|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
الثقافة والسياسة في الفكر القومي العربي «ساطع الحصري» نموذجا ـــ إسماعيل الملحم ظل الشعور بالتّمايز ملازماً حركة الأحداث في الدولة العربية بعد الإسلام في مختلف مراحلها وتطوّراتها، وكان هذا التّمايز جزءاً من أنماط سلوكية واستجابات لأحداث تاريخية، ومناخات سادت في أصقاع الدولة التي شهدت توسّعاً هائلاً في عصر الدولة الأموية وما تبعه من حركات انفصالية حافظت في حدود متباينة على صلتها بالخلافة في مختلف مراحلها، عدا ما شهدته الأندلس والمغرب ومصر فيما بعد، من ظهور دولة الأندلس الأموية الواحدة ثمّ تمزّقاتها، وقيام الدّولة الفاطميّة ومنافستها للخلافة العبّاسيّة... وكان في كثير من ملامحه يحمل سمات هي بشكل ما امتداد لشعور سابق على الإسلام على الرغم من غياب استقلالية المناطق العربية في شمالي الجزيرة وشمالي أفريقيا وتبعيتها للقوتين الأكبر في حينها، دولة الفرس، ودولة الروم. وليس ذلك فحسب, ويمكن قراءة الوعي التاريخي عند العرب فيما كشفه المستشرقون عن العرب الشماليين, وقد وعوا وجودهم وانتماءهم منذ مطلع القرن الخامس الميلادي. ومنذ ذلك التاريخ بدأت لديهم حركة جادة لإقامة دولة لهم مستقلة عن الروم والفرس. وكانت مكة عاصمة التوحيد السياسي العربي قبل الإسلام. وقد وجدت كتابات كثيرة جنوبية وشمالية أرخت الوجود العربي وأبرزت تصورات ثقافية واجتماعية وحساً تاريخيًا فيما يتعلق بالعلاقات مع الشعوب الأخرى. يدفع هذا بمجموعه إلى القول: إن الوعي التاريخي في شمال الجزيرة وجنوبها بدأ في وقت مبكر.(1) فكان الشعور بالانتماء إلى العروبة لا يحتاج إلى كثير بحث وتمحيص وهو شعور كان يظهر باستمرار، وإن بأشكال مختلفة. تجلى في أدب تلك المراحل انتماء لم يكن في تكوينه خاضعاً لعناوين محددة ولم يكن يبرز فيه مفهوم أو مجموعة مفاهيم محددة ـ كما في التاريخ الحديث والمعاصر ـ إذ لم تكن مفاهيم القومية والأمة العربية والوحدة العربية وما إلى ذلك مفاهيم متداولة إلا منذ فترة تاريخية قريبة، قد تكون نتيجة لتواصل ما مع ما ساد في البلدان الأوروبية عبر تكون الدول القومية. يهمنا بداية أن نشير إلى أن بحثاً في العروبة والانتماء القومي العربي في الوقت الحاضر هو ـ بشكل ما ـ لا يمكن أن ينظر إليه خارج البحث التّاريخي، لكن هذا لا يعني أن ينصرف الجهد إلى تأصيل الفكرة القومية عبر مراحل تاريخية بعيدة، فهذا ليس مما يفيد الثقافة العربية حاضراً, وهي تغالب ركودها وترنو إلى حركة نهوض مبنية على أسس من دواعٍ علمية ترى في التغير حركة هي من طبيعة الأشياء والحياة الاجتماعية... على الرّغم من أهمية النظر للموضوع نظرة تاريخية شاملة تتسع إلى النّظرة للأحداث في إطارها الكلّي. وأن هذا البحث ـ وهو ما تجب الإشارة إليه ـ لا ينطلق من مسلّمات أو بديهيات، بقدر ما يحاول أن يلفت الانتباه إلى ما اعتور البحث في موضوعه من أسباب البعد عن العقل والعقلانية تحت ضغط مشاريع ذات أهداف مغايرة منها ما هي شديدة العداء لمثل هذا الاتجاه ومنها ما لا ترى، لسبب أو لآخر, فيه ضرورة سياسية أو اجتماعية... واللافت أنه في أيامنا هذه قد ظهرت اتجاهات متباينة المصادر والغايات في بحثها أو في علاقتها بالمفاهيم التي انتشرت في هذا المجال، وقد أشير إليها أعلاه, قد أظهر بعضها عداءً صريحاً تمثل في رمي الفكر القومي العربي بالانتماء إلى عدوّ اصطنعه لخدمة أغراضه، وبعضها عدّه ـ أي الفكر القومي ـ سبباً من انتكاسات الأمة وانحرافاتها. فلا يتورع أحدهم من السخرية من الفكر القومي تحت مسمّى «الفكر القومجي». .. لاسيما بعد إلصاق كل المهانات التي لحقت بالعرب بعد سقوط بغداد نيسان 2003 بسبب من الفكرة القومية وما انتمى إليها بحسب زعم بعض المتزاعمين... فكانت هذه الأحكام في واقع الحال شكلاً من أشكال التّهرب من مسؤولية أخلاقية واجتماعية وسياسية توانى العرب دولاً ومنظمات عن تحمّلها قبل الطّوفان وأثناءه.... ومن باب آخر كانت الشّماتة بما حصل وما تبعه لا ينفصل عن تاريخ من التباس الفكرة القومية عند بعض الحركات والكتّاب. كانت القومية العربية توصف على أنها ليست أكثر من نشاط عنصري شوفيني مساوٍ, فيما اعتقدوه, للنّازية، أو أنه لدى فريق آخر عودة إلى جاهلية غابرة. وعلى هذا الأساس فليس الفكر أو التفكير القومي إلا نشاطاً مخالفاً لحركة التاريخ أو أنه معادٍ للإيمان والعقيدة الدّينية... هذا إضافة ً لما واجهه الفكر القومي من منافسات من داخله، أي بين أهل البيت ذاته، إن صحّت العبارة, فزج به في باب المزايدات أحياناً وباب التخوين أحياناًَ أخرى... وامتازت هذه المنافسات بأنها خلطت بين الفكر القومي كونه يتعلق بالثقافة والتغيّر فيها والنّهوض بإرادة التغيير، لتكون الثقافة حصناً حصيناً للأمة وسلاحاً يساعدها على التجديد والتطوير، ويحافظ على تماسكها ودعم هذا التّماسك وبين المصالح الفردية والفئوية. وأدى التّنافس بين الفئات التي اتخذت الفكر القومي هوية لها لسبب أو لآخر إلى خلط القومي بالسياسي. فاستغل القومي وأقسر التفكير فيه والفكر المرتبط به لخدمة مشاريع سياسية لأفراد وجماعات, ناهيك عن التبدّلات السياسية التي اتخذت من الفكر القومي غطاء تستر به عوراتها من منطلقات انتهازية ومصالح فردية أو فئوية؛ مما أدى إلى تشوّيه هذا الفكر بخاصة أنها لم تسهم في إغنائه وتطويره. جاءت الفكرة القومية في الموقع الملتبس بين الثقافي والسياسي, وهو التباس يقوم غالباً بسبب من تداخلهما, وعدم ملاحظة الاختلاف فيما بينهما وهو خلاف كان قائماً على العموم على أساس من طبيعة كل منهما. فالسياسة إذ تتجلى في الثقافة أو تتماهى معها يعني عند وضوح الحدود بينهما أن تكون المنظومة السياسية مستغرقة في البنية الثقافية، وليس العكس, وتتفاعل معها من الداخل مما يعصم السياسي من الوقوع في غرور الهيمنة على الثقافة, وبالتالي من السقوط في المغامرة والتجريب. علماً أن الوعي بالعلاقة بين الثقافة والسياسة يجنب السياسي من تفسير بعض الظواهر في حركة المجتمع تفسيرًا يبعده عن التفكير في ربط الأسباب والمقدمات في نتائجها. فالثقافة في ثباتها وتغيرها تمنح السياسي النبيه الفرصة في عدم الانجرار بعيداً عن الواقع. إذ تشمل الثقافة التركيز على النظر إلى الإجمالي في شكل الحياة العامة.(2) الحالة المتعددة الإمكانيات لمفهوم الثقافة تجعلنا نرى إلى الثقافة على أنها عنصر المعنى لكل نشاط اجتماعي يرتفع ليكون موضع التأمل والتفكير، هكذا تصبح السياسة نشاطاً من داخل الثقافة وليس بالعكس, وإلا يكون السياسي, بحسن نية أو بسوئها, يريد أن يرهن المجتمع ويضحي به من أجل مصالح آنية ووفق نزعة للهيمنة. ولما كانت المشاريع السياسية غير واضحة المعالم وليست محددة الأهداف وتبتعد في ممارسات أصحابها عن مشاركة الآخر في استثمار الأحداث والأفكار وإغنائها والاتجاه فيها نحو تعميق الفكرة القومية والبحث عما يقربها من جماهيرها ويجعل منها عنصر قوة, عمد هؤلاء في مختلف مواقعهم يخترعون الأوصاف والنعوت السلبية لا لممارسات منافسيهم وإنما إلى طرائق تفكيرهم نفسها, فبدلاً عن البحث في أساليب الاستفادة من الآخر سخرت كل الأساليب لإقصائه «أي الآخر» للاستئثار بمواقع خادعة عنده أو منافع آنية مما أعطى الآخرين الفرصة للتشكيك في الفكرة القومية ذاتها. خطف الثقافي من القومي ليصبح في خدمة السياسي وبالتالي أداة للفرقة, وسلاحاً بيد فئات مختلفة, بما في ذلك أصحاب المصلحة في انتشار الفكرة القومية وتطورها, مما أفسح المجال في إسناد نتائج الأخطاء التي وقع فيها السياسي من سوء أداء في السياسة والاقتصاد ومعالجة الأدواء الاجتماعية إلى الفكرة وليس إلى المرتكبين مضافاً إليها ما لم يقع, وتضخيم السلبيات وكأن المفروض أن يكون أصحاب الفكرة جنساً من الملائكة فلا يخطئون أبداً. ليست الفكرة القومية أيديولوجية بقدر ما هي انتماء وهوية, فزجها في الممارسات السياسية واعتبارها سلاحاً بيد سلطة ما, أو حركة سياسية أو حزب من الأحزاب, جمد البحث في القومي وأحاله ليصبح أداة بيد السياسي يسوغ ممارساته ويقسره لتحسين صورته, بينما الأصح أن يعمل على قاعدة أن النهوض القومي لا يكون بالمراسيم والقوانين التي تسن وإنما بعملية تطوير ثقافي عام تسهم فيه مختلف قطاعات المجتمع دون إقصاء. عندما اختطف السياسي القومي وأبعده عن أن يكون عنصراً عضوياً في النمو الثقافي فقد حاصره ليكون جزءاً من خطاب سياسي أحادي وليس خطاباً ثقافياً فاعلاً ينتمي إلى ثقافة كونية متنامية. استغراق القومي في السياسي وتداخل الثقافي مع أساليب اليومي المسيسة أدى إلى تراجع الفكر القومي وأضعف قدرته على التطور والتكيف مع المتغيرات المستمرة على صعد الحياة كافة. تحولت الفكرة القومية من كونها عنصراً فاعلاً ذا أفق مستقبلي متطور وعملية تثقيفية نهضوية ترتقي بثقافة المجتمع وتقربها من روح العصر بعيداً عن رسوبات الماضي والركود الذي أخر نموها قروناً ليست بسيطة, إلى أن أخذت منحىً عاطفياً تداخل من خلاله تحول الثقافة نحو ميول طائفية وإقليمية وقبلية. ما لبثت الثقافة السائدة أن أُخذت من حالة فكرية قومية تتماشى مع روح العصر ومتطلباته لتتحول في أهم أجزائها المدونة إلى نصوص جامدة تدغدغ العواطف وتهبط في تفسير المتغيرات وفهمها إلى كل ما هو بعيد عن روح التطور ومقتضياته. وأدى هذا الجمود ذاته إلى اختصار الثقافة في العزف على جوانب عاطفية استبعدت كل انفتاح على المستقبل, ومن بين ذلك استبعاد القومي وتبخيسه. انزلق الفكر عن منطلقه العقلاني والعلماني إلى ديماغوجية استنفرت تاريخاً من التأخر وغلفته بمثوبات حسية تنتظر من يؤوب إليها. كان من أبرز نتائج هذا المشهد أن فقد المجتمع قدرته على الممانعة. حصل هذا على شكل خفي حين ارتبطت به إحدى التجارب الوحدوية, حتى إذا تحركت القوى الانفصالية لم تجد من يتصدى لها. فقد كان جمهور الوحدة مغيباً عن ساحها وممنوعاً من الدفاع عنها, والنتيجة التي ترتبت على ذلك أن أصيب الناس بذهول منعهم أن يستعيدوا وعيهم وقد فقدوا الدليل العقلي من قبل ذلك, وليس بغيره ما يمكن أن يساعد على تقويم ما حصل وتصحيحه حيث يجب التصحيح وتدعيم الإيجابي حيث يكون. والنتيجة أن تحول الجمهور جماهيراً, وكل منها يدور في فلك, ويحوٌم حول نقطة لا تلتقي مع أخرى افترقت عنها. فتح فشل الحفاظ على الدولة التي امتلأت أذهان الكثيرين ببريق صورتها, على أنها النواة التي ستستقطب سائر الأقطار العربية, وفي فترة قصيرة, طوعاً أو عنوة لتنتقل الوحدة العربية من حالة الوجود بالقوة إلى أن تصبح موجودة بالفعل. لكن الفشل في الحفاظ عليها والذود عنها فتح في جدار الفكر القومي ثغرة مازالت في اتساع. أدى ذلك إلى انكماش في صورة المفاهيم التي ارتكز عليها الفكر القومي العربي, فاصطنعت إغراءات أغوت المكلومين وأغرت المترصدين بالمزاوجة بين فكر وفكر, أو بتبخيس الفكرة نفسها, ونعتها بالخيالية والطوباوية حيناً, وبالرجعية والشوفينية أحياناً. وساد نوع من فكر عبثي خلط بين المفاهيم فأوقف حركة الفكر القومي وجمدها بحجة عدم صلاحيتها أو بسبب من ضعف فاعليتها. ولم يعدم هؤلاء الحيلة بلجوئهم إلى مرجعيات من هنا وأخرى من هناك, واستخدموا أدوات ووسائل متعددة الأشكال وراءها نوايا مختلفة الأغراض أبعدت الفكر عن منظومة مفاهيم العروبة والأمة العربية والوحدة, فأخذت مساحة الاهتمام بالفكر القومي تتراجع, وحشر أصحابه في دائرة الدفاع بدلاً من تقويم ما حصل تقويماً بعيداً عن العواطف يعيد الأمور إلى نصابها مما يدفع إلى إغنائه وتطويره بما يحافظ على وجوده وبما يثريه ليصير أشد قوة في تفاعله مع حركة كونية تتسارع تغيراتها. أدى ذلك إلى حدوث جزر جماهيري في مناخ ثقافي تحركه أمزجة صبيانية لا تملك القدرة على فهم حركة الأشياء والمجتمعات. فضعف التمييز بين ثقافة قومية لها خصوصيتها وطرائق تطويرها وتحديثها المختلفة, وبين الطموحات السياسية المحكومة بالآني والمؤقت. ولم يألُ المتسرعون والانتهازيون جهداً في تدبيج المقالات واستخدام النصوص التي دخلت في باب المقدس في كيل الاتهام تلو الاتهام بإسناد صفات التقصير وعدم صلاحية الرؤى القومية ورجعية هذا الفكر ولا راهنيته. وبدا أن منظومة الفكر القومي العربي والمنظومات الفرعية داخلها هشة لا تماسك بين عناصرها, ولا تملك الأسباب التي تؤهلها للدخول إلى العصر, وأن التفكير في مثل هذا الاتجاه نوع من العبث ومحاولة فاشلة ترمي إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. تراجعت مساحة الفكر القومي لحساب فكر سياسي لا يستقر على حال تحركه شهوات ومصالح آنية طبعت الثقافة السائدة بطابعها، وأعادت الثقافة الاجتماعية والسياسية إلى مراحل سابقة مما أدخل الفكر في حالة من الفوضى والاستسلام إلى قدرية دفعت بهذا الفكر إلى حالة سابقة على القومية, وكل ما حصل كان يسوغ انحراف الثقافة عن مسارها, ويعيد حركة الفكر إلى ما هو مخالف لطبيعة العصر. ومازالت الممارسات الانتهازية والأنانيات تتلطى تحت رداء الفكرة القومية نفسها حين تحتاج إلى مرجعية تفسر بها سلوكها. أدى هذا إلى تعميم فكر طوائفي يجد في حالة التجزئة مشروعية له أو في حالة تردي القيم ما برر له الرجعة إلى سلفية بعيدة عن كل تطور وتقدم حصل أو سيحصل في العالم من حولنا. ارتد الفكر بعامة عن العقلنة إلى مرحلة أقدم من علمانية نهضت بأمم الأرض وشعوبها. عوْدٌ على بدْء: مرّ على الفكر القومي حين من الزمن كثر فيه الحديث عن القومية العربية والوحدة, وعن العروبة انتماء وهوية. وارتفع شعار عقلاني يدعو إلى هوية قومية منزهة عن الحزازات الطائفية والعنعنات العشائرية وما شابهها من أو شاب. لكن الفكر القومي ما أن أخذ يشتد عوده حتى غلب على المتنطعين للعمل السياسي تحت لوائه الاستعجال للإمساك بالسلطة هنا أوهناك, والتمترس تحت شعاراته وتطويعها في التعبير عن أهداف لهم. وحين توالى مسلسل الهزائم والانتكاسات حمل هذا الفكر وزر الممارسات التي تمت باسمه. العودة إلى الفكرة القومية لا تعني اليوم,كما في الأمس, رجعة إلى الوراء وإنما هي كما يجب أن تكون مراجعة نقدية لما مورس تحت يافطة القومية العربية من طيش وما ارتكب باسمها من أخطاء وخطايا. العودة إلى الفكر القومي ونفض ما تراكم عليه من سلوك فج ومن ذهنية طفلية هو الباب إلى تنقية الفكر السياسي والنهوض بالثقافة العربية للحاق بركب التطور والتقدم والإسهام بعقلانية ضرورية في حضارة العصر دونما شعور بدونية ودون تكاسل يتكئ على أفكار عفا عليها الزمن وتجاوزها التطور العلمي والتكنولوجي. وأول الخطوات المطلوبة تكون عملية مراجعة شاملة لهذا الفكر من أية جهة أتى وعلى أي مرتكز كان بناؤه. مرة أخرى ليس العيب في الفكرة القومية, أو فيما كتبه المفكرون العرب منأي عن منطلق كانوا ينطلقون منه, لكن العيب الأكبر أن تتحمل الفكرة القومية وزر ما ارتكب باسمها وأن ينسب العجز العربي الرسمي وارتكابات النظام العربي البائس طيلة العقود الأخيرة لها. لقد انطلق السلوك السياسي من ردود أفعال على تطورات آنية فاستهلك الفكرة القومية وسد عليها المنافذ لدراسة الواقع وفهمه ولم يتح لنفسه الفرص اللازمة لإنتاج ثقافة قابلة للتطور ترفع من وعي الناس بحيث يصبح من المتاح التكيف مع التغير والتغيير في الطرائق والأساليب. «2» الثقافة والسياسة, لمحة عاجلة: مر الفكر القومي العربي منذ أواسط القرن التاسع عشر بمراحل كانت تبشر بيقظة عامة تعيد إلى الأمة حضورها الذي غيبته القرون السابقة, ولم تكن مسيرة هذه الحركة التي بدأ ظهورها خجولاً وجلاً يتم وفق مسار خطي واحد, وإنما اتخذ سبلاً متعددة الاتجاهات والتصورات, من تطلع إلى إصلاح عام في إطار دولة الخلافة إلى لامركزية تقوم على تمايز بين شعوب السلطنة, وأخيراً إلى الدعوى للانعتاق من سلطة غريبة أعاقت التقدم وأخرت حركة الحياة عن اللحاق بعالم قطع أشواطاً في الرقي الحضاري والاكتشافات العلمية والتطور على مستويات الابتكار والاختراع. وظلت الرواسب الموروثة من المرحلة العثمانية وما سبقها من دور الانحدار تتداخل مع منظومة الأفكار القومية التي سلكت سبيل التفتيش عن الهوية وتعزيزها, وأخذ الفكر العربي عموماً في حركته الجديدة ينهض بأسئلته تحت ضغوط الوضع العام المتردي والحصار الذي نسجته حوله قوى الاستعمار والاستغلال على مختلف أصولها وأدواتها يدفع إلى الإجابة عليها والبحث عنها في الماضي الذهبي وفي أصول الإسلام وفي حضارة الغرب. وعلى الرغم من اجتهادات الفكر وتعدد نزوعاته فإن إجابته على أسئلة الواقع كانت, على الأغلب, ناقصة وغائمة وبعيدة عن التجديد.(3) يلاحظ أن هذه اليقظة في خطواتها الأولى توزعت بين اتجاهين, صدر كل منهما من موقع مختلف عن الآخر. تمثل الأول في بعض ما عبر عنه الكواكبي والأفغاني ورشيد رضا وشكيب أرسلان خلال الحقبة العثمانية, معتمدين على إعادة تأويل الإسلام. بينما ظهر الاتجاه الثاني عند كل من أديب إسحق, فرنسيس مراش، شبلي شميل ورفاعة الطهطاوي... إذ وجد هؤلاء كل على طريقته ومستوى وعيه أن معالجة الأزمة لا تكون مجدية إلا تحت شعار الحرية. فإذا كان الانحطاط العثماني هو نتيجة تأويل ظلامي وفهم جاهل للإسلام, «تصبح مهمة تأويل الدين مهمة سياسية ترفع راية العقل والحرية».(4) جاء في كتاب غابة الحق لفرنسيس مراش قوله: إذن فمشروعنا محاربة مملكة العبودية, وإنقاذ شعوبنا من قيودها لا يستوجب الملام... بل هو مستحسن وواجب... لأن الاستعباد مكروه عقلاً وطبعاً. وقد نهض العالم بأسره ضد هذه العادة المستهجنة, وما يحاكيها, فحارب من ظلم واعتدى, وأعد له السلاسل والأغلال.(5) ومن الهام هنا ألا ننكر على أصحاب الاتجاه الأول أنهم لم يكونوا على جهل بالتمايز القومي,فقد ميز الأفغاني العرب عن غيرهم فيما أهلهم لحمل رسالة الإسلام. «فالأمة العربية هي عرب قبل كل دين ومذهب». وكانت دعوة الكواكبي للعروبة لا تشوبها شائبة: يا قوم, أعني بكم الناطقين بالضاد غير المسلمين, أدعوكم إلى تناسي الأحقاد والإساءات, وما جناه الأجداد والآباء, فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين, وأجلكم من أن لا تهتدوا لوسائل الاتحاد وأنتم المتنورون السابقون. فهذه أمة أوستريا وأمريكا قد هداها العلم لطرائق شتى وأصول راسخة الاتحاد الوطني دون الديني, والوفاق الجنسي دون المذهبي.(6) دخل الفكر القومي العربي بعد انتهاء الحقبة العثمانية مرحلة جديدة كانت بالغة الوضوح, إذ ظلت تتردد بين حين وحين سجالات بين من عدوا الحقبة العثمانية حلقة في سلسلة العهود العربية الإسلامية أو الإسلامية وإهمال مفردة العربية, وبين من عدوها عهداً استعمارياً أقصى العرب واستعبدهم بشكل أو بآخر. انتشرت مفاهيم العرب والعروبة والأمة العربية والقومية العربية وغيرها في قاموس الفكر, وإن اختلف التنظير حول تشكل القومية ووجود الأمة، فمن قائل أن الأمة تشكلت في السوق الرأسمالية، ومن قائل أن الأمة موجودة ولكنها في حالة من الضعف ولن تلبث إلا أن تنهض من كبوتها. ومنهم من أكد أن وجود الأمة العربية وجود واقعي, والحاجة ملحة كي ينهض العرب إلى جمع شتاتها بإيقاظ الشعور القومي الذي عدوا أنه موجود بالقوة ولابد للعرب من أن ينقلوه إلى حالة الوجود بالفعل, ومن قائل: إن المسؤولية المنوطة بالأجيال العربية بعامة ونخبها بخاصة تتطلب جهوداً متضافرة للعمل على الفكرة القومية وكل ما من شأنه أن ينمي الشعور القومي ويعضده. استطاع المتنورون العرب أن يحيوا هذه المفاهيم التي كان لها دور هام في إيقاظ الشعور القومي, وقد عبر عن نفسه في حركات ومنتديات عمت المنطقة العربية وإن على اختلاف في الدرجة. وكرست البدايات أسماء مفكرين وقادة رأي تجمع بين أفكارهم ونشاطاتهم أهداف وحدة الأمة والتطلع إلى تقدمها ونهضتها, ولم ينقص هذه الأفكار والنشاطات العاطفة الوقادة وإرادة الفعل القومي. هذا لا يعني أن الفكرة القومية عند العرب بصورتها التي أخذت تتشكل بعد المرحلة العثمانية أو في العقود الأخيرة منها جاءت خارج التطور الحثيث, أو أنها كانت جواباً مؤقتاً, أو حلاً مرتجلاً. فليست الفكرة في صورتها المنسوجة حروفاً قد تكون ترجمة لتطور حدث في العالم في مرحلة ما ترافق مع نهوض رأسمالي في أوروبا على سبيل المثال. سبق الشعور في الانتماء إلى الأمة ما أخذ يتبلور فكراً قومياً في بدايات القرن العشرين، ليس في المشرق العربي, فحسب, كما ثبت لدى البعض ولكن ذلك كان يظهر واضحاً في كل مواجهة كانت تتم مع الآخر. كان التفكير المغرض يشدد على أن الانتماء إلى العروبة كان غائباً في بلدان المغرب العربي وأن التركيز على القومية العربية كان رداً على الحكم التركي ليس أكثر. لكن عودة بسيطة إلى الوراء تطلعنا على ما هو مخالف لهذا التفكير الذي ما زال سائداً حتى الآن في بعض الأدبيات السياسية والفكرية التي تتعرض للفكرة القومية. تصدى الباحث الجزائري المعروف أبو القاسم سعد الله لهذه المغالطات التي راجت وما تزال حول فكرة القومية العربية في بحث له بعنوان «الجزائر والقومية العربية» جاء فيها: سببان دعواني إلى كتابة هذا المقال, الأول هو الخطأ الكبير الذي وقع فيه مؤرخو القومية العربية, من عرب وأجانب، حين تناولوا ظهور هذه الفكرة وزمانها ومكانها وأسبابها. والثاني هو النزعة الغربية التي تروج الآن في الجزائر ـ المقال منشور عام 1966 ـ لأقلمة الثورة على أساس أنها ثورة أحفاد «بو غرطة» ضد أحفاد الرومان وليست ثورة أحفاد الغافقي ضد أحفاد شارل مارتل «بو غرطة بطل نوميديا, الجزائر القديمة. الذي حارب الرومان بشجاعة ومات في الأسر. أما الغافقي فهو بطل معركة بلاط الشهداء سنة 732 للهجرة ضد الفرنجة بقيادة شارل مارتل». وأضاف: «لم يكن انتماء الجزائر للعروبة رغبة ظرف من الظروف أو شخص من الأشخاص, العروبة حقيقة أدرك الجزائريون انتماءهم إليها منذ زمن بعيد, والفكرة القومية العربية قد ظهرت, على الأقل, في مقاومة الشعب الجزائري للاحتلال الفرنسي منذ1835م». قد يكون حمدان خوجة المولود في الجزائر سنة 1773 والمتوفى في استنبول التي نفي إليها سنة 1845 من أوائل رواد القومية العربية في العصر الحديث, إن لم يكن أولهم. ناضل ضد الاحتلال الفرنسي لأرض الجزائر ونظم حزباً سياسياً قومياً لمناضلة الاستعمار, وحاول وضع تعريف للقومية العربية, حيث قال: إنها شهامة أمة قامت ترد العدوان الذي يهددها في لغتها ودينها وعاداتها وتقاليدها ووجودها.(7) العروبة انتماء حضاري وثقافي وليست مقولة سياسية. سطع نجم ساطع الحصري مفكراً قومياً, دأب دون كلل أن يرتقي بالفكرة القومية لتكون قادرة على أن يجتمع العرب في فعل وحدوي يعيد لهم دوراً في الإسهام الحضاري والتقدم فقدوه في القرون الماضية. لم تكن جهوده منصبة على توضيح الفكرة القومية في أقوال وكتب فحسب, بل كان على ثقة تامة بأن الأهداف القومية لا تحققها المنابر والانتفاضات الآنية وإنما تنهض بها تربية تغذي في الأجيال عواطف قومية في إطار من عمل تربوي دؤوب مادته علوم عصرية وعقول منفتحة على كل جديد لا تغرها ظواهر الأشياء بقدر ما تتحصن بفكر نقدي ووعي بقدرات الأمة. لفت الحصري من البداية إلى خصوصية كل أمة تميزها عن غيرها من الأمم, وحذر من نسخ التجارب والأفكار عن الأمم الأخرى, ورأى في ذلك افتراءً على الأمة والفكرة القومية العربية, وجعل كل بحث في ذلك موضع التباس وتحجيم للفكرة لا يساعد على نموها في عقول الناس. ميز في بحث له نشره في مجلة العرفان عام 1923 بين الأسس التي قام عليها الشعور القومي عند الفرنسيين وما قام عليه عند الألمان والسويسريين واليابانيين, بحيث أن الوطن والأمة كانت قد تبلورت في مشاعر الناس على شكل وأساس مختلفين عما هما عند كل شعب من هذه الشعوب. فتح الحصري الباب واسعاً للتأسيس لفكر قومي عربي يكون الملاذ لوحدة عربية تجاري العصر وتتفاعل معه. وكرس حياة امتدت به يكتب ويدرس ويعلم ويناقش موضحاً الفكرة القومية مبيناً أهميتها ودورها كونها ضرورة ملحة وحاجة حيوية. قلما نجد بين من دعا ومن كتب في الموضوع الذي بين أيدينا من أخلص لأفكاره ودافع عنها باستماتة قل نظيرها كما فعل. «3» ساطع الحصري «الولادة والنشأة»: ولد ساطع بن محمد هلال الحصري في الخامس من شهر آب 1880 في أسرة حلبية, كانت ولادته في مدينة صنعاء في اليمن, وقد كان والده رئيساً لمحكمة الاستئناف في ولاية اليمن. كان الوالد يصطحب أسرته حيث يكون عمله الوظيفي. وكان الوالد دائم التنقل فانتقل الحصري معه وهو في سنوات عمره الأولى إلى كل من أضنة فأنقرة, فطرابلس الغرب, فاليمن مرة أخرى, ثم إلى قونية وطرابلس الغرب مرة جديدة. كتب ساطع الحصري موجزاً عن حياته استجابة لطلب من إدارة مدرسة ساطع الحصري في حلب في رسالة بتاريخ 1960 سرد فيها ترجمة عن حياته, تحت عنوان وضعه هو: «خلاصة ترجمة حالي», جاء فيها: وبطبيعة الحال تنقّلت مع والدي بين المدن المذكورة وبين استانبول, حسب تطلّبات عمل والدي وتحولاته, ولكن عندما تعين والدي في طرابلس الغرب للمرة الثانية, كنت قد دخلت المدرسة الشاهانية سنة 1893, فبقيت في القسم الداخلي من المدرسة... وبعد ذلك تحول والدي إلى استانبول فبقيت مع أسرتنا إلى حين اكتمال دراستي في القسم العالي من المدرسة الملكية عام 1900.(7) بسبب كثرة تنقلات والده لم تتح له فرصة الاستقرار في مدرسة واحدة ابتدائية قبل انتسابه إلى المدرسة الشاهانية فتعلم القراءة والكتابة من خلال إخوته الكبار, إذ كان ترتيبه بين الذكور منهم الثالث, تعلم التركية والفارسية, أما العربية فقد كان تعلمه إياها في الدرجة الثالثة.(8) بعد تخرجه مارس الحياة العملية بنشاط ملحوظ, فكان كثير العطاء منفتحاً على الحياة مؤمناً بالعلم ودوره في مواكبة التطور. بعد حصوله على شهادة في الإدارة والسياسة من القسم العالي في المدرسة الشاهانية الملكية أمل أن ينتسب إلى مدرسة يستطيع من خلالها تطبيق أفكاره الإصلاحية, في وقت كانت دولة الخلافة العثمانية تجتاز مخاضًا صعباً, يحاول الإصلاحيون أن يجدوا فيه منفذاً يخرج الدولة من التخلف والجمود الذي طبع البلاد بطابعه إلى حيث يكون الدخول إلى العصر والتكيف مع مقتضياته ممكناً في البحث عن الوسائل التي تساعد المجتمع على الخروج من أسر عقول تحجرت تسد الأبواب أمام الأفكار الجديدة. عاصر الحصري العقود الأخيرة من العهد العثماني وشهد استقلال المنطقة العربية عنها, و شهد بينهما الانقلاب التركي على نظام الخلافة وانتقال تركية إلى نظام علماني عصري مختلف عن نظام الحقبة العثمانية. توزعت حياته العملية بين مرحلتين, أولاهما كانت في كنف الدولة العثمانية والثانية في عدد من الدول العربية. فصل الحصري في روايته عن حياته ـ خلاصة ترجمة حالي ـ بين مرحلتين: أ ـ في عهد الدولة العثمانية. بدأ حياته العملية عام 1900 في وظائف الدولة. اتجه إلى العمل في التعليم مفضلاً ذلك على العمل في السياسة والإدارة بحسب ما تؤهله شهادته, في السياسة والإدارة. درّس العلوم الطبيعية، وهي من خارج اختصاصه إلى جانب اهتمامه بتدريس الرياضيات في الفترة المسائية من اليوم الدراسي. وكان يحدوه الأمل أن يسهم بواسطة التعليم في نشر الأفكار التنويرية وفي عمليات التحديث التي كانت تشغل اهتمام النخبة من متنوري رعايا السلطنة. صادف عقبات كثيرة تجعل من عمله في التعليم يقصر عن بلوغ ما كان يرغب فيه, لقد كان في مواقع أخذ القرار الكثيرون الذين كانوا يضعون العصي في العجلات, بين هؤلاء من كان يعارض افتتاح المدارس ويرى في تعميم التعليم أخطاء يجب عدم حصولها. دفعته هذه العراقيل إلى طلب العمل في مجال الإدارة حيث ظل يمارس التعليم إلى جانب العمل فيها. أخذ يلقي الدروس لعدد من خريجي المدرسة الملكية الشاهانية في أصول الإدارة في نطاق تأهيلهم للعمل في مختلف الدوائر التي تتبع كل ولاية من ولايات السلطنة ليتأهلوا للعمل في وظيفة قائمقام في أحد الأقضية. إلا أنه بعد الانقلاب العثماني المشهور عام 1908 وإعلان الدستور عاد إلى التعليم وقد عين أستاذاً للتربية في الجامعة التي كانت معروفة باسم دار الفنون.(9) ودرس «علم الأقوام» في المدرسة الملكية الشّاهانيّة والتي صار اسمها فيما بعد مدرسة العلوم السياسية، وأستاذاً للتربية والاجتماع في دار الخلافة العليا ودار المعلمين العالية. ثم تولّى مديرية دار المعلمين عام 1909 وأسسها على نمط جديد حيث ضمت ثلاثة أقسام الأول لتخريج معلمي المدارس الثانوية، والثاني لمعلمي المدارس الابتدائية، والثالث لتخريج معلمين يدرسون في دار المعلمين التي تتأسس في الولايات. وقد صار لهذه المدرسة في عهد الحصري شأن هام. قال عنه الباحث السوفييتي «غوردليفسكي»: (ودبّ نبض الحياة في دار المعلمين أيضاً... فعهدت إدارة المعلمين إلى رجل قوي العزم، واسع الثقافة، هو ساطع بك، الذي راح يشيع بين التلامذة مبادئ، كانت غريبة على تركيا آنذاك، مبادئ التعمق في التفكير والجدية في العمل. وصار نداؤه : «تشاليش مالي، تشاليش مالي»، أي العمل بدون فتور أشبه بأنشودة تترنم بها شفاه كل عثماني متعلم. إضافة لما كان يرسل به إلى وزارة المعارف من رسائل وتقارير ومشاريع تهدف إلى النهوض بثقافة معلمي البلاد المقبلين.(10) ومن أعماله في هذه المرحلة رئاسته لتحرير مجلّتي التّدريبات الابتدائية والتربية... وعمل على إصلاح بعض المدارس الأخرى، وآخرها في هذه المرحلة تأسيسه للمدرسة الحديثة بأقسامها الثلاثة, الأول «عش الأطفال» أي «روضة الأطفال»، والثاني المدرسة الابتدائية الحديثة، أما القسم الثالث فهو دار المربيات لتخريج معلمات ومربيات رياض الأطفال. إلى جانب هذا النشاط في العمل التربوي كان يكتب المقالات وكان عضواً في جمعية المطبوعات العثمانية، وبعد ذلك رأس مؤتمر المطبوعات. ب ـ في البلاد العربية. غادر الحصري تركيا في عام 1919، حين وجد نفسه في صفّ أبناء جلدته العرب، إلى سورية وقد تولّى فيها عدّة مهام ووظائف أوّلها مفتّش المعارف العام؛ بين 16/4/1919 ولغاية 30/4/ 1919 ليتسلم وظيفة مدير المعارف العام، من 1/5/1919 إلى حين إعلان استقلال سورية في 9/3/1920 إذْ اختير ليكون وزيراً للمعارف من10/3/1920 إلى 27/7/1920 حين اغتيلت أول دولة مستقلة في سورية وأجبر الملك فيصل على مغادرتها... غادر الحصري إلى العراق بعد تولية الملك فيصل عليها ولكنه قبل ذلك أقام في القاهرة عاماً كاملاً مطّلعاً وباحثاً في النظام التربوي الذي كان سائداً فيها. كان اختياره الذهاب إلى العراق وتلبية طلب الملك فيصل نتيجة للعلاقة الودّية التي نمت بين الرّجلين. «واصل الحصري نشاطه في الإطار الذي اختاره لنفسه، إطار العمل التربوي». فتسلم مهاماً تربويّة هامة في العراق, بداية بوظيفة معاون وزير المعارف وبعدها مدير المعارف العام وذلك من 5/3/1922 إلى 31/8/1927 إلى جانب إلقائه المحاضرات في دار المعلمين العليا في التربية وعلم الاجتماع. ثم عمل إلى تاريخ 1/10/1931 أستاذاً للتربية في دار المعلمين العليا؛ فمراقب التعليم العام، 1/10/1931 وبعدها رئيساً لكلية الحقوق ومديراً للآثار العامة، ثم مديراً للآثار القديمة، ومراقبته التربية والتدريس العام. وفي عام 1941 بعد أن أنهي عمله في مديرية الآثار نزعت منه الجنسية العراقية وأخرج من العراق بسبب مواقفه من ثورة رشيد عالي الكيلاني. سافر إلى بيروت إلى حين إعادة الحياة الدستورية إلى سورية عام 1944 فاستدعته الحكومة السورية لإصلاح التعليم في وظيفة مستشار فني بوزارة المعارف حتى عام 1947. حيث استدعته الحكومة المصرية لإلقاء محاضرات في معهد التربية في القاهرة كأستاذ زائر إلى عام 1950 وبعد ذلك أوكل إليه عمل مستشار فني للإدارة الثقافية التابعة لجامعة الدول العربية بالإضافة لعمله السابق إلي أن استقال في 30/12/1950. في عام 1953 عين مديراً لمعهد الدراسات العربية العالية وأستاذاً للقومية العربية وهو المعهد الذي أنشئ بناءً على اقتراحه، لكن آماله خابت إذ تحوّل المعهد إلى مؤسسة تعليمية وليس مركز أبحاث كما كان يريد، فيقدّم استقالته من إدارته عام 1956 ثم ليستقيل من التدريس فيه عام 1957.(11) فيتفرّغ الحصري بعد ذلك للتأليف مخلّفاً تراثاً فكرياً ضخماً، يحتاج دائماً إلى الدراسة والبحث فيه. كان قد اقتنع منذ أيام إقامته في دمشق في عهد عدد من الحكومات القصيرة العمر في ظل غياب الاستقرار السياسي؛ كذلك في خلال إقامته في العراق حيث تألفت ثلاثون وزارة، أن يختار نهج عدم المشاركة في نشاط الحكومات والأحزاب السياسية مكرّساً جهده في مختلف الوظائف التي شغلها لتوجيه التعليم في السبيل القومي بسبب من شعوره بضرورة الاضطلاع بصياغة نظرية قومية متكاملة من شأنها أن تغدو عاملاً فعّالاً في ضم صفوف العرب في الأوضاع السياسية الجديدة.(12) ومع هذا لاقى صعوبات جمة من أصحاب الأفكار الرجعية. فمنهم من لم يكن مؤمناً بجدوى التعليم وافتتاح المزيد من المدارس ومنهم من عارض التوّجه القومي العربي في المناهج، وفريقٌ آخر كان يقف بصرامةٍ ضد تعليم البنات. هذا إلى جانب تصدّيه الدّائم لكل دعوة أنكرت الفكرة القومية العربية ومفهومي العروبة والانتماء القومي. «4» المنحى العلماني في فكر الحصري: اهتم الحصري وهو لم يزل فتى على مقاعد الدرس بالعلوم العصرية, وكان اهتمامه بالرياضيات شديداً منذ البدايات. وفي المدرسة الشاهانية الملكية حيث كان يدرس السياسة والإدارة لم ينقطع عن دراسة الرياضيات, كما كان يتابع دراسة العلوم الطبيعية في المساء. ولم يفته إضافة إلى ما ذكر أن يبدي اهتماماً جيداً في الاطلاع على الفكر الفلسفي الأوربي.... مما جعله يفهم جيداً النظريتين الفرنسية والألمانية في القومية. وقد شكلت اهتماماته هذه بعض مدخلات جهوده الفكرية وقادته إلى الاضطلاع بعمل فكري ما زال يشكل مصدراً هاماً وأساسياً في الحياة الفكرية العربية ومدخلاً لا غنى عنه لأي بحث جاد في مجال التأريخ للتحولات الفكرية عند كثير من المهتمين بفهم الثقافة العربية وتطورها والمؤثرات فيها في القرن العشرين. وكانت مخرجات جهوده الفكرية هذه كماً لا يستهان به من الكتب والأبحاث التي أغنت الفكر القومي العربي حيث كان أكثر الناس كتابة في موضوعاته وأشدهم عزماً في الدفاع عن فكرة القومية العربية وعن العروبة هوية وانتماء. وكانت أفكاره دائماً تصدر عن وعي علماني مدرك اتجاهات التطور وأسباب التقدم,مستبعدة كل المعوقات الفكرية، من سلفية تمترست عند العامل الديني عاملاً واحداً وحيداً في تكوين الأمم, ومن إقليمية عادت تنبش تاريخاً سحيقاً موغلاً في القدم تسوغ من خلاله مسلمات اصطنعتها. تصدى الحصري مناقشاً ومبرهناً يكشف طوباوية هذه الأفكار منكراً دورها في شرذمة الأمة والوقوف في وجه نهضتها الوليدة. قارع الحجة بالحجة, سلاحه منطق علمي بعيدٌ عن الغيبية والمثالية المغالية باستنادها إلى فرضيات يصعب أن تجد لها سنداً يكسبها بعضاً من المصداقية. وكانت حججه وبراهينه دائماً بعيدة عن المماحكات اللفظية والدوغمائية موظفاً ثقافته في علم الاجتماع متطلعاً إلى إعادة بناء المجتمع العربي على أسس ديمقراطية, وإلى إقامة صناعة وطنيّة متطوّرة. استوعب الحصري رومانتيكية «فيخته» الألماني وتأثّر بالنّظرية الألمانية لكنّه أبقى مسافة بين أسلوبه الفكري وأسلوب الفيلسوف الألماني. ذلك أن بعد الشقة الزمانية بين المفكرين لم تدع ساطع الحصري ورصانته أن يقول ما قاله الفيلسوف الآلماني قبل اندلاع حربين عالميتين هزّتا ضمير العالم. كما أن مزاجه العقلاني جعله يستلهم من خطب فيخته في عام 1807 ـ 1808 ما كان يتميز به من وعي وتدبير. فالتاريخ كواقع والعقلانية كمزاج ردعا الحصري ولسانه عن تجاوز التّعبير المعتدل.(13) أما نظرية المشيئة أو الإرادة كما قال بها «إرنست رينان، 1827 ـ 1892» والمبنية على نظريته التي تقول أن تكوّن الأمم شيء جديد على التاريخ. . نافياً وجود أمة صينية في الماضي وكذلك بالنسبة إلى الدّول القديمة. إذ إن الأمة بدأت في التكون في أوروبا بعد سقوط النظم الإقطاعية وهي تقوم في الحاضر على التوافق والرغبة في العيش المشترك والإرادة القاضية بمواصلة الجهد لإعلاء ما وصل إلينا غير مجزّأ.(14) أما ساطع الحصري في تصديه لمشايعي هذه النظرية فإنه ينتقدها كونها أي المشيئة أو الإرادة المشتركة لا تنشأ اعتباطاً من غير مقومات طبيعية تدفعها إلى هذه المشيئة. لذا فليست المشيئة سبباً في تكون الأمة وإنما هي نتيجة لعوامل أكثر أصالة ويعود إلى التاريخ موضّحاً أن أحداثه تدل على تجمعات قامت بفعل هذا العامل لكنها سرعان ما تلاشت.(15) فكل قولٍ ادعى صاحبه أن الحصري كان في تفكيره القومي ينقل ما كان رائجاً في أوروبا هو قولٌ هراء، إن الرجل اطلع على الفكر الأوروبي لكنه لم يأخذ به على علاته, فلم يكن ناقلاً لآراء الآخرين وإن بدت بعض التأثيرات بها لم تكن ليأخذ بها بعيداً عن نشاطه العملي والمكانة التي أثرت فيها الصراعات الفكرية والسياسية في الوطن العرب.، لم تكن التقاليد العلمانية غائبة عن الساحة الثقافية في البلدان العربية فمنذ أواخر القرن التاسع عشر صاغ روّاد الحداثة من العرب مفاهيم للقومية قائمة على رابطة اللغة كأديب إسحق. كما أن فرح أنطون وشبلي شميّل انتقدا التعصّب الدّيني وأساليب المتزمّتين وأفكارهم في ضوء نظرية الحق الطبيعي، كما أن يعقوب صروف كان يبشر بترويج المعرفة العلمية كأساس للتقدّم الاجتماعي. كذلك فإن الحصري إضافةً لما أشاعه هؤلاء في الأجواء الثّقافية كان قد تأثر بالنزعة العلمانية التي انتشرت في تركيا أثناء العقود الأخيرة للسلطنة العثمانية. وهكذا نرى أن غلبة المنحى العلماني عند الحصري قد جاءت نتيجة لأسباب كثيرة وليس لسبب واحد أو أنها جاءت اقتباساً من مصدر وحيد. لكنها نتيجة استقراء ونظرة متكاملة.(16) «5» عاملا اللغة والتاريخ: عندما تساءل الحصري قائلاً: ما هي العناصر التي تكوّن القومية وتؤلف الأمة، أجاب بوضوح عن هذا السّؤال وفي وقت مبكّر، في محاضرة له في نادي المعلمين في بغداد 1928: إن أول ما يخطر على البال، ويلفت النّظر، في هذا الصّدد، هو وحدة الأصل والمنشأ. يظن الناس عادةً أن كل أمة من الأمم تنحدر من أصل واحد, ويزعمون أن جميع أفراد الأمة الواحدة يكونون بمثابة الأشقاء المنحدرين من صلب أب واحد. ولذلك نجدهم يكررون في كل مناسبة كثيراً من التعبيرات الدّالة على هذا الزعم، كقولهم: أجدادنا، آباؤنا، إخواننا.... ويضيف: «لا يستند هذا الظن إلى أساس صحيح، لأن جميع الأبحاث العلمية ـ المستمدة من حقائب التاريخ ومن مكتشفات علم الإنسان ومكتسبات علم الأقوام ـ لا تترك مجالاً للشك في أنه يوجد على وجه البسيطة أمة تتحدّر من أصل واحد فعلاً، ولا توجد على الأرض أمة خالصة الدم تماماً».(17). هكذا بدأ الحصري يصور مفهوم القومية بعيداً عن أي اتجاه عنصري أو عرقي. بدأ ذلك قبل أن يشهد العالم تصورين آخرين للقومية أدّيا إلى حرب مدمرة توزعت أحداثها في قارات العالم؛ والمقصود بذلك النّازية والفاشيّة. فقد سبق فكرة أولئك الذين اعتقدوا أنهم كشفوا ما في الفكرة القومية من بذور شوفينية وابتداء من ذلك وصفوا كل فكرة قومية بذلك. تميّز الحصري عن هؤلاء، ساسة ومفكرين، أنه منذ البداية كان واعياً لما في الدّعوات العنصرية والعرقية من عدوانية وتعالٍ عن الواقع. كما ميّز بين القومية العربية التي لها وجود كشفت عنه الأحداث في سلوك الناس قبل ظهور الفكرة القومية في أوروبا، وفي ذلك ما يمنح القومية العربية ما يميزها من حيث النتيجة عن الأفكار القومية الأخرى. ويحسب للحصري أنه من بين الكثيرين ممن درسوا الفكرة القومية أو بشّروا بها، تميّز باعتماده الحجج والبراهين العقلية بعيداً عن الإنشائية والتزويق الذي كان يجانب الموضوعية ويتعامل مع الموضوع من منطلق عاطفي أو رغبات شخصية. التمايز بين فكرة القومية العربية ومثيلاتها في الغرب من حيث نشوء كل منهما رآه الحصري منذ البداية على أنه في العالم العربي كان ظهورها في العصر الحديث قد تسارعت وتيرته نتيجة التصادم مع الغرب الرأسمالي؛ وهذا التصادم انعكس على وضع العامل الاقتصادي أو المصالح الاقتصادية بالنسبة للفكرة القومية. فقد تجاهل الحصري في البداية هذا العامل أو أنه أحله كعامل ثانوي بالمقارنة مع عاملي اللغة والتاريخ. «إن أهم العوامل التي تؤدي إلى تكوين القرابة المعنوية التي يشعر بها الأفراد في الأمم المختلفة، هي اللغة والتاريخ، فإن الاعتقاد بوحدة الأصل إنما يكون في الدرجة الأولى من الوحدة في اللغة وفي الاشتراك في التاريخ».(18) ويضيف: لذلك نستطيع أن نقول إن الأمم يتميز بعضها عن بعض ـ في الدرجة الأولى ـ بلغتها، وأن حياة الأمم تقوم، قبل كل شي، على لغاتها. وإذا أضاعت أمة من الأمم لغتها، وصارت تتكلم بلغة أخرى؛ تكون قد فقدت الحياة واندمجت في الأمة التي اقتبست عنها لغتها الجديدة.(19) وعن العامل التاريخي كتب: «أما التاريخ فهو شعور الأمة وذاكرتها. فإن كل أمة من الأمم، إنما تشعر بذاتها وتكوّن شخصيتها بواسطة تاريخها الخاص. وأضاف: (عندما أقول التاريخ، لا أقصد بذلك التاريخ المدوّن في الكتب ـ التاريخ المدون بين صحائف المطبوعات والمخطوطات ـ بل أقصد التاريخ الحيّ في النفوس، الشائع في الأذهان، المستولي على التقاليد...» ثم يجمل العاملين معاً: «إن اللغة والتاريخ هما العاملان الأصليان اللذان يؤثران أشد التأثير في تكوين القوميات، والأمة التي تنسى تاريخها تكون قد فقدت شعورها، وأصبحت في حالة من السّبات، وإن لم تفقد الحياة. وتستطيع هذه الأمة استعادة وعيها وشعورها بالعودة إلى تاريخها القومي والاهتمام به اهتماماً فعلياً، ولكنها إذا فقدت لغتها، تكون عندئذٍ قد فقدت الحياة ودخلت عالم الأموات، فلا يبقى سبيل إلى عودتها إلى الحياة، فضلاً عن استعادتها الوعي والشعور».(20) ابتعد الحصري في معظم ما كتب عن الإطلاقية في الأحكام ولم يكن يميل إلى التفوق الفطري لأبناء لغة من اللغات على الآخرين. فقد عمل على دحض النظريات التي عدت الطبع القومي وعقل الأمة أشياء أزلية ربانية كما فعل «رينان», خاصة عندما قرر أن اللغات السامية أقل ميلاً إلى التحليل بالمقارنة مع اللغات الهندوأوروبية. ولكنه لم ينكر أهمية العواطف والأفكار المشتركة بين الناس الذين يتكلمون بلغة واحدة، وكذلك قوله بالعروبة حصيلة طبيعية ونتاجاً حتمياً لوجود اللغة العربية.(21) لم يكن الحصري المفكر الوحيد الذي اهتم باللغة كونها عاملاً رئيسياً من عوامل نشوء الفكرة القومية, وأنها القمينة بالحفاظ على شخصية الأمة وهويتها, شاركه في ذلك سائر المفكرين الذين تعرضوا للبحث في نشوء الأمم وبقائها. القول والبحث في الدور الهام للغة في هذا المجال يشكل قاسماً مشتركاً بين هؤلاء. لقد أدرك العرب الخطر الذي بات يهدد وجودهم في وقت متأخر من خضوعهم للدولة العثمانية، وكان ذلك حين أخذت نخبهم تشعر بما يبيت لهم من إقصاء اللغة العربية عن دورها في إدارات الدولة, وفرض التركية لغة وحيدة في مؤسسات الدولة ودواوينها وإداراتها. وأخذت الأذهان تدرك مخاطر الدمج المخطط له وما له من أثر في القضاء على ما يميز الأمة العربية عن غيرها من شعوب الدولة وأممها. كما أن ما كان يعتبر أنه ملب لحاجات الناس من البقاء داخل سلطة أولئك المتنكرين للحقوق القومية, قد سقط في امتحان تأمين الأمن والاستقرار وقد أخذت الدولة تظهر في كل يوم عجزها سواء في حروبها في البلقان أو في شمالي أفريقيا, وفي تردي الأوضاع الداخلية. ترافق هذا الشعور مع ظهور الوعي بالتميز عن الأتراك وبالمخاطر التي تحدق باللغة العربية, وبالأثر الذي يحدثه تدهور اللغة في مستقبل الأمة. كانت الدعوات المنادية بحماية اللغة تنطلق صريحة قوية في الصحافة آنئذ, ومنها تلك التي لم تكن قد تخلت بعد عن التمسك بالخلافة إذ وجدوا أن الضرر الذي يلحق باللغة ستكون له مخاطر على وجود الخلافة الإسلامية بالصميم فيفقدها مبرر وجودها. كتب محمد رشيد رضا في المنار قائلاً: «وتترجح اللغة العربية على التركية كونها لغة الدين». وكتب في مكان آخر: لو كان السلاطين اعتمدوا على اللغة العربية كما فعل السلطان سليم الأول, من جعلها اللغة الرسمية للدولة, لكان معظم الأتراك ينطقون بالضاد, ومنها محو الامتياز الجنسي بين العرب والأتراك.(22) ومن الذين بادروا إلى القيام بخطوات عملية بهدف خدمة اللغة العربية وصونها في تلك الفترة بطرس البستاني,انطلق من موضوعة مفادها: أن اللغة العربية هي العامل الأهم في تحديد الهوية القومية.(23) وكان من أوائل ما أنجز في هذا المجال وضعه لأول قاموس عربي عصري وأول موسوعة عربية في العصر الحديث، وليس ذلك فحسب, وإنما قد أنشأ أيضاً أول مدرسة عصرية عربية في لبنان. وأنشأ ما يمكن تسميته أول مجمع أدبي عربي, سماه مجمع التهذيب. وإلى جانب البستاني أسهم آخرون كل في جهد خاص به لكنه خدم اللغة من خلاله, يذكر منهم إبراهيم اليازجي في شعره الذي كان يحث العرب على اليقظة, وجرجي زيدان بما قدمه من روايات تاريخية عربية هامة في وقتها. لكن الإسهامات التي ما زال لها الصدارة في ربط الوجود القومي باللغة يمكن لنا أن نقطع بأن وأجودها فيما خلفه كل من ساطع الحصري وزكي الأرسوزي. ولأن الرجلين كانت أفكارهما ذات مصداقية عالية من حيث تكريس كل منهما حياته للعروبة, هوية وانتماء, وتعمقا في البحث عن علاقة اللغة بالهوية وأهميتها في الحفاظ على الأمة, ولأن المقاربة لما كتباه تكسب البحث في الفكر القومي عمقاً ثقافياً غيبته الأيديولوجيات التي استغرقت السياسة فيها الثقافة فأبعدتهم يومياتها عن الفعل الثقافي. ابتعدت الثقافة عن دائرة الفعل إلى التوقف عند حدود جعلتها نهباً تتقاذفه أهواء اللاعبين من الانتهازيين حيناً ومن أصحاب العقول المعطلة يعيدانها إلى دهاليز العصور المعتمة أحياناً كثيرة. هذا في الوقت الذي كان نشوء الحركات القومية قد بدأ يستثمر الظروف الاجتماعية والأحداث المتوالية بعد دخول العرب مرحلة بناء الدولة فلم تغفل الحركات السياسية والاجتماعية عن عامل اللغة العربية كمقوم من مقومات وجود الأمة ونموها تحدده رؤية قوامها خبرة تاريخية ولغة وتراث ثقافي مشترك. لكن الفكرة التي ما زالت غضة لم ترعها عقول ناضجة قد وقعت في وهم أصحاب الحركات المستعجلة الوصول, حيث غلبت لديهم المصالح الآنية فغابت عنهم الرؤيا. أنجز كل من الحصري والأرسوزي مشروعه انطلاقاً من عامل اللغة أولاً, ولكن, كل من منطلق مختلف إلى حد ما. فقد وجد الحصري أن الأمة تكون موجودة بوجود مقوماتها, أي اللغة والتاريخ. أما الأرسوزي فقد دخل مبحث وجود الأمة العربية من خلال أطروحته رسالة الأمة العربية إلى العالم «بعث الأمة العربية ورسالتها إلى العالم». واعتبر أن للأمة العربية وجوداً سابقاً على القومية. فأبناء الأمة ـ يقول الأرسوزي ـ وإن ظهروا على مسرح الوجود متفرقين متفاوتين, فإنهم بمصدر انبثاقهم موحدون. وتنسجم بوحدتهم أعمالهم في إنشاء مؤسساتهم, متتامة, رغم التباعد في المكان, والتفاوت في الزمان.(24) ولج الحصري إلى مفهوم الأمة مباشرة دون الحفر بعيداً في الأصول والعودة إلى البدئية أو البديء وتدل هذه عند الأرسوزي على الأصيل مقابل الهجين. وعرف الأمة تعريفاً إجرائياً انطلاقاً من أنها ككل كائن عضوي لها حياتها وشعورها. وأن اللغة حياة الأمة ذاتها انطلاقاً من أن اللغة حياة الأمة والتاريخ شعورها, وإذا كان كل من اللغة والتاريخ عاملين أصيلين يؤثران في تكوين القومية, فالحصري يرجح اللغة. فالقومية في نظره نتيجة طبيعية للوحدة اللغوية. تربط اللغة الأفراد بسلسلة طويلة ومعقدة من الروابط الفكرية والعاطفية, وهي التي تكون أعلى الروابط وأقواها التي تربط الأفراد بالجماعات. واستبعد كون المجتمع البشري خاضعاً لقوانين الزمان والمكان حيث يرد وجود الأمة إلى الوحدة اللغوية كما سلف. قوله: إن العواطف والأفكار المشتركة بين الناس الذين يتكلمون بلغة واحدة، تكون ملايين المرات أكثر من التي قد تتكون بين البعض من الذين يتكلمون بلغات مختلفة.(25) لم يكتف الحصري بالتنظير في دور اللغة وأهميتها بل توجه إلى الناشئة لتكون الفصحى لسانهم وفي إسهاماته الهامة في رسم المناهج التعليمية في سورية والعراق وفي الجامعة العربية ركز دائماً على إعادة الحياة إلى آداب اللغة. ووضع في منهجه الإصلاحي للمعارف في سورية ما بين1941 1947 شرط نجاح الطالب وانتقاله من صف إلى صف ومن مرحلة إلى مرحلة حصوله على علامة لا تقل عن 50% من علامة النهاية العظمى في مادة اللغة العربية. تحدث الأرسوزي وكتب فيما يخص اللغة الشيء الكثير, لكنه لم يستخدم لفظة اللغة لإنه ينسبها إلى اللغو، لذلك فقد كتب وتحدث عن اللسان العربي. ورأى فيه ما هو أبعد من كونه مقوماً من مقومات القومية أو عملاً من عوامل تكوين الأمة, بل وجد فيه «عبقرية الأمة». بحيث أن للسان العربي فلسفة متكاملة, استفاض في شرحها, وبسطها في كتابه العبقرية العربية في لسانها. واستفاض في توضيح خصوصية العربية مؤكداً على ما لهذا اللسان من قوة بيانية تبدع لكل معنى من المعاني الوجودية الكبرى صورة تستقطبه وتؤديه بأمانة. ووجد في سياق بحثه اللغوي أنه اكتشف الطريق المؤدية إلى اللغة, وهي طريق لا تؤدي غرضها إلا بالاستناد إلى نظام اللسان العربي.(26) ندب الأرسوزي نفسه لينهض بحمل رسالة الأمة العربية, فتبتل في محرابها, ورسم منهجاً للبحث في عن أصول اللغة والطريق إلى بعث الأمة العربية مؤكداً على ما يميز الكلام العربي عبر ما رآه من صفات موجودة فيه. فوجد جذوره في الأصوات الطبيعية, وهذا سر أصالة هذا اللسان, والأصالة هنا يضعها مقابل الهجانة.(27) ووجد أن الكلام العربي يرجع إلى أحد مصدرين صوتيين رئيسيين. الأول نجده في عبارات الهيجان, مثل أخ,أن. والثاني في تلك الأصوات ذات الأصول في الطبيعة, يتحدد معناها باقترانه بحادث طبيعي. مثلها: صوت الماء (خرير) أو فقفقته عند الغليان... وعلاقة الصوت بالمعنى علاقة فطرية تظهر في الكلمات التي ترجع إلى عبارات الهيجان والتي تحصل في الفم, فيكون المعنى إما روح اللفظة وإما صداها في الوجدان. وهذا ما يعطي اللسان العربي القدرة على البيان. فاللسان العربي اشتقاقي في البنيان, كلماته تعود إلى صور صوتية مرئية مقتبسة مباشرة عن الطبيعة. وجد الحصري في اللغة أحد العوامل التي تحفظ للأمة وجودها, أما الأرسوزي ومن خلال تعاطيه مع اللغة فقد أكد أن الأمة العربية موجودة وجوداً فعلياً منذ القدم، وهي, أي الأمة حقيقة تظهر قوية أحياناً, وتأخذها في أحيان أخرى عوامل الضعف عن مسرح الفعل, لكنها تظل ماثلة في الذهن. وبالنسبة لعامل التاريخ يسند الحصري رأيه بوحدة التاريخ عند العرب إلى ما قبل المرحلة العثمانية «قبل القرن السادس عشر»، حيث كانت البلدان العربية ترتبط، كما رأى، بصلات واقعية أقوى وأمتن. وضح معنى وحدة التاريخ بالنسبة للعرب أنها لم تكن دوماً موجودة «الوحدة التامة غير موجودة في جميع أدوار التاريخ... إنما الوحدة النسبية والغالبة التي تتجلى في أهم صفحات التاريخ التي أوجدت الثقافة الأساسية للأمة فأعطتها لغتها الحالية وطبعتها بطابعها الخاص».(28) عوّل الحصري على عامل التاريخ باعتباره عاملاً هاماً وأساسياً في تكوين الأمة وباعثاً على الاعتزاز القومي... شاركه في رأيه هذا قادة فكر آخرين, يقول قسطنطين زريق: ما تتميز به أمة من الأمم هو شخصيتها التي هي نتاج لغتها وحضارتها وتطورها التاريخي. وكان لشكيب أرسلان, الذي التقى والحصري من قبل على أهمية استمرار الخلافة الإسلامية, أطروحته بالنسبة لدور العامل التاريخي والثقافة التاريخية فدل بحصافته وثاقب ذهنه على ما للتاريخ والحفاظ عليه وصونه من التزييف من دور في الحفاظ على الأمة وفي صيانة شخصيتها. من ذلك قوله في كتابه ’تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط: فإنه مما يجب أن يخلد في الصدور قبل السطور, وان يكتب في الحدق قبل الورق أن حفظ التاريخ هو الشرط الأول لحفظ الأمة ونموها, ورقي الأمم وسموها, فإنه لا يتصور على وجه الكرة الأرضية وجود أمة تشعر بذاتها, وتعرف نفسها قائمة بنفسها إلا إذا كانت حافظة لتاريخها واعية لماضيها, متذكرة لأولوياتها ومبادئها, مقيدة لوقائعها, مسلسلة لأنسابها, حاشدة لأحسابها, خازنة لآدابها, مما لا يقوم به إلا علم التاريخ الذي هو الواصل بين الماضي والمستقبل والرابط بين الآنف والمستأنف.(29) لكن مرحلة الهزائم العربية حرفت الاهتمامات إلى اتجاهات أخرى, فاتجه البعض من منطلقات مختلفة يغوص في التاريخ ويؤول أحداثاً بعينها تأويلات شتى. .. منهم من أخذته تأويلاته إلى البحث في تاريخ موغل في القدم مؤكداً على أن دولة العرب التي نهضت مع الرسالة الإسلامية لم تكن الحلقة الأولى في سلسلة التاريخ العربي, وإنما هي حلقة تنتمي إلى حلقات في السلسلة سبقتها في الظهور وأنها أيضاً ليست الأخيرة. من ذلك قول البعض أن العرب ليسوا أمة بداوة من قبل, لكنهم بحسب تقلبات الأحوال والظروف كانوا يتقلبون بين البداوة والحضر, فليست البداوة سمة أساسية في حياتهم, فهم أمة حضارة وتاريخ. وأوغلت دراسات أحرى في الكشف عن عورات الأمة متخذة من مراحل محددة سبباً يبخس الأمة أو ينكر أن تكون موجودةً أصلاً, يعيد إلى الأذهان صوراً من حياة تتنازعها الانقسامات القبلية والخصومات المذهبية, وعدوا ذلك جزءاً من طباع القوم فلا تجمعهم جامعة. توزعت الاتهامات يميناً وشمالاً تنكر وجود الأمة أو تنعى الانتماء القومي وتعد العروبة والانتماء إليها مضيعة أو سبباً لا ينتج غير التخلف. دخل الرهان على عامل التاريخ سوق المزايدات التي لم تكن نتاجاتها في صالح المشروع القومي, لحساب اتجاهات إقليمية اجتزأت التاريخ في عملية انتقائية تخدم أهدافاً ضيقة لا تلتقي مع الحالة القومية التي نهضت خلال عقود عدة من القرن العشرين... فبدلاً من البحث عن وسائل وطرائق جديدة لمواصلة النهضة القومية وتصحيح مسارها، قامت الجهات الفاعلة في مرحلة ما قبل الهزائم النكراء في عمليات هروب إلى الأمام قوامها التّنصل من الفكر السابق بدلاً من البناء عليه... وحين برزت ضحالة الرؤيا الجديدة من خلال أحداث دراماتيكية حصلت في العالم، صار البحث السياسي يفتش عن أسباب الهزائم في قوة الخصم وأسطرتها بحيث بدت الصهيونية ـ أو رسمت ـ على نحو يصبح التّهويل بخطرها الذي لا سبيل إلى مواجهته على أنه المصير المحتوم فلا مهرب منه، فدخل المشروع القومي أو قل الفكر القومي في مرحلة من الانكماش اللافت. ومما زاد الطين بلّة أنه بدلاً من بناء قدرات الأمة وتنميتها للحدّ من الخطر الذي جثم على الأمة تكرست أنماط سلوكية سياسية أقامت على الجانب العربي صورة المذاهب والطوائف وقَدَرها التفتت والفرقة والخصومات الحادة مقابل القوة المضادة القادرة على تسخير العالم لمؤازرتها في تحقيق مشروعها بقواه شبه الكاملة... إن تناسي التاريخ واختراع تاريخ لا سند مادياً له ما هو في الواقع إلا لقىً أثرية موزعة هنا أوهناك، أو أنه ربط بين مراحل تاريخية متباعدة على أمكنة متفرّقة على رقعة جغرافية فصلت على قياس فكرة وجودها محض خيال أو أن الخيال يشكل جزءاً صغيراً أو كبيراً منها... إن هذا يجب ألا يعمينا عن حقائق تاريخية تحمل الكثير من المصداقية. لقد فعلت قوى متعددة المشارب والرّؤى والأهداف على تزييف التاريخ وتزوير الحقائق أو قصرته على روايات مستمدة من قصور الحكام تصوّر نزواتهم على أنها الصورة المعتمدة لديهم عن التاريخ العربي، إن هذا الفعل العدواني الذي يستهدف شخصية الأمة إنما يهدف في بعض مراحله إلى أن تنسى الأمة تاريخها فتفقد شعورها ووعيها وتدخل في حالة لا سوية فتنقض عليها قوى الهيمنة والتشرذم فلا تسمح لها بالحركة القادرة على تجاوز التخلف والتبعية اللذين اتسمت بهما شخصيتها على مدى ليس قصيراً. وهنا لا بدّ من ملاحظة تكشف خطورة ما يجري, حيث صار يحكم التاريخ والفكرة القومية التي تجسد وحدته على أنه تاريخ خاوي الوفاض، وهذه إحدى الدعاوى التي كثر منظّروها، أو أنه تاريخ يعبّر عن شوفينية وجدوا فيها ما يسوّغ لهم اتخاذها صفة من خلال مواقف منتقاة من سلوك سلطة هنا أو هناك... ولعل أخطر ما يتردد على الألسنة وتكرّسه برامج كثيرة على شاشات متعددة الأغراض والأهداف أن يقال إن جميع المساوئ هي نتيجة ما اخترعوه من مصطلح «القومجية، والقومجي». ولا يخفي أمثال هؤلاء الكتبة والمرتزقة أهدافهم حين ينكرون على العرب وحدة المشاعر ويصفون الروابط التاريخية بالواهية والضعيفة أو بأنها محض خيال وما شابه ذلك... ومع الأسف الشديد أن المنابر التي تتنطّع لعمل توعية بالعروبة وما يمت لها من أفكار صارت منابر ضعيفة لأنها على الأعم تابعة لسلطات مخاتلة لا تفسح في المجال للواعين بالتاريخ العربي والأهداف القومية والانتماء العربي انتماءً إنسانيا لممارسة دورهم التنهيضي, وإنما توكل الأمر لطوائف من المرتزقة الذين لا يملكون من أسلحة فكرية سوى تمجيد الواقع أو تزويقه أو أنهم يلجؤون إلى أساليب ترقيعية لا تعتمد مناهج في البحث قادرة على الوصول إلى جوهر الأحداث وترجمة معانيها ودحض الافتراءات التي تحاول أن تكون هي السائدة.... وإلى جانب ذلك فإن وسائل التربية والإعلام وطرائقهما في مخاطبة الوعي تعتمد أوهى الحجج وأكثرها بهلوانية وأقلها مصداقية. كان ساطع الحصري يدرك مخاطر الدعاوى التي كان يعتمدها معارضو العروبة فلا يترك حديثاً هنا أو مقالة هناك لهم إلا ويتناوله بالنقد والنقاش مفنّداً الحجج التي يقوم عليها داحضاً إياها بالبرهان الواضح. وهو لا يتوانى في الإشارة إلى الصحيح فيما ينشره أولئك، كما لا يتنازل عما فيه من ثغرات ومغالطات وجفاء للواقع والحقيقة. وقد كرّس في هذا الاتجاه جهده وكتابته وقد جمع هذه النقاشات التي صحح ما فيها من خطأ وأكد ما فيه من صواب في كتابه «العروبة بين دعاتها ومعارضيها».(30) وفي معارضات ساطع الحصري للدعوات الإقليمية والأممية وتلك التي كانت تدعو إلى قوميات ضيقة وتحمل في طياتها بذور نظرة متعالية. وهو في كل ما كتب يدحض مثل هذه الدعوات, ظل وفياً في مقارباته إلى العلمانية والمنطق. فينتقد كل فكرة شوفينية، رافضاً بناء القومية «الفكرة» على أنها عصية على التغير. فعلمانيته أبعدته عن النظريات الجامدة التي تتمحور حول ثوابت تدافع عنها ولا تقبل بتغييرها وتطورها. إن حركة التاريخ هي حركة مستمرة إلى الأمام وأن التغير هو من طبيعة الأشياء، فإذا كانت العروبة موضوعته المحورية فإنه لم يرها حالة ثابتة وإنما هي كأي مفهوم آخر متجددة، على أن تجددها هذا لا يفقدها هويتها... ما أشبه اليوم بالأمس فإذا كان الحصري لم يستطع أن يقف مكتوف اليدين أمام من كان يصف العروبة بالوهم والخيال وينعتها بالنعوت المهينة ويصف دعاتها بالمرضى النفسانيين... فإن أصحاب الفكر القومي اليوم يلاقون هجوماً أكثر شراسة عندما ينسب أعداء العروبة ومعهم أصحاب النوايا الحسنة الذي وقعوا في أفخاخهم كل مصائب الأمة وكوارثها إلى «الفكر القومجي» و«شوفينية القوميين» و«عدم قابلية العرب للتطور» و«العرب تسيطر عليهم النزعة القبلية»، وغير ذلك من نعوت... كما أن بعضهم لا يرى في التاريخ العربي إلا صراع قبائل وطوائف وأن الثأر هو الذي سيطر على عقول العرب وتأصل في نفوسهم وتفكيرهم، وأن عقد التاريخ منذ كربلاء لم تستطع كل عوامل التقدم في مجالات المعرفة المختلفة التي طبعت العصر بطابعها أن تخلّص العرب منها... لم يصدر الحصري في أطروحاته القومية عن تعصب ضد الآخرين, وإنما كان ينظر إلى القومية العربية في موضعها في عالم تقوم دوله على القومية التي تحفظ للدولة عندما تكتمل في إطار القومية وجودها وتدعم قوتها، وهو بنظرته هذه كان بعيداً كل البعد عن الغض من قدر الأمم الأخرى... ولم ينجرف وهو في نظرته الإنسانية للوحدة القومية نحو أممية تقيم الدولة على أسس لا تحترم المشاعر القومية ولا على عصبية دينية نحو مجافاة الواقع والقفز فوق الحدود... وهو في وقوفه في صفّ دعاة الإصلاح الديني كان لا يرى في وحدة الدين أساساً لحركات تتخذ من الدوافع الدينية سبيلاً لإقامة الدولة الإسلامية التي لا تراعي الاختلافات الثقافية والاتجاهات السياسية... يسوق الحصري ميثاق سعد آباد الذي عقد عام 1937 بين تركيا وإيران والعراق وأفغانستان مثالاً على صحّة القول بأن وحدة الدين لا يمكن أن تكون أداة فعّالة للتعاون الدولي، فهي تقتضي وحدة النهج السياسي ؛ أما هذا الميثاق بقي حبراً على ورق ولم يظهر له أي أثر فعّال في الأمور السياسية، وبالمقابل صارت الكتلة الأفريقية الآسيوية، التي تضم دولاً إسلامية وغير إسلامية، قوة دوليّة لا بأس بها.(30) «6» القوميّة لا تختصر الدّين ولا تتنكّر له: لم يكن الحصري ليغفل دور بعض العوامل الأخرى في إطار اللغة والتاريخ في التأثير على الفكرة القومية، فهو إذْ يرى في العوامل الاقتصادية ما هو مؤثر في حياة المجتمعات لكنه لا يعتبرها مكوناً أساسياً من مكونات القومية: «إن الحياة الاقتصادية المشتركة لا تتيسّر إلاّ بعد تكوين الدّولة القومية، فيجب أن تعتبر من نتائج تكوين الأمة واستقلالها لا من عوامل تكوينها». فأما بالنسبة للعامل الديني فإن الحصري يعدّ الدّين شيئاً أصيلاً في طبيعة البشر أفراداً وجماعات، لكن الدّين هو بشكل ما موجّه لبشر من أعراق وقوميّات مختلفة لذلك فإنّه ليس من عوامل تكوين القومية الأساسية لأن تأثير العامل الدّيني لا يكون مقصوراً على شعب بذاته. لذلك فإنه يشير من جديد إلى أن عمل الوحدة في اللغة في الحياة الاجتماعية والحوادث التّاريخية يختلف عن وحدة الدّين اختلافاً كليّاً. كل ذلك على الرّغم من ذهاب الحصري إلى دور الإسلام في التاريخ العربي فميّز بين اعتناق الشعوب المختلفة للإسلام وبين استعرابها، فهو يرى: «على الرغم من أن الحركة الإسلامية أوجدت انقلاباً خطيراً في أحوال العرب... لم تبقَ مرتبطة بالقومية العربية ارتباطاً كاملاً، لأن بعض الجماعات استعربت دون أن تعتنق الإسلام. وبعكس ذلك فإن بعض الجماعات اعتنقت الدّيانة الإسلامية دون أن تستعرب». وهو في موقفه هذا لم يتنكّر لفضل الإسلام في الحفاظ على هويّة الأمة العربيّة. من هذه الزّاوية يكون الحصري قد قرر أن الإسلام قد ساعد موضوعياً على استعراب الشّعوب الأخرى.(31) لقد كان الحصري في أطروحاته هذه ينطلق من حجج وبراهين عقليّة من خلال رؤيته الشّاملة للتّاريخ. وواجهت هذه الطروحات موجة عارمة من الاعتراضات والاستياء والسّخط... فحاول التخفيف منها بلجوئه إلى مقولات العديد من رجال الدين الذين كان يرغبون في عدم الخلط بين القومية والدين وبعضهم كان من الوضوح بحيث دعا إلى فصل الدّين عن الدولة، كما فعل «علي عبد الرّزاق» في مؤلفه «الإسلام وأصول الحكم». علماً أنه في المرحلة العثمانية من حياته قد كانت آراؤه مختلفة. لكن نتائج الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية أدّيا به في أجواء فكرية وسياسية جديدة سادت في أواخر عشرينيات القرن الماضي إلى أن يتميّز عن دعاة الرّابطة الإسلامية والحركات الدّاعية إلى العودة إلى نظام الخلافة، ليبين أنه ليس ثمة إسلام واحد، لا من حيث وحدة الشعائر العملية، ولا من حيث فهم المعتقدات الدّينيّة... فراح يعلن أن هدفه توطيد الإيمان القومي دون أن يتنكر لفضل الإسلام على العرب، كما سبق ذكره. لم يكن الحصري وهو الباحث العالم والعروبي الغيّور على الأمّة وتراثها أن ينكر ما للدّين من أهميّة في حياة الأمم. لكنّه لم ير فيه رابطاً يحفظ للأمة شخصيتها ويساعد على تنامي الوحدة بين أبنائها. في حواراته وأجوبته على أصحاب الآراء والأفكار المغايرة لأفكاره لم يكن يجيب أو يحلل أو يفنّد ويصدر الأحكام جزافاً، اعتمد دائماً على الحجج المنطقيّة بعيداً عن أي تعصّب لفكرة أو رأي. ناقش شفيق غربال في مقالة طويلة يردّ على مادّة نشرها هذا الأخير في عدد كانون الثاني من عام 1955.. بدأ غربال أطروحته قائلاً: «إن الحركة العربية والجامعة الإسلامية تقومان على أساس من العصبية القومية اللادينية بالنسبة للأولى، وعلى الأساس الدّيني بالنّسبة للثانية...». فردّ الحصري عليه قائلاً: «لا تتضمن الفكرة القومية إنكار الدين أو استنكاره بوجه من الوجوه، فربطها باللا دينيّة يشوّه معانيها تشويهاً عظيماً فيحول دون فهمها على وجهها الصّحيح».(32) ويؤكّد قوله هذا مراراً قائلاً: «إن نعت القومية باللا دينية والقوميين باللا دينيين، لا يتفق مع حقائق الأمور».(33) وعندما يردّد غربال دعوته إلى جمع الكلمة على إصلاح ديني مسيحي إسلامي، لصدّ نزعات الإلحاد والمادّية. يجيبه الحصري بمنطق العالم أن جمع الكلمة لا بد له من ركيزة يرتكز إليها، إذ إن هذا لا يتم تحت راية أحد هذين الدينين، فهو يحتاج إلى راية أخرى يجتمعان تحتها تختلف عن راية كل منهما، ليستطيع الدينان أن يجتمعا ويعملا معاً تحت ظلّها، هذه الراية الجامعة ـ بالنسبة إلينا ـ هل يمكن أن تكون شيئاً غير راية الوطنية والقومية؟ وبتعبير أقصر راية العروبة؟. أفلا يحق لنا أن نقول هنا أيضاً: «العروبة أوّلاً؟». «7» أولويّة التّربية: الاهتمام بالتربية القومية قاربه الباحثون والسياسيون أحياناً من أكثر من جهة. وقد نظر إليها ـ أي التربية ـ معظم الباحثين من حيث صلتها بالوعي القومي على أنها لا تستطيع إنجاز مهمتها إذا لم تعط تدريس اللغة القومية والتاريخ ما يستحقانه من الاهتمام والعناية. فإلى جانب الاهتمام بتعليم اللغة القومية وآدابها، يأتي تدريس التاريخ. وقد نبه على ما يعتور تدريس التاريخ من مخاطر تربويون وساسة/ من هؤلاء ,على سبيل المثال, ما كتبه الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران محذراً من أن يعتري تدريس التاريخ الإهمال قال: «نقائص تعليم التاريخ تقود إلى فقدان الذاكرة الجماعية لدى الأجيال». ومن الذين وجدوا في تدريس التاريخ ضرورة وحاجة وأكدوا وجوب أن تكون له مكانة رفيعة في التربية المدرسية «بيير موروا», قال: «ينبغي أن يستعيد التاريخ مكانة رفيعة في التربية ومن اللازم أن يكون شأنه ومكانته قبل شأن المواد الأخرى المرتبطة بالعلوم الاجتماعية. فهو الذي يفتح أمام الشبان طريقة البحث والتفكير في نشأة الإنسان وأصوله وفي مستقبله. وهو الذي يتوجب عليه أن يقدم للناشئة الإطار الزمني والخيط الرائد لكي يتيح لهم أن يتطوروا وهم يدركون الماضي ويفهمونه بإعطاء التسلسل الزمني عطاء لا يستغنى عنه. وينبغي أن يبدأ منذ السنوات الأولى من الدراسة». (34) ولعلنا لا نجد المساحة ذاتها لدور التربية في تنمية الوعي القومي في تراث دعاة القومية العربية كما فعل الحصري ومن بعده عبد الله عبد الدائم. فإذا كان الأول قد مهد لذلك واشتغل عليه بدأب وبما توافق مع المهام التي انتدب لها لما أتيح له أن يمثله في عمله سواء في العراق أوفي سورية وفي الجامعة العربية من وضع قواعد الإصلاح التربوي وطرق النهوض بالتربية. فقد عمل عبد الدائم بالهمة نفسها سواء في مهنة التدريس في الجامعة وقبلها في التدريس الثانوي في الدرجة الأولى مما أتاح له أن يضع أسساً لنظرية التربية القومية أغناها بثقافته الواسعة واطلاعه على تجارب عالمية متنوعة واضطلاعه بمهمات رفيعة المستوى خلال عمله في المنظمات الدولية التي أرسى فيها وقتها الخطط وقدم الخبرة الواسعة. ولم يكتف الرجلان بذلك بل تركا إرثاً عالي القيمة في المؤلفات التي كتبها كل منهما. لم يكن ساطع الحصري أقلّ إيماناً بدور التربية في عملية النهوض القومي منه كرائد من روّاد الفكر القومي. لقد أدرك خطورة الأمية في حياة المجتمع العربي وعدّها أهم أسباب التخلّف ومن أهم معوّقات النّهوض. وكان يجاهر دوماً بأن هدف التربية يجب أن يكون إيجاد مجتمع جديد متطوّر من جميع الوجوه الاجتماعية والسياسية والثقافية.(35) كانت لساطع الحصري تجربة واسعة في العمل التربوي ابتداءً من عمله في التعليم والإدارة أيام الحكم العثماني. فكانت له المؤلفات والكتب المدرسية إضافة إلى ما كان يتوافر له من خبرة من خلال ممارسة العمل في التدريس والإدارة، حتى إن أحد مشاهير الأدب التركي قال بعد مغادرة الحصري للأراضي التركية وعودته إلى سورية: «إن خسارة الأدب التركي بعودة ساطع الحصري إلى البلاد العربية أكبر من أن تعوض». استطاع الحصري بعد عودته إلى دمشق بعد الحرب العالمية الأولى بفترة وجيزة أن يستعيد قدرته على تفهم اللغة العربية والكتابة والخطابة فيها. لا شك أن لسانه لم يتحرر من كل عجمة ورطانة، ولكن ما نشره من كتب باللغة العربية فاق كل ما نشره بالتركية.(36) كان همّه في سائر المهمات التي اضطلع بها في كل من سورية والعراق ومصر أن يحدث انقلاباً فكرياً وتربوياً مصطبغاً بصبغة عربية خالصة... وقاد خضم معركة إصلاحية تربوية بعزم لا يلين وإرادة صلبة بالرغم من أسباب التخلف التي اتسمت بها النظم التربوية في تلك البلدان ومن رواسب سياسات المستعمرين وأذنابهم. كان في كل ما فعله في مجال التربية سواء في المهمات الإدارية التي اضطلع بها أو في عمله في التدريس يبني فكره التربوي ليسهم في إعادة تنشئة وعي الناشئة بخاصة والجماهير بعامة عبر التأثير التربوي في عقل الأفراد ومشاعرهم تجلى ذلك في عديد المقالات التي نشرها في مجلة «التربية والتعليم» التي كان يصدرها. وفي كل ما كتبه وما مارسه ممارسة عملية لم يكن ليخفي تأثره بالنهضة الأوروبية متخذاً مثاله من حيوية المجتمعات الغربية ونشاطها مقابل الجمود و التخلف الذي تكرّسه التربية التقليدية في البلدان العربية، وقد وجد ذلك في الانتقال إلى تربية تنمي وتقوي في نفس العربي التضامن والانضباط والتضحية.(37) وقد جمع في الأسس التي تقوم عليها التربية التي أراد أن تأخذ طريقها إلى التطبيق بين ثلاثة أمور هي: غرس المعارف العلمية والمشاعر الوطنية والقومية. موقف نقدي من الآراء المحافظة والرواسب الغيبية. التوجه الحازم في عداء الاستعمار. ويلاحظ في كل ما كتب أن قضايا التربية الصغيرة تعنيه كقضاياها الكبيرة ,فهذه تستحق اهتمامه و تلك لا تفلت من بين يديه (38). أولى اهتماماً للعلوم الرياضية والطبيعية في وقت مبكر من حياته إدراكاً لأهميتها في صنع نهضة تنقذ من التخلف عن عصر أهم صفاته أنه عصر العلم بامتياز. كان الحصري شيخ المربين بلا جدال. وركز منذ بداية عهده بالتربية على تدريس العلوم الطبيعية وسلك في ذلك مسلك التعليم القائم على فهم البيئة أولاً. في أثناء عمله في إعدادية مدينة «يانينا» التي أصبحت اليوم جزءاً من دولة اليونان أعد متحفاً للتاريخ الطبيعي في تلك المدرسة من تحنيط الحيوانات وتجفيف النباتات... كما ألف كتباً مدرسية في الزراعة والأحياء وعلم الحيوان وعلم النبات (39) وانتبه منذ بداية حياته في التدريس إلى أهمية علم النفس الذي أدخله في منهج دار المعلمين التركية في اسطنبول بعد أن تولى إدارتها عام 1909. وكان له أن أسس مجلة التدريبات الابتدائية، وبعدها مجلة أنوار العلوم. فاستحق أن يلقبه الأتراك: «أبو علم التربية التركي». لم يفته وقد أمّ الديار المصرية بعد خروج الملك فيصل من سورية وفي أثناء تفويضه من قبل وزير المعارف المصري في زيارة بعض المدارس الابتدائية والثانوية أن يعيد ما استقر في فكره عن أهمية تعليم العلوم أن كتب منبهاً إلى أهمية تدريس العلوم الطبيعية قائلاً: «معلومٌ أن العلوم الطبيعية ذات تأثير عظيم في التربية العقلية، ولا بد من الاستفادة من هذا التأثير في الدراسة الابتدائية والثانوية، ولا سيما في الشرق, لأننا نحن الشرقيين ميالون إلى الخياليات والكلاميات، بعوامل عديدة أثرت ولا تزال تؤثر في تربيتنا منذ قرون. وهذا ما يجعلنا أشد افتقاراً من سوانا إلى العلوم التي تعدل هذا الميل فينا». في غمرة اهتمامه بالإصلاح التربوي وفي المنافحة عن الفكرة القومية، لم يخلد قلمه في مجال التربية عن الكتابة. ففي أثناء وجوده في سورية أيام الحكم الفيصلي أصدر مجلة أسماها «التربية والتعليم». وخلال عمله في العراق «1921 ـ 1941» كتب كثيراً من التعليمات والتوجيهات التربوية، وطائفة من الأنظمة والقوانين والمنشورات الرسمية ونشر الكتب التالية: - القراءة الخلدونية «الألفباء». - مرشد القراءة الخلدونية «طريقة تعليم الألفباء». - مساعد القراءة الخلدونية. - دروس الأشياء في أربعة أجزاء. - أصول التدريس. - أصول تدريس اللغة العربية. - رسائل إلى بول مونرو في نقد التقرير الذي قدّمه للحكومة العراقية حول المعارف. - الإحصاء «محاضرات في مدرسة الحقوق». - إضافة إلى كتبه في القومية ودراسته في فكر ابن خلدون وغير ذلك كثير. - كذلك ما كتبه في مجلة «التربية والتعليم» وقد صدر منها خمسة مجلدات بين سنتي 1928 ـ 1931. - وعندما عاد إلى سورية بعيد الاستقلال نشر كتابه آراء وأحاديث في التربية والتعليم. - كما نشر كتابه «تقارير عن حالة المعارف في سورية واقتراحات لإصلاحها في جزأين، الأول في دمشق1944، والثاني في دمشق 1945. يلاحظ في قائمة كتاباته في التربية سعة أفقه واهتماماته بالممارسة العملية وعدم استسلامه للتنظير. إضافة لما يكتنزه من ثقافة في هذا الباب واستفادته من الفكر الأوروبي من خلال رحلاته في أثناء المرحلة العثمانية إلى أوروبا واطلاعه على التربية الحديثة التي نقل إلى القارئ العربي أراء أهم روادها من روسو إلى منتسوري ففروبل وديكرولي وغيرهم. آمن بأن التربية تستطيع التأثير في المشيئة وتوجيهها الاتجاه المطلوب والمرغوب ونظراً للأهمية التي للتاريخ في تشكيل الفكر القومي فإنه أولاه أهمية كبرى في التربية. يستند الشعور القومي إلى الذكريات التاريخية أكثر من أي شيء آخر ونستطيع أن نؤكد بأن الأفكار والمعلومات المتعلقة بالتاريخ تلعب دوراً هاماً في حياة الأمم وتؤثر تأثيراً كبيراً على سير الحادثات في التاريخ. ولاحظ أن الغايات التربوية التي يمكن أن تعمل عملها في ساحة تعليم التاريخ كبيرة وخطيرة معلّلاً ذلك بقوله: «إن المعلومات التاريخية تمتاز عن سائر المعلومات البشرية بالتأثيرات العميقة التي تحدثها في الشعور القومي والوطني وبالأدوار الهامة التي تقوم بها في تكوين القومية والوطنية».(40) عدّ كل تربية لا تحسب حساباً للنتائج البعيدة مقتصرة على النتائج القريبة شديدة الضرر على المستوى الفردي والجماعي. ذلك أنها تنمي الإرادة والانتباه والملاحظة والشخصية. اهتم بتدريس اللغة العربية وأكد ذلك في سنّه من شروط نجاح الطالب أن تكون علامته في اللغة لا تقل عن 50% من علامتها التامة,كما ذكر آنفاً. وعني بالتربية الاجتماعية. لقد وضع الحصري العقل والوعي في أعلى المراتب من الأهداف التربوية مؤمناً بأن الإصلاح لا يكون قادراً على بلوغ أهدافه إذا لم يكن القائمون عليه قادرين على تطبيقه... لذلك أولى إعداد المعلمين ما يستحقه من اهتمام، كذلك رأينا اهتمامه بطرائق التدريس التي خص بها بعض كتبه بخاصة في تعليم القراءة للمبتدئين.. فأولى التربية الدور الأهم وجعلها أولاً والتعليم ثانياً تتجاوز التلقين إلى تنمية الطاقات الفكرية ملحاً على التوجيه الخلقي. آمن بدور علم النفس في فهم طبيعة النمو والحياة النفسية عند المتعلمين فلا تحشى الذاكرة حشواً بالمعلومات ولا تعليم مجد إذا لم يقم على الفهم: «الاحتراس من ترك التلاميذ خلال الدرس مستمعين أو متفرجين، ينبغي السعي وراء حملهم على الافتكار الذاتي والفعالية التلقائية بكل الصور الممكنة. كما حث على الإقلاع عن التلقين وإشراك المتعلمين في البحث والتفكير وحل المشكلات...». وضع الحصري كل آماله بالمستقبل «في تنشئة الأجيال الجديدة وفقاً لأساليب تربوية حديثة. ليس للمحافظة على المجتمع القديم مثلما وُجد، بل لخلق مجتمع جديد». يظل ما قدمه رواد النهضة العربية منذ القرن التاسع عشر ودعواتهم الوحدوية أن العرب أمة لها وجودها المستقل عن الأمم الأخرى, وأن الروابط التي تربط بين أبناء هذه الأمة لا تعلو عليها أية رابطة أخرى. وأن عمق الإيمان بالعروبة لم يكن طارئاً أو وليد لحظات قصيرة ومتباعدة, وان الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضت ملحة في العودة إلى ما كتبه رواد القومية في مرحلة يسودها تزييف كل ما هو مضيء في تاريخنا تحت شعارات ظاهرها «ديانة وباطنها خيانة». على الرغم من كل وسائل التعتيم والتكفير نهض ابتداء من القرن التاسع عشر رواد القومية العربية بالفكر القومي على صفحات المقتبس والمفيد والمنتدى الأدبي وغيرها ومن هؤلاء صلاح الدين القاسمي, عبد الغني العريسي, نجيب عازوري, عارف الشهابي, عادل أرسلان والقائمة تطول. لكن الحصري قد تفرد بنهج لم يغيره وما ذكرنا عنه ما هو إلا غيض من فيض شخصية لم تطلب منصباً ولم تتحزّب، بل رهنت نفسها لقضية سامية. إن فيلسوف العروبة والداعية القومية الذي لم تلن قناته، والمربّي العالم هي صفات لم تجتمع في شخص واحد كما اجتمعت في ساطع الحصري... آمن بالتقدم وبالإنسان وبالقومية العربية؛ عرف باستقلال الرأي وبرؤية تتجاوز الآني. فهو الرّائد الذي لم تلهه قشور المناصب ولا مغريات الوظائف السّامية. فليس غريباً, أنه في يوم إعلان الجمهورية العربية المتحدة أن توجه رئيس المجلس النيابي السوري أكرم الحوراني عام 1958 ببرقية تهنئة إلى ساطع الحصري إذْ إنه لم يجد من هو أحق منه بالتهنئة في قيام أول دولة عربية وحدوية آنئذ. كما أنه ليس غريباً أن يشعر أفراد أسرة الحصري أن صحته قد اعتلت إلى حالة الخطر حين وقع الانفصال بين إقليمي تلك الوحدة «أيلول 1961». لم يعش ساطع الحصري ـ كما كتب حافظ الجمالي ـ على حساب القومية العربية بل عاش من أجلها. وكانت حياته وقفاً عليها، وأغلب الظن أنه مات فقيراً أو شبه فقير في اليوم الرابع والعشرين من شهر كانون الأول عام 1968. وبعد: هل انتفت الحاجة إلى الفكر القومي حتى صدق اليائسون مقولات المتخرّصين والانتهازيين أن العروبة هراء.وأن القومية العربية فكرة انتهت؟ لا بد من نهضة فكرية جديدة تعيد إلى الفكر القومي حيويته وتبني على ما أسهم به ساطع الحصري وأمثاله وعدم الركون إلى حالة العجز والانهزام. التحديات التي تحاصر العرب اليوم تحديات تستهدف وجودهم كأمة وكدول قطرية مهددة بمزيد من التشرذم والتجزئة. وتتمثل اليوم, مع الأسف بنمو حركات طائفية وأقلوية لا تفسح في المجال للاستقرار في أية بقعة من أرض العرب, ولا تفسح في المجال لأية عملية تنموية قادرة على الحياة وتلبي الحاجات الضرورية للناس في المأكل والمشرب والمأوى والأمن, يندفع العرب اليوم نحو فوضى تغفل عنها الأنظمة المنهكة بالفساد والإفساد, والمهددة بالاضطرابات الداخلية والعدوان الخارجي. المراجع و الاستشهادات: 1ـ رضوان السيد: الفكر العربي ـ ع 1 ـ ص191 2 ـ ستيفان كوليتي : الحديث عن مصطلح الثقافة ـ الثقافة العالمية ع 114 ـ ص178 3 ـ فيصل درّاج: شكل الفكر القومي العربي في القرن التاسع عشر ـ المستقبل العربي ـ ع3 ـ 1987 ـ ص 87. 4 ـ م.س: ص88 5 ـ م س: ص89 6 ـ م.س: ص91 ـ عن منير موسى: الفكر العربي الحديث ـ دار الحقيقة ـ بيروت 7 ـ سعد الله, أبو القاسم: الجزائر والقومية العربية ـ مجلة الآداب ـ ص 8 ـ تموز 1966 7 ـ مكرر ـ فريد جحا: ترجمة ساطع الحصري كما كتبها بقلمه أواخر 1960 ـ مجلة المعلم العربي ـ ص 247 ـ عدد مزدوج «شباط، آذار1977». 8 ـ تيخونوفا: ساطع الحصري رائد المنحى العلماني في الفكر القومي العربي ـ ص19 ـ دار التقدّم ـ موسكو 1987. 9 ـ فريد جحا: م.س ص248. 10 ـ تيخونوفا: م.س ـ ص22. 11 ـ فريد جحا:م.س ـ ص249،250. 12 ـ تيخونوفا: م.س ـ ص 30. 13 ـ فاطمة الجيوشي: فلسفة التربية ص 210. 14 ـ أرنست رينان: ما هي الأمة ـ ترجمة حسن شامي ـ مجلة «نزوى» ـ ص 73 ـ العدد 34 ـ نيسان 2003. 15 ـ فاطمة الجيوشي: م.س ـ ص 280 ـ دمشق. 16 ـ تيخونوفا: م.س ـ ص 15. 17 ـ ساطع الحصري: عوامل القومية ـ قراءات في الفكر القومي ـ م.س ـ ص28 ـ 18 ـ م.س: ص 30. 19 ـ م.س: ص 31. 20 ـ م. س: ص 32. 21 ـ تيخونوفا: م.س: ص47. 22 ـ فيصل دراج: م س ـ ص 91 23 ـ م س ص96 24 ـ زكي الأرسوزي: العبقرية العربية في لسانها ـ ص57 ـ الأعمال الكاملة ـ المجلد الأول 25 ـ ساطع الحصري: م س ـ ص 60 26 ـ زكي الأرسوزي : م س 27 ـ زكي الأرسوزي: الأمة عقيدة ـ ص 363 ـ الأعمال الكاملة ـ المجلد 2 28 ـ تيخونوفا: م.س: ص 48. 29 ـ سامي الدهان: شكيب أرسلان، حياته وآثاره ـ ص264 ـ دار المعارف ـ مصر ـ 30 ـ 30 ـ ساطع الحصري: العروبة بين دعاتها ومعارضيها ـ بيروت ـ دار العلم للملايين ـ 1957. 31 ـ تيخونوفا: م.س ـ ص93. 32 ـ تيخونوفا: م.س ـ ص53. 33 ـ ساطع الحصري: العروبة أولاً ـ ص 175 ـ دار العلم للملايين ـ بيروت 1955. 34 ـ م.س: ص 179. 35 ـ كامل عيّاد: ذكرياتي عن ساطع الحصري ـ المعلم العربي ـ «شباط ـ آذار1977». 36 ـ جميل صليبا: تجربتي مع الحصري ـ م.س. 37 ـ ساطع الحصري: أبحاث مختارة في القومية العربية ـ ج 2 ـ بيروت1974. 39 ـ حافظ الجمالي: الحصري شخصية وفكراً ـ المعلم العربي ـ ع ك1 ـ 1974. 40 ـ فريد جحا: ساطع الحصري العالم ـ المعلم العربي ـ ع ك1 ـ 1977. 41 ـ ساطع الحصري: أبحاث مختارة في القومية ـ ج2 ـ ص153 ـ بيروت1974. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |