شروطها... ولو افترضنا ـ جدلاً ـ صحة ذلك فإن حقيقة الإجهاز على الوحدة كان وراءه الحرص على عدم بقاء دولة قوية موحدة تحيط بالكيان الصهيوني؛ وتحمل فكراً قومياً يؤسس في المستقبل للمشروع القومي العربي...

لهذا أجهضت الولايات المتحدة الأمريكية والغرب والعملاء استمرار الوحدة خدمة للكيان الصهيوني؛ وضرباً للمشروع القومي وهو الهدف الذي ضُرب من أجله مشروع محمد علي باشا حين وحَّد الشام وبلاد النيل...

إذاً هناك هدف دائم ومستمر للمشروع الأوربي الأمريكي المهيمن يتركز في إجهاض الفكر القومي بين أبناء العروبة من جهة وخدمة للدولة الصهيونية من جهة أخرى... فقد أُريد للانفصال أن يضيّع كل أمل للعرب بالوحدة، وجعلها أمنية، وربما ترفاً لهم، بدل أن تكون ضرورة وجود لنهضة عربية شاملة؛ وإن نشأ بعض التجارب الوحدوية بعد ذلك كاتحاد دول الإمارات العربية المتحدة، واتحاد اليمن...

ولعل إجهاض تجربة الوحدة المصرية السورية كان يهدف ـ وما يزال ـ إلى خدمة الصهاينة قبل أي شيء آخر، لأن الوحدة بينهما قد طوّقت الكيان الصهيوني؛ على حين أن أي وحدة أخرى بين أصقاع عربية بعيدة تكون أقل خطراً وإن كانت الأطماع الغربية الاستعمارية لا تزال تسعى إلى السيطرة على مقدرات المنطقة، وإبقائها مجزّأة ضعيفة متخلفة.

فالوحدة العربية ـ أياً كانت طبيعتها ووظيفتها ـ تشكّل بعبعاً للإدارة الأمريكية عامة وللكيان الصهيوني خاصة، وخطراً على أطماعهما؛ ما جعل الرئيس الأمريكي (آيزنهاور) يطبق نظريته المسماة (ملء الفراغ) على العالم؛ ثم ثبتتها الإدارات المتتابعة، وطبقتها على العرب بغية مقاومة الوحدة العربية... وقد أكّد هذا التصور تحرك الأسطول السادس الأمريكي لمنع مصر من التحرك لإنقاذ الوحدة عام (1961م) من براثن الانفصال الهزيل الذي رفضه الشعب العربي في سورية، ثم إن الكيان الصهيوني استنفر جيشه آنذاك لأنه رأى في التحرك الأمريكي دعماً له في تقويض أي تقارب بين العرب على قاعدة الفكر العربي، فضلاً عن تقويض  أي تقارب جدي وحقيقي ـ بين العرب ـ وأوروبا وروسيا والصين يمكن أن يفيد المشروع القومي العربي، ويضرّ بالمشروع الصهيوني، ثم المشروع الأمريكي ولاسيما أنه آل إلى توحد في الاستراتيجية والهدف بين الإدارة الأمريكية والدولة الصهيونية في إطار (مشروع الشرق الأوسط الجديد).

ولعل هذا يعيدنا إلى بداية تحقق المشروع الصهيوني في إقامة دولته على أرض فلسطين المحتلة، فهو مشروع يقف في وجه المشروع القومي العربي ويمنعه من التحقيق...

وعليه فإن من أهداف المشروع الصهيوني إعاقة النهوض العربي، وإبقاء أي مشروع نهضوي محكوماً بدفع الأذى والضرر الذي سببه وجود الكيان الصهيوني؛ ما جعل العرب يخصصون مبالغ طائلة لشراء أسلحة تصنع في الغرب ولا سيما أمريكا، فتفيد خزانتها، على حين تبقى المشاريع الاجتماعية والاقتصادية، والديمقراطية والثقافية العربية التنموية متخلفة أو عاجزة أو قاصرة... هكذا أصبحت القضية الفلسطينية قضية العرب الأولى وكل شيء مسخّر لخدمة المعركة... وعلى الرغم من أن هذا الأمر قد وَحَّد الهم العربي لكن القضية التي استعصت على الحل بفعل الأطماع الأمريكية والغربية المتعددة أدت إلى استمرار التشتت العربي والبُعد عن التفكير بوضع استراتيجية شاملة لتحقيق الوعي بالفكر القومي العربي، ومحاولة تطبيقه، إذ صار من المحظَّر على العرب أن يفكروا بتنمية شاملة وموحدة قومياً وهم على صراع مستمر مع الكيان الصهيوني، وإن كانت قضية الوحدة مؤكدة في النفس العربية، بوصفها تملك كل مقومات التاريخ والواقع لتنفيذها.

ثم إن واضعي استراتيجية الهيمنة في أمريكا والغرب يرون في انتشار الأمية والتخلّف في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وسيلة مثلى لضرب الفكر القومي العربي، ووسيلة ناجعة في عدم تشكيل وعي حقيقي فاعل بهذا الفكر في الشارع العربي الذي يبحث عن لقمة العيش... إذ صار يلهث وراءها على مدة النهار والليل... فطلب الحياة والعيش بأقل المؤونة صار هدفاً للناس... وما دام قد صار هدفاً لهم فإنهم لن يفكروا في أي شيء آخر...

ولهذا كلّه نقول: لا يزال المشروع الصهيوني خاصة والأمريكي عامة يقف عائقاً في وجه المشروع القومي، بل إنه يعمل على  إضعافه، لأن ضعفه يؤدي بالضرورة إلى إضعاف الفكر القومي العربي والوعي به، ولاسيما حين وقع في انتكاسات تاريخية عدة ابتداءً بنكسة (1967م) ومروراً باتفاقيات ومؤتمرات مثل كامب ديفيد (1978م) ومؤتمر مدريد للسلام (1991م) وأوسلو (1993م) ووادي عربة (1993م) وعدد من مؤتمرات القمة العربية ولاسيما مؤتمر بيروت (2002م) الذي أقرّ مبادرة عربية للسلام مع الكيان الصهيوني بالإجماع... حتى غدا الحوار الصهيوني العربي أمراً طبيعياً، على حين يعدُّ الحوار العربي ـ العربي على كثرة الدعوات إلى الحوار بينهما. أمراً مستحيلاً... بل إن الحوار بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية غدا أكثر قبولاً ومشروعية من الحوار بين السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس وبين منظمة (حماس)... ولعل ما يجري في العراق من اقتتال دام بين مكوناته صار عيشاً يومياً، وقد تحوَّل الاقتتال من قتال سني شيعي إلى اقتتال شيعي ـ شيعي في البصرة منذ (22/3/2008م) حتى (28/3/2008م) وقد شاركت فيه الطائرات الأمريكية بضرب جماعات الصدر في البصرة.

فالسعي إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني، والقبول به صار جزءاً لا يتجزَّأ من نسيج فكر بعض الأنظمة العربية وفق (مشروع الشرق الأوسط الجديد) بل ربما أضحى إنجازاً سياسياً عظيماً لهذا المسؤول أو ذاك، على حين أن إعادة الحوار التوافقي بين الدول العربية غدا من المحرمات عليها. فالمسافة بين الكيان الصهيوني وأي دولة عربية لا ترى بأساً في تنفيذ (مشروع الشرق الأوسط الجديد) أقرب من المسافة بين دمشق والقاهرة أو بيروت. ومن ثم تصدعت قاطرة النظام العربي التي تمثلت في المثلث السوري المصري السعودي، بعد أن انتشل هذا المثلث الموقف العربي من مآزقه منذ سبعينيات القرن العشرين حتى نهاية القرن العشرين...

فالصراع العربي الصهيوني لا يزال يعبر عن نفسه؛ وكأن الكيان الصهيوني ما وجد إلا ليكون عائقاً أمام معرفة الذات القومية صعوداً وارتقاءً، ما جعله يستمر بإثارة الفتنة والانقسامات بين الأقطار العربية، والتدخل في شؤونها وملاحقة المناضلين القوميين واغتيالهم، أو زجهم في السجن.

إذاً نجح الغرب والكيان الصهيوني بتشكيل وعي رفيع بمشروعهما المهيمن على المنطقة وفق المصالح الخاصة بهما، وأخفق المشروع القومي العربي النهضوي بذلك وكذلك نجح المشروع الغربي المهيمن في إدارة حركة الصراع في المنطقة ولاسيما حين استفاد من الأنظمة الرسمية التي ربطها بعجلة سياسته واقتصاده... وصار أداة قتل لأي وعي بالمشروع القومي ليجعل وحدة الأمة العربية بعيدة المنال... فكان يعمل على الإفادة من الدولة القطرية، ويحاول منع اتباع سياسة تكاملية بين أي دولة وأخرى إلا إذا كان هذا التكامل يسير في ركاب المصلحة الأمريكية عامة والصهيونية خاصة.

ونرى أن مشروع الآخر الأمريكي ـ الصهيوني يستغل أي فتنة، أو يرتكبها هو وعملاؤه لزيادة الكراهية بين أبناء الوطن العربي كما حدث في مقتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وكما يحصل بين الفلسطينيين والعراقيين والسودانيين، ما يعني أنه يستمر في قتل الفكر القومي بأشكال شتى. ومن ثم فإن المشروع الصهيوني قد برع في التحالف مع الأقوياء والمنتصرين منذ معاهدة سايكس بيكو، واستدر عطف الغرب نتيجة المجازر النازية التي سخرها لمشروعه الصهيوني، وجعل محرقة الهولوكوست وسيلة مثلى لتجميع اليهود من أصقاع العالم في فلسطين المحتلة مستغلاً بنية الفكر الإنساني الذي يكره الظلم والقهر والقتل... حتى صارت محرقة الهولوكست عقدة أوروبية وأمريكية لابد من التكفير عنها بالاعتذار الصريح كما حدث من الفاتيكان حين زار البابا القدس المحتلة ووضع الوثيقة المشهورة في جدار (حائط المبكى) المزعوم، أو كما حدث في زيارة رئيسة وزراء ألمانيا(ميركل) أخيراً إلى الأرض المحتلة في (22/ 3/ 2008م) إذ اعتذرت عن دولتها القديمة (النازية) التي ارتكبت تلك المجزرة، وكأن الاعتذار حق للصهاينة وحدهم دون بقية البشر الذين ذبحوا في تلك المحرقة... وإذا  كان الأمريكان والصهاينة لم يعتذروا يوماً عن إبادة ملايين البشر عامة والعرب خاصة فإننا نتساءل: هل يأتي ذلك اليوم الذي يعتذرون فيه للعرب عن جرائمهم الوحشية؟!!.

ثم إن المشروع الصهيوني ما فتئ يجهد في تجميع الصهاينة حول فكر واحد يقضي بعودتهم جميعاً إلى فلسطين المحتلة، وهو فكر مؤسس على العقيدة الدينية المزروعة تحريفاً في التوراة والتي تقضي بتأسيس دولة يهودية في أرض يزعمون أنها أرض الميعاد... وفضلاً عن ذلك فقد شكل هذا الفكر تعاطفاً كبيراً معه؛ واستعمل سلاح معاداة السامية لمحاكمة أي مفكر يعادي السامية.

وكذلك تفوَّق الفكر الصهيوني في جعل السامية خاصة به، وهو براء منها... فالسامية تحتوي على مجموعات سكانية أقدم من المجموعات اليهودية التي كانت يوماً ما من نسيج المنطقة، أما الصهاينة فهم براء منها، وطارئون عليها...

ولعل القراءة الموضوعية العلمية والمتأنية للفكر الصهيوني تجعلنا نرى أنه قد نجح في تشكيل وعي خاص به يتجمع حوله ويجعل العالم كله يؤيده على حين أخفق العرب في تشكيل الوعي الخاص بالفكر العربي...

ولهذا كله فإن المشروع الصهيوني يضعنا وجهاً لوجه أمام أطماعه المتزايدة في السيطرة على الوطن العربي، ثم على العالم برمته، ليضعه في إطار تصوراته وفلسفته ما يجعله الخطر القادم على البشرية كلها... وإن كنا نرى أن المشروع الصهيوني ـ وكذلك الغربي ـ أخذ يتكسَّر لأسباب عدة، كالفساد والرشوة .... فهناك أشكال كثيرة لهذا الفساد تكمن في واقع المشروع الصهيوني والأمريكي مهما امتلك من أدوات القوة المادية... فالسرقة والرشوة والتدهور الخلقي والثقافي، والاختلاف الأيديولوجي والاجتماعي والسياسي يلاحق كلاً من رموز المشروعين وأدواتهما...

وبناء على ما تقدم نرى أن تجديد الفكر العربي والمصير ا لذي يجب أن يسير إليه ينبثق من مناجزة فكرية سياسية ثقافية اجتماعية ديمقراطية وموضوعية وعلمية على الصعيدين الوطني والقومي وعلى الصعيد الإنساني لإحداث وعي خاص بهذا الفكر وجعل الإنسان العربي يتسلح به لمواجهة الآخر المهيمن.

فالمستقبل يفتح مجالات عدة للفكر القومي العربي في ضوء ما يجري على الصعيد الوطني والقومي، وعلى الصعيد الدولي والصهيوني... ولكنه يتطلب من الحكومات والأنظمة الرسمية والمفكرين والمثقفين أن يتجاوزا ما هم عليه في واقعهم... وأن يضعوا تصورات خاصة لإنجازه، جاعلين العروبة بؤرة هذا الفكر في تكامله مع الحرية والتنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية؛ حتى لا يبقى مختزلاً بها، وحتى لا تبقى الوحدة مجالاً للتندُّر عند كثير من الأنظمة والناس المشككين فيها؛ باعتبارها ـ عندهم ـ حلماً لن يتحقق...

ولذلك نضع التصورات الآتية لتحقيق منظور جديد  للفكر العربي.

5 ـ تصورات تجديد الفكر القومي العربي:

لعل قراءتنا السابقة للفكر القومي العربي والآخر أفضت بنا إلى نتيجة مهمة؛ مفادها أن الفكر القومي لم يكن شعاراً يرفع في الساحات عند كثير من التيارات القومية والسياسية والثقافية.... ولاسيما حين وجد طريقه إلى التطبيق في نماذج وحدوية عدة... وقد أثبت صموده أمام الأزمات الكبرى التي تعرض لها من قبل أعدائه الشرسين في الداخل والخارج...

فالفكر القومي تجاوز محنته مع التيارات القومية المتناحرة؛ ولم يهزم أمام إخفاق المشاورات الكثيرة لتحقيق أنماط من الوحدة؛ كتلك التي حدثت إبان إعلان (اتحاد الجمهوريات العربية 1972) أو التي جرت بين مصر وسورية والعراق في (الميثاق القومي) في منتصف الستينيّات (1964م)...

فإذا تذكرنا أن الجماهير العربية ما زالت تتفاعل مع الفكر القومي بمشاعرها وعقولها وهو تفاعل يهز وجدان الشباب العربي مؤيدين ومعارضين فإننا نؤمن بأن الإنسان العربي قادر على اجتراح المعجزات، ولديه الملكات والمبادرات لصنع واقعه ومستقبله بحيوية وإرادة وقوة إذا وضعت بين يديه المعطيات اللازمة للإبداع والإنتاج... وفي طليعة هذه المعطيات أن يكون حراً مسؤولاً في صنع حياته، وسيداً كريماً في وطنه وفق مبدأ  المواطنة المستندة إلى القانون والكفاءة والديمقراطية المسؤولة... وهو قادر على تطوير فكره وإنتاجه إذا أتيح له الفرصة الكاملة للفعل والإنتاج، فالعربي مؤهّل عقلياً وعلمياً ووجدانياً واقتصادياً وتقنياً وإعلامياً للحديث عن الفكر القومي وتطويره نظرياً وتطبيقه عملياً...

ولعل الشواهد على ذلك كثيرة، كما أكدته ـ مثلاً ـ أحداث تأميم قناة السويس سنة (1956م). فقد راهن البريطانيون والفرنسيون وعدد من الأتباع والعملاء على أن الخبرات المصرية لن تستطيع إدارة القناة... فهي خبرات ضعيفة، وعلاقاتها بالشركات الدولية التي تستخدم القناة معدومة... ولكن المهندس (محمود يونس) ورفاقه أثبتوا أنهم كانوا على مستوى المسؤولية التي أُنيطت بهم؛ وكذّبوا أولئك المستعمرين والمشككين بقدرة العربي على مواجهة الأزمات... في الوقت الذي كانت القيادة الوطنية جادة وصادقة في تنفيذ ما أرادته، ولهذا شاركها الشارع العربي المسؤولية وخاض معها المعركة الفاصلة التي انتهت باندحار العدوان الثلاثي (البريطاني الفرنسي الصهيوني).

ثم إن نكسة حزيران (1967م) لم تدم، فسرعان ما بدأت سورية ومصر بإعادة تنظيم قواتهما المسلحة حتى وصلتا إلى حرب (تشرين الأول/ أكتوبر 1973م) وقد التف حولهما العرب، فقدموا أمثولة في التاريخ العسكري الحديث، من جهة المفاجأة، والقدرة، وإثبات وعي العربي للسلاح المعقد بين يديه وحسن استخدامه، فضلاً عن إبداعه في قيادة المعركة...، ومن جهة تطبيق العمل العربي المشترك في ساحة المعركة السياسية والعسكرية.

وكذا يقال في انتصار أيار (25/ 5/ 2000م) في لبنان، وانتصار المقاومة الوطنية اللبنانية من جديد في حرب تموز (2006م). أما ما يتعلق بالتجارب الوحدوية الناجحة فإننا نتذكر قيام وحدة المملكة العربية السعودية، ووحدة دول الإمارات العربية المتحدة، والوحدة اليمنية. وكل هذا يثبت أن الفكر القومي المزروع في نفس كل عربي من المحيط إلى الخليج قابل للتحقيق، وليس أثراً من الماضي.. وأن الوحدة العربية قابلة للتحقيق وليست حلماً عربياً لأبناء الأمة العربية، ومن ثم لا يمكن للفكر العربي أن يختزل فقط في الوحدة العربية التي ستظل حلماً مستمراً للعرب؛ مهما أشيع من مظاهر التندُّر حول هذا الحلم...

ولذلك كله يمكن وضع التصورات الآتية لتجديد الفكر القومي، للوصول إلى تحقيق المشروع القومي النهضوي...

1 ـ توحيد رؤى الحركات القومية وجهودها:

تبين لدينا من قبل أن التيارات القومية وأحزابها ومثقفيها لم يجتمعوا على تصور واحد للفكر القومي مهما كانت نقاط التشابه متقاربة في الوظيفة والأهداف. ويكفي أن نفحص ذلك في الحركة الناصرية وحزب الاتحاد الاشتراكي، والاشتراكيين العرب، وحزب البعث العربي الاشتراكي و... ثم إن أجندة بعض هذه الأحزاب يختلف عن أجندة الأحزاب القومية والإسلامية الأخرى...

وكذلك تأكد للقاصي والداني أن تأثير هذه التيارات والأحزاب في الجماهير العربية قد بدأ يضعف، أو يضمر، إذ لم تعد قادرة على تحريك الجماهير في الشارع كما كانت تقوم به في خمسينيات القرن العشرين والستينيات.

وإذا وجد تنسيق ما بين تلك التيارات، فهو تنسيق آني تبعاً لطبيعة الأزمة التي تعاني منها الأمة العربية؛ إذ إن اللغة الجديدة التي بدأت تظهر عند هذا التيار القومي أو ذاك صارت تنحرف عن الاتجاه العلمي والموضوعي للفكر القومي العربي وبخاصة حين تبنى عدد منها مرونة واضحة من الآخر الصهيوني... بل أخذت تيارات قومية تتقبل سياسة الأمر الواقع والقبول بالكيان الصهيوني، ووضع الحل بيد الولايات المتحدة الأمريكية... وإلا فإن العرب سيعيشون خارج العصر، ومن ثم سيخرجون من التاريخ...

أما الآخر المعادي الصهيوني فلم يبادل العربي قيم الانفتاح ولم يقبل يوماً بإعادة الأراضي العربية المحتلة لأصحابها مقابل السلام كما أُقِّر في مؤتمر مدريد (1991م)، ثم رفض المبادرة العربية للسلام وفق ما طرحه مؤتمر القمة في بيروت (27/ 3/ 2002م)، ثم لا يزال يرفض حق  عودة اللاجئين الفلسطينيين، وحق تقرير المصير لهم، أو النقاش حول القدس... فالكيان الصهيوني رفض مبدأ الأرض مقابل السلام وانتقل إلى مبدأ التطبيع مقابل السلام، ثم انتقل إلى مبدأ خارطة الطريق مقابل السلام.. وإذا كان ذلك كذلك فمن العَجَب أن الأنظمة العربية التي ارتبط أكثرها بقوى خارجية؛ ثم سخرت لها نُخباً فكرية وثقافية تدافع عنها؛ هي التي كانت تعمل على تحقيق الوحدة بين الأقطار العربية... ثم كانت الوحدة تتم من الأعلى وعلى مستوى الأنظمة دون أن يكون لها فعل ثقافي واجتماعي واقتصادي وعسكري وإعلامي على مستوى الجماهير العربية... ولعل تجارب الوحدة بين أي قطرين عربيين أو أكثر منذ الحرب العالمية الثانية كان يعتمد على مغامرات تلك الحكومات، وهي مغامرات سياسية قبل أي شيء... ولعل هذا لا ينسينا الإشارة إلى أن اعتماد الأنظمة العربية على القوى الخارجية أسهم في وأد أي توجه إلى الوحدة؛ علماً أن الدول الكبرى كان لها تأثير قوي في تلك الأنظمة...

وبهذا كله فإن النظام العربي مكبل بالقيود إذا لم نقل أصبح تابعاً لمشروع الآخر مسخراً لخدمته؛ علماً أن كثيراً من العرب قد غيروا زمرة دمهم، وأصبح من السهل عليهم قبول طروحات العدو الصهيوني؛ بل اتهام المجتمع العربي المقاوم للمجازر الصهيونية الوحشية بالإرهاب وارتكاب العنف...

هكذا تشتت الفكر القومي على افتراق رؤى التيارات القومية وغيرها. وممارسات الأنظمة العجيبة...

ما يفرض على هذه التيارات والأنظمة العربية التأمل في كل ما تفعله، ودراسة الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي دراسة موضوعية بغية توحيد الرؤى والجهود للوصول إلى تصور منسجم ومتناغم ومتكامل... وعليها توحيد كل ما تملكه في مواجهة أعداء الفكر القومي والتصدي لمشاريعهم المريبة والخطيرة، مثل (مشروع الشرق الأوسط الجديد)...

ولن يتم هذا التوحيد إذا بقي الانفصال قابعاً في الرؤوس ومعششاً في جيوب مصالح النفع الخاص... ما يعني أن الانفصال الأسود الذي حدث في (28/ 9/ 1961م) يعدُّ الأصل الذي ينطلق منه أولئك المتمسكون بالدولة القطرية... بل إن  استمرار اعتقادهم بأنهم محميون بهذه الحالة الانفصالية سوف يعرض دولهم إلى التقسيم من جديد، وسيجدون أنفسهم في مهب الريح...

ولما  كان توحيد الجهود والرؤى مطلباً شعبياً وضرورة حتمية فإن تجاهل هذا المطلب الضرورة سيؤدي إلى تهديد الوجود الوطني والقومي على السواء.... وهذا كله يفرض على كل من يُعْنَى بالفكر القومي أن يتعاون مع التيارات التي تدعو إليه، سواء كانت أحزاباً أو مؤسسات في المجتمع المدني، أم أنظمة سياسة تسلمت مسؤولية الدولة.

وهذا كله يفرض علينا إعادة نقد الذات الوطنية والقومية.

2 ـ إعادة نقد الذات الوطنية والقومية:

لم يعد أحد يماري في إعادة صياغة ذواتنا عاطفياً واجتماعياً وسياسياً وتربوياً وعلمياً واقتصادياً... ويتطلب إعادة صياغة الذات الوطنية والقومية تمثل الوعي بقيمة الفكر القومي العربي وتطوير أساليب التعبير عنه، بعد دراسة ذلك دراسة موضوعية مطولة، وتطوير آلية الانفتاح على الآخر. فاللغة الجديدة يمكنها أن تتبنى منهج النقد الذاتي والموضوعي لمعايير الفكر القومي من جهة وللواقع الذي يحيط به من جهة أخرى... فنحن لا نعيش خارج الكون، علماً أن هناك كثيرين يمارسون اليوم نقداً جارحاً وظالماً بعيداً عن الموضوعية والحقيقة للفكر العربي، وإن بدا أنه يهدف إلى تطوير الذات الوطنية والقومية؛ والارتقاء بها...

وإذا كان الفكر يُقَوَّم بالفكر فعلينا ألا نبرز سلبيات الفكر القومي العربي دون الوقوف عند عدد من الإيجابيات التي اتصف بها، والعاقل من يتمسك بالإيجابيات وينفي السلبيات عن الذات الوطنية والقومية.

وحين يتبع الفكر القومي المرونة والإفادة من الآخر الموافق، والمباين ينبغي عليه ألا يتبع هذا الأسلوب مع الآخر الأمريكي ـ الصهيوني باعتباره سافكاً للدم العربي، وهاتكاً لشرفه وكرامته، وسارقاً لخيرات أرضه... فالخروج من العصر ـ في ظن كثير من الناس وظننا ـ هو أن نتبنى قبول الآخر كيفما اتفق، ونقلده في كل أمر... ما يعني أننا سنقع في مستنقع تغيير الثوابت الأساسية للفكر القومي كالهوية والانتماء والوحدة والديمقراطية...

لهذا تصبح إعادة نقد الذات ضرورة ملحة، لنضع أنفسنا على السكة الصحيحة، ما ينقلنا إلى الفعل والتأثير... علماً أن هناك تيارات سياسية مارست نقد الذات، ولكن نقدها لم ينتج إلا قتلاً للفكر العربي الذي تكون على مدى التاريخ العربي... وهو نقد لم يوصل الجماهير إلا إلى الشك في الهوية والانتماء... بل إن الانتماء للدولة الوطنية غدا قابلاً للتحول، وصار التعامل مع الكيان الصهيوني وجهة نظر...

وكذا يقال في القيم النبيلة التي أسسها الفكر القومي على مدى وجوده التاريخي مثل (الوفاء والصدق والأمانة والشرف وحماية الأرض والجهاد، والتسامح، و...) فقد أخذت تتبدل إلى عكسها...

أما الولاء للوطن تحت سقف ا لمواطنة فقد تخلخل وتراجع لحساب العصبية للولاء الأصغر... ما أدى إلى سقوط الفكر الوطني ثم الفكر القومي أمام الدولة القطرية، وكان كثير من الحكام والمثقفين حراساً لها...

فإذا كانت الأنظمة الرسمية صادقة في ذلك وضحّت من أجل المشروع القومي بمصالحها وأسست لمبدأ دولة المواطنة التي تنفي الولاءات الصغرى كالطائفية والمذهبية والعرقية التي استفاقت بشكل بشع أمكن للفكر القومي أن يعود إلى الساحة الوطنية ثم القومية...

وهذا يعني وضع استراتيجية علمية وموضوعية مدروسة لتحقيق الفكر القومي في ضوء بناء الذات الوطنية بناء لا يتناقض مع بناء الذات القومية؛ لتصبح المواطنة طريقاً إلى العروبة، وليصبح الشعور القومي حقيقة عاطفية وفكرية، لا مجرد شعارات مزيفة، وخطابات إنشائية سياسية تثير العواطف وليس لها أي مردود موضوعي على الصعيد السياسي أو الفكري أو الاجتماعي([42])...

لهذا كله لابد من إعادة نقد الذات على الصعيدين الوطني والقومي، ومعالجة كل ما تقدم بإنشاء أنظمة تعليمية وثقافية واجتماعية وسياسية تلبي متطلبات الدولة القومية الشاملة....

وهنا تقع المسؤولية الأولى عليهم جميعاً لإيجاد منظومة فكرية وتربوية تستند إلى وعي رفيع بمفهوم الهوية والأمة، وإكسابه البعد الحضاري والارتقاء به نحو الفعل الإنساني الذي يجعله المبدأ والغاية.

ومهما طال الزمن لإيجاد هذه المنظومة علينا ألا نيأس فالإنسان العربي هو الغاية الأساسية للفكر القومي، واستثماره بشكل واعٍ ومسؤول يجعله قادراً على الانتقال من حالة التأثير العاطفي بالتمسك بالعروبة إلى حالة العقلانية الفاعلة والمدافعة عنها بقوة وصبر، دون أن نهمل موقع الدولة القطرية لتكون سبيلاً إلى الدولة القومية، علماً أن كثيراً من أولئك المفكرين يؤمنون بأن المشروع القومي غداً منذوراً في التحقيق على أساس الدولة القطرية، على حين يرى غيرهم أنها كانت ـ ولا تزال ـ وراء إخفاق المشروع القومي والسبب الأساسي في قتل الفكر القومي، وهذا ما سنركز الحديث فيه.

3 ـ اعتبار الدولة القطرية سبيلاً إلى الدولة القومية:

أصبح مسلماً اليوم أن الدولة القطرية التي نشأت بعد تخلص  الوطن العربي من الاستعمار الأوربي والمؤسسة على اتفاقية سايكس بيكو (15/ 5/ 1916م) كانت ضرورة تاريخية، وكان عدد من الحكام العرب والجماهير العربية ينظرون إليها ـ بادئ ذي بدء ـ على أنها حالة مؤقتة للانتقال إلى الدولة القومية... ويرون أنها ستكون السبيل إلى القومية في ضوء السيرورة الطبيعية إلى القومية عن طريق التكامل.

ولعل المصلحة القومية تكمن في تأسيس الدولة الوطنية وفق الهوية القومية وجعلها مرحلة سابقة على الدولة القومية أياً كانت فيدرالية أو كونفدرالية (اتحادية) أو اندماجية؛ أو شاملة بين عدد من الأقطار. ولكن دوام استمرار الدولة القطرية وغياب المواطنة، وغياب العمل السياسي العام الموصل إلى الفكر القومي كان أكبر خطر على الفكر القومي... ثم ضياع المشروع القومي... ولهذا نشأت الصالونات الضيقة داخل الوطن الذي لم يعد فيه المواطن قادراً على إدارة حقوقه وفهم واجباته، واكتفى بأن يأكل ويشرب ويعمل... فالبحث عن الحياة جعل المثقف قبل غيره يقصر في الاضطلاع بمفهوم الدولة والمواطنة والدولة القومية.

ويبدو للدارس الموضوعي أن الدعوة إلى الدولة القومية أو الوحدة العربية ـ اختصاراً ـ قد تراجع اليوم عما كان عليه في الخمسينيات من القرن العشرين، ولاسيما على صعيد الأنظمة العربية، الرسمية التي حرست الدولة القطرية التي صنعها الغرب. ويُعْتَقد أن دائرة الدولة القطرية التي خلقت حراساً لها كانت أشبه  بدائرة عبدة الشيطان؛ فكل من دخل فيها لا يخرج منها إلا إذا انتفت مصلحة وجوده فيها؛ داخلياً وخارجياً...

فكل تحرك يقع ضمن الدائرة التي رسمها الآخر الغربي الأوربي أولاً ثم الآخر الأمريكي ثانياً، وأي خروج عنها يعني إفسادها، وإفسادها يكمن في أيدي صناعها قبل حُرّاسها. ولهذا بُدئ بتفتيت فكرة المواطنة التي نزعت الهيبة عن سلطة الحاكم ولاسيما حين اتجه التفتيت إلى ولاءات ثانوية صغيرة قديمة ومعاصرة تتمثل بالطوائف والمذاهب، والأعراق والعشائر، والأحزاب والحركات...

ولعل ذلك كله قد أدى إلى ظهور أعداء حقيقيين لفكرة الدولة القطرية، الممثلة بسلطة الأنظمة الرسمية نفسها، فأصيبت السلطة بالتصدع، وذهبت هيبتها وفق ما هو مخطط لها ـ كما حدث في العراق ـ... ومن ثم فإن هذه الشروخ زادت حتى أصابت الفكر القومي بالإخفاق، فامتنع الانفتاح السياسي والثقافي بين حدود الأقطار، بعد أن ضاق الأمن في داخل الدولة القطرية. وصار الشك في الدعوات القومية الأصيلة لبعض الأنظمة مدعاة إلى اتهام قادتها بعدم الجدية والصدق وبالجري وراء المصالح الخاصة والشعارات المزيفة.

وإذا وجدت أنظمة عربية قد انشغلت بقضايا الحكم لتثبت الاستقلال وبمتطلبات التغيير الاجتماعي والتنظيم الاقتصادي وتقدمهما من أجل  حماية المواطن وتلبية أدنى احتياجاته اجتماعياً واقتصادياً فإننا نرى أن هذه الأنظمة أخطأت، بمثل ما أخطأت التيارات القومية، ففقدت الشرط الاجتماعي ولم تصل إلى المظهر الديمقراطي فكادت تفقد شرعيتها... وبناء عليه فإن هذه الأنظمة لم تصل إلى مفهوم الهوية العربية الواحدة، بل تنازلت لديها الفكرة القومية لحساب الدولة القطرية نتيجة غياب الديمقراطية، ومن ثم فإن غياب الديمقراطية أدّى إلى هدم كل إنجاز اجتماعي... وغدا الصراع الداخلي بين مُختلف فئات المجتمع سمة بارزة... ولاسيما حين انشغلت الدولة بتأمين لقمة العيش للمواطنين، وطفقت تمارس سياسة الحفاظ على الدولة القطرية بكل الأشكال ولو بالإكراه، ما أفقدها العنصر الأصيل في شرعية وجودها، إذ لم تعد قادرة على حماية المواطن من الأفكار الخارجية كما حدث في العراق، ما يؤكد أن الدولة القطرية سقطت هي الأخرى لأنها لم تستطع حماية نفسها.

لهذا كله فإن إعادة الحياة إلى الفكر القومي تَنصبُّ على إرساء الوعي الوجداني به للانطلاق إلى تطبيقه على مساحة الدولة القطرية، وزرع فكرة التوازن والتفاعل بين المواطنة والقومية في ضوء منهج عقلي موضوعي يُنقذ المواطن في الدولة الوطنية والقومية من الذل والخنوع والعجز، والفقر والتشرد، والهجرة الطوعية، وخسارة العقول الذكية المهاجرة و... لذا لابد أن يبدأ بناء الإنسان القومي من الأسرة ولا سيما المرأة باعتبارها المدرسة الأولى في التنشئة ثم يرتقي. فترجمة الفكر القومي إلى طريقة موضوعية يمكن تطبيقها في الواقع الشعبي الاجتماعي، ثم ينمو وينضج في إطار المؤسسات الحكومية؛ شرط أن تقوم الحكومات بما هو مطلوب منها.

ومن هنا علينا أن ننظر إلى الدولة القطرية الوطنية سبيلاً ممهداً للإنشاء الدولة القومية في إطار وضع استراتيجية قطرية ثم قومية تحقق الغايات التي يتوخاها الفكر القومي، وفي إطار من التكامل والتفاعل.

فالتكامل يجب أن يكون ضرورة في حالة اتجاه العالم ـ اليوم ـ إلى التكتلات العالمية اقتصادياً وسياسياً، كما هو حادث في أوربا، فهذا التكامل يزيل أي توتر أو حساسية بين الدول القطرية.

بل نرى أن تكتل الدول العربية يقع في ظل الضرورة التاريخية لأن قوانين التشابه الطبيعية للفكر القومي تنطبق عليه وفي طليعتها الثقافة (التراث) والتاريخ، والجغرافية، واللغة؛ والعادات والتقاليد وهي التي تحتم التوافق والتكامل... ولكن هذه الرغبة لا يمكن أن تتم تلقائياً وعفوياً، ولا يمكن أن نكتفي بالقول السابق بل يجب وضع الدراسات الاستراتيجية الفكرية والسياسية والتربويات والعلمية والاقتصادية والاجتماعية التي تلبي الهدف النهائي.

ومن ثم فالوحدة يجب أن تأتي نتيجة تجمّع الأقطار في كيان واحد لمواجهة خطر المشروع الصهيوني من جهة وخطر مشروع الشرق الأوسط الجديد من جهة أخرى...

فأي إجراء قطري في ظل التكامل يؤدي إلى مزيد من التجمع ومن ثم مزيد من التطور والأمن... ما يعني أن الوحدة تلبي مصالح الأقطار العربية كلها أنظمة وجماهير، وهذا ما يجب أن تقتنع به الأنظمة السياسية قبل غيرها.

والمطلوب لذلك كله أن يتنازل النظام العربي الرسمي عن المصالح الضيقة التي يجنيها من الانفصال واستمرار تبعيته للقطرية الملبية ـ في أغلب الأحيان ـ لمصالح الآخر الذي يعمل على إبقاء الدولة القطرية مشروعاً ناجزاً...

وإذا كان هناك ثبات للوعي القومي في بعض الأقطار العربية نتيجة نشوء الفكر القومي مبكراً فيها مثل سورية ولبنان والعراق والكويت ومصر، واليمن والسودان و... فإنه ينبغي علينا أن نؤسس هذا الوعي على أشكال موضوعية، وأن نعزز الاعتقاد به لكي يكون مظهراً غالباً على الانتماء الوطني، بدل أن نقول: هذه الدولة أو تلك أولاً... ينبغي أن تكون أولاً في الحفاظ على الهوية العربية الواحدة كما هو حاصل للشعب العربي السوري، إذ نراه مصاباً بمرض اسمه (العروبة) أو (القومية)، ويا له من مرض جميل!! ونحن نرغب في أن يمتد إلى جنبات الأرض العربية على وجوده حتى الآن في نفوس كثير من المفكرين والمثقفين العرب؛ وعامة الجماهير العربية؛ وبعض الأنظمة الرسمية...

وسيبقى ذلك كله تنظيراً إن لم توضع كل الإمكانات لتنفيذ خطة مدروسة تجعل الدولة القطرية سبيلاً إلى الدولة القومية، ومنها:

1 ـ وضع آلية إشاعة الفكر العربي وتبنيه في القاعدة الشعبية والاجتماعية على مستوى الأسرة والحي والقرية والبلدة..؛ والعناية بالتعليم والثقافة والتربية على هذه المستويات كلها.

2 ـ وضع آلية فكرية جدية ينفذها القادة والساسة على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والإعلامي والعسكري وهذه الآلية يجب أن تتميز بمايلي:

1 ـ بناء الإنسان العربي الواعي الذي يسعى إلى التكامل القومي.

2 ـ إرساء الرغبة الصادقة في حمل الفكر القومي سلوكاً وفعلاً.

3 ـ دعم المؤتمرات القومية الفكرية والثقافية والاجتماعية و....بكل الوسائل المادية والمعنوية، وإيصال نتائجها إلى الجماهير العربية.

4 ـ التعامل مع التقنيات بعقل موضوعي ومفتوح ليفيد الفكر العربي منها في شؤونه كلها.

5 ـ القيام بكل ما من شأنه إسقاط أي انحراف عن توجهات الفكر القومي بما في ذلك التظاهرات، واستغلال الإعلام لفضح أي خطأ أو فساد.

4 ـ الاستناد إلى البعد القانوني والأخلاقي لتنمية شاملة:

إن بناء الفكر القومي يستند إلى البعد الاستراتيجي القانوني والخلقي لتنمية وطنية وقومية متكاملة...

فلما اختلطت الأمور في ذهن المفكرين والساسة القوميين منفردين أو في التيارات الفكرية الواحدة، أو في صميم الدولة القطرية بقي الفكر القومي مجرداً منكفئاً على ذاته في أذهانهم، لأنهم مارسوا الاحتكار الفكري والسياسي فانتفت العدالة والمساواة بين أفراد التيار الواحد، ثم بين أبناء الوطن... فضلاً عن الاحتكار السياسي للسلطة من قبل الأحزاب، ومنع الأحزاب الأخرى من المشاركة في السلطة فضعف مردود التنمية الشاملة...

وهذا كله أدى إلى انتفاء العدالة؛ ثم سقوط هيبة القانون نتيجة استغلاله لصالح هذا المفكر السياسي أو هذا التيار الحاكم أو ذاك... ولو أدى إلى إتباع سياسات غير قانونية، أو عادلة في الحكم وفي المؤسسات التي يبنى عليها الوطن كله...

ومن ثم فإن التوازن والعدالة في التطبيق يتيحان قيام التعاون الفعال بين الأفراد والتيارات الفكرية، ويحققان التكامل للفكر القومي في المجتمع؛ في الوقت الذي ينتفي الصراع بين كل ما هو قومي ليبرالي، وما هو قومي إسلامي أو اشتراكي... أي على الفكر القومي أن يقيم توازناً عادلاً وفق القاعدة القانونية والخلقية للتنمية الشاملة بين ما هو قومي وما هو ديني وما هو علماني، ويجب ألا يطغى تيار على تيار، على ما يشاع اليوم من صحوة التيار الديني المتشدد أو المتطرف والرافض لكل التيارات السابقة، حتى صار التيار الديني المعتدل والتنويري متّهماً عنده.

وبناء عليه فإن التنمية الشاملة القائمة على مبدأ الحقوق والواجبات ـ وفق القانون والقاعدة الخلقية ـ تهيئ الأرضية المناسبة للفكر القومي كي ينتشر بين الناس وعياً وأسلوباً ينتظم كل شأن من شؤونهم لئلا يبقى مختزلاً بفكرة العروبة وحدها، وتأسيس الوحدة العربية عليها دون غيرها. وكلنا يذكر أن الفكرة القومية التي ظهرت في بلاد الشام ـ أولاً ـ كانت مؤسسة على مواجهة التجزئة والتمزق العربي، وعلى مواجهة الحكم العثماني الذي أفقر البلاد والعباد وجعلها متخلفة فقيرة؛ بعيدة عن التقدم والعلم والتطور... وكبَّلها بكثير من الأنماط المتخلفة اجتماعياً وثقافياً وعلمياً ودينياً و... ومن ثم عزل البلاد العربية عن المثاقفة مع الآخر، والإفادة من تطوره الثقافي والاجتماعي والعلمي. وها هي ذي اليوم تسير في الاتجاه نفسه، فضلاً عن الخطابات السياسية الإنشائية التي تطلع عليها كل يوم من الإعلام ولاسيما الفضائيات،... وعليه فالتنمية الشاملة ذات البعد الأخلاقي والقانوني تفرض علينا أن نضع تصوراً علمياً وموضوعياً لبناء الدولة الوطنية ـ القومية وفق سلوك ملتزم وهادف بالفكر القومي... وكل من يخرج على القيم والقانون يجرّم بما ارتكبه من خطأ مقصود... ويوجه إن لم يكن مقصوداً... وهذا يجرنا إلى الحديث عن مواكبة تجدد الفكر الإنساني.

5 ـ مواكبة تجدد الفكر الإنساني:

إن أي فكر لا يمكن أن يتجدد وهو يقفل الأبواب والنوافذ دونه؛ فالفكر الإنساني ـ شرقاً وغرباً ـ يتجدد باستمرار... وعلى الفكر القومي أن ينفتح عليه دون أن يتخلى عن المنظومة الفكرية الأصيلة التي بني عليها، قديماً وحديثاً.

ويتحقق الانفتاح على الفكر الإنساني في ظل أنظمة وقوانين ومؤتمرات وندوات يفيد منها المجتمع العربي في التعليم والإعلام، والثقافة والسياحة؛ والتقانة والتلفزة و... علماً أن الانفتاح الأول يكمن في الاطلاع على فلسفة الآخر ونظرياته الفكرية شريطة ألا يصبح هذا المجتمع منصهراً فيها، أو ناقلاً لها كما حدث في القرن الماضي، أو كما يحدث لبعض المفكرين والمثقفين والأدباء والكتاب و... فالتبعية للآخر ثقافياً وفكرياً واجتماعياً وإعلامياً وتقنياً واقتصادياً و... مقتلة للفكر العربي...

ومن ثم على المجتمع العربي أن يتبنى منهجاً موضوعياً وعلمياً في الانفتاح على الآخر وفلسفته وفكره، يمثل ما ينفتح على تراثه؛ فيأخذ منهما كل ما يدفع الفكر العربي إلى النهوض والارتقاء... فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها. وقد أكد الفكر العربي ذاته منذ القديم بروح الانفتاح والمثاقفة من دون أن يبتلى بعصبية أو هوى، جاعلاً نُصْب عينيه إثراء مفرداته الفلسفية على صعيد المفاهيم والمصطلحات والعلوم والآداب والفنون والاقتصاد والقوانين والمعرفة... فكل دقيقة تمر بنا يتفجر الفكر الإنساني بالمعارف والتقنيات، والنشر والتأليف... بل صار الإعلام بكل أنماطه وتجلياته مادة عظيمة لبث الفكر الإنساني، أياً كان نمطه، ما يفرض على الفكر العربي أن يواجه ذلك بروح علمية ومعرفية عالية لكي يثبت نفسه فكراً متقدماً وإنسانياً... ولا سيما أنه يواجه الإلغاء من قبل الفكر العولمي الذي تقوده أمريكا، ومن قبل الفكر الصهيوني وهذا ما نتحدث عنه.

6 ـ مواجهة فكر الآخر المهيمن:

تأكد لنا مما سبق كله أن الفكر العربي القومي لم يعد أثراً من آثار الماضي، باعتباره شعوراً نبيلاً يتجسد في نفوس كثير من العرب ونظماً فكرية تغذي العقل العربي... وإن تراجعت قيمتها عند عدد من الحكام والأنظمة الرسمية التي لم تعد تعتد بالانتماء العربي الأصيل، إذ أصبحت الدولة القطرية الصيغة الأكثر جدوى لتحقيق مصالحهم ولا يزالون يحمونها.

وكذلك أدركنا أن إثارة الفتنة الإثنية والطائفية والمذهبية لا تزال تسعى إلى إضعاف الدولة الوطنية، ثم الفكر القومي... فإثارة الفتنة العرقية العصبية للقوميات دخلت في نسيج الثقافة المستحدثة للمجتمع العربي كما هو عليه حال العراق...

وبناء عليه نتساءل: ما الذي يقال في إعادة صياغة المشروع القومي وفق نظرية (صراع الحضارات) و(نهاية التاريخ) و(مشروع الشرق الأوسط الجديد) و(المشروع الصهيوني الاستيطاني)؟!!

ثم كيف يمكن أن يُواجه الفكر القومي العربي كل ذلك وكل ما يحيط به اقتصادياً ـ ولا سيما الاستثمار والصناعة والتجارة والتقنية و...ـ تابع للآخر الغربي خاصة([43])...؟!!

ونرى أنه لابد من استنفار الوضع العربي برمته؛ لمواجة مشاريع الهيمنة وأفكارها كيفما كانت طبيعتها وأدواتها التي تظهر كل يوم بأشكال جديدة. ولعل الفكر الآخر للصهيوني وللإدارة الأمريكية يعد الأخطر على الفكر العربي؛ على الرغم من كثرة التحديات التي يواجهها.

ولهذا لابد من وضع خطة سياسية وفكرية وإعلامية واجتماعية وتقنية واقتصادية متكاملة على الصعيد القومي لإحداث حالة من وعي تلك المشاريع وتفنيد حججها الكثيرة والبعيدة عن كل موضوعية ونزاهة وحياد؛ وكشف مآربها الخفية التي تكمن وراء شعارات مخادعة، ظاهرها شيء وباطنها شيء آخر كما هو عليه مفهوم زعم الإدارة الأمريكية المحافظة في شأن إشاعة الحرية والديمقراطية والقضاء على الاستبداد والظلم؛ أو نزع أسلحة الدمار الشامل. وهي ـ مجتمعة ـ كانت سبب احتلال العراق أو كما هو مفهوم (الشرق الأوسط الجديد) الذي بشرت به وزيرة الخارجية الأمريكية (كوندا ليزا رايس) وصورته بأنه سيجلب الخير للعرب... وفي حقيقة الأمر ما هو إلا مشروع مدروس للقضاء على الفكر العربي، ليأتي مكملاً للمشروع الصهيوني... فكلا المشروعين سعى إلى التشكيك بالفكر القومي منذ أمد بعيد؛ وكل منهما يريد ـ جاداً ـ أن يحل محل المشروع القومي العربي النهضوي.

ولهذا كله حاولت (الإدارة الأمريكية المحافظة) تحويل المجتمع العربي إلى مجتمع دموي إرهابي، بعد إثارة النعرات والعصبيات والفتن بين أبناء المجتمع الواحد في داخل الدولة الوطنية القطرية. فالمشروع الأمريكي الصهيوني لا يزال مصمماً على استئصال كل ما يمت للفكر العربي بصلة؛ ويجفف موارد تغذيته... ما جعله يشن هجوماً منظماً على ثقافة المقاومة، واصفاً أصحابها بالقتلة وأعداء الإنسانية لأنهم يمارسون العنف ضد مشاريع الغرب والصهاينة... ولهذا سارعت الحكومات العربية إلى تغيير مناهجها التي تشير إلى أي نمط من المقاومة والجهاد، أو ما يشم منه مناهضة المحتل للأرض والمدنّس للعرض...

ونرى أن أي فكر قومي عربي يحتاج إلى أمة لها وزن فكري استراتيجي ثقافي واقتصادي وإعلامي وتقني وعسكري... فالفكر السياسي ـ خاصة ـ يبنى على ذلك وعلى كل ما هو قومي... وإذا كان ذلك كذلك كان للأمة تأثير في السياسة الدولية؛ ومكانة تحترم؛ ومن ثم كان لفكرها كل التقدير والمرجعية في أمور شتى... كما هو عليه الفكر الغربي...

خاتمة

إن شرط الديمومة للفكر القومي مرهون ـ من دون مراء ـ بتنمية الإنسان العربي، والارتقاء بوعيه للفكر الإنساني، ومرهون بتمسكه بالثوابت الأصيلة لفكرة العروبة التي تشكل هوية الأمة؛ وهي هوية تعتمد على عناصر وأركان دقيقة قامت على تأكيد الذات الجمعية، انتماءً ولغة وتراثاً وآمالاً وآلاماً... ولم تنكر الآخر أو تهينه أو تذله، بل انفتحت عليه وعلى ثقافته أياً كان جنسه أو انتماؤه أو عقيدته أو لونه... ثم حمته وحرست ممتلكاته، بعكس الآخر الصهيوني والأمريكي الذي سام العرب أبشع أنواع القهر والظلم والقتل... فاحتل أرضهم وسرق خيراتهم، ودمر تراثهم وأوابدهم... وتركهم متشظين على نار الفتنة الطائفية والمذهبية والإثنية...

وحينما عجز المفكرون والسياسيون العرب، ولاسيما ممن ينتمون إلى التيارات القومية فإن شرط ديمومة الفكر القومي لا يزال بعيداً عن الممارسة، علماً أن الوعي به كامن في النفس وفي الذهن، وهو بحاجة إلى تحريض ودفع موضوعي...، فضلاً عن أن انفتاح الفكر القومي العربي على الآخر في حضارة العرب كان حيوياً وفاعلاً، لكنه اليوم يقع في فخ الاستنساخ وردّ الفعل، ما جعله ينزوي إلى الخلف على مستوى النظرية والتأثير الفاعل على السواء....

ويظل العامل الحاسم في الفكر القومي العربي تطويراً وارتقاء ما تقوم به الأنظمة الرسمية والتيارات الفكرية والسياسية من إجراءات توصل إلى الوحدة؛ فإذا كان العامل الخارجي الممثل بالآخر المعادي غربياًً وصهيونياً أساس التجزئة والتخلف والتدهور وإثارة الفتنة الطائفية والمذهبية حتى حلَّ مبدأ الجماعة مكان المواطنة الجامعة... فإن تلك الأنظمة والتيارات يجب ألا تكون السبب في ذلك... وعلى المسؤولين والمفكرين أن يوجدوا التعابير والممارسات التي تشعر الجماهير العربية بانتمائها إلى أمة واحدة؛ وأن الوحدة قادمة لا ريب فيها، على اعتبار أن المصلحة الحقيقة لتلك الأنظمة والتيارات تكمن في الدولة القومية أياً كان نمطها فيدرالية أم كونفدرالية؛ وحدة شمولية أو جزئية، أو اتحادية... فضلاً عن أن الممارسات القمعية للحكام سوف تنتهي وتزول؛ لأن الاستبداد القمعي سوف يطيح بكل حاكم مهما تحصن بدولته القطرية ودافع عنها وأضعف كل مفهوم للدولة القومية وفكرها القومي...

ومن ثم على تلك الأنظمة والتيارات أن تتخلص من مرض الازدواجية في السلوك والتصرف تجاه الفكر القومي... فلا تزال الممارسة القطرية بعيدة عن الفكر القومي العربي، علماً أن الدولة القطرية ـ مهما كانت درجة الوطنية والانتماء فيها ـ لم تستطع أن تحمي نفسها من الاعتداء الخارجي للآخر؛ إذ استبيح وجودها وحدودها وتراثها وحياة أهلها...

هكذا ثبت لدينا أن الأزمة التي يعاني منها الفكر العربي إنما يكمن في الزعامات السياسية والفكرية وفي عدد من المفكرين، وفي الدولة القطرية... فخطرها لم يقلّ يوماً عن خطر الآخر المعادي.

والله من وراء القصد



([1])      الجامع الصغير 1/39 رقم الحديث 288 ـ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ـ دار خدمات القرآن ـ القاهرة.

([2])      المعجم الفلسفي 3/154 ـ 155 ـ د. جميل صليبا ـ دار الكتاب اللبناني ـ بيروت ـ دار الكتاب المصري ـ القاهرة ـ 1979م.

([3])        المرجع السابق.

([4])      انظر المعجم الفلسفي 2/155 ـ 156.

([5])      انظر الحقوق والحريات العامة 1/129.

([6])      انظر المرجع السابق 1/133 ـ 178 و199 ـ 206.

([7])      مديات تأثير العولمة ـ 33 ـ 34 ـ معن عبد القادر آل زكريا ـ دار الصقر للطباعة ـ العراق ـ 2006.

([8])      انظر لسان العرب ـ مادة أخر ـ دار صادر ـ بيروت.

([9])      ديوان امرئ القيس 69 ـ تحقيق أبو الفضل إبراهيم ـ دار المعارف بمصر.

([10])    انظر لسان العرب ـ مادة أخر ـ دار صادر ـ بيروت.

([11])    الجامع الصغير 2/398 رقم الحديث 7662.

([12])    الأعلام للزركلي 2/132 – دار العلم للملايين – بيروت – ط7 – 1986م.

([13])    ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق ـ ص39 ـ 40 ـ لابن عربي ـ طبعة بيروت ـ 1312هـ.

([14])    انظر مفهوم الآخر في اليهودية والمسيحية ـ د. منى أبو الفضل ـ د. ناديا محمود مصطفى ـ دار الفكر بدمشق ـ 2008م ـ ص 121-151.

([15])    انظر: أمريكا العقلية المسلحة ـ عبد الله محمد الناصر ـ رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت ـ 2007م ـ ص 103 – 106.

([16])    انظر مفهوم الآخر في اليهودية والمسيحية ـ ص 46 و48-69، وانظر فيه 200-215.

([17])    انظر الفكر الإسلامي ودوره في بناء المعرفة ـ 2/10 ـ 17 ـ د. عيسى عبد الله ـ منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ـ بنغازي ـ ليبيا ـ 1990م.

([18])    انظر الديمقراطية والإسلام ـ 32 ـ 48 ـ سليم قندلفت ـ أرواد للطباعة ـ طرطوس ـ سورية ـ1996م.

([19])    انظر كتابنا مشروع القومية العربية إلى أين ـ 156 ـ 157 ـ دار الفرقد ـ دمشق ـ 2006م.

([20])    انظر مشروع القومية العربية إلى أين 20 ـ 22.

([21])    الأعلام للزركلي 3/298.

([22])    انظر الحقوق والحريات العامة 1/13 ـ 20 و3/7 ـ 28.

([23])    انظر كتابنا مشروع القومية العربية إلى أين 15 ـ 20 والأعلام للزركلي 3/70.

([24])    انظر كتابنا مشروع القومية العربية إلى أين 20 ـ 22.

([25])    انظر كتابنا مشروع القومية العربية إلى أين 69 ـ 82.

([26])    انظر العولمة بين الاختبار والاختيار 56 ـ 59 و70 ـ 72 و79، والديمقراطية والإسلام 101 ـ 109.

([27])    انظر كتابنا مشروع القومية العربية إلى أين 50 ـ 105.

([28])    انظر كتابنا التقابل الجمالي في النص القرآني ـ دار النمير ـ دمشق ـ 2005م.

([29])    انظر الديمقراطية والإسلام 150 ـ 159.

([30])    انظر كتابنا مشروع القومية العربية إلى أين 23 ـ 29.

([31])    انظر العولمة بين الاختبار والاختيار 68 ـ 70.

([32])    انظر الأحزاب الإسرائيلية ـ  أحمد خدام السروجي ـ ص  ـ دمشق ـ 2005م.

([33])    انظر العولمة بين الاختبار والاختيار 153 ـ 154 ـ مركز الدراسات الإستراتيجية ـ دمشق 2005م.

([34])    انظر الحقوق والحريات العامة 1/9 ـ 11، وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 2005م.

([35])    انظر كتابنا مشروع القومية العربية إلى أين ـ ص205-124 ومديات تأثير العولمة 231 و355 ـ 356.

([36])    الهويات والتعددية اللغوية ـ عز الدين المناصرة ـ دار مجدلاوي ـ عمان 2004م ـ ص22.

([37])    انظر أمريكا المستبدة ـ ترجمة د. حامد فرزات ـ اتحاد الكتاب العرب ـ 2001 ـ ص194.

([38])    انظر مديات تأثير العولمة 209 ـ 225.

([39])    انظر المرجع السابق 211.

([40])    انظر العولمة بين الاختبار والاختيار ـ 25 و109 ـ 120 و170 ـ 171.

([41])    انظر العولمة بين الاختبار والاختيار 60 ـ 61.

([42])    انظر كتابنا مشروع القومية العربية إلى أين 213.

([43])     انظر مديات تأثير العولمة 355 ـ 356.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244