مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 32 السنة الحادية عشرة 2008
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الشرق الأوسط الجديد والكبير ـــ فتحي رشيد

لم تلق أي منطقة في العالم ـ سواء في التاريخ القديم أو الحديث ـ اهتمام الساسة والمفكرين، وأصحاب الديانات، والاقتصاديين، والقادة العسكريين والرحالة، والباحثين والكتاب والصحفيين، والشعراء بقدر ما لقيت هذه المنطقة المسماة الشرق الأوسط والممتدة من الفرات إلى النيل، وهذا لا يعود في تقديري إلى الموقع الاستراتيجي لهذه المنطقة كجسر بين القارات الثلاث ومركز للعالم القديم فحسب، ولا لأنها كانت وما تزال محل أطماع جميع الغزاة فحسب، بل لأنها كانت بصورة خاصة محل أطماع مرابي وحاخامات اليهود.‏

جاء في كتاب «إسرائيل الكبرى»(1) أن فكرة إسرائيل الكبرى رافقت الحركة الصهيونية منذ مولدها، حتى يكاد الحديث عن إسرائيل يكون هو نفسه الحديث عن إسرائيل الكبرى (من الفرات إلى النيل). ويشير (أنيس صايغ) في مقدمته للكتاب المذكور إلى أن «الأدب الصهيوني» غني بالحديث عن إسرائيل الممتدة من الفرات إلى النيل وهم عندما يتحدثون عن إسرائيل لا يقصدون أرض فلسطين فقط، بل إسرائيل «الكبرى» الممتدة من الفرات إلى النيل، ففلسطين الحالية لم تكن معروفة باعتبار أنها كانت جزءاً من سورية البشرية، والطبيعية والإدارية خلال جميع عصور التاريخ.‏

وتظهر الحقائق التاريخية أنها كانت موضع اهتمام مرابي اليهود وحاخاماتهم منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، استناداً لما ورد في التوارة في كثير من المواقع خاصة في الإصحاح الأول من سِفر يشوع(2)، الذي جاء فيه: «وكان بعد موت موسى عبدُ الرب أن الرب كلم يشوع بن نون خادم موسى قائلاً: موسى عبدي قد مات، فالآن قم اعبر نهر الأردن أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم، أي لبني إسرائيل، كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى. من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات. جميع أرض الحثيين والى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخمكم لا يقف إنسان في وجهك كما كنت مع موسى أكون معك».‏

فاليهود جميعاً بلا استثناء عندما يتحدثون عن أرض إسرائيل أو العودة إليها أو إعادة بناء مملكة سليمان القديمة فهم يقصدون المنطقة الممتدة من الفرات إلى النيل وما هو أبعد منها أي إلى المغرب العربي حيث تغرب الشمس.‏

فعندما دعموا نابليون لغزو مصر واحتلال عكا عام 1800م وطالبوا السلطان عبد الحميد عام 1898م بأن يعطيهم سنجق عكا، فلقد كانوا يعرفون جيداً أن ذلك لن يكون إلا الخطوة الأولى لاحتلال فلسطين كلها والتي بدورها لن تكون إلا خطوة لإعادة بناء مملكة يهوذا القديمة المزعومة الممتدة من الفرات إلى النيل. وهذا ما قاله هرتزل في مقابلة له مع دوق بادن، وهو ما دعا إليه أيضاً في كتابه «دولة اليهود» حيث أعطى لموضوع إقامة شركة يهودية لاستعمار أراضي سورية وفلسطين(3)، وهذا ما كان يعرفه أو يخشاه كثير من السياسيين والصحفيين الألمان والنمساويين والأتراك، الذين كانوا يلحون بالسؤال على هرتزل حول ما إذا كانت حدود الدولة اليهودية التي يطالب بها ستمتد شمالاً لتصل إلى بيروت ودمشق وتتجاوزهما ـ وحسب ما جاء في مذكرات هرتزل ـ كرد على هذه التساؤلات قال بغموض: سنطلب ما نحتاج إليه، وفي إجابة ثانية على سؤال لأحد الصحفيين عما إذا كانت دمشق ستكون ضمن حدود الدولة أم لا. لم يجب بصراحة، بل أجاب بغموض قائلاً: كلما كثر المهاجرون ازدادت الحاجة إلى امتلاك الأرض.‏

وبالعودة إلى المؤتمرات الصهيونية الأولى، والمناقشات والمطالب التي تقدم بها الاقتصاديون، نجد أنهم كانوا يطالبون منذ البداية كخطوة أولى لبناء الدولة في فلسطين بضم منطقة حوران بسبب وجود حقول القمح الخصبة فيها وكذلك بضم المناطق التي تنبع منها روافد نهر الأردن وثلوج جبال حرمون ونهري الليطاني واليرموك ومجرى الدان والوزاني لتقديم المياه اللازمة للري والطاقة الكهربائية الضروريين لقيام دولة لليهود قابلة للحياة والاستمرار وكانت منطقة جلعاد (جرش وعجلون والسلط) من المناطق التي يجب أن تكون ضمن حدود الدولة لأنها ستشكل مصدر الخشب الوحيد المتبقي بينما طالب العسكريون لاعتبارات استراتيجية بأن يتم ضم شرم الشيخ ومضايق تيران وأجزاء من سيناء كأراضٍ ضرورية لحماية إسرائيل من الجنوب.‏

وكما يقول نورمن بنتويتش في كتابه «مستقبل فلسطين» قارن الحاخاميون فلسطين بالإيل الذي ينمو جلده عندما يُغذَّى جيداً، وهكذا ستنمو مساحة الأرض المطلوبة بازدياد عدد السكان والحاجة إلى الأمن، ولكثرة ما ألحَّ الصحفيون والسياسيون بطرح الأسئلة على هرتزل عن حدود الدولة قال: بصراحة: المساحة ستكون من نهر مصر إلى نهر الفرات(4).‏

من يصدق ما قاله هرتزل بأنه سيكتفي. بتلك المساحة؟ قال هـ . ج جانسن(5) حول هذه المسألة ما يلي:‏

اتخذت الصهيونية منذ بدايتها مظهر حركة مشكوك في استقامتها وفي تحديد هدفها الأساسي والنهائي، فأهداف هذه الحركة الغامضة أضطرها لأن تكون، وتظل، غامضة ومخادعة على نحو متزايد لأنها لو أعلنت منذ البداية عن أهدافها النهائية بصورة واضحة وصريحة ستجد شعوباً ودولاً كثيرة تعارضها وتقف في وجهها لذلك فهي لم تطرح، ولم تطالب ولا يمكن أن تطالب في أي وقت إلا بما يمكن أن يتيحه لها المناخ الدولي وإمكانياتها وما يمكن أن يتقبله الآخرون ولا يستفزهم أو يثير رعبهم ومخاوفهم.‏

لقد كان السلطان عبد الحميد يعرف جيداً حقيقة وأهداف هذه الحركة ويعرف جيداً ماذا كانوا يرمون من وراء مطالبتهم بسنجق عكا ويعرف أنهم بما يمتلكونه من إمكانيات إذا ما حصلوا على عكا سيبتلعون الإمبراطورية العثمانية كلها، هذا الأمر كان يعرفه أيضاً غليوم الثاني قيصر ألمانيا، ولهذا رفض الاثنان بشكل قاطع أن يعطيا لهرتزل وعداً حتى لإقامة جامعة يهودية في القدس وهذا كان واضحاً أيضاً لملك إيطاليا الذي ردَّ على هرتزل عندما قال له: (إن ليبيا ستحمل فائض الهجرة اليهودية «لكن ليبيا هي وطن لأناس آخرين»، وهو ما كان واضحاً أيضاً للأمريكان والإنكليز بعد أن قدموا لهم وعد بلفور وهذا ما أكد عليه وايزمن حين قال(6): (كان واضحاً منذ البداية أن ارتباط إنكلترا بفلسطين يرتكز على فكرة الوطن اليهودي وأن وجودها (أي إنكلترا) في فلسطين كان مؤقتاً ولن يدوم طويلاً، وباختصار أدركت إنكلترا أن لا شأن لها بفلسطين إلا لكونها جزءاً من خطة لخلق وطن قومي لليهود).‏

فعندما باع دزرائيلي أسهم الحكومة البريطانية في قناة السويس عام 1883 لروتشيلد الإنكليزي كان يعرف أنه يبيعها لليهود وعندما حكم الماسونيون الإنكليز والفرنسيون مصر بشكل رسمي وشبه علني في عهد إسماعيل وتوفيق باشا كانوا يهيئونها لتكون محمية للرأسماليين اليهود، وخاضعة لنفوذهم. وعندما عين الإنكليز فيصل ملكاً على سورية ثم على العراق، فلم يعينوه إلا بعد أن وقع مع وايزمن من عام 1919(7) (اتفاقاً يقضي بتقديم كل ما يلزم لإقامة الوطن القومي اليهودي) ومن يومها كانوا يهيئون العراق لأن يصبح جزءاً من الوطن القومي اليهودي. الممتد من الفرات إلى النيل. وعندما عينوا الزعيم الصهيوني الكبير هربرت صموئيل مندوباً سامياً على فلسطين بدأوا فعلاً يهيئون فلسطين لتكون دولة لليهود، فالرأسماليون اليهود عندما بدأوا يشترون الأراضي في يافا وفلسطين منذ عام 1839 وأسهم قناة السويس ويقيمون النوادي والمحافل والجمعيات الماسونية في المنطقة وعندما عينوا فيصل ملكاً على العراق كانوا يعرفون ماذا يفعلون وإلى ماذا وكيف ستنتهي الأمور، وفي هذا المجال أكد ناحوم غولدمان زعيم المؤتمر الصهيوني الذي حمل الرقم /27/ ما نذهب إليه بقوله: (يجب أن نصبح عاملاً حاسماً ومهماً في تسيير المنطقة كلها ونحن واثقون من أننا سنبلغ ذلك)(8). وعندما قال نجيب عازوري عام 1905 في كتابه يقظة الأمة العربية، إن المنطقة ستشهد صراعاً بين حركتين فهو لم يكن يقصد صراعاً على فلسطين فقط، بل على المنطقة كلها، أي أن الصراع كان واضحاً للعارفين ببواطن الأمور أنه يجري منذ البداية على المنطقة الممتدة من الفرات إلى النيل، وإن كانت خططهم قد بدأت بفلسطين فكان لا بد لهم في الوقت نفسه من عملية ترتيب الحكام والنخب والأنظمة خاصة في الدول المجاورة لها بما يتيح لهم إقامة هذه الدولة في فلسطين بسهولة بما يتيح لها المجال للتوسع لاحقاً في المنطقة الممتدة من الفرات إلى النيل سواء بالقوة أو خلف شعارات الصلح والسلام والتطبيع، وهذا ما أثبتته الأحداث والوقائع خاصة الأخيرة منها، بعد غزو العراق حيث أشار أحد المسؤولين البريطانيين في صحيفة الاندبندت يوم 15/2/2006 أن بلير عندما التقى مع بوش في جزر آزور وقررا غزو العراق كان يعرف جيداً أن العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل وأنه لا يشكل أي تهديد لبريطانيا أو أوروبا في الشرق الأوسط. ولقد أكد كثير من المسؤولين الأمريكان والإنكليز أنهما عندما قررا غزو العراق، فإن ذلك الغزو كان ضرورياً للدفاع عن إسرائيل وأمنها، أي من أجل تهيئة الشعب العراقي لإقامة سلام مع إسرائيل، بما يتيح لاحقاً للعراق لأن يصبح خاضعاً وتابعاً بشكل علني ورسمي لإسرائيل تحت مسمى وذريعة السلام والتطبيع كما حصل مع مصر.‏

وهم عندما يتخوفون من امتلاك إيران الأسلحة النووية يعرفون جيداً أن إيران لا تشكل تهديداً لهم (أوروبا وأمريكا)، بل وإسرائيل فقط.‏

التضليل الإعلامي:‏

لا يستطيع المرء العاقل والنزيه والشريف إلا أن يستغرب تخوف بعض الدول العربية من السلاح الإيراني، ولا يتخوفون من الأسلحة النووية الإسرائيلية، وأسلحة الدول التي أرسلت جيوشها إلى العراق والزعم بأنها جاءت إليه لنشر الديمقراطية أو لإزاحة صدام من الحكم، في الوقت الذي يقول فيه قادة تلك الدول ـ كما تؤكد تصرفاتهم وتصريحاتهم اليومية والعلنية ـ بأن أمن إسرائيل يشكل أولوية بالنسبة لهم؟ كيف يقوم البعض بالدفاع عن الدول التي أرسلت قواتها إلى لبنان تحت اسم اليونفيل والقول بأنها أرسلتها للدفاع عن لبنان في حين أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قالت: بالفم الملآن ومن دون أي مواربة أو خجل أنها ترسل قوات بلدها للدفاع عن إسرائيل.‏

كيف يتوهم البعض أن قوات اليونفيل جاءت للدفاع عن لبنان في الوقت الذي قالت فيه وزيرة الدفاع البريطانية ووزيرة خارجية دول الاتحاد الأوروبي وزعماء الاشتراكية الدولية أنهم يرسلون قواتهم إلى لبنان للدفاع عن حكومة السنيورة الملتزمة بتطبيق القرار /1559/ أي نزع سلاح حزب الله الذي هزم إسرائيل.‏

ومن المستغرب أيضاً أن تكون حكومة السنيورة والمالكي وأبو الغيط وبخيت وآل سعود والصباح حكومات شرعية في نظر الأوروبيين والأمريكان في حين تكون حكومة هنية التي جرى انتخابها بطريقة ديمقراطية وتحت إشراف دولي بإشراف الرئيس كارتر غير شرعية ويعملون على إسقاطها بالحصار والتجويع وإثارة الفتن؟‏

ومن المستغرب أن يقوم البعض بتعمية جماهيرهم عن رؤية حقيقة ما ترمي إليه الدول الغربية من وراء إرسال قواتها أو وفودها أو دبلوماسييها إلى المنطقة لدعم أنظمة وحكومات وزعامات معروفة بموالاتها للغرب وأمريكا وإسرائيل أو تطبع معها وتفتح بلادها لها ويصرون على بقائها في حين تعتبر أنظمة أخرى إرهابية وغير ديمقراطية ويجب أن تسقط كونها فقط تعلن أنها لا يمكن أن تقيم سلاماً مع إسرائيل إلا إذا انسحبت عن جميع أراضيها المحتلة استناداً للقرارات الدولية التي أصدرها الغرب ذاته.‏

إنني أعتقد أن الأمور وصلت إلى نقطة لم يعد من الممكن للمرء فيها أن يكذب على نفسه أو على الجماهير أو يخاتل فلا يرى أو يقول علناً أن أنظمة معينة وأحزاباً وزعامات ونخباً معينة عربية وإسلامية قد أصبحت مدافعة عن إسرائيل وحقها في الوجود، أكثر مما تدافع عن حق شعوبها بالوجود والحرية، أو عن حقها باستعادة أراضيها المحتلة والتمتع بالسيادة والكرامة، وأن هذه الأنظمة والشخصيات والزعامات لهذا السبب بالذات تلقى الدعم والتأييد ممن يدافعون عن إسرائيل مهما فعلت، يقولون أنهم ملتزمون بالدفاع عنها ويرسلون رؤساء وزرائهم ووزراء دفاعهم وخارجيتهم ومبعوثيهم إلى إسرائيل ثم إلى الأردن ومصر والسعودية والعراق ولبنان لدعم الحكومات القائمة فيها.‏

ويؤكد هؤلاء أينما حلوا أو ذهبوا أنهم حريصون فقط على إسرائيل وحقها في الوجود والأمن، ويبدو أننا بعد حوالي ستين عاماً قد عدنا إلى النقطة التي كنا فيها عام 1949، حيث سعت يومها أنظمة عربية عديدة، بدءاً بحسني الزعيم والملك عبد الله وكميل شمعون والنقراشي باشا، إلى الاعتراف بإسرائيل أو للصلح معها، مع فارق أن الجماهير العربية وأغلب الأحزاب والحركات السياسية في ذلك الوقت كانت ترفض الصلح مع إسرائيل أو الاعتراف بها بينما أصبحت الآن غير قادرة على الرفض بسبب عمليات القمع أو الترويض، أو التيئيس.‏

أحجيات الشرق الأوسط:‏

منذ أن أقيمت دولة لليهود في فلسطين أصبحت جميع الدوائر الغربية والصهيونية وأدواتهم وعملاؤهم تتحدث عن منطقة اسمها الشرق الأوسط، وعن صراع اسمه الصراع في الشرق الأوسط. ولم يعد هؤلاء يذكرون شيئاً عن منطقة اسمها الوطن العربي أو عن صراع اسمه الصراع العربي – الصهيوني، وكأن إسرائيل باتت دولة طبيعية وموجودة منذ الأزل في منطقة اسمها الشرق الأوسط، مثلها مثل تركيا وإيران وإن الصراع هو صراع بين دولها على الحدود.‏

ولترسيخ هذا الواقع سارعت الدول الغربية الاستعمارية الثلاث (أمريكا – بريطانيا – فرنسا) عام 1950 إلى عقد اتفاق أطلق عليه اسم الاتفاق الثلاثي تم بموجبه الإعلان عن حظر توريد أية قطعة سلاح إلى منطقة الشرق الأوسط حرصاً على السلام.‏

ماذا كانوا يرمون من وراء منع إرسال الأسلحة إلى دول الشرق الأوسط؟ غير أمر واحد ووحيد هو جعل الدول العربية مجردة من السلاح ومكشوفة لإسرائيل وجعل جيشها وحده قادراً على هزيمة جيوش العرب مجتمعة، باعتبار أن اليهود استطاعوا منذ عام 1936 أن يُصنعوا البنادق والقنابل. وبعد الحرب العالمية الثانية نقلت أغلب مصانع الأسلحة القديمة من بريطانيا وأمريكا إلى اليهود في فلسطين باعتبار أنها خردة وأظهر كتاب «حرب الاستقلال اليهودية» أن هذه المصانع استطاعت بدءاً من عام 1947 تصنيع الرشاشات والدبابات بينما لم تستطع أي من الدول العربية حتى الآن تصنيع بندقية مما يعني أنهم يريدون من منع تصدير الأسلحة إلى الشرق الأوسط ومنع إقامة صناعات نووية حتى لو سلمية فيه لفرض الاستسلام على العرب، وليجعلوا صدور وظهور الشعوب العربية مكشوفة بما يجعل حكوماتها قابلة لفتح أراضيها وخيراتها لإسرائيل، وبما يمكنها من فرض الخضوع والاستسلام لمشروعها الرامي لإقامة إسرائيل الكبرى تحت تسمية جديدة اسمها الشرق الأوسط الجديد مستخدمين شعار السلام غطاءً له.‏

حلف للدفاع عن الشرق الأوسط:‏

تشكل عام 1955 حلف للدفاع عن الشرق الأوسط تحت اسم حلف بغداد دخلت فيه تركيا والعراق وبريطانيا وكادت حكومتا الأردن ولبنان أن تدخلا فيه، وكانت السعودية ودول الخليج والكويت مرشحة للدخول فيه وكان الهدف المعلن للحلف «الدفاع عن الشرق الأوسط في مواجهة الخطر الشيوعي الأحمر».‏

لكن تبين خلال العدوان الثلاثي على مصر أنه حلف للهجوم على حركاته الوطنية من قبل الحكومات العميلة المتحالفة مع القوى الاستعمارية حيث شاركت القوات البريطانية الموجودة في مطار الحبانية القريب من بغداد في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.‏

وظهر أن الأسطول السادس جاء إلى لبنان عام 1958 لقمع الحركة الوطنية وليس لمواجهة أساطيل سوفيتية، والقوات البريطانية عندما أنزلت في الأردن عام 1957 لم تأت لمواجهة قوات شيوعية أو سوفيتية زاحفة بل لمواجهة حركات تحرر قومي ووطني عربية صاعدة ورافضة للصلح مع إسرائيل مما يعني أن هدف الحلف الحقيقي والفعلي كان للدفاع عن إسرائيل، وليس للدفاع عن الشرق الأوسط وشعوبه، كما زعموا.‏

مقابل هذا الحلف الداعم لإسرائيل، تشكل حلف عربي مقاوم للدفاع عن الوطن العربي بزعامة مصر عبد الناصر وسورية خالد العظم. ولاحقاً عراق عبد الكريم قاسم، ثم توسع هذا الحلف ليشمل لاحقاً دولاً عربية جديدة مثل الجزائر وليبيا واليمن، واستطاعت أغلب دول هذا الحلف كسر احتكار إسرائيل لصناعة الأسلحة واستيرادها من الغرب ـ حيث كانت تحظر الدول الغربية توريده إلى الدول العربية – وذلك بشراء السلاح من الدول الاشتراكية للدفاع عن أراضيها وشعوبها. لذلك شنت إسرائيل، بدعم غربي وأمريكي واضح، عام 1967 عدواناً واسعاً على الدول العربية في الخامس من حزيران لتدمير هذه الأسلحة الجديدة ومع ذلك استطاعت الحكومات الوطنية على الرغم من الهزيمة التي حلت بها عام 1967 أن تصمد وتبقى وأن توقف مشروع إسرائيل الكبرى فرفضت في قمة الخرطوم عام 1968 المفاوضات والصلح والاعتراف بإسرائيل.‏

أما بعد حرب تشرين فلقد استطاع السادات من خلال اتفاقيات كامب ديفيد، أن يخرج مصر من حلف الدفاع عن الوطن العربي ثم استطاع صدام حسين عام 1979 إخراج العراق ودول الخليج والسعودية والكويت من هذا الحلف عندما شن حربه على إيران، كما أخرجها الإنكليز عام 1955 بحلف بغداد ثم استطاعت إسرائيل عام 1982 أن تخرج المقاومة الفلسطينية من هذا الحلف عندما أخرجتها من لبنان، وبعد أن دمر الجيش العراقي عام 1991 بعد غزوه للكويت لم يعد هناك ما يحول دون تمرير مشروع إسرائيل الكبرى سوى سورية كونها مستهدفة بصورة مباشرة، وإيران كون حلفاء إسرائيل قد وطدوا أقدامهم في العراق وأفغانستان، وبقايا حركات مقاومة وطنية لبنانية وفلسطينية متناثرة هنا وهناك. وعلى الفور طرح شمعون بيريس عام 1992 مشروع الشرق الأوسط الجديد لإغراء حكومات ونخب وشعوب المنطقة بما قد يعود عليهم هذا المشروع من خيرات وفوائد متاحة حظرت حكوماتهم على شعوبها وقواها الحية استثمارها.‏

مشروع الشرق الأوسط الجديد:‏

من غير المفهوم سبب تجاهل الكثيرين حقيقة أن أول من أطلق مشروع الشرق الأوسط الجديد هو شمعون بيريس في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه والذي أصدره عام 1992، الأمر الذي يؤكد على أن فكرة الشرق الأوسط الجديد ما هي إلا الإخراج المهذب والمنمق لتسويق مشروع إسرائيل الكبرى، كما يؤكد على أن المشروع هو مشروع صهيوني إسرائيلي بامتياز وليس أمريكياً كما يزعم البعض لأن أمريكا تبنته ودعمته لاحقاً.‏

فكون الإدارة الأمريكية في عهد بوش قد تبنته ووسعته ليشمل الشرق الأوسط الكبير، وكون رايس قالت أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006 أن هذا العدوان ضروري لولادة شرق أوسط جديد، فهذا لا يعني أن المشروع بات أمريكياً بل يؤكد على أن كل ما تريد إسرائيل تمريره على العالم أو على المنطقة وشعوبها تتبناه الإدارة الأمريكية أو البريطانية أو دول الاتحاد الأوروبي، أو المحبوبة فرنسا، ثم تقنع هذه الدول بعض نخب وزعماء حكومات الدول العربية الصديقة لها لتمرره على شعوبها.‏

من يقرأ كتاب شمعون بيريس لا يستطيع إلا أن يعجب بهذا المشروع ويتحمس له لأنه يتخيل أن الشرق الأوسط سيصبح جنة (ولعل هذا هو السبب الذي جعل بعض الدول العربية تحظر نشر وتوزيع الكتاب). فكرة الكتاب تقوم على إقامة تعاون بين العقل اليهودي المدبر والعلمي والتكنولوجي وبين رأس المال العربي الذي يكدس في البنوك الأمريكية والأوروبية ويضيع أو يسرق في أسواق البورصة أو يهدر بلا طائل بما يتيح للطرفين استخدام الأيدي العاملة الرخيصة في مصر والأردن وفلسطين والصومال والسودان وسورية بما يجعل منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم ازدهاراً وتطوراً ورفاهية(9).‏

يغري بيريس الناس بمشاريع عملاقة؛ مثل مشروع قناة بديلة أو موازية لقناة السويس تربط ما بين البحر المتوسط والبحر الميت، وأخرى بين الأخير والبحر الأحمر بما يؤدي إلى توليد طاقة كهربائية هائلة يتم من خلالها ربط الدول العربية مع إسرائيل وتركيا بما يجعل دول المنطقة كلها تعتمد في كهربائها على إسرائيل. إضافة لمشاريع صناعية وأوتوسترادات وخطوط نقل للنفط تجعل من إسرائيل أهم مركز استراتيجي للتجارة والسياحة والصناعة وتكرير النفط وتوزيعه ليس في الشرق الأوسط فقط، بل ي العالم كله.‏

الشرق الأوسط الكبير:‏

إذا كان مصطلح الشرق الأوسط الجديد هو التعبير الملطف والمهذب لإسرائيل الكبرى، فإن مصطلح الشرق الأوسط الكبير هو التعبير الملطف لإسرائيل العظمى، قد يبدو هذا الطرح لأول وهلة غير معقول وغير قابل للتصديق وقد يتساءل البعض:‏

1 ـ هل يعقل أن تحكم قلة من البشر منطقة تمتد من حدود الصين شرقاً إلى موريتانيا غرباً، ومن كازاخستان شمالاً إلى الصومال واليمن وعمان جنوباً.‏

2 ـ هل يعقل أن توافق دول العالم العظمى والقوى الاستعمارية الكبيرة، أن تتخلى لليهود الصهاينة أو للإسرائيليين عن مصالحها في هذه المنطقة الواسعة؟‏

3 ـ هل يمكن لحكام وشعوب ونخب هذه المنطقة تقبل الخضوع لحكم الصهاينة من بني إسرائيل؟‏

للرد على هذه الأسئلة أقول أن تحكم قلة من البشر بالأكثرية ليست مسألة جديدة، فهي مسألة معروفة في جميع الدول والشعوب، وعبر جميع مراحل التاريخ. فالأوروبيون والأمريكان حالياً، وهم لا يشكلون أكثر من 010%) من سكان العالم – بضع آلاف من الإنكليز بالكرباج. والصين ذات الـ500 مليون إنسان كان الإنكليز يحكمونها بالمخدرات، فالعدد والمساحة في مسألة الحكم لا قيمة لها مقارنة بالإمكانيات الموضوعية والفعالية، ولما يمكن أن يقبل به الطرف الآخر المحكوم أو القابل للحكم والعبودية، إن إمكانيات الطرف الساعي للسيطرة (استناداً لما قاله بنتويتيش) «إن إسرائيل هي كجلد الإيل، كلما تغذى كلما توسع حجمه وكبر»، فطالما أن شهية إسرائيل للتوسع هي قائمة وطالما أن الإمكانيات والقوة المالية والعسكرية والإعلامية موجودة يبقى علينا أن نسأل ونبحث في إمكانية تقبل شعوب الشرق الأوسط لهذا المشروع المغري.‏

ذكرنا سابقاً أن اليهود استطاعوا خلال الحرب العالمية الأولى إخراج أشرس الدول الاستعمارية تركيا وألمانيا والنمسا وإيطاليا من الشرق الأوسط، أما روسيا بعد الثورة الشيوعية فقد تخلت طواعية عن مصالحها فيه حيث أعلن لينين، وقيل أن تنتهي الحرب، تخليه عن جميع الاتفاقيات التي أبرمها القياصرة الروس مع الإنكليز والفرنسيين وتخلت عن حقهما في السيادة على الأماكن الدينية في القدس والناصرة وبيت لحم، التي كانت من حصة روسيا ـ حسب اتفاقيات سايكس بيكو ـ ، أما فرنسا فقد أرغمت بعد الحرب العالمية الأولى ، وبعد احتلال الإنكليز لأغلب بلدان الشرق الأوسط وبعد أن تركوا الفرنسيين يموتون في ساحة القتال دفاعاً عن أراضيهم التي احتلتها ألمانيا على التنازل عن شمال فلسطين (المنطقة الممتدة من رأس الناقورة) إلى سمخ (جنوب بحيرة طبريا) للإنكليز وهي المنطقة المقرة لهم حسب اتفاقيات سايكس بيكو، وهم يعرفون جيداً أنهم عندما يتنازلون عنها للإنكليز فما ذلك إلا مقدمة لإقامة الدولة اليهودية أي أنهم تنازلوا عنها فعلاً وشكلاً ومؤقتاً للإنكليز لليهود.‏

فطالما أن الفرنسيين تخلوا عن حصتهم في فلسطين وعن حصتهم فيها لليهود منذ عام 1919، وطالما أن الإنكليز كما قال لويد جورج: «نحن ملزمون بتنفيذ الوعد الذي قطعته حكومتنا لليهود بإقامة الدولة اليهودية»، فمعنى ذلك أن الإنكليز ليسوا موافقين فقط على تقديم فلسطين مجاناً لليهود، بل هم ناشطون جداً في جعل إقامة هذه الدولة أمراً ممكناً بأسرع ما يمكن، وفي إقناع وإرغام الحكام العرب وحثهم على القبول بذلك، أما أمريكا فإن رئيسها ولسون بدعم الرأسمال اليهودي كان أول المؤيدين لدخول الحرب ولدعم الإنكليز لينفذوا وعد بلفور لإقامة الدولة اليهودية وفاءً لصديقه القاضي لويس برانديس زعيم المؤتمر اليهودي العالمي الذي كان له فضل كبير في إعادة انتخابه مرة ثانية لرئاسة الولايات المتحدة.‏

إعادة اقتسام العالم:‏

كما جرى إعادة تقسيم العالم بعد الحرب العالمية الأولى بين القوى المنتصرة في الحرب كذلك جرى إعادة تقسيمه بين القوى المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية وبما أن الولايات المتحدة أصبحت قلعة الصهيونية العالمية والأداة المنفذة لما يريده المصرفيون وأصحاب البنوك اليهود منذ عام 1918، أي منذ أن دخلت الولايات المتحدة الحرب. وبما أنها استطاعت بعد الحرب العالمية الثانية من خلال مشروع مارشال أن تحتوي أوروبا كلها وتجعلها تابعة لها فمن الطبيعي جداً أن تتحول جميع مستعمراتها في العالم خاصة في الشرق إلى دول تابعة لأمريكا أو دائرة في فلكها وبالتالي لمن يهيمن على سياستها أي للمصرفيين والممولين اليهود. وبما أن ا لاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثالثة ـ الحرب الباردة ـ تلقى (ضربات كبيرة) (10)، نتيجة لوقوفه مع حركات التحرر الوطني والقومي في العالم(11)، وبخاصة بسبب وقوفه مع العرب في صراعهم مع الاستعمار والصهيونية.‏

وبما أنه جعل شعبه يضرس ويجوع وهو يصارع قوى الاستعمار، ويقدم الدعم المادي والسياسي والمعنوي للشعوب والدول العربية، ولم يلقَ إلا الإهانات والاستنكار واللفظ والاحتقار والكره فإن الروس والأوكرانيين وغيرهم من الدول الاشتراكية السابقة لم يعودوا يعارضون تقسيم العالم من جديد بين القوى الاستعمارية الكبرى فحسب بل قبلوا على أنفسهم أن يكونوا شركاء صغار للدول الإمبريالية ولإسرائيل في ما يمكن أن يسمحوا بتقديمه لهم من فتات.‏

فالروس لم يعد يهمهم معارضة الدول الإمبريالية، إيديولوجياً أو سياسياً أو عسكرياً، وبدأوا يركزون جهودهم على إعادة بناء قوتهم ا لاقتصادية، بدلاً من تقديم المساعدات للآخرين مجاناً ولم يعد يهمهم من يهيمن على هذه المنطقة سواء أكانوا الأمريكان أو الإنكليز أو اليهود، طالما أن حكوماتها وشعوبها ونخبها راغبة بذلك.‏

أما بالنسبة للصينيين، فهم لم يكن لديهم أساساً أهداف كبيرة لمواجهة الإمبريالية والاستعمار أو الصهيونية، وكانوا قد تخلوا منذ نهاية الثورة الثقافية عن نهج معارضة الإمبريالية وعملوا لأن يصبحوا قوة اقتصادية منافسة، ولم يعد يهمهم من يحكم الشرق الأوسط طالما أن بضائعهم تلقى رواجاً في المنطقة وحتى داخل أمريكا نفسها، وطالما أنهم سوف يصبحون بعد ربع قرن أول أو ثاني قوة اقتصادية في العالم.‏

أخيراً: يبقى الجواب على السؤال الأخير والأهم:‏

إذا كانت شعوب هذه المنطقة قبلت الخنوع لحكم الأتراك أربعمائة عام لأنهم مسلمون فلم لا يخضعون لحكم أبناء عمومتهم اليهود أربعة أعوام أو أربعين عام أو أكثر؟ فإذا كان الأتراك مسلمين فإن اليهود موحدون، ونعود في أصولنا معهم إلى سام أو إبراهيم، كما يزعم البعض ونشترك معهم في كثير من الطقوس والعادات والأنبياء ونتشابه معهم في الشكل العام ونمط الحياة. وطالما أن أغلب الشعوب على دين حكامها، وطالما أن أغلب المفكرين والباحثين مراكز البحوث والدراسات ووسائل الإعلام، تطبل وتزمر للحكام سواء أكانوا لا يعرفون فك حروف الكلمات أو بهلوانات أو سحرة أو هواة، وطالما أن الأحزاب الوطنية والثورية مقموعة والصحف ووسائل الإعلام الحرة والمستقلة ممنوعة فإن المنطقي يصبح هو أن لا ترى من يعارض مشروع الشرق الأوسط الجديد والكبير باستثناء قلة قليلة من النخب الشريفة المتناثر هنا وهناك والمقموعة والمحاصرة. ويصبح الشاذ والغريب هو أن تجد نفراً من أمثال المنتسبين لحزب الله والجهاد وحماس وغيرها من الأحزاب الثورية الذين ما زالوا مستعدين للموت دفاعاً عن الوطن والمبادئ أو ما زالوا يرفضون أن يتحولوا إلى عبيد لبني إسرائيل.‏

ولادة الشرق الأوسط الجديد:‏

قالت رايس في سابع يوم من أيام العدوان على لبنان: إن ما تقوم به إسرائيل هو المخاض الضروري لولادة الشرق الأوسط الجديد. ماذا نفهم من ذلك:‏

أولاً: إن الجنين الذي هو الشرق الأوسط الجديد قد اكتمل نموه من الناحية الموضوعية، داخل رحم هذه الأمة (المنطقة) ولم يعد ينقصه ليولد ويظهر للعيان إلا القابلة القانونية التي تسهل عملية ولادته، أي بمعنى أن الحرب التي شنتها إسرائيل في تموز والقرارات الدولية التي صدرت قبل وأثناء العدوان كانت بمثابة القابلة القانونية الضرورية لولادة هذا الشرق الجديد.‏

ثانياً: إن الألم الذي عانى منه بعض أعضاء هذه الأمة أثناء وبعد الضربات الموجعة التي وجهت لحزب الله ثم الفلسطينيين والعراقيين كان بمثابة المخاض العسير، لكن الضروري لتقبُّل ولادة هذا الكائن الذي اسمه الشرق الجديد.‏

ثالثاً: إن حزب الله أصبح المعوق الأساسي لعملية الولادة هذه لذلك كان لا بد من إزاحته من الطريق بنزع سلاحه لإتمام عملية الولادة بنجاح.‏

يفهم من ذلك أنه إذا لم تتم إزاحة حزب الله وحماس من الطريق ولم يتم تركيع سورية، فإن عملية الولادة لم تتم بالنجاح المطلوب أو لن تتم على الإطلاق، أي بمعنى أنه إذا تأخرت عملية الولادة فإن الوليد سوف يختنق داخل الرحم وقد يموت قبل أن يولد.‏

رابعاً: طالما أن القابلة القانونية لم تنجح في إزاحة حزب الله من الطريق فهذا معناه أن هذا الحزب ومن يقفون وراءه ويساندونه باستطاعتهم إفشال عميلة ولادة هذا الشرق الجديد، بل وبإمكانهم خنقه ووئده قبل أن يولد الأمر الذي يدفعنا إلى التفاؤل بالمستقبل وإمكانية هزيمة هذا المشروع ووأده بصورة نهائية.‏

على الرغم من أن عملية التلقيح بين النطفة الإسرائيلية والبيضة العربية قد تمت بنجاح في مؤتمر مدريد بعد العدوان على العراق عام 1991 لتكوين البيضة الملقحة (الأرض مقابل السلام) للشرق الأوسط الجديد حيث كان كتاب شيمون بيريس بمثابة الإعلان عن نجاح عملية التلقيح هذه.‏

جنين الشرق الجديد:‏

قد يكون مفهوماً ومقبولاً لدى الشعب المصري أن يقدم زعماؤه موقع بلدهم وحكومتهم لتغذية هذا الجنين لأنهم حصلوا على سيناء ولأن إسرائيل لن تحاربهم مقابل ذلك، وسيتفرغون بعدها للولادة والتكاثر، وقد يكون مفهوماً للقيادة الفلسطينية أن تقدم نفسها وشعبها ومبادئها فداءً لبناء هذا الشرق الجديد على أمل الحصول على سلطة لحكم ذاتي حتى لو كان محدوداً جداً، وقد يكون مفهوماً أن تقدم المملكة الأردنية نفسها خدمة لهذا الهدف، دون أي مقابل لأنها نذرت نفسها منذ أن وجدت ككيان سياسي لتحقيق هذا الهدف. ولكن كيف سيتقبل الشعب العراقي أن يقوم بخدمة عملية التكوين الجديدة لصالح إسرائيل أو أن يصبح العراق القوي والغني جزءاً من هذا الشرق الإسرائيلي طالما أنه لن يحصل على شيء مقابل ذلك حيث لا توجد له أراضٍ محتلة من قبل إسرائيل، لذلك كان لا بد من توجيه تلك الضربة إليه عام 1991 بما يجعله يدوخ ويقبل بمشروع الشرق الأوسط الجديد الممتد من النيل إلى الفرات، فالعدوان الذي قامت به أمريكا وأدواتها وحلفاؤها على العراق عام 1991، كان بمثابة المخاض الضروري للقبول بعملية التلقيح هذه. لكن على ما يبدو لم يكن ذلك كافياً فقناع الشعب العراقي وقواه الحية فكان لا بد من ممارسة عملية حصار وتجويع وعزل وتدمير للعقل والروح حتى يصبح مهيئاً لتقبل عملية التكون هذه، وعلى الرغم من أن القيادة السياسية العراقية تقبلت هذا الأمر من خلال المصالحة التاريخية التي تمت بين عزة إبراهيم الدوري والأمير عبد الله في قمة بيروت، إلا أن هذا لم يكن كافياً لإقناع الشعب العراقي بعملية إخضاع بلده وتسليمها لليهود، فكان لا بد من غزوه واحتلاله وتفتيته وتدميره حتى النخاع.‏

وبعد أن حصلت السعودية ودول الخليج على وعد بعدم توجيه ضربة لها كتلك التي وجهت لأفغانستان (باعتبار أن 16 من منفذي عملية 11 أيلول كانوا سعوديين واثنين إماراتيين)، مقابل الموافقة الرسمية على هذا الشرق الجديد من خلال الصفقة التي أبرمها توماس فريدمان مع الأمير عبد الله تحت ما سمي (مبادرة الأمير عبد الله) والتي أصبحت فيما بعد المشروع العربي للسلام، مما يفهم منه أنه لم يعد هناك من يعارض هذا الشرق الجديد في العالم سوى بعض القوى الواعية والجماهير المتناثرة في العراق وفلسطين ولبنان ومصر والحكومة السورية وبعض الحكومات العربية البعيدة، لذلك كان لا بد من توجيه ضربة قاسية للفلسطينيين من خلال الانتفاضة ثم للعراقيين بدعم وصمت عربي مما يجعل أغلب أبناء الشعب العراقي والفلسطيني معاديين للعرب والعروبة وقابلين للتصالح مع إسرائيل ولأن يجعلوا من أنفسهم مادة صالحة لتغذية الجنين الجديد.‏

وبما أن لبنان قد استرجع أغلب أراضيه بالقوة والقتال والنضال والتضحية من دون أن يقدم أي تنازل (دون أن يفتح بلده لإسرائيل مما يعيق عملية الولادة) فكان لا بد من توجيه ضربة قاسية للقوة التي أرغمت إسرائيل على الانسحاب من دون أن تضطر الحكومة لتقديم أي تنازل، وكان لا بد من إصدار القرار /1559/، لمعاقبة حزب الله ولسحب سلاحه منه.‏

وبما أن سورية لا يمكن أن تقبل بعملية الولادة هذه مقابل لا شيء، أي من دون أن تستعيد الجولان كاملاً، أي من دون أن ينقص شبر واحد منه، كما قال الرئيس الراحل حافظ الأسد، وبما أن القيادة السورية لم تقم بأية تصرفات حمقاء كتلك التي قامت بها القيادة العراقية، ولم تعط أعداءها أي مبررات للعدوان عليها فكان لا بد إذاً من استخدام السياسة وعمليات الحصار والابتزاز السياسي لتركيعها، وهنا استفادت القابلة القانونية من عملية اغتيال الحريري لتوجه التهم لسورية بما يجعل الشعب اللبناني يهب مطالباً بإخراجها من لبنان ومهيئاً أيضاً للاقتصاص منها، ولقد اعتقد الصهاينة بأنهم بعد أن يخرجوا سورية من لبنان سوف تتكفل الحكومة اللبنانية الجديدة بعملية إزاحة حزب الله من الطريق، والسلطة الفلسطينية بالقضاء على حماس والجهاد، وإن لم تتمكنا تكون إسرائيل جاهزة عسكرياً لتوجيه الضربة القاضية لهم فتضرب (ثلاثة عصافير بحجر واحد)، إخراج سورية من لبنان ومحاصرتها سياسية، وتوجيه ضربة قاصمة لحزب الله وللمقاومة الفلسطينية مما يجعل من عملية ولادة الشرق الأوسط الجديد قابلة للتحقق بقليل من الألم.‏

لكن فشل إسرائيل وحماتها وأدواتها في المنطقة عن تحقيق هذا الهدف، لم يُشكل ضربة قاسية لعملية ولادة الشرق الأوسط الجديد والكبير فحسب، بل شكّلَ أساساً صلباً ومنطلقاً لبناء عالم جديد متعدد الأقطاب ومتشابك المصالح يكون أساساً لبناء شرق أوسط جديد مختلف جذرياً عما تريده إسرائيل وأمريكا وأوروبا وأدواتهم من العربان والأفغان والشيشان.‏

ونختم بالقول بأنه إذا كان إجهاض عملية الولادة هذه شكلت الأساس الموضوعي لسقوط مشروع إسرائيل الكبرى فإنها قد تشكل أساساً لإسقاط الركيزة الصلبة «إسرائيل الصغرى» المعيقة. وما على القوى الوطنية والثورية سوى التقاط هذه الحقيقة والبناء عليها ثم العمل على تحويلها إلى واقع.‏

(1( إسرائيل الكبرى، د. أسعد رزوق، مركز الأبحاث الفلسطينية، بيروت 1968.‏

(2( سفر يشوع، ص227، الكتاب المقدس.‏

(3( وثائق فلسطين، ص35.‏

(4( هـ. ج،. جانس، إسرائيل والصهيونية، ص108.‏

(5( جانسن في كتابه إسرائيل والصهيونية وآسيا، ص110.‏

(6( وايزمن في كتابه التجربة والخطأ، ص225.‏

(7( راجع اتفاق فيصل – وايزمن، وثائق فلسطين.‏

(8( المؤتمر الصهيوني السابع والعشرون، ص422.‏

(9( (من دهنه سقيله): مثل شعبي شامي يعني أنك إذا أردت أن تشوي أو تقلي الخروف فلست بحاجة إلى استخدام السمن أو الزيت لإنضاجه بل استخدم الدهن الذي يسيل منه بعد تعرضه للحرارة بما يجعله شهياً وقابلاً للهضم.‏

(10( رابع اتفاقيات سايكس ـ بيكو.‏

(11( لأن أغلبها كانت ملغومة أو هشة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244