مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 32 السنة الحادية عشرة 2008
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

العرب والانتماء رؤية عربية لثقافة العولمة ـــ محمد راتب الحلاق

الحديث عن العولمة محرج ومربك، لكثرة ما لاكته الألسنة ودبّجته الأقلام، حتى غدا الأمر أشبه ما يكون بالصرعة الثقافية التي يحرص الباحثون على التعاطي معها خوفاً من الاتهام بالتخلف.‏

ورغم هذا الكم الهائل من الحوارات والسجالات والدراسات... فإن اللبس والغموض مازال يغلّف مفهوم العولمة، إذ مازال بين أخذ ورد، لم يستو معرفياً بعد، ولم تستقر مفردة (العولمة) في صورة مصطلح محدد يعني الشيء ذاته عند الباحثين جميعاً، ويفرض نفسه عليهم (معرفياً وإجرائياً)، مما حول الأمر في أغلب الحالات إلى (حوار طرشان)، نتيجة الاستخدام الكيفي لمفردة (العولمة)، كلٌ حسب أيديولوجيته، أو مصالحه، أو فكرته المسبقة... مما أدى إلى سوء الفهم... وسوء التفاهم... وبعثرة الجهود.‏

ولتفادي ما سبق (قدر الإمكان)، ولضرورات إجرائية يقتضيها البحث، فإنني أنحاز إلى التعريف التالي:‏

العولمة، بمعنى من المعاني، هي المرحلة المتعينة (الراهنة) من الرأسمالية، وهي مرحلة عليا تتجاوز مرحلة الإمبريالية، لم يفطن لها (ماركس) ومن جاء بعده من (أنبياء الماركسية)، أهم ما يميزها حضور البعد الثقافي بحدة إلى جانب الاقتصاد والسياسة.‏

وبغض النظر عن مماحكات بعض أصوليي الماركسية فإن عدم تنبؤ (ماركس) بمرحلة العولمة لا يضيره في شيء، إذ لم يكن من الممكن التنبؤ بالثورة المعلوماتية المذهلة، ولا بثورة الاتصالات المدهشة، التي مكنت الشركات الرأسمالية العملاقة، المتمركزة في الدول الرأسمالية، خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية، من عبور القارات والقوميات واختراق الحدود بصورة آنية، والتحكم، من ثم، بأسواق المال، وبالشركات المنتشرة في أصقاع الأرض، عن طريق التهامها، أو الاندماج معها... مما حول تلك الشركات إلى ورشات عمل مبعثرة جغرافياً لكن متجاورة عملياً بفعل التوظيف المقتدر لتقنية المعلوماتية والاتصالات، التي تتيح للمركز أن يدير تلك الورشات بكفاءة وكأنها تقع تحت ناظريه مباشرة؟! وبذلك نزعت صفة الجنسية الوطنية عن معظم السلع لتنتسب إلى الشركة التي تنتجها، فما من سلعة (كبيرة) تنتج من ألفها إلى يائها في دولة بعينها.‏

وهكذا، فإن (العولمة) تحمل ملامح جغرافية، أهم ما يميزها في الجانب الاقتصادي، إضافة لما سبق، هذه القدرة على التدفق الآني، أو الهروب الآني، للرأسمال، من مكان إلى آخر، غير عابئ بالحدود، مما دفع بعض الباحثين للحديث عن (نهاية الجغرافيا)، مادام هاجس النهايات محبباً عند كثيرين، خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية.‏

والملاحظ أن بعض المفكرين العرب، وبعض مفكري دول الجنوب، يتعاملون مع ظاهرة العولمة كما تفرزها الأحداث والوقائع، ويختزلونها إلى أدواتها المتمثلة بمفرزات التقانة عموماً، والتقانة العسكرية وتقانة وسائل الاتصال والمعلوماتية خصوصاً... ويغفلون، أو يتغافلون عن خطاب العولمة، الذي يعبر عن إرادة أربابها، والذي يدأب الإعلام المقتدر على تسويغها وتسويقها والتبشير بآلائها....‏

وأزعم بأن الانقسام الحاصل بين الباحثين، وبين الناس عموماً، حول العولمة إنما يعود إلى الخلط بين أدوات العولمة وخطابها، ففي حين لا يرى فيها بعضهم إلا الأدوات الموضوعية التي تشكل لغة العصر...؟‏

ينتبه آخرون إلى الخطر الذي يحمله خطابها على أمن الشعوب وثرواتها وثقافاتها وخصوصياتها... ومن هنا يمكن أن نفهم الانشغال الكبير لمثقفي دول الجنوب ومفكريه بهذه الظاهرة، لأن العولمة تمس وجود تلك الدول، وتمس حضاراتها وهوياتها في الصميم....‏

وأخطر ما في خطاب العولمة أنه يتوجه إلى شعوب العالم مباشرة، عبر وسائل الإعلام المتطورة، ويمارس نوعاً من الإرهاب الفكري والمعرفي والقيمي، المدجج بالإرهاب العسكري، بقصد إعادة تشكيل العالم، وإعادة إنتاج القيم وأنماط السلوك التي تخدم أرباب العولمة، من أصحاب الشركات عابرة القارات والقوميات، ومالكي رقاب (الرسمال المالي) الجاهز دائماً للمضاربة والمغامرة في أي مكان في العالم، حتى وإن أدى ذلك إلى تقويض اقتصادات الدول، بل قد يكون هذا التقويض هو المقصود.‏

وإذا كانت أدوات العولمة تشكل إغراءً أغوى بعض الباحثين، إلا إن الأغلبية الساحقة لا تتردد في الوقوف في وجه خطابها، الذي يبشر بها بوصفها الحل السحري لمشاكل العالم.. وأخطر ما في هذا الخطاب اهتمامه بالبعد الثقافي والفكري والقيمي.. وهو ما يشكل أيديولوجية العولمة، أو ثقافة العولمة... والتي يمكن تلخيصها بالادعاءات التالية:‏

1ـ إن العولمة هي المقدمة الضرورية لصنع ما سمي بالقرية الكونية..‏

2ـ لابد من إطلاق قوى السوق، والخضوع، من ثم، لقوانينها وآليات عملها... بعيداً عن سيطرة الدولة وتدخلها.‏

3ـ حق التدخل في شؤون الدول الأخرى لاعتبارات سياسية أو إنسانية؟ أي إعطاء الولايات المتحدة حق القيام بدور شرطي العالم، على مرأى ومسمع من (الشرعية الدولية)، أو رغماً عنها....(1)‏

ولترويج (ثقافة العولمة) تم الاهتمام بالصناعة الإعلامية، وبالجانب الثقافي حتى صار من الممكن الحديث عن (إمبريالية ثقافية) ترتبت عن ثورة الاتصالات... ذلك أن العولمة، عكس ما يدعي مروجوها، «لا تتطور على صعيد مستوٍ أو حيادي، خال من المضمون الاجتماعي والافتراضات السياسية».(2) لذلك يعمل الإعلام (المعولم) في تنميط قيم الشعوب بصورة القيم الأميركية، وازدراء الحضارات الأخرى وتشويه صورة الإسلام أبرز مثال على ذلك، كما نقل مؤلفا كتاب (الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر) عن (إدوارد سعيد)...‏

وأضافا: «وتعد دراسة سعيد للكيفية التي يرسم بها الإعلام الغربي صورة مشوهة للإسلام مثالاً موضّحاً للامبريالية الثقافية».(3)‏

ويلاحظ المؤلفان أن الجانب الثقافي قد حظي بدراسات (علمية) ابتداء من الثلث الأخير من القرن العشرين، بعد أن كان الاهتمام منصباً قبل ذلك على الجانب الاقتصادي والجانب السياسي... وتركزت تلك الدراسات على دور الإعلام في إعادة تشكيل القيم، وفي السيطرة على النشاطات المعرفية والبحثية في العالم... وعلى استقطاب الباحثين النابغين، وهو ما بات يعرف بـ (سرقة العقول)....(4).‏

ومنذ ظهور تعبير (القرية الكونية)، وما يضمره من تنميط للقيم والسلوك... بدأ القمع الثقافي من جانب، والممانعة الثقافية من جانب آخر. هذه الممانعة التي أبدتها بعض الحضارات لما يبثه الإعلام الأميركي، والتي تراوحت بين الرفض المطلق؟! والاستسلام المطلق؟! وما بينهما من مواقف. مع ملاحظة أن الرفض المطلق نوع من العناد الذي يقود إلى التقوقع والخروج من التاريخ... وأن الاستسلام المطلق نوع من اليأس يصل لدرجة العمالة، حين يهدر إنجازات الأمة وخصوصيتها وهويتها....‏

وفي المواقف الأخرى مالا يقل خطراً، كمحاولة المواءمة بين الخصوصية الحضارية والثقافية للأمة وبين ما يسمى بالثقافة العالمية (كما يحب الإعلام الأميركي أو المتأمرك أن يسمي الثقافة الأميركية) إذ ليست محاولة المواءمة هذه، في نهاية الأمر، إلا نوعاً من التهجين، الذي سيؤدي إلى خسارة ثقافية قد لا تظهر نتائجها مباشرة، أو في المستقبل القريب.. ولكنها ستؤتي أكلها في النهاية لصالح الثقافة الأقوى إعلامياً (وعسكرياً واقتصادياً...) وليس لصالح الثقافة الأقوى أخلاقياً وقيمياً وحضارياً....‏

أما الموقف الذي أزعم بأنه الأجدى فهو موقف التفاعل الذي ينطلق من منطق التمايز والاختلاف والخصوصية الحضارية وهذا ما سأقف عنده طويلاً عن الحديث عن العرب وإشكالية الانتماء في زمن العولمة.‏

وأعود للحديث عن القمع الثقافي الذي يمارسه الإعلام الأميركي المقتدر لنشر نمط الحياة الأميركي وتعميمه.. لأن ذلك سيؤدي إلى إنتاج أنماط من السلوك الاستهلاكي وإلى سيطرة نمط اقتصاد الليبرالية الجديدة التي تقوم على فلسفة سياسة السوق، وعلى إضعاف دور الدولة ومنعها من دعم بعض المواد الاستهلاكية ومن تقديم الرعاية أو تقليصها إلى أدنى حد ممكن... والعمل على إفساد مؤسسات الدولة مما أدى إلى تراجع معدلات النمو عما كانت عليه في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين.. مما أدى إلى نتائج كارثية بالنسبة لملايين البشر.‏

وزاد الأمرَ سوءاً الدعوةُ إلى ما سمي بضرورة (الإصلاح الهيكلي للاقتصاد) كشرط للحصول على المساعدات من صندوق النقد الدولي.. حيث يتم إرسال خبراء الصندوق إلى الدول المحتاجة للقروض... فيقوم هؤلاء برسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي يتوجب على تلك الدول أن تتبعها.. وتقضي وصفات الخبراء عادة بفتح الاقتصادات المحلية أمام السوق العالمية... وخصخصة القطاع العام... وتخفيض اعتمادات الدعم والرعاية الاجتماعية... وفرض سياسات التقشف التي تؤثر بالدرجة الأولى على الشرائح الأكثر فقراً من الجماهير....‏

والمفارقة أن هذه السياسات لم تنجح في أي مكان في العالم في إنقاذ الاقتصاد وزيادة النمو، وإنما أدت إلى زيادة المديونية.. وإعادة جدولة الديون.. (أو إعفاء بعض الدول من جزء من ديونها ثمناً لمواقفها السياسية التي تخدم المصالح الأميركية).. وقد عملت هذه السياسات على اضطراب العلاقة بين الدولة ومواطنيها.. وهي علاقات مضطربة أصلاً.. مما دفع الجماهير إلى الخروج إلى الشوارع لتحتج وتعبر عن استيائها بأساليب قد تكون عنيفة في بعض الحالات، وقد حدث هذا حتى في دول الشمال الغنية، وكلنا تابع ما جرى في دافوس.. وسياتل.. وجنوه وسواها.‏

ومن المضحك والمبكي في آن معاً، أن نجد بعض الحكومات المحلية مضطرة لتسويغ سياسات صندوق النقد الدولي.. والبنك الدولي.. بل إن بعض تلك الحكومات لا تتورع عن بيع تلك السياسات لشعوبها على أنها إنجازات وعطاءات ومكرمات... تستحق عليها برقيات التأييد والشكر... ومما يزيد الطين بلة (كما يقولون) أن المعارضة في تلك الدول ضعيفة ومفككة، ولا تملك مشاريع بديلة... مما جعل الأمر لا يختلف كثيراً في دولة تعتمد على صندوق الاقتراع عنه في دولة مستبدة..‏

والحقيقة أن دور الدولة في ظل العولمة يحتاج إلى توضيح نظراً لما يحمله من مفارقة... ففي حين تنهار قدرة الدولة أمام سياسات صندوق النقد الدولي.. والبنك الدولي الخاضعة كلياً لمصالح الشركات العملاقة (عابرة القارات والقوميات)، وتضطر إلى سن التشريعات والقوانين التي ترحب بالاستثمارات الأجنبية، بل تستجديها استجداءً خنوعاً... نجد أن قدرتها على قمع مواطنيها والتنكيل بهم تزداد حدة.. بدعم ظاهر (وباطن) من الولايات المتحدة الأميركية... طالما أن السمة المميزة للدولة الحديثة، كما يقول (فيبر): «هي امتلاكها حق احتكار وسائل العنف ضمن رقعة جغرافية محددة»(5). وإن قامت الولايات المتحدة الأميركية بسحب هذا الحق ممن تشاء، وإعطائه لمن تشاء، حسب مزاج المصالح الأميركية.. وهكذا فقد تحولت الدولة القومية (حسب أوهمه ورايش) إلى سلطات محلية للنظام الكوني، ولم يعد بمقدورها أن تؤثر، بصورة مستقلة، على مستوى النشاط الاقتصادي أو العمالة داخل حدودها.... وأصبحت وظيفتها شبيهة بوظيفة البلديات داخل الدولة قبلئذ.. وعليها أن تقدم الهياكل الارتكازية.. والسلع العامة التي تحتاجها الشركات (عابرة القارات) بأدنى كلفة ممكنة(6).‏

وهكذا، فقد أدى القمع الثقافي الذي تمارسه العولمة عبر وسائل الإعلام، إلى نتائج اقتصادية، تماماً كما كان مطلوباً منه.. وصار على دول الأطراف أن تعيد إنتاج تبعيتها، والعمل باستمرار في سبيل ضخ ثرواتها.. وتقديم عمالتها الرخيصة.. وتخفيض الضرائب إلى درجة تقرب من إلغائها على السلع المستوردة وعلى الأرباح التي تحققها الاستثمارات الأجنبية فيها: فقد تبين أنه خلال المدة (1983ـ1991) قد تدفقت أموال قيمتها حوالي (200) بليون دولار من دول أميركا اللاتينية، من شمال المكسيك إلى جنوب تشيلي، إلى الخزانات المالية في دول المركز... أي أن كل فرد في تلك الدول البائسة قد قدم (534) دولاراً من قوته وقوت عياله، للاستمرار في مستوى الرفاه في دول المركز...(7).‏

وإذا كان القمع الثقافي الذي يمارسه خطاب العولمة قد أعطى نتائج اقتصادية وسياسية لصالح أرباب العولمة.. فإنني أزعم بأن مقاومة ثقافة العولمة ومقاومة قمعها وخطابها لا تكون بأساليب ثقافية فقط، لأن القضية ليست سجالاً بين حق وباطل عبر المنتديات والملتقيات... وإنما القضية قضية قوة وضعف.. أو ما يسمى بحق القوة.. وقوة الحق وفي عالم السياسة.. وفي العلاقات بين الدول.. تكون الكلمة الأولى والأخيرة للمصالح.. وللقدرة على حماية هذه المصالح. ولن يكون العرب قادرين على حماية مصالحهم إذا ظلوا في ذهول تام عن أسباب القوة التي يمتلكونها، وفي طليعة ذلك ذهولهم عما يوحدهم، ويجمع بينهم، ويساعدهم في الوقوف أمام العولمة وهي تمارس شبقها الجهنمي في التهام الخصوصيات والهويات، التي مازالت تمتلك إرادة المقاومة والممانعة.. والوقوف أمام ثقافة العولمة، وما تمارسه من قمع ثقافي، وإرهاب فكري، تدعمه ترسانة هائلة من آلات الدمار...‏

أعرف أن كلامي سيثير حفيظة المأخوذين بالعولمة، الذين يتأففون من الحديث عن خصوصيات حضارية أو ثقافية تتمايز بها الأمم والشعوب.معتبرين الفكر القومي العربي، والهوية القومية، من مخلفات التاريخ. ويعدون الحديث عن السيادة، وعن الوحدة القومية، من القاموس السياسي المنقرض. ويعلنون أن شعار الغزو الثقافي شعار متهافت، ووسيلة رخيصة تلجأ إليها الحكومات المستبدة والفاسدة لتضليل الجماهير، وصرفها عن حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية... ويعدون ذلك كله من الأيديولوجيا الزائفة، بل الأسطورية. فالعالم (برأيهم) قد دفن كل الأيديولوجيات، وهو يمضي (بزعمهم) باتجاه إزالة الصراعات السياسية والإثنية والدينية والطبقية... بين البشر:‏

«فالوحدة العربية أسطورة، والأمة العربية أسطورة، والاشتراكية أسطورة، والديمقراطية أسطورة، ونجاعة الكفاح ضد الصهيونية أسطورة، والاستقلال عن الغرب أسطورة... وكنتيجة منطقية لأسطرة كل ما سبق تغدو التجزئة، والقطرية، وانعدام المساواة، والاستبداد، والتبعية، وإسرائيل... العالَم الحقيقي الذي لا يحتوي على أي ممكن آخر نقيض. وجميع المفاهيم التي تستخدم للتدليل على طوباوية فكرة الأمة، وطوباوية فكرة تجاوز التذرر (العربي) الحاصل... إنما تستخدم في غير مساقها النظري والعلمي (المعرفي)...».(8)‏

وهكذا، فإن الهجمة الإعلامية الشرسة للعولمة، وللإعلام الغربي عموماً، جعل العربي، المؤمن بعروبته وقوميته، وبوحدة الوطن العربي... مثاراً للسخرية والاستهزاء، وعرضة للاتهام بالرومانسية الفكرية والسياسية، وبعدم التأقلم مع الوقائع والمستجدات. وأصعب ما يكون هذا الاتهام حين يأتيك من عربي مضلَّل (أو مضلِّل)، ليقول لك: اقرأ التاريخ الحقيقي للمنطقة وستكتشف مدى الأوهام التي تعتنقها، وستكتشف التاريخ (المحلي) الواقعي.....‏

وهو يقصد، بطبيعة الحال، التاريخ الذي كتبه المستشرقون، خصوصاً عملاء المخابرات منهم، والذي ما فتئ تلاميذهم يرددونه، في اجترار عقيم وممل ومقيت: «فالإعلام الغربي لا ينفك يحفر في أذهان العرب، ويغوص فيها إلى الأعماق، ليعيد تشكيل وجدان العرب وهويتهم، ليروا أنفسهم بعيون جلاديهم، أو كما يحب هؤلاء الجلادون (للعرب) أن يروا أنفسهم. إنها عملية منظمة للاستلاب، وإبادة الهوية القومية كما ترسخت عبر آلاف السنين....».(9)‏

مع أن منظّري العولمة ومنتجي خطابها، من الغربيين وأشباههم، لم ينكروا الهويات والخصوصيات المختلفة، وإن عدوها بدائية ومتخلفة وعدائية. (فصموئيل هنتينغتون) في مقاله الشهير (صدام الحضارات)، الذي جاء رداً على (فوكوياما)، والذي أثار مثله كمّاً هائلاً من الردود والسجالات، قد لاحظ وجود خصائص وفوارق بين الحضارات غير قابلة للتبديل أو التبديد أو الحلول الوسط، وأن الوعي بهذه الخصائص يزداد عمقاً، بفعل التأثير الذي يمارسه الغرب نفسه، عن وعي حيناً، وكآثار جانبية مصاحبة أحياناً. إذ استثار حرص الغرب على فرض حضارته الحضاراتِ المغايرةَ لتشكل العالَم بطرائق غير غربية، وهي تمتلك الإرادة والإمكانات لتحقيق ذلك. وقد لاحظ (هينتينغتون) أن من سماهم (الصفوة / النخبة) في تلك المجتمعات غير الغربية قد تحولوا إلى التمسك بالممارسات الخاصة بمجتمعاتهم.‏

وأعلن أنه بعد أن كان السؤال الذي تطرحه تلك المجتمعات على نفسها (أيام الحرب الباردة) هو: إلى أي جانب نقف؟ قد تحول إلى: من نحن؟ وهو سؤال وجود، يخترق عمق الفكر، ويسبب لأصحابه قدراً كبيراً من البلبلة والحيرة والارتباك والتمزق.‏

وللحقيقة، فإن الفكر العربي قد بدأ بالسؤال عن الذات، وبالبحث في الخصوصية وفي الهوية القومية منذ وقت مبكر، بفعل ما كان يمارس من تضليل على العرب، وصل في حالات متعددة إلى حد فرض هويات أخرى عليهم، في هذا الإقليم أو ذاك، وإلى محاولة دفعهم، من ثم، إلى انتماءات غريبة عنهم.‏

ومن الطبيعي أن تتعمق أزمة الهوية في الفكر العربي الحديث والمعاصر، نتيجة الجذب الحضاري العاصف، الذي ما فتئت تمارسه الحضارة الغربية المهيمنة، بتجليها الرأسمالي (الإمبريالي)، حين طرحت شعار مركزية الحضارة الغربية وهامشية الحضارات الأخرى وبدائيتها؛ هذا الشعار الذي أنتج مابات يعرف بالعولمة، التي أنهت التاريخ، بعد أن وصلت به إلى غاياته؟!!‏

يقول (فوكوياما) في آخر كتابه المثير للجدل (نهاية التاريخ.. والإنسان الأخير): "موكب هائل من العربات على طول الطريق، بعضها يُجرّ بطريقة حتمية باتجاه المدينة، بينما بعضها الآخر يستقر في مخيمات في عراء الصحراء. بعضها يغوص في أخاديد الممر الجبلي الأخير.‏

العديد منها سوف تترك مهشمة بعد أن يهاجمها الهنود الحمر(؟!!!!)‏

بعض أفراد الموكب سيفقدون مسارهم ويسيرون باتجاه خاطئ زمناً، وقد تقرر عربة أو اثنتان إقامة مخيمات دائمة في إحدى مراحل الطريق لترتاح من عناء الرحلة، آخرون سيجدون دروباً بديلة(؟!!!!) الأغلبية العظمى ستصل إلى المدينة. العربات متشابهة، مع بعض الاختلافات التي تدل على وضعها أثناء الرحلة... حينها سيقر كل عاقل أنه لا توجد إلا رحلة واحدة.. ووجهة واحدة..».(10)‏

لا يدري المرء وهو يقرأ هذه الفقرة، الشاهد، والتي تمثل أحد أعمدة (فكرة أميركا) ذاتها، كما أشار إلى ذلك (د. منير العكش) في دراسته الهامة..‏

أقول: لا يدري المرء أهو أمام شطح منفلت من ضوابط العقل والمنطق والتاريخ؟! أم أمام مشهد من مشاهد أحد أفلام (الكاوبوي)؟!!.‏

ولعلكم لاحظتم أن العربات هي الحضارات والثقافات، وأن المدينة (النهاية والنهائية) هي الحضارة الغربية كما تجسدت أخيراً في الولايات المتحدة الأميركية..‏

وأن الرحلة.. والوجهة الواحدة (الوحيدة)، التي سيقر بها العاقلون (ويرفضها، من ثم، الحمقى والمجانين) كعبتها في البيت الأبيض.. وأن الإنسان الأخير.. الكامل.. (السوبرمان).. هو الكاوبوي؟!!!!.‏

وسيبطل عجبنا من هذه الترهات إذا علمنا أن (فوكوياما) وأمثاله إنما يعزفون على وتر يحب الأميركيون نغماته، فهم يستغلون ما في المخيلةالأميركية، وما في الذاكرة الأميركية من أساطير توراتية حملها معهم أجدادهم من (بروتستانت إنكلترا)، لاسيما (البوريتانيون) منهم، حين ظنوا أنفسهم شعب الله المختار (الجديد)، وظنوا أن أميركا هي (أرض كنعان الموعودة)، المهيأة لإقامة (إسرائيل الله الجديدة)، بعد إفناء الهنود الحمر (بأمر رب الجنود)..... في تفسير مغرض لإشارات ورموز ونبوءات أسطورية أوردتها التوراة على لسان بعض (أنبياء) بني إسرائيل... حيث (سيف ماض يخرج من فم الرب)، يضرب به رقاب الأمم (الأغيار)، ويرعاهم بِعَصاً من حديد.‏

والطامة الكبرى أن لسان (رب العولمة) قد صار نووياً، ومسلحاً بأفتك آلات الدمار... وصار (رب الجنود)، المقيم في (البنتاغون) وفي البيت الأبيض، قادراً على سقاية (بابل العاهرة) الكأس الزؤام، وأن يصنع نهاية التاريخ، بعد أن تلكأ (رب السموات والأرض) في إنجازها...‏

والعناية الإلهية، كما يقول (بوبكين) قد وضعت بين يدي (العولميين) كل الأسلحة اللازمة لدحر الشيطان؟!!.(11)‏

أرجو ألاّ نسخر من هذه المشاعر الجهنمية التي تجيش في أعماق معظم الأميركيين، وألا نستهين بانعكاساتها السياسية والعسكرية، وينبغي ألاّ تخدعنا سطحية هذه الأفكار.. فهي التي تفسر الدعم الأميركي (الشعبي والرسمي) لسياسات (البنتاغون) تجاه العراق والعرب والصرب.. وتجاه إسرائيل من ناحية أخرى وليس في الدنيا أمة مسكونة بهاجس نهاية العالم.. ونهاية التاريخ.. وصنع القيامة (التوراتية)، بمساعدة الله أو دونها... كالأمة الأميركية.‏

صحيح أن النخبة الأميركية (العلمانية)، وبعض أساتذة الجامعات، وبعض حاملي (نوبل) يسخرون من تلك الأفكار... لكن، وياللمفارقة، نجد أن بعض أفراد تلك النخبة يحملون شيئاً منها... فمن المضحك المبكي أنّ أحد من مشوا على سطح القمر، عاد ليمشي في جبال أرارات باحثاً عن حطام سفينة نوح، وفق (الخرائط) التي تقدمها التوراة؟!!‏

وفي كل الحالات فإن العلمانيين وحاملي نوبل ليسوا الوحيدين الذين يؤثرون في صانع القرار الأميركي، بل ليسوا الأكثر تأثيراً... إذ إن كتاباً دجالين كثيرين يفسرون أساطير التوراة تفسيراً سياسياً وعسكرياً واجتماعياً.... لعامة الأميركيين وخاصتهم، ويضعون الخرائط والسيناريوهات لجنرالات (البنتاغون) ومستشاري الأمن القومي، ولمخرجي هوليود... وجميع هذه السيناريوهات تلقي العرب والمسلمين في (معصرة غضب الرب)...(12) وترفع كلاً من (شارون) ونتنياهو وأولمرت إلى مستوى رجل السلام؟!.‏

وكنت كتبت مقالة بعنوان (الاستمراك) على غرار الاستشراق والاستغراب(13) هدفها فهم آلية التفكير الأميركي، وفهم العقلية الأميركية، وتفسير هذا الانحياز الأبدي للكيان الصهيوني، وكيف أن في جسد أميركا صناعة فيزيائية قدرية ستلفظ طوباويات العرب، والعرب أنفسهم، إلى حيث ألقت رحلها طوباويات الهنود الحمر(14).‏

وتحت شعارات مدعاة، لاسيما ما يتعلق بالديمقراطية، وبحقوق الإنسان (الفرد)، تعمل الحضارة الغربية بتجليها (العولمي) الأميركي، على تشكيل ثقافات الأمم والشعوب، بما يتناسب مع ثقافة السوق، وإن أدى ذلك إلى تدمير قيم تلك الأمم، وتدمير أنماط سلوكها ومنظومة تفكيرها.... لأنها بزعم العولميين قيم دونية متهافتة وقبل حضارية.‏

والغريب أن أرباب العولمة لا يتورعون عن التخلي عن تلك الشعارات حين تتعارض مع مصالحهم.. ولا يتورعون عن الكيل بمكيالين، بل بمكاييل كثيرة، فذلك ليس غريباً عن الفلسفة الذر ائعية، التي تشكل محور الفكر الأميركي (إن كان ثمة فكر أميركي بالمعنى الدقيق للكلمة).‏

وفيما يخص العرب، فقد بدأ منذ وقت مبكر سيل من الدراسات والبحوث والأحكام، أطلقها الأوروبيون... ثم الأميركيون.. ثم المتأوربون والمتأمركون من تلاميذ المستشرقين، بهدف تسفيه الحضارة العربية الإسلامية وموروثها الثقافي وأجهزتها المعرفية وإنجازاتها عموماً... رافعين شعاراً يقول: إن الصحيح والجيد في الحضارة العربية (15) الإسلامية ليس عربياً، وإن ما هو عربي فيها هو الأخس والأضعف؟!!!.‏

وقد أدت بحوث المستشرقين (في نموذجهم الأسوأ)، وبحوث تلاميذهم المنبهرين بهم، إلى إحداث صدمة عند بعض المفكرين العرب، اقترنت بالدهشة المروعة والقلق المضني والإخلال بالتوازن... إلا أن الحضارة العربية الإسلامية، الغنية والقوية والأصيلة، بدأت تمارس نوعاً من الممانعة المشروعة، المسلحة بالفكر الناقد، مما أدى إلى مواجهة أكثر نضجاً لبعض الإشكاليات (إشكالية الحداثة مثلاً، وما ارتبط بها من إشكالات في الصعد كافة)، وإلى رد كثير من الإشكاليات الزائفة (كإشكالية العلاقة بين العروبة والإسلام، التي نتجت عن الخلط المتعمد بين الإسلام كعقيدة والإسلام كحضارة، والذي يمثل إنجازات الأمة العربية في السياق التاريخي وفي الصعد كافة، والتي اشتركت فيها الجماهير العربية، كما اشترك فيها المفكرون العرب، بغض النظر عن الدين الذي يعتنقه كل منهم، بل إن بعضهم كان خارجاً عن الأديان جاحداً بها..)....(16)‏

وهكذا بدأ مفكرو ما يسمى بعصر النهضة العربية ومن جاء بعدهم في البحث عن المشتركات التي تحدد هوية الأمة، بقصد إعادة تأهيلها لمواجهة التحديات، بكفاءة عالية وكفاية مناسبة... وعدّوا الاختلاف بين الأفراد، وبين المجموعات... نوعاً من التعددية الخلاّقة، في ظل هوية قومية عربية واحدة... فالتعددية تساعد، كما ساعدت دائماً، في إغناء الهوية القومية، في جو من التكافؤ والتكافل والديمقراطية...‏

دون أن يسيء أحد بأحد الظن، ودون أن يحتكر أحد هذه الهوية، تحت أي شعار كان. علماً بأن الهوية ليست معطىً (ماهوياً) ثابتاً وأزلياً وناجزاً، والبحث في الهوية ليس بحثاً عن شيء كنا نمتلكه ثم أضعناه (كما يزعم بعض غلاة السلفيين وبعض أسوأ المستشرقين)، وإنما هي بحث في شيء نصنعه باستمرار، وهو قيد الإنجاز دائماً. لأن البحث عن هوية ناجزة لكنها ضائعة، وعن فردوس مفقود، وعن عصر ذهبي... بحثٌ أيديولوجي مغلق، وبرنامج عمل يحاول أن يفرض هوية ما، متصورة ومصطفاة في ذهن ما. وهذا ما فعلته التيارات الفكرية العربية، بنزعاتها المختلفة، في جوابها عن سؤال: من نحن؟ وما هويتنا؟ وما الانتماء الذي علينا أن نتبناه؟ حيث أجاب كل فريق بما يتناسب مع تصوره، ومع تركيبه الثقافي والأيديولوجي، ومع مصالحه.. فقال بعضهم بالفرعونية... وقال آخرون بالفينيقية.. أو بالأمازيغية... أو بالمتوسطية.. أو بالشرق أوسطية.. وكلها، وكما هو واضح، تنفي العروبة كانتماء طبيعي للشعوب التي تسكن الوطن العربي.....(17).‏

ومن حسن الحظ أن تلك الدعوات ظلت معزولة وقاصرة، ويتم تداولها في مجتمعات النخبة المرتبطة غالباً بالمشاريع الأجنبية، يقول (د.محمد عابد الجابري): «إن المرء ليستطيع أن يجزم بأن أفراداً قليلين فقط من سكان هذه المنطقة، التي تمتد من المحيط إلى الخليج، لا يتحمسون لأن يوصف الواحد منهم بأنه عربي، إن الأغلبية الساحقة من سكان هذه المنطقة يعتبرون هذا الوصف جزءاً من هويتهم. فمن لم يكن منهم عربياً بالعرق(وهل يمكن إ ثبات ذلك أو إثبات العكس؟)، فهو يعتبر نفسه عربياً بالإسلام، كما هو الحال، بالنسبة إلى شعوب شمال أفريقيا، التي لا ينفصل في وعيها الإسلام عن العروبة، ولا العروبة عن الإسلام. أما من لم يكن منهم مسلماً، كالمسيحيين في الشرق، فإنهم يعتبرون أنفسهم عرباً باللغة والثقافة والتاريخ والأصل. أما الباقي، وهم الأغلبية، فيعتبرون أنفسهم عرباً أو مستعربين، فضلاً عن كونهم مسلمين. أما الحركات الأصولية، التي ترفع شعار الإسلام، فهي ترفعه كشعار سياسي احتجاجي ضد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية.... وقد برهنت حربا الخليج (الأولى والثانية) عن مدى عروبة هذه الحركات الإسلامية... »(18).‏

مما تقدم يتبين أن البحث في الهوية القومية، والانتماءَ إليها، إنما يهدف إلى المشاركة في عملية النهوض الشاملة، ويمثل جهداً طيّباً وأصيلاً يصب في طاحونة التنمية الحضارية، ويساعد في خوض نضال حضاري، ضد تحد حضاري يواجهنا بشراسة، تعرضنا وما نزال لضغوطه المتزايدة في كل يوم.‏

فالولاء لهوية قومية عربية يعني الولاء للعروبة، انتماءً وسلوكاً: «وأن يكون الإنسان عربياً، يعني أن يكون عروبياً، أي نزوعاً نحو تعزيز الوحدة الثقافية العربية القائمة، بوحدة اقتصادية، ونوع من الوحدة السياسية...»(19)، وطرح مشروع نهضوي عربي عصري، ينبع من العقل والوجدان معاً، ويتتبع تضاريس الواقع العربي والدولي، ويحرك الجماهير العربية بحرصه على تمثيل مصالحها وتطلعاتها في الصعد كافة، لأنها هي التي ستعمل لإنجازه.... دون أن نتوقع، أو نتوهم، أن نجد في ماضينا الحلول السحرية لمشاكل حاضرنا وتطلعات مستقبلنا... ودون أن ندير ظهورنا لتراثنا، معتبرين إياه مجرد ركام أو حطام عفى عليه الزمان... ودون أن ننشغل بهؤلاء الذين يهاجمون التراث العربي الإسلامي دون اطلاع حقيقي عليه، أو الذين يقدسونه دون أن يكون لديهم أي اطلاع حقيقي عليه كذلك.‏

والتراث الذي أقصده هو التراث العربي الإسلامي، أو الحضارة العربية الإسلامية، بكل ما يحتدم فيها من ممارسات وعمليات ومشروعات وأفكار... دون أن أعود إلى حقب موغلة في القدم أنجز العرب فيها إنجازات حضارية فذة، ودون أن أقصره على النواحي الروحية والمعنوية واللغوية والفقهية (مع عظمتها). واقتصاري على التراث العربي الإسلامي يرجع لأسباب إجرائية، ولأن هذا التراث مازال فاعلاً فينا، ويشكل منظومة قيمنا وتفكيرنا، ومحور هويتنا....(20)‏

والتراث العربي الإسلامي، كما أفهمه، ليس تراث فئة أو طائفة أو إقليم... بل يتسع ليشمل المذاهب والفرق والملل والنحل جميعاً، أصحاب المذاهب وأصحاب البدع في آن معاً، وعظمته تكمن في تعدديته، شرط أن نميز الجوهري من العرضي فيه، والثابت (نسبياً) هو الذي يمنح الخصوصية... هو الهوية.... وهو الذي يشكل المبادئ العامة... والمنطلقات.... والكليات التي تم في ضوئها، عبر التاريخ، التعامل مع الوقائع والأحداث. ونحن، وإن كنا نعتمد تلك القواعد والمبادئ والمنطلقات، بحكم انتمائنا للهوية العربية، لسنا ملزمين بفهم الأسلاف لها، اللهم إلا من باب الاطلاع والاستئناس والاعتبار... لسبب بسيط جداً هو أن واقعنا مختلف... ومشاكلنا مختلفة..‏

والمعطيات التي بين أيدينا مختلفة... والأسئلة التي تواجهنا مختلفة.. وهكذا، فإن تطبيقات الأسلاف، وتنظيماتهم المختلفة ليست مقدسة، ولا تُلزمنا بشيء يعارض احتياجاتنا ومصالحنا، ويتناقض مع ظروفنا، ولكن، وعلى الرغم من كل ما سبق، قد تحمل بعض تطبيقات الأسلاف وبعض أفكارهم جوانب حية ومفيدة، كان قد تم التعتيم عليها، لأنها صدرت عن فئات منشقة أو منبوذة... وهي متفرقة، زماناً ومكاناً، وبحاجة للاستعادة وفق منهج يهتدي بنظرية قومية، تتعالى عن التورط في الخلافات التي كانت قائمة بين من أنجزوها ومخالفيهم، بصفتنا الورثة الشرعيين للأسلاف جميعاً....(21)، علماً بأن استعادة التراث مهمة جداً، وتمثل جوهر الحداثة عند (هيدجر). فالحداثة عنده هي وسيلة الارتباط بالحاضر من خلال الاستدعاء المستمر للماضي الذي غُيّب بفعل حركة التاريخ ذاته. واستدعاء الماضي يعني إعادة اكتشاف تقليد محلي منسي، والتأكيد عليه نظراً لكفاءته في التعامل مع المستجدات. لذلك لابد من التنديد الشديد بالخطاب الذي تنتجه بعض الجهات، بقصد احتكار التراث، وقصره على ما أنجزته فئة بعينها، وجعله يصب في طاحونة (الفرقة الناجية)؟!!!!!. وتيار مابات يعرف بالأصوليين لا يمتلك حق احتكار التراث، أو احتكار الإسلام والتكلم باسمه مهما استخدم من أساليب العنف (المادي والمعنوي). (حسب وجيه كوثراني)، ومن المفارقات أن الغرب، ورأس العولمة أميركا، يحرص الحرص كله على إظهار تلك الحركات (الأصولية)، بطبعاتها الأكثر رجعية وجهلاً وتخلفاً... وكأنها التعبير الأوضح عن حقيقة الإسلام؟! في محاولة منه لقطع الطريق أمام الإسلام الحقيقي.... التعددي، لأن هذا الإسلام سيفرز المقاومة الفعالة لمشاريع الغرب، فالعدو الجاهل خير من العدو العاقل.... ولأن الغرب يعلم أن هذه الحركات (الأصولية) ارتكاسية بطبعها، وسرعان ما تستهلك نفسها وأصحابها، وتحرجهم، ثم لا تلبث أن تقضي عليهم؛ لأنها نابعة أساساً من اختلال في التوازن.... وعموماً، وكما قال د.محمد عابد الجابري: «نحن نعتبر الماضي ملكاً للجميع، ونرى أن صراعاته يجب أن تكون وراء الجميع، لا معهم... ولا أمامهم»(22).‏

ولا يظن أحد أن البحث في الهوية، وحسم مسألة أننا ننتمي إلى ثقافة مختلفة مستمدة من تراثنا ومن واقعنا في آن معاً... بحث نافل، أو بحث متخلف في خضم العولمة ووسط معمعتها: «فحاجتنا إلى الدفاع عن هويتنا الثقافية لا تقل عن حاجتنا إلى اكتساب الأسس والأدوات التي لابد منها لدخول عصر العلم والتقانة، وفي مقدمتها العقلانية والديمقراطية».(23)‏

وإذا كانت العولمة تبدو للبعض وكأنها قدر محتوم لا مناص منه، بحكم قوتها، إلا أن الحقيقة غير ذلك... فالعولمة ليست الخيار الوحيد المتاح أمام الشعوب، وإنما هي نتيجة لمقدمات وضعتها، بوعي وإرادة، حكومات الدول الرأسمالية وبرلماناتها، بهدف تحطيم الحواجز والحدود، وفتح سماوات العالم وأراضيه أمام القيم والسلع ورؤوس الأموال... إلى أن وصل الأمر إلى حد فرض العقوبات الزاجرة بحق كل من لا يذعن لسياسات السوق وحرية التجارة (انظر: فخ العولمة). وإذا كانت (العولمة) تتفشى بصورة كاسحة، ولا تستأذن أحداً، وغير عابئة بأحد في الصعيدين الاقتصادي والسياسي، بحكم ما تتمتع به من إمكانات وأدوات... فإنها، في الصعيد الثقافي، مازالت في أفق الإرادات والأفكار التي تتجه نحو التحقيق، فهي لم تصبح بعد فعلاً تاريخياً منجزاً، وما زال العالم وسط معمعتها، ومازال منظروها ينتجون المزيد من الرؤى المنفلتة من ضوابط الأخلاق والعدالة، ويضعونها على لسان رئيس الإدارة الأميركية، مستغلين سذاجته السياسية، ورعونته، ومزاجه المستمد من مزاج رعاة البقر.... ذلك كله بهدف تكبيل العالم بمنظومة من القيم تدفعه إلى القبول المطمئن بتسلط شعب الله المختار الجديد كقدر من الأقدار التي لا مهرب منها.‏

وعندما نستخدم مصطلح (العولمة) إنما نستخدمه كما هو متعين في الواقع، وليس كما يراد له أن يكون من قبل المستفيدين منه أو المتضررين منه على حد سواء.‏

وعلى الرغم مما يظهر من قوة العولمة، واستبدادها وطغيانها... فإنها ما زالت تجابه بجدار من الممانعة، بقصد المحافظة على الذات... وعلى الوجود... وعلى الهوية... لئلا تذوب الأمم والشعوب وتتلاشى قيمها وأخلاقها وعقائدها ومقدراتها في سوق النمط الواحد... والوحيد. وليست هذه الممانعة تخلفاً، ولا رفضاً لآلاء العولمة وفضائلها، وهي كثيرة، تتمثل في أدواتها، ولا يستطيع أحد أن ينكر حاجته إلى هذه الأدوات، خصوصاً ما يتعلق بسرعة الاتصال والتواصل، وسرعة الحصول على المعلومات على الرغم من الحواجز والحدود.... وهذا ما يشكل غوايات العولمة كما سبق وأشرنا... إلى جانب بعض الشعارات التي يفيض بها خطاب العولمة.... ولكن إذا كان ثمن هذه الآلاء والنعم تبخّر الأمم والشعوب، وتدمير هوياتها وعقائدها، ومصادرة أحلامها وأهدافها، وسرقة مواردها، وإذلالها، وتركيعها، وتحويلها إلى شعوب مستلبة، مستباحة، هامشية، لا تستحق الحياة، في عالم شعاره (البقاء للأقوى).... فإن التقاعس عن هذه الممانعة يشكل خيانة؛ بل تآمراً على الأمة.‏

وليس غريباً أن يتوجس صانعو القرار الأميركيون الشر من الوطن العربي، ومن الأمة العربية، وأن يضعوا هذه الأمة وتاريخها، ومصادر الثروة فيها في مقدمة أهدافهم التدميرية؛ إذ «يشكل التحدي العربي الإسلامي أكثر التحديات جدية للسيطرة الغربية الثقافية عموماً، وللولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، لأنها قائم في منطقة تحتضن أضخم احتياطات النفط، ولأنه فاعل ضمن سياق أيديولوجي متماسك، له أصداؤه في أرجاء العالم الإسلامي، وفي أفريقيا وآسيا، وكذلك في المجتمعات الإسلامية المهاجرة في أوربا وأميركا....».(24)، لذلك يحاول منظرو العولمة، من أمثال (هينتينغتون) أن يوحوا بأن ثقافات وحضارات وهويات..... معينة تمثل بطبيعتها خطراً على (الفكر العالمي)، وعلى الذوق الاستهلاكي المطلوب. وكل أمة، من ثم، لا تتبنى النمط الأميركي في الحياة هي أمة معادية، ومحاربتها والقضاء عليها يعد دفاعاً مشروعاً عن النفس. ويقول (جورج ستيفانو بولس) كبير مستشاري الرئيس الأميركي السابق (كلينتون) في مقال نشره في صحيفة (النيوزويك) مدافعاً عن (حق أميركا في القتل)؛ واصفاً فيه سفك الدماء بأنه عمل، ليس ضرورياً فحسب، ولكنه نبيل أيضاً؟!!! وأن القتل، أحياناً، هو عمل إنساني؟!!!!!‏

ويقول (روبرت فولر) في كتابه (تسمية الدجال): «وعلى كل حال، فإن هؤلاء الأنغلو ساكسون ... البيض... البروتستانت (wasp) متجذرون ثقافياً في تراث توراتي، يمدهم باستعارات أسطورية لكل عماء يهددهم، فما أن يتمكنوا من لصق هذه الاستعارات بحادثة أو شخص، حتى يصبح سفك الدم عملاً مقدساً»(26).‏

وهكذا، فقد حددت السياسة الأميركية هوية الشيطان، فهو على مقاس ضحاياهم وصورتهم؟! يقول (نعوم تشومسكي): «إن الفرضية الضمنية(للسياسة الأميركية)، هي أن النظام الأميركي الخاص بالتنظيم الاجتماعي والسلطة، والعقيدة التي تصاحبه، يجب أن يكون عاماً (في كل مكان على الأرض)، إن أي شيء أقل من ذلك لا يعتبر مقبولاً، ولا يمكن التسامح مع أي تحدٍ، إن كل عمل، والحالة هذه، تتخذه الولايات المتحدة لنشر نظامها وعقيدتها، هو عمل دفاعي....»(27).‏

ومنطق صناعة القرار في الولايات المتحدة، فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، يقوم على إدارة الأزمات، وإبقائها في حالة من التوتر والغليان المتحكم به، إما لعدم وجود استراتيجية واضحة، أو لإنهاك الخصم بقصد الحصول على أكبر قدر من المكاسب. كما يقوم على مواجهة تهديد معين، فإن لم يكن ثمة تهديد حقيقي يتم رفع تهديد صغير الأهمية، أو قليل الكفاءة، إلى مستوى تهديد العالم، وتهديد نمط الحياة الأميركية، وتهديد المصالح القومية الأميركية، بل العالمية.‏

وفي ظل غياب التهديدات الحقيقية، لاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، تم رفع ما سمي بالحركات الأصولية الإسلامية إلى مستوى التهديد الذي يؤرق خيال أعضاء (الكونغرس)، عن طريق الإعلام المسيطر عليه من قبل النخبة الأميركية...(28)‏

وبناء على ما سبق، نستطيع أن نؤكد بأن الهوية العربية، أي المشتركات التي توحد العرب من المحيط إلى الخليج، تشكل الملاذ الذي لابد للعرب من اللجوء إليه للحفاظ على وجودهم. إذ إن العولمة المتوحشة، كما تقودها الولايات المتحدة الأميركية، لا تعترف بالاختلاف، وإنما تسعى إلى فرض أنماط السلوك الأميركي، والقيم الأميركية... أي إنها تسعى إلى أمركة العالم، مستفيدة من القوة الهائلة التي تمتلكها في الوقت الحاضر. وفي الأفق المنظور....‏

وإذا كانت ضغوط هذه العولمة أشد إيلاماً وفتكاً بمصالح الدول التي تشكل ما كان يعرف بالعالم الثالث وما يسمى اليوم بدول الجنوب... فإن دولاً متقدمة بدأت تشعر بوطأة تلك الضغوط، وتتململ من استبداد الإعلام الأميركي وطغيانه، الذي يسيطر على مالا يقل عن (65%) من البرامج التي يستقبلها مواطنو تلك الدول....حيث تصدر الولايات المتحدة أ كثر من (120.000) ساعة من البرامج التلفزيونية سنوياً إلى أوربا وحدها، وتنمو تجارة هذه البرامج بمعدل (15%) سنوياً... مما اضطر الحكومة الفرنسية إلى إصدار تشريع يقضي بألاَّ تزيد نسبة البرامج الأجنبية في محطات الكوابل عن (30%).‏

ويقول (فولكنر) وزير خارجية كندا السابق في سياق تبرمه من الطغيان الإعلامي الأميركي: «لئن كان الاحتكار أمراً سيئاً في صناعة استهلاكية، فإنه أسوأ إلى أقصى درجة في صناعة الثقافة، حيث لا يقتصر الأمر في الحالة الثانية على تثبيت الأسعار، وإنما تثبيت الأفكار أيضاً، مما دفع بعض الباحثين إلى القول: إن الأطفال في كندا، من كثرة ما يتعرضون له من برامج أميركية، أضحوا لا يدركون أنهم كنديون....».(29).‏

وقد جاء في تقرير برنامج الأمم المتحدة عام 1995، وهو تقرير منحاز ومخترق بطبيعة الحال: «تتعرض الثقافة الشعبية الآن لضغوط أقوى من أي وقت مضى، ومن (مانيلا) إلى (ماناغوا)، ومن (بيروت) إلى (بكين)، في الشرق والغرب، في الشمال والجنوب.... أصبحت أشكال الزي... والألعاب الرياضية... والموسيقا... والعادات المتعلقة بتناول الطعام، والمواقف الاجتماعية والثقافة... أصبحت كلها تشكل اتجاهات عالمية... وحتى الجرائم، سواء أكانت تتصل بالمخدرات، أو إساءة معاملة النساء، أو الاختلاس، أو الفساد... أصبحت تتجاوز الحدود، ومتشابهة، في كل مكان، لقد انكمش العالم في أوجه عديدة....»(30).‏

لعل في الفقرات السابقة مايعلل، إلى حد ما، أسباب تركيز الإعلام الغربي عموماً، والأميركي خصوصاً، على الإسلام السياسي، وعلى الدول (راعية الإرهاب)؟!. ويعزو بعض الإعلاميين الأميركيين نجاح الرسائل الإعلامية التي يقدمونها في السيطرة على عقول الناس، وفي تبديد الثقافات الوطنية والقومية المستهدفة إلى كون تلك الثقافات غير ملائمة؟!.. وتفرض على الناس قيوداً كثيرة، وأنها ذات توجهات دينية غالباً؟!!!!... ويتجاهل هؤلاء الاختلال في التوازن، وعدم تكافؤ إمكانات تلك الثقافات مع الإمكانات المتاحة للإعلام الأميركي (المعولم) في مجال الدعاية والإعلام.. ومع ذلك بقي نجاح هذا الإعلام نجاحاً نسبياً في حالة الأمة العربية على الأقل، التي مازالت تحتفظ بالتوازن القيمي والوجودي الخاص، الذي عبّر عن نفسه في مناسبات متعددة: «دعم الانتفاضة... مقاومة التطبيع... شجب العدوان المستمر على العراق... إدانة سياسة الكيل بمكيالين في شؤون السياسة الدولية عموماً... وحين يتعلق الأمر بشؤون الوطن العربي خصوصاً....». ومهما بدا انتصار العولمة كاسحاً حالياً فلابد من الاحتفاظ بالخصوصية، وبالهوية القومية: «وينبغي أن نتوخى الحذر إزاء القاموس الجديد للعولمة، لسبب أساسي، هو أنه يصعب إخضاع ما هو إنساني لنظرة أحادية، مهما كانت قوة حضورها الواقعي، وبخاصة على الصعيد البشري. فالحديث عن الإنسان، والموارد البشرية، يفترض مداخل مختلفة، وتدخلات نوعية، تراعي معطيات الخصوصية لكل جماعة، وتأخذ مقوماتها الثقافية في الاعتبار. وعلى الرغم من أهمية الإقرار بالطابع العالمي لبعض الظواهر، التي فرضت نفسها طوال العقود الماضية، فإن ظواهر أخرى، مثل التنمية، لن تكون ممكنة أو مستديمة، إلا في إطار تحديد دقيق للعلاقة بين الدول وعالم المقاولات. فالدولة تضمن الاستمرارية، وتحمي القيم الكبرى، بينما المقاول مغامر، ومجدد بطبيعته، لذلك نغفر له بعض أخطائه»(31). بينما تعمل العولمة على إفراغ مفهوم الدولة من معنى السيادة والقانون، لتجعله آخر الأمر رهينة لاعتبارات السوق العالمية والعاملين فيها والقائمين عليها... بعد أن أصبحت الشركات عابرة القارات والقوميات قادرة على اختراق الحدود، ودخول أية دولة، عن طريق رشوة كبار المسؤولين وذوي النفوذ فيها، ورشوة رجال الإعلام.... مما أضعف قدرة الدول على الدفاع عن سعر صرف عملاتها الوطنية، كما أدى إلى سرعة، وسهولة، هروب الرأسمال الوطني، نتيجة إغوائه بالمضاربة والربح السريع... لذلك اضطرت الدولة الوطنية إلى التخلي عن كثير من المرافق العامة، وإلى تآكل أنظمة الوعي الجماعي، وإلغاء كل أشكال الدعم والحماية والإعانة (أو تقليصها إلى الحدود الدنيا، ولمدة انتقالية قبل إلغائها)، وإلى الانفتاح المطلق، غير المشروط، على الشركات العملاقة، وتلبية مطالبها، واسترضائها، من خلال منحها أكبر قدر من المزايا والضمانات.... مما أدى إلى تآكل المداخيل وضعف القوة الشرائية وإلى زيادة البطالة، وزيادة ساعات العمل، والعمل في أكثر من مهنة وأكثر من دوام عمل، وسيطرة فئة قليلة من الإداريين والرأسماليين في دول المراكز على اقتصاد العالم... وتذكر بعض الإحصاءات المعتمدة أن ممتلكات الـ (450) فرداً الأغنى في العالم تتجاوز قيمة الإنتاج القومي لبلدان الجنوب مجتمعة؟!! (انظر : فخ العولمة).‏

وبذلك يكون قد تمت إعادة ترتيب دور الدولة السياسي والاجتماعي، فتحولت من حامية لمكاسب المجتمع المدني وضامنة لها.. إلى جهاز منفذ لمتطلبات عالمية، تترجم عملياً واقتصادياً بسقوط المصالح القومية، وفسح المجال لقوى عابرة للقارات ومتجاوزة للخصوصيات، لتمارس علمها بحرية تامة، متحالفة مع بعض القوى المحلية الانتهازية محدثة النعمة.‏

أما في الدول المتقدمة، فإن الشركات العملاقة أصبحت قوة مستقلة (نسبياً)، وذات مصالح موازية لمصالح الدولة... وتنتمي، بطبيعة الحال، لمصالحها على حساب المصالح الوطنية... وتسعى، بنهم شديد، لالتهام مثيلاتها أو الاندماج فيها ومعها. وهذه الشركات الضخمة متنوعة النشاط عادة، ومنتشرة جغرافياً، وتمتلك قدرة هائلة على حشد المدخرات العالمية، وعلى الاقتراض من البنوك العالمية، وتمتلك من الإغراءات ما يكفي لاستقطاب الكفاءات البشرية عالية المستوى، بغض النظر عن جنسها أو لونها أو دينها...‏

وقد تحول المسؤولون في الدول المتقدمة إلى وكلاء لمصالح تلك الشركات، يسوّقون سلعها ومشاريعها.... ولعل في زيارات المسؤولين الكبار لدول الخليج، وتنافسهم في الحصول على الصفقات، لاسيما صفقات الأسلحة (للتخزين لا للاستعمال) ما يبرر قولنا. وأخطر ما في الأمر أن وكيل هذه الشركات، في هذه الحالة، يكون مدججاً بالضغوط السياسية، وحاملاً في جعبته ما يكفي من التهديدات.... مما يجبر الدول الصغيرة على الإذعان والرضوخ (حتى لقد أدى ذلك إلى توقف قلوب بعض الحكام خوفاً وكمداً، والموت بين يدي ذلك الوكيل وهو يملي الطلبات، ويقدم الفواتير الباهظة...).‏

ونتيجة التوظيف المقتدر لتقنيات الاتصال الحديثة، والاستفادة القصوى من ثورة المعلوماتية، ومن التقانة عموماً استطاعت الشركات الكبرى أن تخفض حاجتها إلى الأيدي العاملة... وقد ذكر ك تاب (فخ العولمة) وسواه أن (20%) من البشر سيجدون فرصاً للعمل، أما الـ(80%) المتبقون ففائضون عن الحاجة، ويشكلون عبئاً على المنتجين الحقيقيين. ولما كانت الديمقراطية الغربية (البرلمانية) تعتمد على صندوق الانتخاب، ولما كان لكل مواطن صوت يعادل أصوات الآخرين (ولو نظرياً)... فإن هذه الديمقراطية تهدد الأقلية (المبدعة).... لذلك لابد من سقوط هذه الديمقراطية (الشعبوية) وقيام (ديمقراطية الأقلية)، التي تقود التطور داخل دول المركز (وفي عودة لنوع من النازية... أو الديمقراطية الأثينية).‏

أما دول الهامش، فإن من يعجز منها عن إنتاج غذائه، أو مبادلته بما ينتجه من السلع المصنعة، فسيترك لمواجهة قدرة المحتوم (والبقاء لأقوى)... ولا مانع من تنظيم حملات إغاثة موسمية عند الكوارث... لراحة الضمير؟!! وقد أدت هذه السياسات (العولمية) إلى تفاقم التفاوت في الدخول إلى درجة هددت الأمن الاجتماعين وهددت وحدة وتماسك المجتمع، مما أدى إلى انتشار الرشوة... والمحسوبية في العديد من مؤسسات الدولة... وأصبحت محاباة الأقارب من الظواهر الاجتماعية المألوفة في التعاملات السياسية وعند توزيع المناصب.‏

وما نجم عن سياسات العولمة، خصوصاً في دول الهامش والأطراف، دفع الأمم والشعوب للبحث في هوياتها وخصوصياتها، بعد أن أدى طغيان العولمة إلى ردات فعل ارتكاسية، أنتجت أيديولوجيات متعصبة وغير عقلانية (الأمر الذي يتخذه بعضهم ذريعة لمحاربة مفهوم الهوية)، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء نقد سياسات التحديث التي تفرضها مؤسسات العولمة، وكيف أنها أدت إلى تقويض البنى التحتية، وإلى سحق الوعي بدل أن تعمل على تثويره وتقدمه... الأمر الذي جعل الحداثة، التي نتجت عن تلك السياسات، صناعة خارجية غير متعضية مع واقعها.... وبقي الحداثيون، خصوصاً الحداثويون منهم، موضع شبهات بالعمالة والخيانة... أو بالانتهازية، وتقديم المصالح الشخصية الضيقة على مصالح الأوطان مما أعطى الفرصة لبعض الحركات الرجعية لتبدو وكأنها البديل لكل هذا الركام من الأخطاء والعثرات في السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وصل في كثير من الحالات إلى درجة الخطيئات الكبرى، ومما يسبب القلق حقاً أن يتم تقديم تلك الحركات، غير المنتمية إلى واقعها وزمانها، وكأنها الممثل للهوية والأصالة.‏

ثم إن الذين ينظّرون لترويج العولمة، باعتبارها دعوة إلى تحويل العالم إلى سوق عالمية واحدة، تفسح مجالاً للجميع، شرط الانصياع لقوانين التنافس الذي يكفل الخير لجميع الموجودين في السوق... إنما يروّجون نوعاً من الترهات الأيديولوجية الفجة، ويبيعون الأوهام للسذج... لأن التنافس لا يكون حقيقياً وعادلاً إلا بين أنداد.‏

والعولمة، كما يفهمها (أصحابها) تعني حرية الحركة للسلع ولرؤوس الأموال، ولا تسمح بحرية الحركة للأيدي العاملة. بل إن القيود تزداد في وجه انتقال العمالة من خلال تشديد قوانين الهجرة والإقامة والعمل. وكلنا يسمع بصورة تكاد أن تكون يومية عن سفن وحاويات الموت، وعن مافيات تهريب الأشخاص ضمن ظروف غير إنسانية.... بل إن دول المركز تقوم بطرد العمالة الأجنبية كلما سنحت الفرصة... إلى جانب الممارسات العنصرية الفظيعة... ولو كانت العولمة صادقة في الدعوة إلى الانفتاح وكسر الحواجز لماكان هذا الانفتاح انتقائياً حسب مصلحة دول المركز.‏

ثم إن العولمة التي تدعي العمل على توحيد العالم وثقافات العالم، وتوحيد أممه وشعوبه، في ظل شعارات براقة: «الديمقراطية، حقوق الإنسان...»، لم تتورع في يوم من الأيام عن بيعها في سوق مصالحها، ولم تتورع عن اختراقها، خصوصاً بعد أن ضمنت انتفاء الأعداء الجديين والحقيقيين، في الأفق المنظور على الأقل. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وبعد أن انتهت الحرب الباردة بانتصار الرأسمالية بدأ الشغل على ما سُمي بتوسيع أسرة الدول الديمقراطية، وجذب المزيد من الحلفاء والأصدقاء الذين يتبنون قيم السوق. ولا مانع عند (العولمة) من دعم دول صديقة (غير ديمقراطية) طالما أنها تطبق سياسات تحرير التجارة وحرية المبادلات وتدعم آليات حرية السوق... وطالما أنها، على الأقل، لا تعادي سياسات الولايات المتحدة الأميركية ولا تقف في وجه مصالحها الاستراتيجية..... وعلى الحلفاء، والأصدقاء... إن أرادوا أن يحظوا بمزيد من رضا أميركا ومباركتها، وأن ينعموا بمزيد من الاندماج في (الأسرة العالمية... أن يحققوا فيما بينهم تحالفات إقليمية، هدفها الوقوف في وجه العدوان الإقليمي) الذي تمثله دول معينة (تدعم الإرهاب وترعاه) هذا الإرهاب الذي تقوم به الجماعات (الأصولية) ذات التوجه الديني (الإسلامي) لأنها تنشر التعصب الديني والثقافي والإثني...؟!!!! لذلك لابد من (احتواء) تلك الدول المشاغبة (إيران/العراق/ كوبا/ كوريا الديموقراطية/ السودان/ليبيا) يضاف إليها بعض الدول بصورة موسمية، تبعاً لمتطلبات السياسة الأميركية في الصعيدين الداخلي والخارجي. ولابد من عزل تلك الدول عن محيطها وعن العالم، وقطع الإمدادات عنها، بقصد إعادة تأهيلها، لتتكيف مع متطلبات سياسات العولمة، ولابد من تدمير بناها التحتية، المادية والثقافية، التي بنتها بانتهازية أيام الحرب الباردة، مستغلة المنافسة بين قطبي العالم آنذاك؛ لأن تلك البنى تقوم على الهوية القومية، وعلى الانتماء الحضاري والثقافي المتمايز، المستند إلى حقائق التاريخ والجغرافيا (التي لا تروق للعولميين)... لذلك يجري العمل على استبدال ذلك كله بانتماءات أخرى تنافي العروبة، بالنسبة للوطن العربي.‏

ولا مانع عند منظري هذه العولمة (المتوحشة) من معاقبة شعوب تلك الدول... وتجويعها.... والتشفّي منها.... لأنها تعجز عن الإطاحة بالحكومات (المغامرة وغير المهذبة، والإرهابية، والمشبعة بالروح العدوانية....) وكأن هذه العولمة لم تصنع بعض هذه الحكومات، ولم تتعامل مع بعضها الآخر بمودة وتقدم لها الدعم (المادي، والمعنوي، واللوجستي...)، وعندما كانت سياستها تتطابق مع سياسات الولايات المتحدة الأميركية في مرحلة من مراحل التاريخ (ليس من الضروري أن يكون هذا التطابق مقصوداً أو نتيجة للارتباط المباشر).‏

(فالشرعية الدولية) لا ترى مانعاً من استمرار حصار تلك الشعوب (إلى أن تخلع أنظمتها) في محاولة فجة للتمييز والفرقة، لأن المطلوب الحقيقي أن تتخلى تلك الشعوب عن هوياتها وخصوصياتها وأحلامها ومشاريعها في النهوض.‏

وقد صار واضحاً أن للعولمة وجهين متناقضين (ظاهرياً)؛ يسعى الأول إلى توحيد الأسواق العالمية، وإلى دمج اقتصادات العالم، وتنمية تشكيلات عابرة للقارات من السلع والمنتجات وأنماط السلوك وكتل الأموال والأسهم والسندات...... ويسعى الثاني إلى تفجير الصراعات المحلية، وبعث مظاهر التفتت العرقي والإثني والطائفي والديني واللغوي.... خصوصاً في الدول الموضوعة في دائرة الأعداء.... إذ يتم العمل على إضعاف الدولة المعادية، والحد من سيادتها على أراضيها وسكانها، وإحياء قوى تاريخية انقسامية كانت قد قطعت أشواطاً في الاندماج بمجتمعاتها، والعملُ على بعث ولاءات طائفية أو مذهبية أو عرقية انشقاقية...‏

وبعد:‏

فإن من يريد الاندماج في سياسات العولمة لابد أن يكون قد أرسى بناء دولة قوية، ذات قدرات تنظيمية ومؤسسية وثقافية عالية الكفاءة، تمثل شرائح المجتمع جميعاً، وتتمتع باقتصاد قادر على المنافسة (وإن بالحدود الدنيا).... وهذا ما تفتقده الأقطار العربية متفرقة، لذلك لابد من تضامن هذه الأقطار وتكاملها ووحدتها، لتكون قادرة على الوقوف أمام هذا المد الكاسح للعولمة....«وإن ما يجري اليوم، في ظل غياب التوازن الدولي، وتحكم القطب الواحد، وازدواجية المعايير، وسيطرة قوى الاحتكارات الكبرى، والتطورات الهائلة في وسائل الاتصال والمعلوماتية، وازدياد الهوة بين الدول الغنية والمتقدمة وبين الدول النامية، وانفجارات الحروب الإقليمية والمحلية، والصراعات القبلية والدينية والعرقية في مناطق متعددة من العالم... إضافة إلى العولمة الثقافية والاقتصادية، وهدم الحدود الوطنية، وتدمير هويات الشعوب، وتنميط حياتها وسلوكها وسلم قيمها وأولوياتها.... إن كل ذلك يثير القلق والخوف لدى شعوب العالم... إن عالم اليوم يكاد يتحول إلى غابة تتحكم فيها قواعد، وتغيب عنها ضوابط المبادئ والقيم التي ناضلت الشعوب من أجلها.... ومع ذلك، فإن قوى الهيمنة تتحدث عن حقوق الإنسان، في الوقت الذي يجري فيه انتهاك حقوق الشعوب».... وإن الشعوب والأمم وهي تراقب ما يمارس في فلسطين.. وأفغانستان.. والعراق... بدأت تلمس على رأسها فالدرس قد يتكرر في أي مكان آخر في العالم....‏

وما جرى في( دربان ).. وفي شوارع مدن العالم، بما في ذلك مدن دول الشمال... يعد مؤشراً لمحاولة إعادة العقل والمنطق والأخلاق إلى العلاقات الدولية المحكومة بجنون القوة وبإرهاب الأقوياء..‏

وأخيراً: إننا لسنا بحاجة لمن يذكرنا بضرورة مغادرة الماضي لنعيش الحاضر ونعمل في بناء المستقبل فهذا بديهي ولا عبرة لبعض الحركات المتشنجة التي راعها ما حلّ بالأمة من كوارث ومصائب ونكبات وهزائم على يد الغرب الذي تنفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادته (حالياً) فانكفأت إلى الماضي بحركة غير مبررة لا عقلياً ولا تاريخياً تطلب من هناك الحلول الجاهزة فتلك حركات قامت على ردود الفعل أكثر مما هي حركات فاعلة ومبادرة.. مما يجعل الغرب، في خطابه السياسي والإعلامي يصر على وضع العرب والمسلمين، بل وضع الإسلام ذاته، في خانة النقيض المتخلف الذي يرفض التكيف مع الحداثة؟! وصانعوا القرار في الغرب يعلمون قبل غيرهم أن مشكلة الحداثة، خصوصاً حين تكون حقيقية وأصيلة، ليست مع الإسلام، وإنما مع المتخلفين من المسلمين، الذين يتحالف مع بعضهم ويراهن على آخرين فيهم.... وصانعوا القرار في الغرب يعلمون علم اليقين أن هذه الحركات الرافضة للحداثة الحقيقية رفضاً آلياً ستستهلك نفسها وستسقط إن هي أعطيت الفرصة للتعبير عن فكرها وتقديم خطابها وبرنامج عملها، لأنها ستكون أمام خيارين: إما الارتقاء بخطابها وممارساتها وبرامجها وفهمها للنصوص وللوقائع، واستخدام لغة العصر ومفاهيمه وأساليبه.... وإما الذوبان والتلاشي بتأثير أشعة الفكر العقلاني... ولكن الغرب يحول دون ذلك، ويعمل على إثارتها من جهة، وعلى إجهاض محاولاتها من جهة ثانية لتبدو كأنها الضحية، وليبقى عدم الاستقرار قائماً، ينتج له مزيداً من البلبلة الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. مما يبقى مبرراته مقبولة لفرض الوصاية، وتخويف بعض السلطات... ونهب الثروات.. فالمشكلة أكثر تعقيداً وتركيباً، تتمثل أساساً في كيفية صنع مستقبلنا بصورة تتسق مع معطيات الحاضر ومنطق هويتنا وخصوصيتنا وانتمائنا وقيمنا... ولسنا بحاجة لمن يذكرنا بضرورة الانفتاح على الحضارات الأخرى خصوصاً تلك التي تدعي نفسها صفة العالمية بحكم قوتها وتسلطها.. فهذا أكثر بداهة والمشكلة لا تصاغ بعبارات مثل: هل نتفاعل أم لا؟ المشكلة الحقيقية تكمن في شروط هذا التفاعل ومنطلقاته، ومدى تحكمنا بهذه الشروط، وبمدى اتفاقنا حول تلك المنطلقات... ولسنا بحاجة لمن ينصحنا بالمسارعة في ركوب قطار العولمة، قبل أن يتركنا في محطات التخلف.. فنحن على استعداد لركوب هذا القطار لكن كركاب بشر، يحملون هوياتهم، وجوازات سفرهم، وأشياءهم الخاصة، ويعرفون وجهة سفرهم .... لا أن يحملوا إليه كالسوائم والأنعام.‏

الهوامش:‏

1ـ هيرست، بول و طومبسون، جراهام. مالعولمة، الاقتصاد العالمي وإمكاناته التحكم.( الكويت، سلسلة عالم المعرفة، رقم 273).‏

2ـ تيلور، بيتر، وفلنتا، كولن. الجغرافية السياسية لعالمنا المعاصر، الاقتصاد العالمي، الدولة القومية، المحليات.( الكويت، سلسلة عالم المعرفة، رقم 282)، ج1، ص 282.‏

3ـ المصدر السابق، ص 248.‏

4ـ انظر: المصدر السابق، خصوصاً ص 248.‏

5ـ نقلاً عن: هيرست، بول.. مالعولمة، مصدر سابق، ص 380.‏

6ـ المصدر السابق، ص 387.‏

7ـ انظر: الجغرافية السياسية....، مصدر سابق، خصوصاً ص 250.‏

8ـ برقاوي، د.أحمد. «العرب والقرن الحادي والعشرون». مقال منشور في الملحق السنوي لجريدة الكفاح العربي اللبنانية لعام 1998/1999.‏

9ـ العكش، د.منير «فكرة أميركا». مجلة الكرمل، عدد ممتاز ( 55/56) ربيع وصيف 1998.‏

10ـ فوكوياما، فرانسيس نهاية التاريخ والإنسان الأخير. ترجمة بإشراف مطاع صفدي. ( بيروت،مركز الإنماء العربي، 1993)، ط1ص310.‏

11ـ انظر: د.منير العكش. مصدر سابق.‏

12ـ انظر: المصدر السابق.‏

13ـ الحلاق، محمد راتب. «الاستمراك» جريدة الأسبوع الأدبي.‏

14ـ انظر:د. منير العكش، مصدر سابق، خصوصاً ص 278 ـ 279.‏

15ـ انظر: محمد راتب الحلاق. نحن والآخر ..دراسات في الثنائيات المتداولة في الفكر العربي الحديث والمعاصر.(دمشق، اتحاد الكتاب العرب 1997).‏

16ـ انظر: المصدر السابق.‏

17ـ انظر: المصدر السابق.‏

18ـ الجابري، د.محمد عابد. مسألة الهوية. العروبة والإسلام والغرب. (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1995)، ط1، ص14 ـ 15.‏

19ـ المصدر السابق، ص15.‏

20ـ انظر: محمد راتب الحلاق .«العولمة وسؤال الهوية». مجلة الفكر السياسي العدد المزدوج 5/6)، تاريخ شتاء 1998/1999.‏

21ـ المصدر السابق.‏

22ـ الجابري، د.محمد عابد. نحن والتراث.(بيروت)‏

23ـ الجابري، د.محمد عابد. «العولمة والهوية الثقافية» مجلة المستقبل العربي، العدد 228،شباط /فبراير1999.‏

24ـ سالم بول. «الولايات المتحدة والعولمة، معالم الهيمنة في مطلع القرن الحادي والعشرين». مجلة المستقبل العربي، العدد 229، آذار/ مارس 1999‏

25ـ نقلاً عن: د.منير العكش، مصدر سابق.‏

26ـ نقلاً عن المصدر السابق.‏

27ـ تشومسكي، نعوم. إعاقة الديمقراطية، الولايات المتحدة والديمقراطية. (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)، ص28.‏

28ـ جرجس، فواز. «الأميركيون والإسلام السياسي»، تأثير العوامل الداخلية في صنع السياسة الخارجية الأميركية. مجلة المستقبل العربي، العدد 217، آذار/مارس1997.‏

29ـ انظر: راسم محمد جمال. «الأنباء الخارجية في الصحف العربية» مجلة المستقبل العربي، العدد: 135، أيار/ مايو 1990‏

30ـ نقلاً عن مجلة الاجتهاد، العدد 38، ص91.‏

31ـ سورمان، جي. «رهانات الثقافة المحلية في معمعة العولمة»، جريدة الحياة، العدد الصادر يوم 19/12/1997.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244