|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
التيار القومي العربي من منظور المدرسة الوظيفية ـــ د.عز الدين دياب استهلال: كان علينا أن نمضي بجدية منهجية في توظيف العلوم الاجتماعية الحديثة ودراستها التطبيقية في دراسة للقضايا العربية، مستندين إلى الفكر القومي ومسترشدين بأطروحاته ومفاهيمه وقوانينه. وكان الرهان ماضياً على أنَّ هذا الاتجاه الاجتماعي /الانتروبولوجي/ سيأتي أكله، وسيشكل خطوة إلى الأمام في تحليلٍ وتفسيرٍ أفضل للقضايا العربية الراهنة. وسنحاول جاهدين تخطي منطق الصعوبة الذي أسسته الدراسات والأبحاث التي خضعت شمالاً ويميناً لطغيان المركزية الأوربية، ومطابقة المجتمع العربي مع المجتمع الأوربي، وجعلت من الحتمية التاريخية بكل مراحلها قدراً لكل الأمم ثم قامت بسحبه على التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للوطن العربي، وباشرت في تفسير هذا التاريخ لكل دقائقه ومفاصله، وفق ما تقوله تلك المماثلة. وكانت كثرة من النتائج التي خلص إليها ذلك التفسير عصية على قول الكلمة المفيدة التي تمثل دليل عمل للقطاع الجدي من أبناء الأمة العربية. أولئك الذين يمارسون فعلهم الاجتماعي القادر على تغيير الواقع العربي وتطويره باتجاه أهدافه الكبرى المتمثلة في الوحدة والتحرر والاشتراكية لأنها، أي الأهداف، تشكل واحدة من أهم شرعياته السياسية والعقائدية ولأنها صاحبة القول الفصل في استمراره. في جواب عن هذا السؤال ماذا يريد هذا الكلام أن يقول، وإلى ماذا يريد أن يخلص؟ كثر الحديث في الحياة العربية الراهنة، وعلى وجه الدقة في أعقاب احتلال العراق وتوسيع دائرة المشاريع الإمبريالية/ الصهيونية التي تهدف إلى تعزيز الكيان الصهيوني، وزيادة قدراته، وجعله القوة الفاعلة في الحياة السياسية مثل مشروع «الشرق الأوسط» الكبير والجديد، ومحور دول الاعتدال. نقول: كثر الحديث عن التيار القومي العربي الوحدوي، أقصد تنوعاته التنظيمية والفكرية، واتجاهاته السياسية، وعن حضوره في ساحة العمل الوحدوي، وعن دوره اتجاه المخاطر والتحديات التي تواجه الوطن العربي، وعن فاعليته في قلب هذه الأحداث، وضرورة عودته إلى الشارع العربي، مستفيداً ومستنداً إلى تجربته الغنية المكللة بالانتصارات والإخفاقات. واستحضر التساؤل عن التيار القومي، والضرورة القومية، في وجوب عودته إلى الجماهير العربية، وما يمكن أن يشغل من وظائف وأدوار وطنية وقومية، وما ننتظره من عمليات كفاحية في قلب الحياة العربية، تتصدى لتلك المخاطر والتحديات، وتردها على أعقابها كما فعل خلال عقد الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن المنصرم. وكان لزاماً علينا في جوابنا عن تلك الأسئلة الحمَّالة لروح معركة المصير العربي أن نجتهد ونستحضر المدرسة الوظيفية من رؤية منهجية ترى بأنها مالكة لقوة الإجابة عن المفاهيم التي حملتها تلك الأسئلة، مثل الدور والوظيفة والعمليات الاجتماعية. وهذا معناه أن يشكل التيار العربي الوحدوي جنباً إلى جنب مع المدرسة الوظيفية موضوع الدراسة التي ستأخذ على عاتقها المضي فيهما تنقيباً وتحليلاً وتفسيراً ووضع المعاني للمفاهيم التي ستحفل بهم الدراسة تمهيداً لاستخلاص النتائج والبرهنة على الفروض الخاصة بالتيار الوحدوي وأدواره وعملياته السياسية والاجتماعية في سياقها العربي. إذاً تمضي الدراسة في مهمَّتها هذه شارحة ومحللة المدرسة الوظيفية ومنهجها وآلياتها في تقديم رؤية وتصور للتيار العربي الوحدوي، معتمدة، كما سنرى، على الملاحظة المباشرة والملاحظة بالمعايشة لتحرك هذا التيار في الشارع العربي، اعتماداً على حقائق الأمة العربية الوحدوية السكانية والجغرافية والتاريخية والثقافية واللغة والدين، ومن أنه، أي التيار الوحدوي، يشكل أحد مكونات المجتمع العربي، وتميزه بالتعامل مع تلك الحقائق، الأمر الذي جعل الفكر العربي ينظر إلى التراث العربي نظرة إيجابية، وأن يضع أصابعه على ما في الحياة العربية من ثقافة سياسية وطنية/ قومية قائمة على الوحدة والتنوع الخلاَّق. ولا شك أن النتائج ستقول رأيها في الأدوار والوظائف الوطنية القومية التي تنتظر التيار العربي الوحدوي القيام بها على وجه السرعة، وما يترتب على ذلك من عمليات كفاحية ذات طبائع وحدوية تحررية تعيد اللحمة بينه وبين الجماهير العربية، وتضعه في موقع قيادي في التحرك الشعبي ضد المخاطر والتحديات التي تواجهه في معركة المستقبل العربي. الاتجاه الوظيفي: قول كهذا الذي قالته الدراسة عن وجه العلاقة بين المدرسة الانتروبولوجية الوظيفية ومنهجها، وبين الأدوار والوظائف والعمليات النضالية التي تقول الدراسة إنها من واجبات وشرعيات التيار العربي الوحدوي على اختلاف فصائله تملي الاستعانة المنهجية بالمدرسة الوظيفية، وطرقها في التقاط الوظائف، والفروض التي ستطرحها بعد حين، ومعاني تلك المفاهيم حتى تتوضح تلك العلاقة بكل جوانبها، وما سيسفر عنها من تفسير ووضع معانٍ ونتائج، لانَّ العلم الانتروبولوجي يعد من أولى مهماته وضع المعاني للمفاهيم. ونعود ثانية إلى كل من مفهوم الوظيفة والدور والعملية الاجتماعية، وهي من المفاهيم التي استنبطها العلم الانتروبولوجي اعتماداً على المماثلة بين الإنسان ككائن عضوي «بيولوجي» وبينه وهو يمارس نشاطه الاجتماعي ويؤدي أدواره ووظائفه داخل مجتمعه. في مفهوم الوظيفة: إذاً فإنَّ فكرة الوظيفة function قديمة قدم الفكر الاجتماعي بكل تكويناته واتجاهه من الفكر الصيني.... إلى اليوناني.... إلى الفكر العربي والأوربي. غير أن الوظيفة في رحلتها وترحالها في الكتب والأبحاث أخذت معاني مختلفة ومتباينة ومتشابهة ومتقاربة(1). وشأن الوظيفة شأن المدارس الانتروبولوجية الأخرى، فإن الاهتمام بها والجدال الذي دار حولها حقق تراكماً في تعميق معنى الوظيفة حتى تحوَّلت إلى مدرسة مالكة لاتجاهها الوظيفي(2). ومن المهم قوله إن الدراسات النظرية والحقلية التطبيقية عززت المنهج الوظيفي وأوضحت شخصيته المنهجية من ابن خلدون الذي قال بوظيفة العصبية المتمثلة في نزعة الالتحام والانقسام، ودورها في تقسيم عصبية القربى إلى مستويات، كل مستوى له عصبية من الالتحام والانقسام. وربط وظيفة العصبية ودورها في النظام الاجتماعي الذي تعيشه المجتمعات القبلية التي تقوم على قربى الدم(3). ودوركهايم قال هو الآخر بعلاقة الوظيفة بالنظام الاجتماعي، ولكن من منظور التناظر بين النظام وبين حاجات الكائن العضوي(4). لكن رادكليف براون إذ يوافق على تعريف دوركهايم للوظيفة ومسألة التماثل، فإنَّه يعترض على مفهوم «الحاجات» ويستبدله بمفهوم «الإصلاح» لأنَّه أفضل منهجياً، ويشكل الشرط الضروري للإنسان أو الكائن العضوي. وتقرر الدراسة تجاوز مسألة المناقشات والمماحكات بين علماء الأنثروبولوجيا حول مضمون مفهوم الوظيفة وتعدد تعريفاته، وتقول على لسان المدرسة الوظيفية: إنَّ الوظيفة شأن وطبع من طباع العمران البشري وهو يمارس ويعيش عملياته الاجتماعية Process Social. وفي عمق وجوهر هذه العمليات تتوفر الممكنات والشروط الاجتماعية لولادة المتغيرات، ثم نموها خلال عملية تعايش طويلة أو قصيرة زمنياً، قائمة على الاعتماد الوظيفي المتبادل حتى تنضج هذه المتغيرات، ومن ثم تحدث تحولات بنائية متعددة المستويات. والتغير في حقيقته وجوهره، تغير في طبيعة الوظائف والأدوار والعمليات الاجتماعية. كما يملك ديمومته المحكومة إلى خصائص المجتمع التاريخية والاجتماعية، بالإضافة إلى الظروف والأحوال التي يتعرض لها خلال تطوره. والمعروف أن الحركات والأحزاب السياسية وجدت لتمارس وظائف وأدوار مقررة في برامجها وخططها. ولكن في سياق حاجات المجتمع وهو يعيش لحظات تغيره وانتقاله. غير أنّّ هذه الوظائف والأدوار والعمليات على اختلاف فعالياتها مقترنة دائماً بالعملية السياسية المجتمعية. ويفيدنا التاريخ الحديث والمعاصر أن أي حزب من الأحزاب السياسية يقترن دوامه وفعاليته الشعبية بدوام قدرته على ممارسة وظائفه وأدواره المنصوص عنها في خططه وبرامجه وبياناته، ووعوده إلى جماهيره وفعالياته الشعبية الواجهية. الدور البنائي للوظيفة: وفي سؤال تقرره الأفكار السابقة عن المدرسة الوظيفية. ما هي الوظيفة؟ يعرّف رادكليف براون الوظيفة البنائية بأنها هي التي تصب نشاطها الجزئي في النشاط الكلي لكونه يؤلف جزأه الأساسي وجزءاً منه(5). إذاً الوظيفة فعلٌ اجتماعي تقوم به العناصر البنائية التي يتكون منها البناء الاجتماعي. كل في نسقه، ولكن على أساس الاعتماد الوظيفي المتبادل بين هذه الأنساق بحيث يصب كل نشاط جزئي للحزب في نشاطه الكلي. وفي تطبيق هذا التعريف على الحزب السياسي نجد أن هذا الحزب يملك وظائفه. ويقوم بأدواره داخل الحياة الاجتماعية من خلال تلك الوظائف وقوة دورها في العمليات الاجتماعية والسياسية التي يؤديها، أو يشارك فيها. وإن كانت الوظيفة السياسية تأتي في سلم أولوياته، بحكم دوره السياسي في العمليات السياسية، جنباً إلى جنب مع الأحزاب والحركات الأخرى. إذاً، الحزب يقوم بنشاطه الجزئي، ويصبه في النشاط السياسي الكلي الذي يتألف ويتكون منه النسق السياسي، ولأنه يؤلف جزأه الأساس(6). والأدوار هي التي تقرر عادة معاني العمليات الاجتماعية. فهي، على سبيل المثل، التي تدل على وجه العلاقة بين الأحزاب من جهة، وبينها وبين الدولة من جهة أخرى. وهي أيضاً التي تشير إلى طابع نضال الأحزاب وتجلياته داخل المجتمع ورد الفعل الشعبي عليه. وفي هذه الحالة فالأدوار التي تمارسها العناصر النسقية البنائية، هي التي تحدد أنماط وأنواع السلوك الاجتماعي والسياسي والثقافي، وما يتمخض عنها من حقوق وواجبات ومسؤوليات متشابهة مرّة، ومتنوعة مرّة ثانية. والخلاصة فالأدوار هي الوظائف التي تمارسها العناصر والنظم والأنساق البنائية داخل البناء الاجتماعي. كما أن الوظائف والأدوار. سواء كانت جزئية أو كلية، بسيطة أو مركبة، هي التي ترسم وتحدد معالم وملامح المجتمع وشخصيته الاجتماعية والتاريخية. المدرسة الوظيفية وقضية الفروض: ستلاحظ الدراسة وهي تعد العدّة المنهجية لصياغة الفروض التي تخص واجبات وأدوار التيار القومي التي يمارسها داخل الوطن العربي في مستوياته المحلية والوطنية والقومية، أنها معنية بالإشارة إلى ذكر بعض المفاهيم التي تسعفها في تحقيق صياغة دقيقة للفروض، وهي تتابع نشاط التيار القومي بكل أبعاده السياسية والعقائدية والتعبوية والنضالية، مثل المفاهيم الرئيسة: مفهوم النسق، البناء الاجتماعي، الثقافة السياسية، الانقسام، التغير، التطور، والمفاهيم الثانوية مثل: الأسرة، العائلة، العشيرة، الخطبة، الزواج، الطلاق، الملكية، القضاء، الحكومة، ومفاهيم القيم: الأخلاق، المساواة، الحرية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، الرأي والرأي الآخر.....الخ. إنَّ الغاية من المفاهيم، والدراسة ماضية في استنباط الفروض من أجل وضع معاني للمفاهيم التي يستخدمها التيار القومي العربي الوحدوي، ومعرفة مستوى مطابقتها لممارساته السياسية في الحياة العربية، والكيفية التي يتعامل بها هذا التيار مع مفاهيمه في مشروعه السياسي والحضاري. ومن ثم قدرته على استيعاب التحديات التي تواجهها الأمة وتميزه في تحقيق الاستجابات المطلوبة، لأنَّ الاستجابات في التحليل الأخير، دلالة على قدرة الحزب أو التيار القومي في فهم وإدراك المتغيرات. وتشكل المفاهيم في كل حالاتها قاعدة منهجية، ونقطة انطلاق للمدرسة الوظيفية في صياغة الفروض التي تخص الاتجاه القومي ومشروعه السياسي الحضاري، وعلاقاته بالشارع العربي لأنَّ الفروض لها دورها في توجيه الدراسة وهي تباشر مهامها في تعريف التيار القومي والاتجاهات التي يتكون منها، وإبراز توصيف معالمه الرئيسة، ومن ثم تفسيرها على ضوء وجه العلاقة القائمة بين المتغيرات. والفروض، كما سنلاحظ، في حقيقتها(7) «مجموعة من المبادئ الأولية التي يسلم العقل بصحتها، والتي لا نستطيع البرهنة عليها بطريقة مباشرة لشدة عموميتها، فهي في وضعها البنائي تشكل مشكلة للبحث، وهي حقائق متصورة تنبعث من خيال الباحث على شكل تخمينات محسوبة تسعى لتفسير الظاهرة المبحوثة من خلال برهنة أو رفض وجود علاقة سببية يعالجها الفرض. أي أنها تعميمات لم تثبت صحتها يحاول الباحث أن يتحقق من صدقها من خلال خطوات منهجية ومقننة يقوم بإحداثها بهدف التحقيق من مدى ملائمة هذا التعميم وتمشيه مع الحقيقة، أو بعدها عنه». عملية صياغة الفروض: إنَّ اختيار الدراسة للتيار القومي وعلاقته بالشارع العربي موضوعاً لها، يقصد منه بيان أو إظهار ما هو التيار القومي، وماهية مهامه وأدواره ووظائفه السياسية والاجتماعية والثقافية الوطنية منها والقومية، وما هي مكوناته وجوهره الكفاحي، وطابع العلاقة بين مكوناته من فصائل وحركات، وما إذا كانت مواكبة ومتفقة مع الأهداف الكبرى للشعب العربي في وحدته وتحرره واشتراكيته. وهذه التساؤلات التي وجهت إلى التيار القومي وعلاقته بالشارع العربي في اللحظة الراهنة، واللحظة القادمة لا بد أن تحيلها الدراسة إلى فروض تغطي وتستوعب التيار القومي، وعلاقته بالشارع العربي لأنه شكل موضوعاً أو ظاهرة سياسية/ اجتماعية ستعمل الدراسة على تحليلها وتفسيرها والقول المنهجي فيها تمهيداً لاستخلاص النتائج. وتود الدراسة أن تعلن أن الغاية من ذلك الإجراء المنهجي التأكد من سلامة الفروض التي ستسعفها لاحقاً في إلغاء كل ما يخالف حقائق تلك الظاهرة المتمثلة بالتيار القومي والشارع العربي. كما تود الدراسة أن تنوِّه أن الفروض لا بد أن تتسم بعدة خصائص منها البدهية كأن نقول: إن حدود القطر العربي الواحد هي حدود الوطن العربي كله(7). وإن الوحدة والتنوع في الثقافة العربية الشعبية تمثل حالة إغناء وحيوية، وأحد المؤشرات على الحقائق الوحدوية للأمة العربية. ومنها أيضاً الطابع الاحتمالي والوضوح والبساطة وإمكانية تحولها إلى قوانين، أو في مستواها. مقدمة في التيار القومي: عرف التيار القومي بأنه الأحزاب والجماعات والمنظمات التي آمنت بوحدة الأمة العربية والتحرر من تخلفها الذي طال أمده, وخلاصها من الاستعمار والتجزئة القومية(8). إذا، التيار القومي العربي ينفرد عن التيار الأممي والأحزاب الشيوعية، والمنظمات الماركسية اللينينية, والتيار الإسلامي، بإيمانه بحقيقة الأمة العربية الواحدة، ومشروعية وحدتها السياسية. ومع ذلك فان التيار القومي يتلاقى ويتشابك مع تلك التيارات في المسألة الوطنية، ومسألة العدل الاجتماعي، والمسألة الإنسانية. وهذا الافتراق والتلاقي هو الذي أدى إلى نجاح هذه التيارات في تحقيق بعض الانتصارات الكبرى في الجبهة الداخلية والخارجية. لكن مسيرة النضال والكفاح لهذه التيارات مجتمعة ومتفرقة منيت بنكسات صغيرة وكبيرة، شكلت إلى جانب التغيرات التي اجتاحت العالم في أعقاب الثورات الثلاث: ثورة المعلومات والاتصال والهندسة الوراثية, وتفكك عرى منظومة الدول الاشتراكية، وتربع الإمبريالية على قمة الهيمنة على العالم, أزمة للحركة العربية الشعبية بكل أحزابها وفصائلها. هذا إذا قبلنا الحديث أول القول في منطق الأزمة. وكان للأزمة أسبابها ودواعيها ممثلة على وجه الدقة في العوامل الداخلية الخارجية التي تتفاعل في طول الوطن العربي وعرضه. وتتوقف الدراسة قاصدة ومعللة ومختارة أمام ممارسة التيار القومي، أقصد كل اتجاهاته ومكوناته الحزبية لتقول: إن هذه الممارسات أُسَّست وبقوة البوابة التي أخرجته من لحمته وتسانده مع الشارع العربي، فأخذ يعيش عزلته الشعبية القاتلة. لكن الدراسة لا يمكن أن يغيب عن بالها على الإطلاق دور الأنظمة العربية الغارقة في تبعيتها وقطريتها وممارساتها التجزيئية. لكنها من جهة أخرى لا تجعل منها مشجباً يعلق عليه التيار القومي بعض إخفاقاته. وتسعف الدراسة نفسها بأن تقول فكرة أو شيئاً بشأن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المعقد للوطن العربي، بأنه كان له نصيبه في تلك الإخفاقات، حيث إن مستويات التطور الاقتصادي ـ الاجتماعي التي وصل إليها الوطن العربي شكلت حالة ضعف وتخلف وجدت نفسها في البنية التنظيمية للتيار القومي، في أحزابه ومنظماته وإن كانت من مستويات مختلفة ومتباينة. لكن هذا لا يعني أن الأحزاب والحركات القومية تتساوى وتتعادل في مكونات الفشل والإخفاق. ومعلوم أن التيار القومي العربي، وخلال مرحلة المد القومي، ونهوضه بمهامه الوطنية والقومية, كانت تقوده أحزاب وحركات عدة يأتي على رأسها حزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب والاتجاه الناصري. وتود المقدمة أن لا تكون أسيرة أو منحازة للتيار القومي العربي باتجاهاته الرئيسة، فتفيد بأن هناك أحزاباً وطنية حملت الهموم القومية وشاركت في النضال من أجلها. وإن كانت هذه المشاركة ليست على سوية واحدة في تلك الأحزاب، تشير إليها دون أن تتوقف عندها، وإنما تحيل هذا الأمر إلى الكتب والدراسات التي أرَّخت ودرست وحللت وفسرت النضال الوطني القومي في الوطن العربي. وثمة حالة أخرى, لكنها من نوع آخر تقدر مقاصدها في الإعلان من أن الوضع الاقتصادي في الوطن العربي على وجه العموم أوجد خارطة اجتماعية مختلفة في نصيبها من ثروات الوطن العربي. وهذا كان معناه في حال من الأحوال أن الوطن العربي شكل لوحة اجتماعية فسيفسائية فيها، وجنباً إلى جنب, الكثرة من التوافقات الاجتماعية والثقافية، وفيها أيضاً ما يمكن وضعه في الحسبان وفي رؤى المستقبل العربي عهدئذ من المفارقات والتناقضات. لكنها جميعاً حمالة للعملية الجدلية. لكن ما يجب قوله وعلى وجه السرعة إنَّ التناقضات كانت تكبر وتتكاثر بين من يملك الثروة من ملاك كبار وأغنياء المدن، بينما تكثر التوافقات بين الفئات المتوسطة والصغيرة والفقراء، في طول الوطن العربي وعرضه. وهذه التوافقات هي التي شكلت الأرضية للتيار القومي لأن يلعب دوره القومي بنجاح وامتياز خلال عقد الأربعينات والخمسينات، ومطلع عقد الستينات من الألفية الثانية. وتزعم المقدمة أن هذه التوافقات الباقية والمستمرة في الأقطار العربية هي المجال الاستراتيجي التي يجب أن يعمل فيها التيار القومي, وذلك بتنشيط هذه التوافقات وإكثارها ومدها بكل الآليات والحيوية التي تحتاج إليها, حتى تعود وتصبح الشغل الشاغل للإنسان العربي، مثل القضية الفلسطينية, وقضية احتلال العراق وعودة الاستيطان الإمبريالي الذي يتراضع مع الكيان الصهيوني باستمرار دون توقف، وقضايا التنمية القومية المستمرة التي تسعف الفقراء والمحرومين في الوطن العربي، وتقوي بينهم اللحمة الوطنية القومية، وإشهار حقائق الوحدة العربية واحدة واحدة، بالتوافق مع قضايا ومستلزمات كل مرحلة وخاصة المصالح المشتركة للشعب العربي. الإشكالية ـ الأهمية والجذور: والسؤال ـ التساؤل الآتي يشكل صميم إشكالية المقدمة التي تتناول مفرداتها بالبحث والتفسير. فقد علمنا التاريخ العربي الوسيط والحديث والمعاصر دور الفكرة القومية في المحافظة على الشخصية العربية القومية الرئيسة أو المنوالية، على حد تعبير السيد ياسين، والشخصية المحلية والوطنية، لأن هذا التاريخ أبان صحة وسلامة أطروحة الفكر القومي التي تقول إنَّ الوطنية هي القومية، وإنَّ حدود القطر هي حدود الوطن العربي كله، وإن القومية لها تجليات وطنية كثيرة ومتشعبة، تمثلت على وجه الدقة في حوادث قومية كثيرة، أبرزها وأقربها الحروب ضد الفرنجة. ومن بعد الثورة العربية، والموقف الشعبي القومي من القضية الفلسطينية، ومن ثورة الجزائر، وإبَّان العدوان الثلاثي على مصر واحتلال العراق من قبل الإمبريالية الأمريكية. وفي الحالة العربية التي ألمحنا إلى ملامحها الرئيسة باستعجال فرضته ظروف الدراسة ومناسبتها، وهي الحالة التي شكلت مجالاً رحباً، ومقدمات لولادة التيار القومي، وتنامي دوره النضالي الذي حقق انتصارات لا يمكن أن تلغيها أو تغمض العين عنها الإخفاقات التي بدأت بمؤامرة الانفصال المشؤوم الذي أعاد تجزئة الجمهورية العربية المتحدة إلى قطرين، وقوة التجزئة القطرية التي تنامت باتجاهين: الاتجاه الانعزالي والاتجاه اليسراوي. ومن هذه الأرضية لا من غيرها فان للعملية القومية معانيها وأطروحاتها ونضالها ومنهجها ومفردات ثقافتها السياسية، لا تراها الدراسة في عملية التفسير الذي تقوم بها هذه الجهة أو تلك، وإنما يوازي ذلك ويجاريه استمرار الحوار السياسي والاجتماعي بين اتجاهات وأحزاب التيار القومي من أجل عودة مظفرة إلى الشارع العربي، يكون فيها هذا الشارع حاملاً شأنه العام وفاعلاً فيه، بل هو الذي يقود خطاه إلى الأمام. وتعميق العلاقة الكفاحية النضالية بين الأحزاب والجماعات والمنظمات القومية، واستكمال الدراسة المعمقة، والموجهة بالفكر القومي ومنهجه، للظروف والعوامل والمناخ الذي يحيط بالعمل القومي بشكل عام، وبدور التيار القومي على وجه الخصوص. إنَّ المضي في العملية القومية إلى الأمام يعني امتلاك مشروعيتها بكل المواقف القومية التي يقفها الشارع العربي أثناء الأحداث وخلال المهام الجسام، آخرها احتلال العراق. وهذه المشروعية تستوجب على وجه السرعة، ولكن بخطوات مدروسة مدركة معانيها ومفسرة في غاياتها، زيادة قدرات التيار القومي وطاقاته النضالية حتى يتمكن من استيعاب الأحداث والمهمات ويتحول من موقف الدفاع إلى الهجوم، جنباً إلى جنب مع الشارع العربي، وهو يواجـــــه التحديات الوطنية والقومية ومخاطرها، تحت شعار استراتيجي، بل قانون قومي يقول: إن حدود القطر العربي هي حدود الوطن العربي كله. وهذا معناه أن التيار القومي إذا أجاد فهم الواقع العربي فهماً صحيحاً وسليماً. أقصد التبصر بقوانينه وآليات انتقاله وعمليات الوحدة / الانقسام داخل البنى الاجتماعية العربية في حالاتها المحلية والوطنية والقومية وتحدياته الداخلية، بناء على جدل الداخل مع الخارج، ومستوعباً العملية القومية بكل عناصرها ووقائعها، فانه يعود إلى الشارع العربي من أبوابه العريضة مالكاُ قدراته التحريضية والتعبوية، فتزداد مهاراته وإمكاناته في إعادة الشأن العام للشارع العربي، والتفاعل معه أثناء وقوع الأحداث. تلك الأفكار فرضت نفسها كحاجات ملحة للتيار القومي. وتشير الدراسة إلى أن تلك الأفكار ليس لها صلة على الإطلاق بمنطق الرغبة، وإنما هي مؤكدة بقوة الحوادث والوقائع التي تجري في طول الوطن العربي وعرضه، وواضحة من خلال الدراسات النظرية والحقلية والأبحاث والدراسات المستقبلية. أهمية الدراسة وحدودها: تتجلى أهمية الدراسة، من وجهة نظرها، بأنها تناولت موضوعاً يملك الأولوية في الحياة العربية المعاصرة، والمتمثل في الكيفية التي يمارس فيها التيار القومي دوره بنجاح، حتى يتمكن من العودة إلى الشارع العربي، ويتسلم زمام المبادرة في قيادة الأحداث، والتصدي لها في المستويين الوطني و القومي، ومواجهة الاستبداد القائم الآن في الأنظمة العربية، وكذلك الفساد والتبعية، وتنشيط الثقافة الديمقراطية، وما تستوحيه من حراك اجتماعي وسياسي وثقافي، والتصدي للتجزئة بكل مناحيها، ومقاومة الاستيطان الأمريكي، ومجاهدة احتلاله للعراق، وتنشيط الحوار الجبهوي مهتدياً التيار القومي بفكر البدايات وعقوده السياسية ـ الاجتماعية التي أقامها مع الأحزاب الوطنية والشيوعية، والحركات الإسلامية على طريق الحرية والوحدة والاشتراكية تمثلت حسابات الدراسة مادام موضوعها يتركز في علاقة التيار القومي بالشارع العربي بنهوضه وممارسة دوره القومي بناء على القانون الوحدوي: وحدة النضال العربي تقود إلى نضال الوحدة العربية(9) وتخطى حالة العزلة الشعبية، وعودته المظفرة والميمونة إلى الشارع العربي، في أن المتغير الأساس خلال مطلع الألفية الثالثة، يتمثل في صعود الهيمنة الإمبريالية الأمريكية وتشكل القطب الواحد, ونشوء الإمبراطورية الأمريكية، وترافق ذلك مع تحالف القوى التجزيئية الحاكمة في الوطن العربي مع المد الإمبراطوري الإمبريالي. لذلك كله، أقصد تلك الحسابات، جعلت الدراسة تمضي في تأريخ بدايات التيار القومي على أنه داخل حدودها وتستأنس الدراسة بتاريخ الفكر القومي من أجل أن تقول انه ترعرع وشب غداة نشوء ما سماه الفكر القومي «اليقظة العربية» التي كان لعملية التتريك شأنها في انبعاث هذه اليقظة. ومفاد هذه العملية أنها تحاول دمج العرب في بنيان الدولة العثمانية، والتخلي عن العروبة التي تعني الهوية القومية، لأنها هي العروبة مرة، وهي الإسلام مرة ثانية(10). وبحكم تطور وحراك الأمم تجاه بعضها بعضاً بدأت عملية التغيير تدق أبواب المجتمع العربي، وخاصة في أعقاب حملة نابليون الساعية إلى استكمال الإمبراطورية الفرنسية هيمنتها على الوطن العربي فتطورت الطباعة والصحافة وطبع الكتب التي ترافقت مع انتشار البعثات التبشيرية وأخذت البعثات الدراسية تشق طريقها إلى أوروبا وبدأ الاعتماد على الخبراء. وهذا النهوض الفكري أسس لظهور جمعيات وتنظيمات في بلاد الشام، ومهد لنشوء اتجاهات اجتماعية وسياسية(11). وشكل تأسيس هذه الجمعيات والتنظيمات الفكرية والسياسية خطوة إلى الأمام في تأسيس المؤتمر العربي الأول، غداة انتقال الكثير من رجال السياسة والفكر إلى مصر وفرنسا نتيجة ما لاقوه من اضطهاد من قبل الولاة العثمانيين، بسبب مناهضتهم للمركزية التركية(12). وفي فرنسا بدأت الدعوة إلى مؤتمر قومي عربي تنشط وتجد صداها بين مختلف التيارات والاتجاهات السياسية والفكرية التي وقفت موقفاً معارضاً للهيمنة التركية. ووجهت الدعوات إلى الأحزاب والجمعيات العربية للمشاركة في المؤتمر العربي الذي انعقد بتاريخ 18/6/1913 في مقر الجمعية الجغرافية الفرنسية وانتهى المؤتمر إلى قرارات تمت بالإجماع. وفنَّدت هذه القرارات أهمية الإصلاح السياسي الاجتماعي والاقتصادي(13) «ووجوب تمتع العرب بحقوقهم السياسية، واعتبار اللغة العربية لغة رسمية داخل الولايات العربية، وضرورة مشاركة العرب في شؤون الإدارة المركزية واللامركزية، وأن تشكل أدبيات المؤتمر وقراراته برنامجاً سياسياً وانتخابياً للعرب في الإمبراطورية العثمانية». وفي نهاية الحكم العثماني لبلاد الشام، وتأسيس الدولة العربية في سورية من قبل الأمير فيصل، تمت المباشرة في تشكيل الأحزاب، وتوفرت بهذه الخطوة والمفردة الثقافية السياسية العربية مقومات الحياة الحزبية. لكن وقوع سوريا تحت الانتداب الفرنسي، والممارسات القمعية التي قام بها المندوب السامي الفرنسي فرضت على الأحزاب الانتقال إلى خارج سوريا، وكان أبرزها وأكثرها انتشاراً حزب الاستقلال والاتحاد(14). هذا إضافة إلى الأحزاب التي تشكلت في الداخل بعد حين عهدئذ: مثل حزب الشعب الذي تأسس عام 1925 م، وحزب الوحدة السورية وظهور الكتلة الوطنية غداة مؤتمرها الذي عقد في 27 / 10 / 1927 وحزب الإصلاح وحزب الاتحاد الوطني وحزب الأمة الملكي الذي تأسس سنة 1928(15). وبعد مخاض طويل ومعاناة حبلى بمعركة المستقبل العربي، تأسست عصبة العمل القومي جنباً إلى جنب مع الحزب القومي العربي. وتحسب الدراسة أن التيار القومي كان خلاصة منطقية حية لتلك الحركات والأحزاب، بما فيها عصبة العمل القومي،الذي تمثل بعد ذلك في الآتي(16): 1ـ حزب البعث العربي الاشتراكي 2ـ حركة القوميين العرب 3ـ الحركة القومية الناصرية 7 ـ فروض الدراسة وتساؤلاتها: أ ـ إن ما جرى ويجري على الساحة العربية وآخرها حتى هذه اللحظة ـ أقصد لحظة كتابة هذه الدراسة ـ له أسبابه وعوامله الداخلية والخارجية بما يخص التيار القومي منها أنه لم يرتق بكل فصائله إلى مستوى التحديات الأمر الذي مانعه ودافعه من ممارسة دوره النضالي الوحدوي المطلوب، فأوجد بهذه الممارسة مسافة بين وحدة النضال ونضال الوحدة. ب ـ إن النزعات اليسراوية التي اجتاحت التيار القومي، واستخدام الفكر الماركسي الرسمي لتفسير الواقع العربي. جعلته ينأى عن الشارع العربي، فانشغل بمعاركه الداخلية التي أدت إلى انقسامه وتبعثره. زد على ذلك هيمنة المفاهيم العقائدية والسياسية وآليات التحليل والتفسير داخل منظومته الفكرية وثقافته السياسية، التي لا تجاري الواقع العربي بل تعيد تركيبه على هواها. هذه الهيمنة التي أخرجت أجنحة من ثوبه وخصوصيته الوطنية والقومية، وكانت أحد مكونات أزمته. جـ ـ كلما تمكن التيار القومي من توحيد فصائله واتجاهاته والعودة إلى انطلاقته الأولى بزخمها الشعبي وسلامة النظرة إلى قضايا الأمة وجدية وعلمية التفكير الذي قاد ووجه تلك المرحلة تمكن من العودة إلى علاقة سليمة وفعالة ونضالية مع الشارع العربي. د ـ السؤال ـ التساؤل كيف يخرج التيار القومي من أزمته ؟ وكيف يبدأ بمعالجتها وما هي الآليات التي يستخدمها في مهمة الخروج منها، وقد غدت مهمة وطنية ـ قومية لا تقبل التأجيل؟ المفاهيم هي آليات وأدوات التحليل والتفسير لأي ظاهرة من الظواهر سواء كانت طبيعية أو مادية أو اجتماعية ونفسية. والمفاهيم في كل حالاتها تشكل وحدة التفاهم والتواصل بين العلماء والباحثين. كل في دائرة علمه واختصاصه. وفي ميدانه المعرفي. وهي العناصر المشتركة بين العلماء وأهل الاختصاص في العلوم التي تمكنهم من بناء تطورات ذهنية ومعرفية وبحثية يشيرون ويدللون بها على الظاهرة المدروسة من قبلهم(17). وهذا معناه أن المفاهيم عِدَّةُ عالم السياسة، على سبيل المثال لا الحصر، في البحث والتنقيب والتحليل في الظاهرة السياسية، ومن ثم المباشرة بتفسيرها وتنظيرها حسب عناصر مكوناتها، وقول الكلمة فيها بناء على شروطها الداخلية والخارجية. ويستبان من الوظائف التي تقوم بها المفاهيم في العلم السياسي، أنها أساس بناء النظريات السياسية، وشرط التنبؤ واستنباط القوانين، لأن العلم السياسي في التحليل الأخير كوكبه أو عائلة ومجموعة من القوانين التي تحكم الظاهرة، وتقول رأيها في علاقة الظواهر السياسية وتطورها، داخل البناء الاجتماعي. إنَّ الدراسة إذ تتقدم خطوة إلى الأمام في تسييس المفاهيم، أي إبانة ما تعنيه وما ترمز إليه, وما تدل عليه بشأن الظاهرة السياسية، لأن التيار القومي العربي، وهو موضوع الدراسة، يحسب وينتمي إلى تلك الظاهرة في العلم الأنثروبولجي، فإنها تدرك أنها مشت خطى إلى الأمام في توضيح وتفسير هوية التيار القومي العربي، واكتسابه مضمونه العلمي : 1ـ التيار: يقول المعجم الوجيز أن(18) «التيار » في اللغة العربية هو حركة سطحية في مياه الأنهار والبحار والمحيطات، تتأثر باتجاه الرياح وقد تنقل المياه الدافئة إلى المناطق الباردة وبالعكس و: شدة جريان الماء و في ( علم الطبيعة ) سيال كهربائي يجري في جسم موصل الكهرباء، وهو أنواع. ويقال تيارات فكرية وتيارات أدبية. 2ـ القومي: هو، كما يقول المعجم الوجيز(19)، من يؤمن بوجوب معاونته لقومه ومساعدتهم على جلب المنفعة، ودفع المضرة. و ـ: الوطني، يقال العيد القومي، الزعيم القومي. 3ـ القومية: صلة اجتماعية وجدانية تنشأ من الاشتراك في الوطن والجنس واللغة والمنافع وقد تنتهي بالتضامن والتعاون إلى الوحدة كالقومية العربية إذا: فالقومية من صنع الأجيال المتعاقبة، نتيجة تراكم طويل، وتفاعل خلاق، يمتد خلال زمن طويل. بل قل خلال قرون متعاقبة تؤدي إلى وجود معالم وصفات وخصائص مشتركة، وروابط اجتماعية وثقافية وتاريخية وروحية بين أبناء القوم الواحد إذاً، فالقومية ليست بنت مرحلة بمعنى أنها درجة من درجات التطور والارتقاء، لأنها تتداخل في تكوين شخصية الأمة وتطبعها بمعالم خاصة بها لذلك يقال الشخصية القومية العربية والفرنسية. .. الخ 1ـ الاشتراكية هي بكل وضوح واختصار: اشتراك أبناء الوطن العربي في ثروات وموارد وطنهم بحيث تتقارب وتتساوى الفئات والشرائح الاجتماعية، ويتحقق العدل الاجتماعي في أقصى درجاته، حتى لا يوجد مستغل ـ كسر الغين / ومستغل ـ بفتح الغين. وهي أيضاً واحدة من النظريات الاقتصادية لها مفاهيمها ومقولاتها وأطروحاتها ونظمها التي تحمل في مضمونها الدلالة على أن الإنسان وجد ليعيش في مجتمعه بعيداً عن الاستغلال والتسلط، بحيث ينال كل ذي حق حقه. وهي عربياً لازمة للحرية والوحدة، لأنها في كل حالاتها تمثل المستقبل العربي جنباً إلى جنب مع الوحدة والحرية، ولأنها في واحدة من حالاتها نضال ضد الأوضاع الفاسدة والظلم الاجتماعي والسياسي ولذلك تقترن وتلتحم مع وحدة النضال ونضال الوحدة العربية. 2ـ الثقافة القومية السياسية: الثقافة في علم الإنسان: «الانثروبولجيا» هي كل ما ينتجه الإنسان في غدوه ورواحه، وخلال نشاطه الفكري والروحي. والثقافة أصناف وأنواع، منها المادي والاجتماعي، ومنها الفكري والروحي، وكل صنف أو فرع من الثقافة ينقسم إلى عناصر مركبة وبسيطة وهذه الأجزاء في كليتها هي التي تشكل الثقافة. وكل أمة مقرونة بثقافتها. لها جملة من المشتركات والتوافقات الثقافية مع ثقافات الأمم الأخرى، ولذلك يقال الثقافة العربية، والثقافة الروسية، والثقافة النروجية... والثقافة هي التي تحدد معالم الشخصية لهذه الأمة أو تلك، لذلك فإذا أخذت ثقافة من الثقافات وقمت بتحليلها ومعرفة مضامينها ومعانيها، فانك تقول على الفور من هي الأمة التي تحسب أو تنسب إلى هذه الثقافة. والثقافة شأنها شأن كل الظواهر البنائية ـ نسبة إلى البناء الاجتماعي ـ من فعل البشر وخلال تاريخهم الطويل. وهي محكومة إلى قوانين أهمها قانون التخلي والاكتساب(20) وقانون التواصل والاتصال. والثقافة القومية هي قطاع أو نسق من أنساق الثقافة العامة المكونة من معانٍ ومفاهيم وقيم واتجاهات خاصة بالأمة، والثقافة القومية العربية هي جملة من المفاهيم والقيم والأعراف والتقاليد والاتجاهات والحقوق التي تمكن أهل العلم السياسي، ومن في معيتهم من المثقفين العرب، وعلى وجه الخصوص أولئك الذين يؤمنون بأن قوميتهم العربية هي عروبتهم ووطنيتهم في فهم الحياة السياسية العربية. وهي الفكر والنظم والمؤسسات والأحزاب والجماعات والمنظمات والحقوق والواجبات. والثقافة القومية العربية هي العين التي يقرأ فيها المثقف العربي ومن في حكمه حياته العربية والسياسية والاجتماعية، ويحلل من خلالها أو بموجب مفاهيمها. التحديات التي يواجهها الوطن العربي، وهي أيضاً دالته للتنبؤ بالمستقبل العربي، ورصد الأحداث المستقبلية وأخذ مواقف راهنة ومستقبلية منها. والمعروف عن الثقافة القومية العربية أنها شكلت الضوابط والآليات لتنشئة الإنسان العربي تنشئة نضالية وحدوية(21). والثقافة القومية العربية السياسية لها مفردات كثيرة تنظم العمل السياسي، وُتكَوِّن المعرفة السياسية، وتشكل وحدة المفاهيم التي بموجبها تفسر الواقع العربي السياسي. وفي حال من حالاتها تشكل دليل عمل للمناضلين القوميين وهم يتصدون ويعبرون عن هموم الوطن العربي وتحدياته وطموحه وأهدافه. وأهم هذه المفردات التي تمثلت في فكر البدايات. التيار القومي والعمل الواجهي: مقدمـــة: ليس من الإنصاف القول أن التيار القومي نشأ في أواخر القرن التاسع عشر أو قبله بقليل، فتلك نزعة حتمية تربط القومية بظهور وبروز البرجوازية الأوروبية عندما باشرت بهدم النظام الإقطاعي. وإنما للتيار القومي في حالته الحديثة والمعاصرة مقدمات ودلالات لها خصوصيتها في عصرها وزمانها، لأن القومية العربية بأصولها ومشاعرها ودورها التاريخي ووظيفتها في الولاء والانتماء والتوحيد وتجديد الوازع القومي، ليست عملية اقتصادية سياسية على النحو الذي كانت وفسرت في أوروبا في أعقاب ثورة البرجوازية وتفكيك بنية المجتمع الإقطاعي، وإنما هي حقيقة حية تلازم الإنسان ملازمته لاسمه وتاريخه، لأنها هويته ومن صنع الأجيال. لذلك لا يمكن أن تختزل بمرحلة اقتصادية ـ اجتماعية واحدة لا تندرج في تعاقب المراحل والتطور والارتقاء. والقومية في معلم من معالمها هي شخصية الأمة التي تصنع وتؤسس جملة من الروابط والولاءات التي تربط الإنسان العربي بأبناء وطنه، التي تبدأ من المستويات المحلية وتمر بالوطنية، وتنتهي بالانتماء للأمة العربية. والدراسة إذ ترفض نشوء القومية العربية وتفسيرها وقياسها على ما جرى في أوروبا فإنها تُعول كثيراً على النظرة والتصور الكلي للحياة القومية، التي يشكل لحمتها التراث العربي القديم والوسيط والمعاصر بما فيه الدين الإسلامي. علماً أن القياس على الآخر الأجنبي فيه مستويات من التضليل. كما تعول على المسلمة القومية التي تقول بـ «وحدة الأمة العربية» وهذه النظرة مردها إلى أن العروبة تجلت في التراث العربي مثل الشعر الجاهلي، والأمثال العربية وخير شاهد على ذلك القرآن الكريم الذي جاء بلسان عربي. إذاً، العروبة كانت شائعة في الثقافة العربية الشفاهية والمكتوبة في مرحلة مبكرة من الحياة العربية. واستناداً إلى هذه النظرة, فإن التيار القومي أسس تنظيماً له في سائر الأقطار العربية، كما شكل قيادة قومية لهذا التنظيم(22). والمعروف عن التيار القومي مراهنته على الشعب ودوره القيادي في معركة المستقبل العربي المتمثلة بالوحدة العربية، وفي تحقيق الحرية بكل أبعادها، والاشتراكية التي تلبي حاجات الأمة في التواصل الثقافي والنضالي، والاندماج الاجتماعي، والسلامة الاجتماعية داخل أبعادها البنائية المحلية والوطنية والقومية. وعلى هذا الأساس لا غيره كان التيار القومي يعتبر أن سلامة نضاله يتوقف على وضع النضال الوحدوي في الصعيد الشعبي، لأن الشعب هو القوة التي تستطيع تحقيق الوحدة باعتبارها قضية مصيرية وحضارية شاملة لكل نواحي الحياة العربية. ومن معالم التيار القومي أنه كان يقود النضال القومي بناء على مسلمات يرى من خلالها أن صراع الأمة يتجلى في الصراع بين التقدم والتخلف، بين الوحدة والتجزئة، وبين الأصالة والنزوع إلى تقليد الأمم الأخرى تقليداً أعمى يجرد الأمة العربية من معالمها ومقوماتها التاريخية. كما حرص التيار القومي على أن يكون حركة ثورية «انقلابية» تقوم على الفكر القومي الوحدوي والممارسة النضالية وأن حرصه على شعبيته وتواصله مع أبناء الشعب العربي، كانت صادرة من رؤيته وتحليله الملموس للواقع العربي، و ضرورة تشكيل الوعي القومي على أساس أن أهداف الأمة لا يمكن أن تتحقق إلا بالشعب ونضاله. ومفاد الارتباط المصيري بين التيار القومي والشعب العربي يعود إلى حقيقة نضالية شعبية وهي أن هذه الصلة الوثيقة بالشعب تحميه من أمراض اجتماعية وفكرية وسياسية، لأن الشعب بحسه النقدي ورؤيته المستقبلية المتحدرة من وعيه وعفويته وتجربته، هي التي تنأى بالتيار القومي عن الأخطاء والانحرافات وفرض ثقافة المراجعة والتصحيح والنقد من وقت إلى آخر, وُيمَكِّن التيار القومي من امتلاك أدواته وآلياته الثورية التي يحتاج إليها النضال القومي بل قل الثورة القومية. وثمة علامة تحسب للتيار القومي، وتؤكد منهجيته وعلميته المتمثلة بتعامله مع المرحلة التاريخية التي يعيشها الشعب العربي، بأنها مرحلة انبعاث الأمة العربية، والظفر بدورها الحضاري ولذلك نظر إلى مشكلات الحركة العربية والتراجعات التي يعيشها التيار القومي، نظرة جدلية رأى فيها أعراض زائلة بحكم ثورية الوحدة، وقوة الأمة في تصحيح الأخطاء. وهذا ما يؤكده نضال الأمة حيث كانت تخرج من هذه الأخطاء إلى التقدم والنمو والانتفاضات الشعبية لأن الأخطاء في حقيقتها أخطاء مؤقتة. وقد عرف التيار القومي بحكم نشأته في أوساط المثقفين بتنوع النظرة وتباين المرجعيات واختلاف وتفاوت الوعي بمحددات الحياة العربية ولذلك تنوعت الشعارات والأهداف إلى أن التقت بعد عقود عدة حول الأهداف الكبرى للشعب العربي في الوحدة والحرية والاشتراكية. وهذا الشأن في تعدد النظرات وتنوع الطرق إلى الأهداف يشكل دلاله على حيوية التيار القومي وثرائه الفكري. وكان العمل الواجهي مرة يتمثل بالأندية الرياضية والثقافية والاجتماعية، ومرة ثانية بالمنظمات والنقابات الطلابية والعمالية والفلاحية، ومرة ثالثة بالجمعيات الفكرية المتمثلة بإلقاء المحاضرات وإقامة الندوات. وهذا أيضاً له دلالته بأن التيار القومي وحَدَّ بين ثنائية كان لها شأنها في انتصاراته وهي العمل التنظيمي، والنشاط الفكري، والنضال العقائدي والسياسي. وأبانت هذه الدلالة قوة التيار القومي الشعبي وتواجده النضالي في الساحتين السياسية والنضالية في وقت واحد وسيطرته على حركة الشارع العربي لأنه كان يتقدمها. كما يتميز التيار القومي بقدرته على اتخاذ المبادرة الخلاقة تجاه الأحزاب السياسية والاجتماعية والتحديات التي تواجهها الأمة في الداخل والخارج. وهذا ما أعطاه القدرة على تعبئة الشارع العربي عقائدياً وسياسياً حول أهدافه الكبرى. إن قدرته في المبادرة تجاه الأحداث والمعطيات التي تعيشها الأمة مكنته من التحكم في تلك الأحـــداث وقيادتها في الاتجــــــاه الذي يريده ويرى فيه مكاســـــب للأمة ولسلامتهــــــــا الوطنية والقومية(23). 10 ـ المنهج و النتائج المستخلصة : اعتمدت الدراسة على المنهج الأنثروبولجي لأنَّ الانثروبولجيا: نظرية وتطبيق تقوم بدراسة الظاهرة أياً كان موقعها البنائي، بالإضافة إلى المنهج القومي الذي كون مفاهيمه وأطروحاته ونظرته من خلال تعامله الدقيق والمتأنى مع معطيات الحياة العربية في تاريخها البعيد والمتوسط والقريب. ويرى هذا المنهج أنَّ البناء الاجتماعي العربي في حالة تغير مستمرة داخل أنساقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية منقادة بمتغير أو أكثر داخلي وخارجي وهذا المتغير له شأنه ومقامه في قيادة المجتمع العربي للانتقال من حال إلى حال، أو من وضع اجتماعي ـ سياسي إلى وضع آخر. لكن هذا الانتقال ليس لولبياً في كل حالاته وليس دائماً إلى الأمام. وإنما هناك انتكاسات وإخفاقات. وعلى هذا الأساس لا غيره يتحرك المنهج الأنثروبولجي المعرفي ـ النقدي من قاعدة مراجعة نقدية لتاريخ التيار القومي من أجل أن يتعرف ومن ثم يستوعب المعاني والمفاهيم التي تعامل بها التيار القومي مع قضاياه المصيرية. والكيفية التي واجه بها هذه القضايا حتى يتمكن من تفسير النجاحات والإخفاقات، ومعرفة تعامله مع الشأن العام، والأدوات التي تم بها هذا التعامل، ومن ثم ربط ذلك بالقوى التي أثرت في الأحداث الوطنية والقومية،خلال الفترات التاريخية التي مر بها وعاشها التيار القومي من الأمس إلى اليوم. وبما أن الأنثروبولجيا النقدية: نظرية وتطبيق أي الأنثربولوجيا الجديدة التي تطورت وأضافت وزادت منهجية وتجاوزت الأنثربولوجيا الكلاسيكية، فإن الدراسة تعتمد على منهج الملاحظة المباشرة، والملاحظة بالمعايشة الذي يجعلها تنظر إلى التيار القومي على أنه أحد مكونات المجتمع العربي الرئيسة ولذلك نظر إلى تاريخ هذا التيار على أنه ماضٍ وحاضر ومستقبل، وعلى أن ماضي التيار القومي العربي يوجد في حاضره، وحاضر التيار القومي وماضيه يتواجدان في مستقبله. تسأل الدراسة وتتساءل من أجل معرفة المزيد من مؤشرات ودلالات الماضي وفهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل. وقد عرف التيار القومي، وخاصة فكر البدايات، أنه لا يمكن أن يقول أو يقرر صيغاً حتمية للحياة العربية المستقبلية، وإنما عمل على وضع بعض الأفكار التي تمكنه من أن يستشرف بما يكون عليه الوضع العربي خلال فترة زمنية محددة. وجعل الأبواب مفتوحة أمام الأجيال العربية حتى تضيف ما يمكن أن تضيفه إلى تلك الأفكار. كانت البداية نقد الحتميات، وقال بعدم وجودها في التاريخ العربي، وكانت هذه عصمته المنهجية حتى لا يتحول التيار القومي العربي إلى يوتوبيا لأن المستقبل تحكمه متغيرات تتشكل وتتكون وتأتي في أوانها. وهذا ما جعل التيار القومي يخطو إلى الأمام وهو يتعامل مع التراث بالايجابية المعقولة والممكنة، فوقف من الدين الإسلامي موقفاً علمياً وثورياً لا يلغي أو ينسخ دوره، ولا يقلل من تأثيره في النضال القومي، وأَخَذَ أخْذَةَ ملاحظ ومحلل ومفسر التجربة العربية، ووضع يده على ما فيها من ثقافة سياسية وأضافها إلى الثقافة السياسية القومية كما شخص قوة وإبداع هذه الثقافة في تعاملها مع التحديات التي تواجه الوطن العربي. وعلى هذا الأساس قال بالأصالة والمعاصرة والخصوصية التاريخية ورفض تجاهلها من قوة واقع وجودها في الحياة العربية وفق جدلية العلاقة بين الموضوعي والذاتي. وأبدع عندما رأى في الإسلام أنه كان الحركة العربية الأولى في الحياة العربية فاستخلص لها الأهداف وقام بتوصيف وتصنيف القضايا الوطنية ـ القومية ونظم الجماهير والقوى التي آمنت بأفكاره وأهدافه ووضع النظم وقرر الأدوات التي تجعل الكفاح العربي ناجحاً ومثمراً يستند إلى مكونات الإسلام الجهادية ورسالته الإنسانية. وهذا معناه أن الفكر القومي فهم الإسلام على أنه ثورة فكرية وعقائدية وأخلاقية في الحياة العربية والبشرية، واعتبره في حالة من حالاته، حالة عربية ثقافية يتطابق معها. وبما أن الفكر القومي يرى بأن الأمة العربية تعيش حالة انبعاث ونهوض، فان الأخطاء التي وقع فيها التيار القومي هي أخطاء قابلة للتصحيح مرة ـ والتجاوز مرة أخرى والتغلب عليها مرة ثالثة. ولذلك قابلها بإنجازات تحسب له لأنه يتحرك من وعيه للواقع العربي والعالمي واستجابته المبدعة على طريق تغييره في سياق تغيير العالم. 1 ـ التيار القومي تيار وحدوي، يؤمن بالوحدة العربية، ويعتبرها ثورة في حياة العرب وينطلق بإيمانه بالوحدة من خلال حقائقها المتمثلة في الحياة العربية، وهي المصالح المشتركة ووحدة اللغة والجغرافيا والتاريخ المشترك ووحدة الثقافة والآمال. الخ.. 2 ـ ويرى التيار القومي بل يؤمن أن الوحدة ملازمة للحرية بكل أبعادها ومضامينها السياسية والاجتماعية والثقافية. وتتمثل في حرية الفرد، أي حقوقه وواجبا ته. وحقوق الفئات الاجتماعية على اختلاف مواقفها في بناء المجتمع وعملية الإنتاج، بعيداً عن الاستغلال أو الإقصاء. وحق الجميع بممارسة السياسة. 3 ـ كما يرى هذا التيار أن مشكلات المجتمع العربي الاقتصادية والاجتماعية تتوقف على تطبيق الاشتراكية لأنها طريق الخلاص من الاستغلال، والتفاوت بين الشرائح الاجتماعية وتتيح للقوى المنتجة أن تحقق ذاتها وتمارس دورها. 4 ـ لذلك فالوحدة العربية هي الإطار القومي الذي يتسع لتطبيق الاشتراكية تطبيقاً سليماً متكافئاً مع العوامل والظروف التي تحيط بعملية الإنتاج وهي أيضاً الملاذ الحقيقي للحرية بأن تأخذ وتحقق كل أبعادها. وعلى هذا الأساس يرى التيار القومي بأن تلك الأهداف تمثل شرط الانتقال مما هو كائن في الوطن العربي إلى ما يجب أن يكون عليه. لكن العملية المستقبلية التي يطمح إليها التيار القومي، بل يعتبرها واحدة من شروط شرعية استمراره محكومة إلى جملة من المحددات والشروط، وأبرزها في المرحلة الراهنة إنتاج وعي ثقافي جديد يستجيب للواقع العربي في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، في أعقاب احتلال القطر العراقي، والانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الديمقراطية، ونقد والمباشرة في تعزيز المواطنة والوطنية في الثقافة العربية، انطلاقاً من مسلمة قومية تقول: إن التنوع الثقافي في الوطن العربي يشكل حالة إغناء وارتقاء في الحياة العربية. وهو على الدوام يمثل حالة ايجابية إذا عرف التيار القومي استثماره وتوظيفه 5 ـ وتعامل التيار القومي مع هدف الوحدة بانتباه فعال من خلال أهمية المراحل في الوصول إلى الوحدة وتنشيط العمل العربي المشترك، والتوافق مع الوحدة، ذات المستويات المتعددة. والخلاصة، تضيف إلى تلك النتائج التي انتهت إليها الدراسة انطلاقا من أن الفكر القومي فكر مستقبلي، لأنه يدعو إلى الانتقال بالوطن العربي مما هو كائن إلى ما يجب أن يكون عليه.وهو الفكر الذي أحسن قراءة الماضي قراءة منهجية تاريخية، ترى أن الماضي العربي يوجد في حاضره والحاضر يوجد في المستقبل العربي ولذلك تميز الفكر القومي وامتلك الجدارة بقراءة المستقبل. وعلى هذا الأساس لا غيره تدعو الدراسة التيار القومي إلى إحياء أطروحات فكر البدايات التي اعتبرت من قبل المتمركسين العرب بقوة التقليد لا بقوة المعرفة، بأنه فكر البرجوازية الصغيرة وهي الأطروحات التي أغنت الثقافة السياسية العربية بالمفاهيم التي تُعْمِل الذهن بدرس وتحليل وتفسير الواقع العربي اعتماداً على تاريخه: ماضيه وحاضره ومستقبله، لأن المستقبل هو امتداد للماضي والحاضر معاً لا تقمصاً للتاريخ الأوروبي. وعلى جدله الاجتماعي الذي وضع في حسبانه تفسير عملية تغيير العالم من موقع ومكانة الأمة العربية ودروها الحضاري. ذلك التغير الذي شكل أطراف المعادلة للحرب المستمرة على الأمة العربية(24) بدءأ من حروب الفرنجة ومروراً باستعمارا لوطن العربي، وواقعة اتفاقية سايكس بيكو التي استكملت التجزئة في الحدود السياسية(25) وعد بلفور المشؤوم، وانتهاء باحتلال العراق، وعودة الاستيطان العسكري الأمريكي الإمبريالي إلى الوطن العربي. ونعيد طرح بعض المفاهيم السابقة على طريق تجديد الفكر القومي، وتجاوز المفاهيم التي يجب تجاوزها :الثورة العربية. الجيل الجديد، الحرية، الوحدة، الاشتراكية، الانقلاب، النضال الوحدوي، وحدة النضال العربي، مراحل الوحدة، الحياد الإيجابي، الإنسانية العربية، التعددية السياسية والاجتماعية والثقافية، الديمقراطية، اللعبة البرلمانية. الحقوق السياسية والمدنية، العمل الواجهي، الوطنية هي القومية، القومية هي الإسلام. التراث العربي، النظرة الايجابية للتراث. .. الخ. وأراد الفكر القومي في مدرسته البعثية، ومن مفاهيمه المستخلصة من التجربة العربية أن يغير طريقة التفكير التقليدية التي كانت سائدة في الفكر القومي التقليدي وإحلال ثقافة قومية جديدة تنظر إلى التراث العربي نظرة ايجابية.. نظرة ثورية.. نظرة جدلية ترى بأن ثمة تلازب بين العروبة والإسلام، لأنه التراث الروحي للأمة العربية. وأخيراً وليس آخراً تزعم الدراسة على أنها برهنت على ـ ما أمكن ـ صحة الفروض وأجابت على الأسئلة في حينها وخاصة في النتائج / الخلاصة. الهوامش والمراجع: 1 ـ د. أحمد الخشاب: دراسات أنتروبولوجية وأنتوجرافية ـ مكتبة الأنجلو المصرية ـ القاهرة ـ 1959 ـ ص73 ـ ص82. د. قباري محمد إسماعيل: الأنتروبولوجيا العامة ـ منشأة المعارف بالإسكندرية ـ 1971 ـ ص171 ـ ص178. 2 ـ د. عز الدين دياب: التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام السياسي في الوطن العربي ـ مكتبة مد بولي ـ القاهرة ـ 1993 ـ ص178 ـ ص184. 3 ـ دوركايم و النظرية الانقسامية ـ ترجمة حافظ الجمالي ـ وزراة الثقافة دمشق 1976. 4ـ Radcliffe. Braun. A.R: Structure And Function Essays address london ـ 1956 ـ P 159 ـ 160. 5 ـ يقسِّم العلم الاجتماعي/ الأنتروبولوجي البناء الاجتماعي إلى أنساق، وعناصر انساق بنائية مثل: النسق الاجتماعي، النسق السياسي....الخ. والتقسيم في حقيقته إجراء نظري حيث لا يمكن فصل العناصر البنائية لأنها متداخلة متكاملة. 6 ـ محمد شفيق: البحث العلمي، الخطوات المنهجية لإعداد البحوث الاجتماعية ـ المكتب الجامعي الحديث ـ القاهرة ـ 1988 ـ ص75. 7 ـ حول الفكر القومي يرجى الرجوع إلى مقدمة كتابنا: التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام في الوطن العربي ـ حزب البعث العربي الاشتراكي أنموذجا ـ مكتبة مد بولي ـ القاهرة ـ 1993. 8 ـ لقد أتى الفكر القومي على فكرة أن وحدة النضال العربي، تقود إلى نضال الوحدة العربية في فكر البدايات. 9 ـ يرجى الرجوع إلى كتاب: جورج انطونيوس: يقظة العرب ـ ترجمة: د. إحسان عباس وناصر الدين الأسد ـ دار العلم للملايين ـ ط 5 ـ لبنان ـ بيروت ـ 1978. 10ـ انظر ـ د. وجيه كوثراني الاتجاهات ـ الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي ـ لبنان ـ بيروت ـ ط 2 ـ 1986. 11ـ جورج انطونيوس ـ المرجع المذكور سابقاً ـ ص 191. 12ـ أسعد مفلح ـ ثورة العرب ـ مطبعة الروم الأرثوذكس ـ حلب ـ ط2 ـ 1989ص 46 ـ 47. 13ـ انظر محمد حرب فرزات ـ الحياة الحزبية في سوريا ـ دار الرواد دمشق ـ 1955. 14ـ فيليب خوري ـ سورية والانتداب الفرنسي ـ سياسة القومية العربية ـ 1920 ـ 1945 ـ ترجمة مركز الأبحاث العربية ـ لبنان ـ بيروت 1977 ـ ص 450. 15ـ المرجع السابق ص 450. 16ـ محمد حرب فرزات ـ المرجع المذكور سابقاً ـ ص 138 ص 141 ص 189. 17ـ شكلت مسألة المفاهيم والمصطلحات هماً من هموم الباحث في البحث الأنثروبولجي، حيث وجد أن معركة توحيد المفاهيم يشكل شرط توافق وتناغم وعلمية هذه البحوث. بل شرط تفسيرها للظاهرة الاجتماعية، ولذلك نوه الباحث بل دعا إلى المضي في توحيد المفاهيم المستعملة من قبل الفكر القومي وإجلاء مضامينها ومعانيها، وتلك العملية واحدة من شروط وحدة الرؤية للجدل الاجتماعي ومكوناته البنائية في المجتمع العربي داخل مستوياته المحلية والوطنية والقومية. 18ـ المعجم الوجيز ـ مجمع اللغة العربية ـ القاهرة ـ 1992 ص 80. 19ـ المرجع السابق ص 521. 20ـ حول موضوع الثقافة وتفسيرها الأنثروبولجي. يرجى الرجوع إلى كتابنا: التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام السياسي ـ المرجع المذكور سابقاً، وكتابنا مقاربة من مفهوم الدور الحضاري في فكر ميشيل عفلق ـ تحليل ثقافي ـ لبنان ـ بيروت ـ 2003. 21ـ لقد عالج بتوسع لا نظير له ـ مسألة دور الثقافة في التنشئة، رالف لنتون، في كتابه دراسة الإنسان ـ ت ـ خيري حماد ـ لبنان ـ بيروت ـ 1964. 22ـ إن التأكيد على شعبية التيار القومي، ودور الشعب في العمل القومي، وفي الانتصار على تحديات الأمة يريد أول ما يريد أن يوقظ هذا المهمة وأن تكون واحدة من الشرعية المنهجية للدراسة. 23ـ يرجى الرجوع إلى دراستنا: الحرب المستمرة على الأمة العربية ووهم الشرعية الدولية ورقة مقدمة إلى مؤتمر نصرة العراق الذي عقد في دمشق صيف عام 2003 فندق الشام. 24ـ لقد نشر صاحب الدراسة في موقع كلنا شركاء دارسة حول معنى الحدود في الفكر القومي. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |