|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
في ضوء الاحتلال الأمريكي للعراق يدخل عامه السادس الاستراتيجية الأمنية الأمريكية في العراق (في ضوء الاتفاقية بين حكومتي العراق والولايات المتحدة) ـــ عبد الحميد غانم(*) مقدمة: مرّت خمس سنوات على احتلال العراق، قامت خلالها القوة العظمى الأمريكية، بتدمير كامل لبلد عربي وتمزيق أوصال شعبه وتفكيك مؤسساته الرئيسية، تطبيقاً لنظرية «الفوضى الخلاقة» التي ابتدعها المحافظون الجدد في الإدارة الأمريكية لإعادة رسم خريطة العراق والمنطقة عامة. . كانت حصيلة الاحتلال خلال خمس سنوات في العراق مليون ومئتا ألف قتيل عراقي، وأضعاف هذا العدد من الجرحى.. أكثر من أربعة ملايين مهجر، ثلثهم في سورية ونحو الربع في الأردن، ومئتا ألف يتوزعون على أقطار الخليج، وأكثر من خمسين ألفاً في لبنان، والعشرات في أوربا، يضاف إليهم أربعة ملايين مهجر داخل العراق، إلى جانب الخراب والدمار الذي لحق بالبلاد. لقد انتقل العراق بعد خمس سنوات من الاحتلال من تغيير كان مطلوباً إلى واقع بات فيه هذا البلد العربي الشقيق من أخطر بلدان العالم يفتقد إلى الأمن والاستقرار والخدمات، ويهدده التقسيم والتشتت، ويواجه مستقبلاً غامضاً في ضوء الأهداف الخفية للسياسة الأمريكية التي تتوعد العراق والمنطقة بمخططات لا يحمد عقباها.. وإن ما خلفه الاحتلال كان الأسوأ على كل ما مر على العراق. لقد غزت الولايات المتحدة ـ منفردة ـ العراق دون أي إذن دولي أو مبرر شرعي، بل وتحت حجج ـ ثبت عدم صدقها ـ حددها تيار معاوني الرئيس الأمريكي جورج بوش أولها اتهام نظام الرئيس العراقي صدام حسين بامتلاك أسلحة دمار شامل، وثانيها اتهامه بإقامة علاقات وطيدة مع القاعدة، وثالثها إزاحة النظام الاستبدادي. وبعد كل الصخب السياسي والضجيج الإعلامي والتضليل الذي ساقته الولايات المتحدة لتبرير حربها ضد العراق والترويج لإقناع العالم بسلامة أسبابها، عادت الولايات المتحدة لتعترف علانية خلال العامين الأخيرين من الاحتلال، أن أسباب الحرب ودوافعها لم تكن صادقة، بل أنها بنيت على أخبار مضلّلة. وتيقّنت الإدارة الأمريكية قبل العالم كله أن العراق لم يكن يملك أسلحة دمار شامل، ثم تيقنت أن نظامه لم يكن له أي علاقة بالقاعدة ولا بهجمات واشنطن ونيويورك في 11 أيلول 2001م. صحيح أن الولايات المتحدة استطاعت أن تحقق نصراً عسكرياً وهذا عائد لتفوقها التكنولوجي المسلح به جيشها على جيش ليست لديه إمكانات الجيش الأمريكي وعلى بلد محاصر لأكثر من عشر سنوات، إلا أن الولايات المتحدة لم تحقق الإنجاز السياسي المطلوب والأهم في أهدافها.. لقد انخدعت الإدارة الأمريكية بالأصوات التي حاولت تسويق أهداف الحرب، وورّطت الإدارة الأمريكية في حرب دامية ومدمرة خلال خمس سنوات، قد تستمر خمساً أو عشر أخرى.. لكن الحقيقة أثبتت أن كل الدعاوى السابقة، لم تكن إلا مجرد غطاء لأهداف استراتيجية أهم بالنسبة للولايات المتحدة.. وهي أهداف ترتبط مباشرة بمخطط أمريكي جديد يقوم على فرض الهيمنة الأمريكية على المنطقة والعالم، من خلال التحكم في مصادر الطاقة وحقول النفط، والسيطرة على طرق التجارة وشبكاتها العالمية، والإشراف العسكري المباشر على المواقع الاستراتيجية الحاكمة في البحر والجو والبر.. وبقدر ما كانت إدعاءات الولايات المتحدة وأسبابها لشن الحرب ضد العراق، كاذبة وواهية تساقطت كما تتساقط أوراق الخريف أمام أنظار العالم، بقدر ما أن الأسباب الحقيقية لشن الحرب، والتي أخفاها قادة الحرب وعصابة المحافظين الجدد، قد تكشفت الآن بعد تطبيقها على أرض الواقع، وخصوصاً محاولة جعل العراق أنموذجاً «للتدمير ونشر العنف والصراع والتمزيق السياسي والطائفي في إطار سياسة الفوضى البناءة» التي تسعى لتطبيقها الولايات المتحدة في بلدان المنطقة بلداً بعد آخر.. لقد أصبح الأمريكيون اليوم عاجزين عن مساعدة الشعب العراقي الذي جنى من الاحتلال الخراب والدمار والقتل وفقدان الأمن وتهجير الملايين.. وباتت أوضاع العراقيين المعيشية أسوأ من أي وقت مضى، إذ أن بلد دجلة والفرات صار يعجز عن توفير مياه آمنة وصحية للمواطن، وأيضاً صار هذا البلد الذي يتمتع بأعلى احتياطي نفطي في المنطقة لأكثر من 25 سنة العمر المفترض لنضوب النفط في دول المنطقة، يستورد مشتقات النفط من الغاز وغيره، إضافة إلى أن المواطن العراقي فقد أي إحساس بالأمن والاستقرار، وبات يتحسر على حالة الأمن والاستقرار التي كانت سائدة قبل الاحتلال. عراق اليوم ربما يكون قد تحرر من حكم صدام، لكنه أصبح فريسة لمحن وفتن جديدة، وعدم وجود مؤسسات للدولة من حيث الفعل وامتلاك القرار وإن وجدنا حكومة وبرلمان من حيث الشكل. إن هذا الأمر يوضح بما لا يدعو للشك أن الولايات المتحدة التي شنت الحرب على العراق ومن ثم احتلته، كانت تخفي وراء ذلك أهدافاً ومخططات ترمي بها إخضاع العراق الذي كلفها حتى الآن الكثير، فقد خسرت قوات الاحتلال الأمريكي وفق بيانـات جيشـها الرسـمية نحو 4 آلاف جندي ووقوع أكثر من 40 ألف جريح(1) فضلاً عما تكلف اقتصادها الداخلي من أعباء فتجاوزت التكاليف الـ500 مليار دولار حتى الآن. والخوف هو أن تكلفة الحرب ليس للاقتصاد الأمريكي وحده، بل الاقتصاد العالمي كله، والذي يدخل مرحلة الكساد الكبرى والانهيار بعد أن وصل سعر البترول إلى 110 دولارات (آذار 2008) وهو أحد تداعيات الحرب على العراق. أمام هذه الخسائر والضحايا التي تكبدها جيش الاحتلال الأمريكي والتي لخصتها رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي(2) بقولها: «تكلفة أمننا القومي كانت هائلة. جيشنا مثقل بالأعباء، وسمعتنا لحقها الضرر، وأكلاف الحرب تهدد اقتصادنا». أمام تلك التكاليف الباهظة التي تكبدتها الولايات المتحدة فهل تترك العراق؟ لاشك أن هناك أجندة، خطة تسير في إطارها الإدارة الأمريكية لغزو العراق واحتلاله، كانت تعمل على إخفائها وتغطيتها بإدعاءات كاذبة، لكنها في حقيقة الأمر لديها أهداف ترتبط مباشرة بمشروع «القرن الأمريكي الجديد»(3) الذي يبشر به غلاة المحافظين الجدد، والذي يقوم على فرض الهيمنة الأمريكية المطلقة على مصير هذا العالم، من خلال التحكم بالنفط أولاً.. هذه المقدمة أردت الاستهلال بها للدخول في موضوع الندوة الأساسي (مخاطر إستراتيجية الأمنية الأمريكية في العراق) في ضوء الاتفاقية التي ستوقع نهائياً أواخر العام الحالي بين حكومة العراق وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية. وقبل الدخول في الحديث عن هذه الاتفاقية ومخاطر الإستراتيجية الأمنية الأمريكية، لابد من التعرض لموضوع العراق في المنظور الاستراتيجي الأمريكي، وهل ستتغير هذه الاستراتيجية وما التوجهات الأمريكية بعد خمس سنوات على الاحتلال، ومن ثم نتناول بنود الاتفاقية المتوقعة بين حكومة العراق والولايات المتحدة، وبالتالي تأثيرها على العراق وجواره والمنطقة عموماً. العراق في المنظور الاستراتيجي الأمريكي لقد ادّعت الولايات المتحدة ثلاثة أسباب لاحتلال العراق وتغيير نظامه السياسي وحددتها في أولاً: امتلاكه أسلحة دمار شامل. ثانياً: وجود علاقة بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة. ثالثاً: إسقاط النظام القائم واستبداله بنظام ديمقراطي، إلا أن نتائج تغيير النظام وبعد مرور خمس سنوات على الاحتلال، أثبت أن هذه الحجج الثلاث باطلة، وأن هناك دواع غير معلنة تتضمن خطة أمريكية وتنطلق من اعتبار أن: 1ـ الولايات المتحدة أرادت تغييراً في العراق يكون أنموذجاً لدول المنطقة،إلا أن العراق انتقل من نظام علماني إلى نظام يقوم على أساس المحاصصة الطائفية. 2ـ الاستفادة من موقع العراق الجغرافي للتأثير والضغط على دول الجوار. 3ـ أهمية العراق النفطية كونه يتمتع باحتياطي نفطي كبير، ومدة نضوب النفط فيه تمتد إلى أكثر من50 عاماً وربما إلى 150 عاماً كما أشارت بعض الدراسات. 4ـ صعود قوى جديدة، تفرض العودة إلى التعددية وانتهاء نظام القطبية الأحادية في النظام الدولي، وتعني التعددية تراجع التفرد الأمريكي وتحكم الولايات المتحدة بالنظام العالمي.. ولضمان ديمومة الأحادية العالمية، فإن الولايات المتحدة اتجهت إلى تبني أسلوبين: الأول: العمل على تقوية عناصر القوة سواء ما كان منه عناصر ذاتية، أم ما كان منه بفعل استثمار لتناقضات البيئة الدولية وتطوير قدرات عسكرية لزيادة فجوة الإمكانات العسكرية مع القوى المنافسة. والثاني: عدم السماح القوى الأخرى بالنهوض واحتلال مراتب دولية تفوق مرتبة الولايات المتحدة، أو تنافسها من خلال التأثير عليها وتطويقها كما تعمل مع روسيا والصين. فضلاً عن قيام الولايات المتحدة بنشر منظومة أسلحة وقواعد عسكرية واستخباراتية فيها لتكون قواعد هجوم ودفاع متقدم عن مصالح الولايات المتحدة، والعراق واحد منها. وعليه سعت الولايات المتحدة إلى عملية التغيير في العراق بما يخدم مصالحها خلال الفترة 2003 ـ 2007، حيث ساد التخبط وانعدام الخدمات وازدياد التوتر وشيوع مظاهر الانقسام الطائفي... وإن إجمالي التوتر الحاصل يقع تحت سيطرتها وإدارتها المباشرة، لغايات تخدم تنفيذها لإستراتيجيتها. وهذه المراحل هي: ـ المرحلة الأولى: تغيير النظام السياسي. وقد نجحت الولايات المتحدة في ذلك يوم 9 نيسان 2003 عندما أكملت القوات الأميركية دخولها بغداد. ـ المرحلة الثانية: وهي مرحلة التأسيس لدولة عراقية (دولة فدرالية، تعددية، استمرار تماسكها ضعيف مرتهن للإدارة الأميركية)، وهو ماتعمل على إرسائه الولايات المتحدة، ورغم أن المسألة ظاهرياً تبدو استجابة لضغوطات أعمال المقاومة/ العنف في العراق، إلا أنها استطاعت تنفيذ خطوات مهمة في التأسيس لدولة عراقية وجعلها من الوهن بحيث تستمر مختلف القوى السياسية تعلق آمالها على الوجود الأميركي. ـ المرحلة الثالثة: والتي بدأت الولايات المتحدة تشرع بها منذ فترة وهي العمل على جني عوائد التغيير السياسي في العراق عبر التدخل في بيان الأولويات التي على النظام العراقي القادم اتباعها، وبالطبع تحت إشراف وكالات الاستخبارات الأميركية حتى لا تحيد القوى ذات الميول والعمالات المزدوجة في العراق نحو خيارات غير مرغوبة. وبالطبع وكما نرى أن وظيفة العراق القادمة من خلال فرض اتفاقات على حكومة العراق، هي إحداث خلل في الوضع الإقليمي بما يعود بالفائدة لمصلحة الولايات المتحدة. وهذه المرحلة قد تقتضي في أولى خطواتها بناء قواعد عسكرية واستخباراتية دائمة في هذا البلد أوجر الحلف الأطلسي (الناتو) لإرسال قواته تحت هيمنة الولايات المتحدة (كما هو الحال في أفغانستان). فالولايات المتحدة ليست شركة خيرية تقدم مساهمات مجانية في إسقاط النظم السياسية لتسلم قيادات جديدة فقط، فحجم الأكلاف التي دفعتها الولايات المتحدة تفيد أن هناك غايات ومشروع أكبر من العراق يرتهن بالأنموذج الفكري الذي تريد واشنطن إسباغه على الشعوب الأخرى، واستراتيجي، يتعلق باحتمالات المواجهة مع قوى عالمية وإقليمية مهمة.. واقتصادي، يتعلق بالرغبة بالتحكم بموارد الطاقة واستغلالها، إلا أن الرغبة بتقليل الأكلاف دفعها إلى إعطاء فسحة حركة سياسية للقوى العراقية لتكون الأجهزة العراقية الطرف الوسيط في علاقة القوات الأميركية بالشعب العراقي. لقد حصلت أخطاء بعد احتلال العراق ارتكبتها الإدارة الأميركية بقصد أو بغير قصد، واعترف المسؤولون الأميركيون بها، ومنهم وزيرة الخارجية الأميركية رايس، وذلك في تصريح لها نهاية شهر آذار /مارس 2006، وأبرز تلك الأخطاء: 1ـ عدم مراعاة مسؤوليات الدولة المحتلة بعد أن أعطى مجلس الأمن الدولي رقم 1453 لعام2003 شرعية الوجود العسكري الأمريكي بتسميته احتلالاً وفق قرار المجلس،إذ اعتبرت الولايات المتحدة وفق القرار دولة محتلة للعراق تقع عليها مسؤولية مراعاة تنفيذ معاهدات جنيف، إلا أنها غضت الطرف عن عمليات تدمير ونهب مؤسسات الدولة العراقية باستثناء وزارة النفط،وأطلقت سراح السجناء من اللصوص والمجرمين حيث عاثوا خراباً، واستباحوا مؤسسات الدولة فسرقوها، ولم يتركوا دور العبادة والجامعات والمدارس. 2ـ إنهاء المواطنة العراقية فخطاب الإدارة الأمريكية أصبح يتكلم عن تكوينات الشعب العراقي وليس عن شعب عراقي، بل ورسخت العملية السياسية على هذا الأساس، ثم اتجهت نحو دعم الأكراد والشيعة ضد العرب السنة، ثم تحولت نهاية العام 2005 إلى دعم قوى سياسية من العرب السنة إلى الضد من قوى سياسية شيعية لتحقيق موازنة في العملية السياسية، وأثارت خلافات شيعية ـ شيعية، وأطلقت العنان لاستخباراتها لدور كبير في هذه اللعبة، كما غضت الطرف عما تقوم به أجهزة استخبارات إسرائيلية في العراق من اغتيال للعلماء وقادة دينيين وإثارة الفتنة الطائفية. 3ـ تدمير البنية التحتية للعراق، وعلى ذلك فقد الشعب أدنى مستوى للخدمات من كهرباء ومواد ووقود، وأصبحت معدلاتها تقل كثيراً عن نظيراتها في أقصى فترات العقوبات الاقتصادية ضد العراق في العقد الماضي. أما الأمن فغيابه لا يحتاج إلى دليل في إجمالي الشارع العراقي (باستثناء إقليم كردستان العراق). 4ـ قرار حل الجيش وقوى الأمن المسؤولة عن حفظ الأمن والاستقرار في العراق دون توفير بديل قادر على حفظ النظام في البلد... 5ـ قرار اجتثاث البعث، أثبت هذا القرار ضعف الرؤية وعدم فهم الواقع العراقي وعدم إدراك حقيقة أن الانتماء الحزبي لحزب البعث العربي الاشتراكي كان أشبه بالقسر كشرط للاستمرار في الوظيفة أو الترقي فيها، كما أنه شجع بعض القوى إلى تفسير مفهوم الاجتثاث بمعنى عدم معارضة تصفية الغرباء من البعثيين فانتهى الأمر إلى تصفيات مروعة في وسط العراق وجنوبه، علاوة على أن قوات أرادت الآن من هذا القرار اجتثاث فكر البعث ليس في العراق فحسب بل في المنطقة عموماً (في سورية وغيرها). 6ـ عدم تقدير دور دول الجوار لاسيما سورية وإيران اللتين رفضتا نهائياً دخول القوات الأمريكية عبر أراضيها لاحتلال العراق، فبينما لم تصغ الولايات المتحدة لتحذيرات سورية من مخاطر الحرب على العراق، وأنها إذا حققت نصراً عسكرياً سهلاً ستصطدم بالواقع ويكون تحقيق أي إنجاز سياسي عسيراً عليها، فهي في الوقت نفسه لم تواجه الولايات المتحدة تأثير إيران في العراق، لكن التعارض وتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران ينتهي إلى تصاعد أعمال العنف في العراق، وكأنه نوع من تصفية الحسابات بين الطرفين. وعلى الرغم من أن بعض الأخطاء يمكن معالجها، لكن البعض الأمر يصعب علاجه وربما تكون بعض الأخطاء مقصوداً لإحداث نوع من الفوضى لاتتيح للعراقيين معارضة الاحتلال الأمريكي، وإنما عكس ذلك بالتأكيد على بقاء الولايات المتحدة في مرحلة تحتاج الوقت لتنفيذ استراتيجيتها في العراق. مستقبل الاستراتيجية الأمريكية في العراق الواضح أن الوضع في العراق خلال الفترة( 2003-2007 )أظهر أن هناك خطأ في اعتماد الولايات المتحدة سياسة الحروب الاستباقية لحل المشكلات،وأنها تفعل أي شيء تعتبره في مصلحتها في أي مكان وأي زمان تختاره بصرف النظر عن مصالح الآخرين، وبشكل أحادي, ودون مراعاة لمصالح الحلفاء الذين تريدهم تابعين لسياستها وليس شركاء. وإذا كانت القوة الأمريكية في العام 2003 حققت نصراً عسكرياً، لكنها لم تستطع كسب أي إنجاز سياسي. إن مستقبل الاستراتيجية الأمريكية تجاه العراق نجده رهناً بمتغيرات عدة نذكرها بالآتي: 1ـ مدى قدرة الإدارة الأمريكية على استمرار تبني سياسة الحروب الاستباقية نظراً لماتكلفها من أعباء اقتصادية وعسكرية وأخطاء سياسية.. النهج الوقائي أو بحده الأدنى الاستباقي، فتداعيات أحداث 11 أيلول/سبتمبر عانى خلالها المواطنون الأميركيون من تقليص في معدل حرياتهم، إضافة إلى دول عانت من وطأة السياسة الأمريكية، وتحملت الولايات المتحدة بدورها أعباء إضافية. 2ـ اتجاه الولايات المتحدة الدائم نحو ضمان هيمنتها على النظام الدولي والمسألة الكثيرة هنا أنها ومنذ فترة تربط بين ذلك الموقع والقدرة على صوغ نظام شرق أوسطي وفقاً لفهمها مع ملاحظة أنها لم تحدد رسمياً ما هي الحدود الجغرافية للشرق الأوسط وأسباب ذلك تكمن في سببين، الأول الأهمية الاستراتيجية للمنطقة اقتصادياً وجغرافياً في منظور القوى الكبرى. والسبب الثاني الحاجة الأميركية الدائمة إلى عدو (دولة/منطقة/قضية) تبرر من خلالها سياساتها الاتفاقية العالية، وتجعل نمطها في التعامل معها عبر لبقية الدول الأخرى. وإشكالية العدو قد تجسدت في المنطقة المسماة الشرق الأوسط، لذلك اتجهت نحو تبني ما سمي بـ «مشروع الشرق الأوسط الكبير»، الذي هو عبارة عن قضية إعادة إصلاح اقتصادي وسياسي وتعليمي وتعميم نظام الحرية وفقاً للمنظور الغربي، ومحاولة تشييد هندسة أمنية فعالة للمنطقة. وإذا نظرنا في مشروع الشرق الأوسطي الكبير نجد أن المتغيرات الحاكمة للسلوك الأميركي المبررات التي تسوغها الولايات المتحدة للتدخل في شؤون المنطقة، وأهمها الإرهاب الذي يجد أغلب حواضنه في المنطقة. فضلاً عن الحاجة إلى إجراء إصلاح شامل للمنطقة، حتى تكون أكثر تقبلاً للسياسات الأميركية. الإشكالية هنا في تبرير سياسة التدخل والقدرة على منع القوى المنافسة من استخدام ذات التبريرات في السيطرة أو بناء منظومات إقليمية تدفع بالنظام الدولي نحو سياسيات توازن قوى قد تحمل الولايات المتحدة الكثير من أجل إيقاع تفاعلاتها كمحصلة في النظام الدولي. 3ـ إن ازدياد التنافس بين القوى الاقتصادية جراء نمو القدرة الاقتصادية لمعظم القوى جعلها تأخذ من النسبة غير الطبيعية لسيطرة الولايات المتحدة على النظام الدولي اقتصادياً،وهذا هو الذي جعل سيطرتها تراوح بين 24 ـ 30% من إجمالي الوضع الاقتصادي العالمي(كإنتاج قومي وتجارة) بعدما كان نحو 40 ـ 45% للعقود الرابع والخامس والسادس من القرن المنصرم وربما يشهد وضعها تراجعاً آخر ليقف بين 16 ـ 18% وسببه نمو قوة الصين والهند والبرازيل وإندونيسيا التي يتوقع أن تأخذ وضعاً اقتصادياً مميزاً في العقود القادمة،فضلاً عن تصاعد الاتحاد الأوروبي،وتلاحظ أخيراً كيف تراجع سعر الدولار مع العلم أن للولايات المتحدة بدءاً بذلك من أجل الحفاظ مصالحها،لكن هذا لايخفي الحالة المذرية التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي الآن وهنا قد يحاول البعض(4) الربط بين الحاجة إلى السيطرة على التآكل المستمر في قدرة الاقتصاد الأميركي وبين السعي للهيمنة على المنطقة وفي العموم أن التجارة مع دول المنطقة قد تبدو مهمة إلا أن حجم السوق الإقليمي الشرق أوسطي يبقى صغيراً (460 مليون نسمة عام 2002 ويتوقع أن يبلغ نحو 700 مليون نسمة عام 2025)،ويبقى وضعه الاقتصادي والمعاشي متدن ودون المتوسط العالمي لذلك يتوقع أن التركيز الكبير هو القدرة على السيطرة على تدفق النفط من المنطقة أي الـ63% من الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط(899.2 مليار برميل مقابل 1047.7 مليار برميل احتياطي للعالم)،وسيستمر معدل التعويل عليه لدى القوى الصناعية بنحو 38% من قيمة الطاقة المستخدمة(73.9 مليون برميل/يومياً استهلاك عام 2002)،علاوة على احتضانها نسبة 17% من احتياطي الغاز عالمياً(88.9 ألف مليار متر مكعب من الغاز مقابل 155.7 ألف مليار احتياطي عالمي)، وسيستمر معدل التعويل عليه لدى القوى الصناعية بنحو 41ـ43 في المئة من قيمة الطاقة المستخدمة (2527.6 مليار متر مكعب/سنوياً استهلاكه عام 2002) ويتوقع أن تأخذ حزمة الطاقة النفطية نحو 79ـ81 في المئة من قيمة الطاقة المستهلكة لدى القوى الصناعية عام 2010، وأغلب مصادره سيكون من منطقة الشرق الأوسط(5). 4ـ إن استمرار الولايات المتحدة بأداء أدوارها في المنطقة سيكون عرضة للتأثر بطبيعة العلاقات الإقليمية (وأكثرها تأثيراً هنا الاستقرار أو اللااستقرار الذي سيؤثر في المصالح الأميركية)وعلى كلفة بقاء وانتشار قواتها في المنطقة، والولايات المتحدة تنهج سياسات الضغط ومخططها في المنطقة لذلك تعمل مع حلفائها في المنطقة لتحقيق سياستها. 5ـ إن حركة الولايات المتحدة نحو إحداث تغيير في المنطقة إجمالاً والعراق ابتداءاً إنما يرجع لمسألتين الأولى هي ما تعطيه الولايات المتحدة من أهمية للمنطقة إجمالاً في استراتيجيتها العالمية والثانية رؤيتها للتأثير المتزايد في استمرار سيطرتها على المنطقة على علاقات التنافس مع القوى الكبرى الأخرى، لكن سياسات الولايات المتحدة مرهونة بالإنجاز السياسي في العراق أو في أفغانستان من المحتمل أن يقود حالة اللااستقرار في أفغانستان إلى انسحاب الولايات المتحدة منها، في حين أن دخول العراق حرباً أهلية ربما سيجعل انسحاب الولايات المتحدة أمراً وارداً لعدم توقعها جني سياسي مقبول، أما استقرار العراق فسيكون دافعاً مهماً للولايات المتحدة نحو التسريع بإحداث تغيير سياسي في المنطقة لاسيما تجاه المعارضين لمخططها الشرق أوسطي. 6ـ سياسات القوى المنافسة في المنطقة ستؤثر على الاستراتيجية الأميركية في العراق فروسيا اتجهت بفاعلية نحو إيران وتحركت نحو الحصول على تسهيلات لأسطولها البحري من سورية والصين، كذلك لها مصالح اقتصادية مع كل من إيران والدول العربية والأمر الذي تتزايد حوله التكهنات هو التطور المطرد في العلاقة بين القوتين(الصين وروسيا) وكذلك دون إغفال التوجه الأوروبي نحو المنطقة، فأوروبا وإن اتفقت مع الولايات المتحدة في بعض القضايا إلا أن بروزها لابد أن يثير تقاطع في المصالح في منطقة تقع على تخوم القارة الأوروبية والأمر فيما يتعلق بهذا البروز بالمحصلة يدفع نحو تراجع أدوار الولايات المتحدة في المنطقة. 7ـ البعد الشعبي الذي يبرز تأثيره في هذه الأوقات كثيراً وغالباً ما يشكل ضغطاً ـ وإن كان قليلاً ـ على الحكومات المتحالفة مع الولايات المتحدة. الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة العربية: بدأت السياسات التدخلية للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة العربية بشكل مكثف بعد الحرب العالمية الثانية وبداية النهاية الاستعمارية التي كانت تحتل الدول العربية، وكذلك مع ظهور النفط في الخليج... ومن نتائج الحقبة الاستعمارية أن أصبحت لدى شعوب المنطقة حساسية ورفض كامل حيال الوجود العسكري الأجنبي، باعتباره المظهر الرئيسي للاستعمار. وهكذا كان على القوى الأجنبية التي اضطرت إلى الجلاء من المنطقة أن تجد لها صيغاً جديدة لوجودها العسكري، فبرزت إلى الوجود صور مثل التسهيلات العسكرية، والمناورات المشتركة عادة ما يصاحبها وجود عسكري مؤقت يمكن أن يثير المشاعر الوطنية، وانتقادات قوى المعارضة، إضافة إلى أنها مؤقتة ولا تنفع في حالة الطوارئ المفاجئة، كذلك فإن التخزين المسبق للمعدات والمواد يتطلب وجوداً عسكرياً محدوداً، ولكنه ملحوظ يمكن أن تكون له الآثار السابقة نفسها، والمساعدات الأمنية، تكفل ضمانات على المدى البعيد، ولكنها قليلة الفعالية في الحالات الطارئة التي تتطلب إجراءات سريعة وتدخلاً فورياً من وجهة نظر القوى الأجنبية، وحتى الوجود العسكري الأجنبي في المياه الدولية القريبة، لكن التسهيلات، لم يكن بديلاً إذ أنه يتطلب استخدام بعض التسهيلات الشاطئية وزيارة الموانئ لأغراض الصيانة والإصلاح والإمداد بالاحتياجات، وكذلك لراحة الأفراد والترويح عنهم. ولكل الأسباب السابقة عمدت الولايات المتحدة إلى الأسلوب نفسه للنظم الاستعمارية السابقة في المنطقة والتي انتهجتها في نهايات احتلالها لبعض الدول العربية، وهي سحب القوات وتركيزها في مناطق استراتيجية للدول المحتلة، مما يعطي انطباع زوال الاحتلال، مع بقائه كحقيقة من خلال قوات متمركزة في مناطق بعينها يمكن استخدامها عند الحاجة، أو حتى التلويح باستخدامها. لقد أدت تداعيات حربي الخليج الثانية والثالثة (1991 وغزو العرق)، إلى تحول كبير في شكل الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي تحديداً في ثلاث اتجاهات: الأول: اتساع نطاق التسهيلات العسكرية المقدمة للقوات الأمريكية في قواعد ومحطات وموانئ ومطارات ومعسكرات الغالبية العظمى من دول المنطقة ذات العلاقة بالولايات المتحدة، أو حتى بعض الدول التي لا تبدو أنه تربطها علاقات سياسية قوية بها، وتتضمن تلك التسهيلات حق استخدام المجال الجوي وزيارة الموانئ واستخدام المطارات العسكرية وعمليات النقل والانتشار المتقدم وخدمات الوقود والصيانة وتخزين الأسلحة إضافة إلى المناورات العسكرية المشتركة. الثاني: تزايد عدد القواعد العسكرية الرئيسية بشكل غير مسبوق ليصل إلى ما يقرب من 30 قاعدة مابين برية وجوية بحرية، وتأتي أهمية تلك القواعد من أنها تشكل مراكز عمليات عسكرية رئيسية شبه متكاملة تتمتع باستقلالية نسبية، وقدرة عامة على دعم عمليات قتال جوية أو بحرية أو برية سواء من خلال تمركز عناصر من تلك القوات فعلياً فيها، أو تجهيز القاعدة لانتشارها وقت الحاجة، وتتم إدارتها بموجب اتفاقات عسكرية مع الدول المضيفة لها، ويمكن ذلك القوات الأمريكية من إدارة عمليات عسكرية رئيسية بشكل سريع في اتجاهات مختلفة دون حاجة لخطط حشد كبرى، أو إتمام ذلك الحشد بشكل سريع. الثالث: هذه القواعد لم تعد مجرد تواجد عسكري بشري أو بعض المعدات الحربية أيضاً، فنهاك تواجد لقيادة مركزية في إحدى هذه القواعد، مما يؤكد أننا لسنا أمام تواجد استخدام للحرب ضد الإرهاب في أفغانستان ثم في العراق، وإنما نحن إمام استراتيجية عسكرية أمريكية مخطط لها أن تكون موجودة في الشرق الأوسط لفترة طويلة. والقواعد العسكرية في المنطقة العربية موزعة على دول المشرق كافة باستثناء سورية، وحتى لبنان يجري الحديث عن تنصيب قواعد عسكرية أمريكية على أراضيه. على أن التسهيلات العسكرية السعودية كانت ولا تزال تمثل أقوى تواجد للقوات الأمريكية في الخليج العربي منذ العام 1990، وتعد قاعدة الأمير السلطان الجوية جنوب الرياض هي أقوى مواقع الوجود العسكري الأمريكي في السعودية، حيث يبلغ تعداد الجنود فيها في عام 2003 نحو 5100 جندي أمريكي، وتضم قيادة القوات الجوية الأمريكية في الخليج التي نقلت بعض عناصرها إلى قطر، يضاف إليها 42 مقاتلة إف /16/ إف /117/، كما تتواجد بالقاعدة نفسها عناصر عسكرية بريطانية. دور القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة العربية: 1ـ يمكننا رصد أدوار مباشرة وغير مباشرة تلعبها هذه القواعد العسكرية: الدور الأول والأساسي، لهذه القواعد هو دور عسكري، كما أوضحته الاستراتيجية الأمنية الأمريكية، فهذه القواعد نقطة انطلاق للتدخلات والحروب، وقد تزايدت فاعليتها نتيجة للتطور التكنولوجي للأسلحة ووسائل النقل والاتصال، فأضحت بديلاً فعالاً للتواجد المباشر في البلاد المحتلة، وإذ تكتفي الولايات المتحدة بإنشاء القواعد بدلاً من نشر جنودها في مختلف المناطق من البلاد التي يمكن بحق وصفها بالمحتلة، وطبقاً للخطط الأميريكية، فإن المساحات الأكثر بعداً في المناطق التي لا يوجد قواعد عسكرية يمكن الوصول لها في مدة زمنية لا تزيد على 48 ساعة في أوقات الأزمات الطارئة، وإن القوات لصد نواة أعمال دفاعية قوية أو أخذ وضع للبدء بالهجوم في مناطق أخرى، مما يمكنها من أن تحقق السيطرة العسكرية والأمنية الأمريكية، والتمكن من توجيه ضربات مبكرة لمراكز النشاط المقاوم للجماعات المناضلة، وأيضاً للنظم التي تعادي المصالح الاستراتيجية والتي يطلق عليها «حملات تأديب النظم». 2ـ القواعد كمحرك اقتصادي: الجانب الاقتصادي وحده الكفيل بأن يضمن الاستقرار داخل الولايات المتحدة حيث تلعب القواعد العسكرية في تحريك الاقتصاد الأمريكي ذاته، وذلك من خلال الشركات التي تعمل على مد هذه القواعد لما تحتاجه، بالطبع ليس فقط شركات السلاح التي تأتي في مقدمة هذه الشركات وإنما كذلك تلك التي تمد هذه القواعد بمختلف الخدمات من الاتصالات إلى ملابس إلى غذاء وصولاً على مستلزمات الترفيه عن الجنود، وغالباً ما يؤول هذا الدور إلى الشركات متعددة الجنسيات والاحتكارات الدولية، والمثال على ذلك شركة «هليبرتون» في العراق، وهي الشركة التي احتكرت كل أنواع الخدمات التي تقدم للجيش الأمريكي، والتي يمتلك معظم أسهمها أعضاء بارزين في الإدارة الأمريكية (من بينهم نائب الرئيس ديك تشيني)، كما يمكنها من خلال تعاملاتها مع شركات داخلية خلق طبقة جديدة تعتمد في وجودها على هذه القواعد، وترتبط مصالحها مع هذه القواعد بشدة سواء هذه الطبقة مرتبطة بالنظام في حال كونه نظام صديق للولايات الأمريكية فتصبح داعماً رئيسياً له، أو في طبقة مناوئة للنظام إذا كان هذا النظام مصدر إزعاج بشكل أو بآخر للولايات الأمريكية، أي ما يسمى في أدبيات التعبية طبقة من «الكومبرادور» يمكن أن تسيطر داخل الدولة وتحقق مصالح الولايات المتحدة الأمريكية(6). 3ـ القواعد كفاعل سياسي: حتى في البلدان التي يفترض أنها حليفة وحيث أقيمت القواعد الأمريكية بناء على اتفاق أو معاهدة أمنية، يجد المواطنون أنفسهم في الطرف الخاسر، حيث يصبح الوجود العسكري وسيلة ضغط على المضيف التي يتوجب عليه التصرف فيما يخدم المصالح الاقتصادية والجيوبوليتيكية الأمريكية، إذ أن أي تواجد أمريكي في أي دولة سيمنع النظام الحاكم الحليف أو الصديق من الانهيار، ويحافظ بقدر الإمكان على الاستقرار في تنفيذ برامج الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في هذه البلدان حسب ما ينسجم مع الأهداف الأمريكية استعمارية، كما سيمثل مصدراً لزعزعة الاستقرار في حالة مساس هذا النظام بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما حدث في فنزويلا حين أعلنت حكومتها عن قطع التعاون العسكري بينها وبين الولايات المتحدة وذلك بقرار أصدره رئيس الجمهورية هوغو شافيز حيث كان العسكريون يحرضون الجنود والمتعاملين مع القواعد العسكرية الأمريكية ضده في الثكنات العسكرية في الانقلاب الذي تعرض له لفترة وجيزة عام 2002، ثم عاد أكثر قوة منذ ذلك الحين، واستطاع نتيجة لذلك أن ينتصر في انتخابات صيف 2003، وهو دور مكمل لدور الدبلوماسية حيث يجد من يمثلون الإدارة الأمريكية في هذه الدول سنداً أكبر في تصرفاتهم، ففي رصد لدور الدبلوماسيين الأمريكيين في هذا الانقلاب، نجد أنهم لم يكونوا أبداً وسائط التحركات والمنابر السياسية في فنزويلا، وإنما كانوا في الأندية الرياضية يلعبون البيس بول، وفي الأندية الموسيقية يعزفون الجيتار، فهم يتعرفون على المجتمع في مرحلة ويحرصُون على النظام في مرحلة أخرى، ومع إنهاء التعاون العسكري اختفى هؤلاء تماماً، وعادوا ليظهروا في مواقعهم السياسية الطبيعية كممثلين للحكومة الأمريكية، وهو ما يؤكد أن القواعد العسكرية تؤثر في السلوك السياسي للدبلوماسية الأمريكية وتعطيها حرية حركة أكبر من تلك المفترضة. العوامل التي تقوم عليها الإستراتيجية الأمريكية 1ـ النفط: وهو هدف كبير تسعى إليه الولايات المتحدة لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية وتطور الصناعة فيها، وغالباً ما تبني سياساتها الخارجية، واتفاقاتها مع الدول لاسيما في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية على هذا الأساس، إلى جانب إيجاد أسواق لسلعها الصناعية.. لكن التحول الذي طرأ في الأمريكيتين خلال السنوات القليلة الماضية من انقلاب على سياسة واشنطن لاسيما في فنزويلا وجيرانها ولم تعد هذه المنطقة الحديقة الخلقية للولايات المتحدة، أدى تركيز الاهتمام الولايات المتحدة على منطقة الشرق الأوسط حصراً التي تضمنها مخططها الشرق الأوسط الكبير تضم العراق ومنطقة البحر الأسود في آسيا.. وقد كلفها ذلك غزو أفغانستان ومن ثم غزو العراق، وتعزيز وجودها العسكري في منطقة الخليج. وإن مشكلة الوجود العسكري في الوطن العربي يرتبط بمشكلة الولايات المتحدة مع الطاقة.. 2ـ أمن إسرائيل، لا يمكن النظر إلى الاستراتيجية الأمريكية بعيداً عن أمن اسرائيل، حتى الإدارة الأمريكية الحالية أكدت هذا الأمر في جميع سياساتها ومواقفها تجاه قضايا المنطقة، فغزو العراق واحتلاله جاء مطابقاً لهدف إسرائيل في ضرب العراق وإنهاكه وإضعافه، فبعد قصف إسرائيل للمفاعل النووي العراقي عام 1981، وورط العراق بحرب مع إيران لم ينتصر أحد فيها، بل كانت منهكة للطرفين، ثم فرض حصار جوي على العراق، وقسم إلى مناطق، ووضعت منابع النفط تحت وصاية الأمم المتحدة، ثم كانت حرب الخليج الثانية على العراق وبعد ذلك تم غزو العراق، في 2003 واحتلاله، وما يجري الآن من عملية تقسيم مذهبي وعرقي لتقطيع أوصال العراق يدخل في إطار الهدف الإسرائيلي لإضعاف العراق، وحتى لا تقوم له قائمة. . حتى مخططات الولايات المتحدة في المنطقة (مشروع الشرق الأوسط الكبير)(7) و«الحروب الاستباقية» والفوضى البناءة كلها تدخل في إطار مصلحة إسرائيل.. 3ـ التفوق الأمريكي وهو سعي الولايات المتحدة للإبقاء على حالة التفرد الأمريكي في العالم منذ تفكك الاتحاد السوفييتي، وعدم السماح بالتعددية والمنافسة، لأن هذه الحالة (الأحادية المنفردة) سمحت لها بالتمادي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ولم تجد ما يواجهها، فغزت العراق دون إذن دولي، ودون موافقة الأمم المتحدة، ثم عادت بعد أن احتلت العراق إلى المنظمة الدولية ومجلس الأمن لتشرعن احتلالها وتضع العراق تحت البند السابع.. إلا أن هذه الحالة يبدو أنها لن تطول مع صعود قوى دولية جديدة، ومحاولة لاستعادة روسيا دورها.. وظهور قوى مثل الصين ـ الاتحاد الأوربي وغيرهما. وثيقة إعلان مبادئ لعلاقة طويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة وقع الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بتاريخ 26/11/2007 اتفاقية غير ملزمة لتحديد العلاقات الأمريكية ـ العراقية. . وتمهد الاتفاقية لإجراء محادثات رسمية خلال العام الجاري 2008 تحدد العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، حيث من المتوقع أن تتضمن وجوداً طويل الأمد للقوات الأمريكية في العراق، وتؤدي إلى إخراج العراق من الفصل السابع في العام 2008. وتتضمن هذه الوثيقة (إعلان النوايا): ـ في محورها السياسي والدبلوماسي والثقافي: التزاماً أمريكياً بدعم الحكومة العراقية في المجالات كافة وحماية النظام الديمقراطي في العراق، وحماية الدستور. ـ في المحور الاقتصادي: دعم العراق، في مختلف المجالات الاقتصادية ومساعدته في الانتقال إلى اقتصاد السوق، وتوفير المساعدات المالية والفنية لمساعدته في بناء مؤسساته الاقتصادية وبناه التحتية، واعتبار العراق دولة أولى بالرعاية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، والمساعد على إطفاء ديونه. ـ وفي المحور الأمني: تقديم التزامات وتأكيدات للحكومة العراقية بردع أي عدوان خارجي يستهدف العراق وينتهك سيادته، ومساعدة الحكومة العراقية بمكافحة جميع المجموعات الإرهابية وفي مقدمتها القاعدة والصداميين، ودعم الحكومة العراقية في تدريب وتجهيز وتسليح قواتها المسلحة. ولقد لفتت وثيقة ( إعلان النوايا) إلى أن الرئيس بوش كان قد أعلن موافقته، في آب 2007، في خطاب له في قاعدة عسكرية أمريكية، على البيان العراقي المشترك الذي أصدره، بتاريخ 26/8/2007، خمسة قادة عراقيون، هم رئيس الوزراء نوري المالكي، وثلاثة من أعضاء مجلس الرئاسة (الرئيس جلال طالباني ونائباه عادل عبد المهدي وطارق الهاشمي)، ورئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، الذين دعوا فيه إلى إنهاء تطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على العراق، واسترداد سيادة العراق الكاملة. علماً أن مجلس الأمن كان قد أصدر بتاريخ 19/12/2007 قراراً برقم 1790، مدد فيه عمل قوات المتعددة الجنسية عاماً آخر ينتهي في 13/12/2008 لآخر مرة. قراءة في الوثيقة لم يعد الأمر مجرد مصادفة أن تشرع بغداد وواشنطن في إجراء مباحثات من أجل تثبيت أسس العلاقة المستقبلية بين البلدين على أساس استراتيجي. فمن المعروف تاريخياً أن العلاقات العراقية ـ الأمريكية لم تكن طوال قرن بكامله أي القرن العشرين منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة علاقة متينة أو حتى متوازنة. فالعراق منذ أوائل القرن العشرين وحتى نهاية الخمسينات من القرن الماضي تحت الاحتلال والنفوذ البريطاني انطلاقاً من كون العراق كان أحد مستعمرات بريطانيا العظمى التي كانت لا تغيب عن أرضها الشمس. بيد أنه ومع بدء انحسار النفوذ البريطاني مع نهاية الحرب العالمية الثانية أواخر الأربعينات حتى اتجه العراق بعد ثورة 14 تموز عام 1958 إلى سلسلة من الانقلابات العسكرية التي جاءت بأنظمة وجدت في مناهضة الامبريالية والصهيونية العالمية سلاحاً لمحاربة الولايات المتحدة الأميركية التي أخذت على عاتقها حماية إسرائيل. وحين تسلم حزب البعث السلطة في العراق عام 1968 فإنه وبسبب رفعه شعارات قومية بحتة تهدف إلى تحرير فلسطين لم تكن العلاقات مع أميركا على ما يرام. في أعقاب التغيير الذي حصل بعد التاسع من نيسان عام 2003 والذي جاء على أيدي الأمريكيين بالتعاون مع قوى المعارضة العراقية على عكس التغيير الذي حصل أوائل العشرينات من القرن الماضي والذي كان بريطانياً، فإن الأمر الذي كان لافتاً للنظر هو كيفية تفهم إمكانية نسج علاقة عراقية أميركية بعد تاريخ طويل من العداء حيناً ومن الفتور واللامبالاة من قبل الطرفين حيناً آخر. حين أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على غزو العراق لم تتمكن المعرضة العراقية من إقناع الشارع العراقي بأن ما حصل كان من صنع يديها وأنها استعانت بالجيوش الأميركية لتغيير النظام. بعدها جاءت سلسلة الأخطاء الأميركية التي ارتكبها الحاكم الأميركي بول بريمر بناء على نصائح قدمها له بعض السياسيين العراقيين ممن كانوا يحتفظون بعلاقات قوية مع واشنطن، وفي المقدمة منهم أحمد الجلبي مثل إلغاء الجيش العراقي واجتثاث البعث وتسريح الأجهزة الأمنية والمخابراتية وحل وزارة الإعلام وغيرها من القرارات التي كانت نتيجتها كارثية على الأميركان قبل غيرهم. وبسبب كل هذه الأوضاع الأمنية المتردية وفقدان الأمن والاستقرار فضلاً عن تردي الخدمات فقد تفاقم العنف الطائفي وازدادت العمليات المسلحة. وعلى أثر هذا التردي راحت الأرواح تتساقط في صفوف العراقيين وبدأ يتأكد شيئاً فشيئاً أن الولايات المتحدة أخذت تغوص في المستنقع العراقي، وهو ما جعل دول الجوار وبالذات الجارتين الألد عداء لواشنطن سورية وطهران تزدادان نفوذاً في العراق. وإن فكرة عقد اتفاقية أمنية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة جاءت بمبادرة من الرئيس الأميركي جورج بوش خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مع وفد رفيع المستوى في نيويورك خلال شهر أيلول 2007 على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة(8). وذكر مصدر كان أحد ستة أشخاص يحضرون مباحثات بوش المالكي وهم عن العراق كل من هوشيار زيباري وزير الخارجية وخالد العطية النائب الأول لرئيس مجلس النواب العراقي وفؤاد معصوم رئيس كتلة التحالف الكردستاني وعلي بابان وزير التخطيط، وعن الولايات المتحدة الأميركية كونداليزا رايس وزير الخارجية وستيف هاندي مستشار بوش للأمن القومي أن الرئيس بوش فاجأ الوفد العراقي حين قال: إنه يريد أن تكون العلاقات العراقية ـ الأميركية مستقبلاً تتعدى حدود ولايته التي تنتهي مطلع عام 2009(9). وبالتالي فإنه لكي تتحول هذه العلاقة إلى التزام رسمي للرئيس أو الرئيسة الأميركية القادمة بدلاً من كونها الآن التزاماً شخصياً من قبله إزاء العراق فإنه لابد أن تتحول إلى اتفاقية رسمية استراتيجية. ويقول المصدر الخاص الذي كان حاضراً الاجتماع أن بوش أضاف أنه يريد اتفاقية مع العراق على غرار الاتفاقيات الأميركية مع الدول الخليجية وبالذات المملكة العربية السعودية، مشيراً والكلام للمصدر الخاص نقلاً عن بوش أن العراق في حال توقيعه مثل هذه الاتفاقية سوف يحظى بجانبين شديدي الأهمية وهما التزام الولايات المتحدة الرسمي إزاء العراق ويبدو أن بوش يشير بذلك فيما إذا سيطر الديمقراطيون على البيت الأبيض والذين لا يؤيدون بقاء أميركي طويل الأمد في العراق، كما أن دول الخليج وبالذات السعودية ستتعامل مع النظام الجديد بوصفه نظاماً صديقاً طالما لديه اتفاقية مماثلة مع الولايات المتحدة مثل تلك التي للسعودية وغيرها من دول الخليج. بعد عودة المالكي لم يجر الترويج للاتفاقية بقوة في الأوساط السياسية. ويبدو أن المالكي حين طرحها على حلفائه داخل الائتلاف انقسموا في الرأي إزاءها، مع أن الجميع كان يؤيد من حيث المبدأ عقد مثل هذه الاتفاقية لاسيما وأن عقدها سوف يمهد من جانب آخر لحدث هام وهو إخراج العراق من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. غير أن الحماس بدا مختلفاً بين مختلف الأطراف العراقية... ففيما بدا ((الشيعة)) مترددون إزاء تحالف استراتيجي مستقبلي مع واشنطن بينما تتجه أنظار قوى منهم إلى حليفهم الإقليمي القوى في المنطقة وهي إيران، فإن الأكراد كانوا الأكثر حماساً انطلاقاً من كونهم يدركون الآن وفي المستقبل أن لا حليف لهم سوى الولايات المتحدة الأميركية، بينما بدأ العرب السنة قلقون من هذا الوضع ذلك أنهم في الوقت الذي يحتاجون فيه إلى سند قوي إزاء تحالف وإن كان غامضاً حتى الآن بين شركائهم في الوطن الشيعة وبين إيران التي تسعى للتمدد في المنطقة فإنهم من جانب آخر لا يريدون خسارة عمقهم العربي الذي لا يؤيد كله علاقات إستراتيجية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة من منطلق أن أميركا راعية إسرائيل القوية الآن وفي المستقبل. ومثلما أن الشيعة منقسمون إزاء الاتفاقية فإن السنة أيضاً، بينما بدأ الأكراد موحدون إزاءها. غير أن المسألة الأهم هنا هي أن الأكراد وطبقاً لما أعلنه القيادي البارز في الائتلاف الشيخ همام حمودي لم يعودوا بيضة القبان في المعادلة العراقية، فإن الولايات المتحدة التي ضربت الكرد في الصميم حين سمحت للجيش التركي التوغل داخل أراضي إقليم كردستان تعول كثيراً في المدى الذي يمكن أن تصل إليه على صعيد هذه الاتفاقية على قبول وحماس العرب العراقيين شيعة وسنة. انطلاقاً من التصريحات التي ظهرت مؤخراً لاسيما من بين رجال الدين الشيعة حين تم الإعلان عن الشروع بالمفاوضات بين الأميركيين والعراقيين بشأن إطار العلاقة المستقبلية بين البلدين فإن هناك قلقاً وتوجساً من قبل الأطراف العراقية لاسيما الشيعية منها خشية أن تتضمن هذه الاتفاقية المزمع عقدها ملاحق سرية وهو ما عبر عنه مؤخراً وكيل المرجع الشيعي الأعلى السيستاني الشيخ عبد المهدي الكربلائي وكذلك القيادي في المجلس الأعلى الإسلامي جلال الدين الصغير.. بيد أن الرأي الأميركي لا يزال ينحو منحى التأكيد على سلامة التوجه الأميركي الحالي مع البحث في إمكانية وضع آلية معينة لوجود أميركي دائم وطويل في العراق لكن ليس على شكل قواعد على العكس مما روج له العديد من الخبراء والمحليين منذ بدايات الغزو الأميركي للعراق من أن واشنطن تسعى لبناء قواعد دائمة في العراق. غير أنه وطبقاً للانتشار الأميركي المكثف في المنطقة فإن من غير الوارد بناء قواعد جديدة في العراق مما يعني مزيداً من الإرهاب للقوات الأميركية ولدافع الضرائب الأميركي ولمن لم يدركوا بعد قواعد اللعبة الأميركية في المنطقة والعقيدة العسكرية الأميركية فإنه لم يعد ضرورياً المجيء بجيوش ضخمة كالذي حصل خلال حرب الخليج الثانية عام 1991 حيث جلبت أميركا نحو 500 ألف جندي ومع ذلك أبقت صدام حسين في السلطة بينما لم تحتاج خلال حرب عام 2003 سوى إلى ثلث هؤلاء الجنود أي بحدود 170 ألف جندي ومع ذلك غزت العراق واحتلت أراضيه وأسقطت النظام. إن الولايات المتحدة الأميركية وطبقاً لما تناقلته الصحف الأميركية مؤخراً التي تناولت موضع الاتفاقية تريد فقط الاتفاق على وضع القوات الأميركية وهو ما تراه أوساط سياسية وإعلامية أميركية يمكن أن ينعكس إيجاباً على مستقبل العراق وبالتالي مستقبل المصالح الأميركية في المنطقة. من المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية تملك اتفاقيات ثنائية مع نحو 115 دولة لتنظيم وضع القوات الأميركي فيها طبقاً لحال كل دولة، ويبدو أن واشنطن بدأت تدرك خصوصية الحالة العراقية انطلاقاً من حيثيات كثيرة من أبرزها القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة أضفت شرعية على وجود القوات الأميركية.. ومن المتوقع أن ينتهي التفويض الدولي لهذه القوات بحلول نهاية العام الحالي بينما ألمح العراق إلى أنه لن يمدد هذا التفويض وبدلاً منه تفضل بغداد التوصل إلى ترتيبات أخرى تتماشى وتلك التي تحكم العلاقات بين أي دولتين تتمتعان بكامل سيادتهما الوطنية. أما داخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها فيدور حوار حول مستقبل الوجود العسكري الأميركي في العراق وكذلك حول تشكيل هذه القوات ومهمتها المستقبلية هناك. إن الأميركيين يقولون إننا بحاجة إلى تحديد الأسس الرئيسية لوجودنا العسكري في المحادثات المرتقبة بين مسؤولينا والجانب العراقي،بما في تلك أسس التفويض والاختصاصات اللازمة التي تمكن قواتنا من القيام بمهامها الأساسية على نحو فاعل لاسيما مساعدتها لقوات الأمن العراقية في حربها ضد تنظيم القاعدة وكذلك في تطوير قدراتها الأمنية، فضلاً عن وقف تدفق ما يسمونه السلاح الفتاك الذي توفره إيران لمجموعات التمرد مصحوبة بتدريبها العسكري لتلك المجموعات، وإلى جانب ذلك الاتفاق فإننا بحاجة ماسة إلى تحديد إطار رئيس يمكن من إقامة علاقة وطيدة وراسخة مع العراق من شأنها التعبير عن مصالحنا السياسية والاقتصادية والثقافية المشتركة. وطبقاً لما كشف عنه مسؤولون أميركيون مؤخراً من أن المباحثات الأميركية ـ العراقية التي تجري في بغداد تشمل مخططاً تفصيلياً للعلاقات بين البلدين بعد انتهاء مدة التفويض الدولي الممنوحين قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لوجود القوات الأجنبية ومنها الأميركية فالعراق وسينتهي هذا التفويض في نهاية السنة الحالية. وقد أكد الجانبان العراقي والأميركي إجراء المفاوضات وراء أبواب مغلقة في مبني وزارة الخارجية العراقية، ولكنهما لم يقدما تفاصيل عمن حضر المباحثات من الجانبين أو ماالذي تمت مناقشته خلالها، ووصف بيان للخارجية العراقية الاجتماع بأنه يمثل البداية الرسمية للمباحثات،ولكن المسؤولين الأميركيين من جهتهم حاولوا التقليل من أهمية هذا التطور. وكشف صحيفة (لوس أنجلوس تايمز)عن أن الاتفاق المقترح هو موضوع قيد النقاش في واشنطن حيثاتهم الديمقراطيون إدارة بوش بالمحاولة لإلزام الولايات المتحدة بوجود طويل المد في العراق قبل أن يتسلم الرئيس المقبل ولايته الرئاسية في حين ذكر مسؤولون في البيت الأبيض بأنهم يريدون إقامة قاعدة لسياسة. تمكنهم الاستمرار بها في العراق، لكن تحقيق ذلك لن يقيد أيدي الرئيس الأميركي المقبل. وكان أحد مسؤولي البيت الأبيض قد اخبر المراسلين في نهاية شهر كانون الثاني الماضي: لا نريد للرئيس المقبل أن يدخل البيت الأبيض ويواجه أزمة حيث يخضع تفويض القوات الأميركية للتساؤلات فهل هذا سيقيد الرئيس بأي حال والجواب هو لا كما نرى وتقول. (لوس انجلوس) إن مسؤولي البيت البيض يعتقدون بأن هذه الاتفاقية لن تتطور إلى مستوى معاهدة ولن تحتاج إلى مصادقة الكونغرس وهو موضوع أثار انتقاد الديمقراطيين أيضاً. وطبقاً لما أعلنه وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري مؤخراً في تصريحات لمجلة أكتوبر المصرية بشأن الاتفاقية بأنها إطار استراتيجي للتعاون الثنائي بين البلد وقال أن الثانية تتعلق بوضع القوات الأجنبية العاملة في العراق، مؤكداً أنه سيتم تحديد شكل العلاقة بين العراق وأمريكا ومسائل السيادة والحصانة والاستفادة من الخبرات الأمريكية في تدريب القوات العراقية، وأعرب في هذا الإطار عن أمله بالخروج من وطأة الفصل السابع المفروض من الأمم المتحدة مع نهاية العام الحالي، مشيراً إلى أنه سيتم التقدم بطلب إلى مجلس الأمن لأنه لم يعد لنا حاجة لأن يكون العراق تحت الفصل السابع رهينة لدى الأسرة الدولية غير أن الأمر لم يتوقف عند حدود أمنيات السيد هوشيار زيباري. فالقوى السياسية والدينية العراقية مازالت تبحث في العديد من الحيثيات الخاصة بهذه الاتفاقية، فطبقاً لما أعلنه القيادي في الائتلاف الشيخ جلال الدين الصغير فإنه في الوقت الذي ينبغي فيه إيجاد اتفاقية أمنية تنظم العلاقة من العراق والأمريكان لكن يجب أن تكون الاتفاقية من صالح الشعب العراق ومن صالح الأجيال القادمة وأن لا نقبل باتفاقية بين سيد مع من تسيد عليه والحفاظ على سيادة العراق. ومع كل ما يمكن أن يقال بشأن هذه الاتفاقية فإن جميع الأطراف العراقية المتحمسة (الأكراد) المترردة (الشيعة) القلقة (السنة) تجد أن الحاجة ماسة للأميركان ليس بوصفهم أصدقاء أو حلفاء أو شركاء، بل لأنهم هم الذين خرجوا كل شيء كان يمكن إصلاحه أو قابلاً للإصلاح وبالتالي، فإن عليهم تحمل نفقات دخولهم العراق عند الخروج. وكما أن العراق باحث عن فرصة للخلاص من الفصل السابع فإن هناك من يرى هذه الاتفاقية ستكون هي الفصل السابع الجديد الأميركي بينما يرى آخرون أن الاتفاقية ضرورية لردع جيران العراق الطامعون والأقوياء في حين لا يزال طرف ثالث لا يدري أن كان ما يجري صح أم خطأ وهو الشعب العراقي بعموميته. وعليه، فإن المعاهدة التي وقعت (إعلان النوايا) لن تبتعد عما سيوقع لاحقاً، وسياسياً لا تختلف عن مثيلاتها من المعاهدات التي وقعتها الولايات المتحدة مع دول أخرى، وهي عبارة عن تطبيق مفاهيم وشعارات السياسة الأمريكية التي ترفعها منذ أحداث 11 أيلول، تحت غطاء صنع السلام العالمي، ونشر الديمقراطية وفتح المجال للحريات، وهذه تتطلب اتفاقية أمنية تجسد تلك الشعارات.. ولوعدنا إلى تلك الاتفاقات، نرى أنها تركز على: 1ـ الهيمنة والسيطرة الأمريكية، واستمرار حالة التفرد ومبدأ العالمية الأمريكية المميزة ومنع التعددية. 2ـ تصنيف دول العالم إلى دول حليفة (محور الخير).وما تسميها الولايات المتحدة(الدول المعتدلة)، وإلى دول معادية (محور الشر) أو (الدول المتطرفة)، وهي تنفيذ للشعار الذي رفعه بوش (من ليس معنا فهو ضدنا).. 3ـ ربط أمن الولايات المتحدة الأمريكية بأمن إسرائيل، وفي منطقتنا، ويمكن تقديم أمن إسرائيل على كل شيء.. فكل ما يناسب كيان العدو ويرضيه تحرص الإدارة الأمريكية على تطبيقه.. 4ـ المحافظة على مصالح الولايات المتحدة من الدولة التي ستوقع معها اتفاقية أمنية، وتربط وجود نظامها باستمرار الاتفاقية، وفي حالة العراق بقاء النفط تحت إطار السيطرة الأمريكية.. 5ـ تؤكد الاتفاقية على بقاء قوات عسكرية أمريكية لفترة طويلة الأجل والسبب هو الاطمئنان على بقاء الثروة النفطية تحت السيطرة الأمريكية وهناك قول (لدونالد كاغان) أحد أعضاء مجموعة المحافظين الجدد(10): «على الأغلب سنحتاج إلى وجود عسكري مكثف في الشرق الأوسط لفترة طويلة، وأي تعثر لتدفق النفط سيؤدي إلى عواقب اقتصادية وخيمة.. ووجود قواتنا في العراق كفيل بمنع أي توقف للإمدادات النفطية». 6ـ توقيت الاتفاقية هل هو مناسب، يأتي في ظل الاحتلال، والعراق مسلوب السيادة، ولا يستطيع تقرير مصيره بنفسه دون التأثير الأمريكي. وإقرار مثل هذه الوثيقة. 7ـ لاشك أن طرح الوثيقة سيطرح خلافات بين القوى العراقية، وستحاول كل قوة تفسيره وفق مصلحتها ووفق هدفها للسيطرة، وجر المناصب لصالحها، وهذا يعني الابتعاد عن المصلحة الوطنية للعراق، وخصوصاً في ظل مفاوضات سرية تجري بين الجانبين العراقي والأمريكي للوصول إلى الاتفاقية. 7ـ إن هذه المبادئ ستتضمنها الاتفاقية تقوم لاحقاً على أساسها تهدف إلى استمرار الاحتلال الأمريكي للعراق إلى ما لا نهاية. 8ـ إن إعلان المبادئ والاتفاقات التي ستتفرع عنه، وأيضاً جميع الاتفاقيات السابقة بين إدارة بوش والعراق، أو بين العراق والأطراف الأخرى، جميعها تعتبر فاقدة للشرعية وغير قانونية لأنه لا يوجد أي شرعية قانونية عراقية مستقلة تحت ظروف الاحتلال، حتى وإن حصلت على موافقة البرلمانيين في كلا البلدين، إذ لن يؤخذ برأي المعارضين ضدها. 9ـ إن إعلان المبادئ التي تم التوقيع عليها بين بوش والمالكي، يتضمن في جانب من الجوانب مشروع التفاهم والتوافق حول العراق بين الجمهوريين والديمقراطيين، وتقول المعلومات بأن السيناتور اليهودي الديمقراطي ليبرمان سبق أن تقدم بمشروع قرار وجد التأييد لدى كل من إدارة بوش والزعيمة الديمقراطية هيلاري كلينتون التي تبذل جهودها للوصول إلى البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية القادمة. بكلمات أخرى، فإن إعلان المبادئ هذا هو مشروع التوافق الجمهوري ـ الديمقراطي حول العراق. 10ـ إدارة بوش بمساعدة بعض النواب الديمقراطيين وعناصر اللوبي الإسرائيلي، لجأت إلى المراوغة بحيث لا يتم عرض إعلان المبادئ على مجلس الشيوخ الأمريكي، وتزعم إدارة بوش أن ما تم التوقيع عليه بين بوش والمالكي لا يمثل «معاهدة» دولية يتطلب تنفيذها موافقة مجلس الشيوخ المسبقة، وإنما هو مجرد «اتفاق إطار عمل استراتيجي». 11ـ إن إعلان مبادئ العمل هو اتفاق يمثل في حقيقة الأمر القاعدة الإسمنتية التي سوف تقوم بموجبها الإدارة الأمريكية بعملية «تكثيف وربط وثاق» العراق عن طريق «الحبال والسلاسل» التي ستتمثل في الاتفاقيات المتوقعة لاحقاً. * التداعيات الإقليمية للاتفاقية: وفق ما ورد في إعلان المبادئ فإن المحور التي سوف تقوم عليها الاتفاقيات سوف تشمل: 1ـ شؤون مكافحة الإرهاب. 2ـ شؤون الأمن 3ـ شؤون الدفاع 4ـ الشؤون الاقتصادية 5ـ الشؤون السياسية 6ـ الشؤون الثقافية 7ـ الشؤون العلمية ـ القيود والسلاسل الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية، سوف تجعل من العراق «قاعدة» إقليمية للولايات المتحدة الأمريكية وهذا يعني لإسرائيل أيضاً باعتبارها الشريكة الأساسية للولايات المتحدة، وسوف تعمل هذه ـ الاتفاقيات على إدخال العراق في علاقة «غير متكافئة» مع الولايات المتحدة، بحيث تقيم الولايات المتحدة القواعد العسكرية وتقوم بشن العمليات العسكرية والاستخباراتية. هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى، سوف يكون على العراق بالمقابل القيام بتوفير التمويل اللازم. بكلمات أخرى، سوف يتم إجبار العراق على تحمل نفقات العدوان الأمريكي ـ الإسرائيلي على إيران، وتحمل نفقات تمويل المليشيات الانفصالية الكردية التي تعمل على فصل شمال العراق. ـ الاتفاقيات التي سوف تتفرع عن إعلان المبادئ، بالتأكيد سوف تعطي الولايات المتحدة الكثير من المزايا والحقوق المفرطة في توظيف واستثمار كافة قدرات الكيان الجيوسياسي الذي يحمل اسم العراق. ـ تعتبر سورية (أو إيران) البلد المستهدف الرئيسي في الخطوة الثانية التي يتوقع أن تمثل المهمة التالية للقوات الأمريكية بعد إكمال غزو واحتلال العراق. ولما كانت محاور الاتفاقيات أو «القيود والسلاسل» الأمريكية تتمثل في جملة أشياء، فإن ما هو أكثر أهمية بالنسبة لسوريا ولإيران ولبقية دول المنطقة يتمثل في الآتي: ـ الوجود العسكري الأمريكي: أوردت صحيفة كريستيان سيانس مونيتور الأمريكية نقلاً عن صحيفة شيكاغو تريبيون الأمريكية بأن المهندسين الأمريكيين منهمكون في بناء وتشييد 14 قاعدة عسكرية أمريكية الوجود في العراق. تسمية قواعد «دائمة الوجود» يتم إطلاقها بواسطة البنتاغون على القواعد العسكرية الأمريكية التي يتم اعتمادها للبقاء لفترة طويلة الأجل، وتكون تماماً مثلها القواعد العسكرية الأمريكية التي يتم اعتمادها للبقاء لفترة طويلة الأجل، وتكون تماماً مثلها مثل القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة داخل الولايات المتحدة الأمريكية. إن وجود 14 قاعدة عسكرية أمريكية في العراق معناه: 1ـ إن هذه القواعد سوف يتم إنشاؤها بناءً على «طلب» الحكومة العراقي التي عينتها سلطات الاحتلال الأمريكي. 2ـ إن أمريكا سوف «توافق» على «تلبية» طلب الحكومة العراقية، ولكن بشرط أن يقوم العراق بتوفير المال اللازم لتغطية نفقات هذه القواعد. 3ـ أن يتم نفقات هذه القواعد من عائدات بيع النفط العراقي. وبإنجاز هذا الاتفاق تكون أمريكا قد وجدت من يقوم بدفع نفقات قواتها وقواعدها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط. وتقول المعلومات إن التقديرات الأولية تشير إلى أن إنشاء القاعدة الواحدة سوف تكون في حدود 7 مليارات دولار على الأقل، وفي البدء ستقدم وزارة الخزانة الأمريكية الأموال اللازمة لهذه القواعد ومن ثم تسجيل المبالغ كديون على العراق، واستناداً للعلاقات الوثيقة التي تربط إدارة بوش بـ«حكومة المالكي» فإن إدارة بوش سوف تخفض الفوائد على هذه القروض مع مراعاة إعطاء الحكومة العراقية فترة سماح محددة قبل البدء في السداد. حتى الآن لم يتحدد نطاق انتشار وتوزيع هذه القواعد العسكرية، وعلى الأغلب أن يتم توزيعها على كافة أنحاء العراق وبتركيز أكبر على محافظة الأنبار المتاخمة للحدود السورية ـ العراقية، والمنطقة الجنوبية الغربية المتاخمة للحدود العراقية السعودية. ـ القواعد العسكرية الأمريكية في العراق سوف تعمل كمناطق «ارتكاز» لإطلاق العمليات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية ضد سوريا وإيران على المدى القريب، وضد السعودية على المدى المتوسط والطويل الأجل. وعلى أية حال، فإن ما خلفه الاحتلال الأمريكي هو الأسوأ من كل ما مرّ على العراق، حيث يعاني فقدان الأمن والاستقرار ويتهدده التقسيم على أساس طائي وعرقي، وتطبيق نظام المحاصصة الطائفية.. وإن أي قرار يتخذ لتحديد مستقبل العراق مرهون بالاحتلال وليس لحكومته في ظل الاحتلال، وإن أي قرار عراقي مستقل لابد أن يكون في ظل وضع يركز على إنهاء الاحتلال ويعيد لشعب العراق سيادته على أراضيه وثرواته، ويحافظ على وحدة العراق وعروبته، ويجمع العراقيين في وحدة وطنية تجمع كل أطياف الشعب العراقي، وإزالة كل ما يعوق الوحدة الوطنية من قوانين سنت في ظل الاحتلال، وتحلل الشعب من القيود والسلاسل التي يريد الاحتلال تقييد الشعب والعراق بها وترهن مستقبله ببقاء الاحتلال. (*) باحث عربي (سورية). (1) هذه الأعداد لا توضح الأرقام الحقيقية، والتي يمكن مضاعفتها من 5-7 أضعاف. (2) صحيفة السفير اللبنانية 20/3/2008. (3) صحيفة الأهرام 19/3/2008. (4) مجلة شؤون الأوسط صيف 2007. (5) المصدر السابق نفسه. (6) تلفزيون الدنيا ـ 18/3/2008 (7) كان أول من طرح هذا المشروع هو إسرائيل، وطرحه شمعون بيريز في منتصف ثمانينات القرن العشرين تحت عنوان «مشروع الشرق الأوسط الجديد» (8) موقع قدسي برسى. (9) المصدر نفسه. (10) صحيفة السفير اللبنانية العدد 10956 تاريخ 26/3/2008. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |