مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 32 السنة الحادية عشرة 2008
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

رأي المهاتما غاندي سنة 1938 في قضية الشرق الأوسط وحل المسألة اليهودية ـــ د.محمود المقداد(*)

أولاً ـ تمهيد:‏

تعد مقالة المهاتما غاندي التي ترجمناها، هنا، بشأن قضيتي الشرق الأوسط والمسألة اليهودية، مقالة فريدة ونادرة في موضوعها، لأن غاندي قلما خص قضية من قضايا الشرق الأوسط بإبداء الرأي أو إصدار الأحكام أو تقديم النصيحة كما نرى في هذه المقالة.‏

لعل غاندي بحكم تكوينه القانوني وإيمانه العميق بفلسفة (الساتياغراها)(1) كان من أكثر زعماء العالم ميلاً إلى الإنصاف وقدرة على إصدار الأحكام العادلة كأي قاض حي الضمير في هذا العالم.‏

وغاندي صريح لا يوارب آراءه ولا يتردد فيها ولا ينافق أحداً، وهو لا ينتظر من أحد شكراً، ولا يخشى من أحد خصومة، لأنه يصدر في أحكامه لا عن مصلحة ذاتية، وإنما عن مصلحة عالمية وإنسانية عليا.‏

لم يرتجل غاندي مقالته، ولم يتسرَّع في إطلاق الأحكام، وأحكامه لم تكن أحكاماً عامة أو جزافية، وكان ينطلق فيها من ثقافة عميقة، ومن شعور مرهف بالمسؤولية التاريخية: والدليل على ذلك ذكره (في الفقرة ـ 1) (تردُّده) في إبداء وجهات نظره في (المسألة اليهودية ـ العربية)، والتردُّد دليل عادة على رغبة الكاتب في أن يتعمَّق في القضية التي يتصدَّى لها، وفي أن يقول فيها قولاً سديداً يكون قاعدة انطلاق وبرنامج عمل، لا سدَّاً لفراغ في صحيفة نهمة. وهذه صفة من صفات الحكماء في العالم، لأنهم يرون أن كل كلمة تصدر عنهم في مقالة أو خطبة أو رسالة أو مؤتمر صحفي أو مقابلة أو لقاء، تحفظ عنهم وتسجل لهم أو عليهم عبر الأجيال التالية.‏

وصف غاندي هذه المسألة بأنها (صعبة جداً)، وهذا صحيح بدليل استمرارها إلى يومنا هذا من غير توافر أي ضوء في نهاية النفق المظلم الذي تتخبط فيه. كما وصف إبداء وجهات نظره بأنه (مغامرة)، ربما لأنه يعلم أنها قد تجلب له غضب هذا الفريق أو سخط ذاك. ثم إن الواضح في هذه المسألة أنها لا تكاد تهم أي سياسي هندي أو صيني كان يمر سنة 1938 بمرحلة تاريخية يخوض فيها معركة الصراع مع الاستعمار من أجل الاستقلال، فكيف يتوجه بالكتابة عنها إلى جمهوره وفي صحيفة يصدرها في بلده كما فعل غاندي ؟ لعل غاندي قد انطلق في كتابة مقالته هذه فقط من رغبته في إنصاف الإنسان المظلوم في كل مكان.‏

إن ما تناوله غاندي بالتحليل في مقالته يكاد يكون نبوءة حكيم من حكماء العالم النادرين في التاريخ، لأنه وضع يده على جوهر الصراع (اليهودي ـ العربي) ـ كما يسميه غاندي ـ في منطقة الشرق الأوسط. كما أنه وضع يده على الحل الحقيقي والعملي والجوهري لما طالت تسميته بـ (المسألة اليهودية).‏

وقد لجأنا بعد ترجمتنا لهذه المقالة التاريخية النادرة والمتميزة إلى ترقيم فقراتها كما فقَّرها غاندي نفسه، تسهيلاً للإشارة إلى أي رأي من الآراء التي أبداها فيها.‏

ثانياً ـ سيرة حياة غاندي(2):‏

ولد (مُهَنْدَس كرمشاند غاندي) Mohandas Karamchand Gandhi في 2 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1869، في مدينة (بوربندر) Porbandar، وهي مدينة صغيرة على الساحل الغربي للهند بولاية غوجارات Gujarat، وكان أبوه رئيس وزراء هذه الولاية. وقد أصبح غاندي من أشهر الزعماء الروحيين والسياسيين في القرن العشرين. أسهم في تحرير الشعب الهندي من الحكم البريطاني من خلال المقاومة غير العنفية، ولذا كرَّمه الهنود بإطلاق لقب (أبي الأمة الهندية) عليه.‏

وقد لقبه الشعب الهندي أيضاً (المهاتما) أي (الروح العظمى). تزوج في سن الثالثة عشرة من (كاستوربا)، وهي فتاة من سنه، بترتيب من أهلهما، وأنجبا أربعة أطفال. درس غاندي القانون في لندن، وعاد إلى الهند سنة 1891 للعمل محامياً. ثم وقع سنة 1893 عقداً للعمل القانوني في جنوب أفريقيا.‏

كانت بريطانيا، في ذلك الوقت، تسيطر على جنوب أفريقيا. وقد شهد هناك سوء معاملة الهنود، وبقي في جنوب أفريقيا 21 سنة يعمل على ضمان حقوقهم فيها.‏

عمل غاندي هناك على تطوير منهج للعمل والكفاح يقوم على مبادئ: الشجاعة، واللاعنف، والحقيقة، سماه (ساتياغراها) satyagraha. وكان يؤمن أن طريقة الشعب في السلوك أهم مما تنجزه. وكانت فلسفة (الساتياغراها) تروِّج لعدم العنف، والعصيان المدني، على أنهما أفضل الطرق للحصول على الأهداف السياسية والاجتماعية. وفي سنة 1915 عاد غاندي إلى الهند، وفي حدود 15 سنة أصبح زعيم الحركة الوطنية الهندية.‏

استعمل غاندي مبادئ (الساتياغراها) لقيادة حملة الاستقلال الهندي عن بريطانيا. وقد أوقف مراراً من قبل الإنكليز بسبب أنشطته في جنوب أفريقيا وفي الهند، وكان يشعر بالفخر لزجه في السجن من أجل قضية عادلة. وكان مجمل سنوات سجنه 7 سنين.‏

نالت الهند استقلالها سنة 1947، ثم انقسمت، بين الهندوس والمسلمين، إلى (الهند) الحالية وباكستان(3)، وكان غاندي قد أوصى بأن تبقى الهند موحدة يعيش فيها الهندوس والمسلمون معاً بسلام.‏

وقد بدأ غاندي في 13 كانون الثاني (يناير) سنة 1948، وهو في سن 78، صياماً عن الطعام، لوقف حمام الدم في الهند بينهم، وبعد خمسة أيام من الصيام تعهَّد زعماء الصراع بوقف القتال، فأنهى غاندي صيامه، وبعد 12 يوماً قام هندوسي أصولي متعصِّب، كان يعارض برنامج غاندي في التسامح بين العقائد والأديان، بإطلاق النار عليه، فأرداه قتيلاً في 30 من الشهر نفسه.‏

ثالثاً ـ ترجمة نص مقالة غاندي(4):‏

نظرة غير عنفية للنزاع والعنف(5)‏

1 ـ كنتُ قد تلقيتُ رسائل كثيرة تسألني أن أعلن وجهات نظري في المسألة اليهودية ـ العربية بفلسطين، وفي اضطهاد اليهود بألمانيا. ولم تكن مغامرتي في إعلان وجهات نظري في هذه المسألة الصعبة جداً من غير تردد.‏

2 ـ إن تعاطفي مع اليهود تعاطف تام، فأنا أعرفهم معرفة حميمة من جنوب أفريقيا، وقد أصبح بعضهم أصحاباً لي مدى الحياة. وقد قرأت من خلالهم كثيراً عن اضطهادهم الطويل. وقد كانوا منبوذين من المسيحية. وكان التشابه بين معاملة المسيحيين لهم ومعاملة الهندوس لطبقة المنبوذين قريباً جداً. وكانت مقاطعتهم تستند إلى حجج دينية تسوِّغ المعاملة غير الإنسانية التي لحقت بهم.‏

3 ـ ولذا، وبعيداً عن الصداقات، كانت هذه المعاملة هي السبب الأعم والأشمل لتعاطفي مع اليهود.‏

4 ـ غير أن تعاطفي هذا لا يعميني عن متطلبات العدالة، لأن بكاءهم من أجل الوطن القومي لليهود لا يروق لي كثيراً. إن الإذن بهذا الوطن متجذِّر في الكتاب المقدس، وفي الإصرار الذي يتوق به اليهود إلى العودة إلى فلسطين: فلماذا لا يتخذون ـ كغيرهم من شعوب الأرض ـ وطناً لهم من البلدان التي ولدوا فيها والتي يكسبون فيها عيشهم ؟‏

5 ـ إن فلسطين تخصّ العرب بالمعنى نفسه الذي تخصّ فيه إنكلترا الإنكليز أو تخص فيه فرنسا الفرنسيين. وإنه لمن الخطأ وغير الإنساني أن يُفرَض اليهود على العرب. إن ما يجري اليوم في فلسطين لا يمكن تسويغه بأي قانون أخلاقي في السلوك. فالانتداب غير جائز، لأنه نتيجة الحرب الأخيرة (6). ومن المؤكَّد أن تحويل أرض العرب الأباة الذين تمتلئ بهم فلسطين إلى اليهود جزئياً أو كلياً، على أنها وطنهم القومي، إنما هو جريمة ضد الإنسانية.‏

6 ـ إن أنبل إجراء يمكن أن يتخذ هو الإلحاح على معاملة عادلة لليهود حيثما ولدوا وتربوا: فاليهود المولودون في فرنسا إنما هم فرنسيون، تماماً كما يعدّ المسيحيون المولودون فيها فرنسيين. فإذا لم يكن لليهود وطن إلا فلسطين: فهل سيتلهَّفون على فكرة مغادرة الأنحاء الأخرى من العالم الذي يقيمون فيه؟ أم أنهم يريدون الحفاظ على وطن مزدوج ليبقوا فيه عند الرغبة ؟ إن هذا البكاء من أجل وطن قومي يقدِّم تسويغاً متلوِّناً ليقوم الألمان بطرد اليهود.‏

7 ـ غير أن اضطهاد الألمان لليهود يبدو لا نظير له في التاريخ، فطغاة العصر القديم لم يكونوا قط معتوهين كهتلر في القدر الذي ذهب إليه وفعله بحماسة دينية. فقد كان يقدِّم ديناً جديداً لقومية نخبوية وقتالية، وقد أصبح كل ما ليس إنسانياً عملاً إنسانياً يتم ويرضي الضمير من الآن فصاعداً. فالجريمة التي يقوم بها معتوه، ولكنه شابّ جريء، عمل يعدي شعبَه كله بوحشية لا تصدَّق. وإذا ما كانت هنالك حرب مسوَّغة باسم الإنسانية ومن أجلها، فإن الحرب ضد ألمانيا، لمنع الاضطهاد التعسفي لشعب بأكمله، يمكن أن تكون مسوَّغة تماماً. غير أنني لا أؤمن بأي حرب. وإن مناقشة محاسن حرب كهذه أو مساوئها خارج عن نطاق اهتمامي.‏

8 ـ وإذا لم تكن هنالك حربٌ ضد ألمانيا، حتى بسبب الجريمة التي ترتكب بحق اليهود، فمن المؤكَّد أنه لن يكون هنالك تحالف مع ألمانيا: وكيف يكون هنالك تحالف بين أمَّةٍ تدَّعي قيامها على العدالة والديمقراطية وأمَّةٍ هي عدو معلَن لكلتيهما ؟ وهل تنجرف إنكلترا نحو ديكتاتورية عسكرية؟‏

9 ـ لقد أظهرت ألمانيا للعالم كيف يمكن للعنف أن يعمل بكفاية حين لا يكبحه أي نفاق أو ضعف يتظاهر بصفة النزعة الإنسانية، وقد أظهرت أيضاً مناظر بشعة ورهيبة ومفزعة من عريها.‏

10 ـ فهل بإمكان اليهود أن يقاوموا هذا الاضطهاد المنظم والمخزي ؟ وهل من سبيل للحفاظ على احترامهم للذات وعدم شعورهم بالعجز، والإهمال أو البؤس ؟ وأنا أسلِّم بوجود سبيل ما، فليس هنالك أحد يؤمن بالله الحي في حاجة إلى الشعور بالعجز أو البؤس. إن (يهوا) إله اليهود أكثر شخصانية من إله المسيحيين والمسلمين والهندوس، مع أنه ـ وبوصفه موضوع تأثير في الجوهر ـ مشترك عند الجميع دون أي صفة أخرى. وبما أن اليهود يصفون إلههم بالشخصانية، ويؤمنون أنه ينظِّم كل فعلٍ لديهم، فلا ينبغي لهم أن يشعروا بالعجز. ولو كنتُ يهودياً وولدتُ في ألمانيا وأكسب عيشي هنالك، فسأعلن أن ألمانيا هي وطني، حتى لو أن الألماني المهذّب الأطول منع ذلك أو تحداه بإطلاق النار علي أو ألقاني في السجن. وسأرفض أن أطرَد أو أخضع للتمييز في المعاملة. ولكي أفعل ذلك لن أنتظر سائر اليهود لينضموا إلي في عصيان مدني، وإنما عليَّ أن أثق بأن البقية ملزمون، في نهاية المطاف، بأن يحتذوا مَثَلِي. وإذا ما قبل يهودي واحد أو كل اليهود وصفتي التي أقدمها هنا فلن يكونوا في حالة أسوأ من حالتهم الراهنة، لأن الخضوع طوعاً للمعاناة سوف يجلب لهم قوة داخلية وسعادة لا يستطيع أن يقدمها لهم أي عددٍ من قرارات التعاطف التي تتم في العالم خارج ألمانيا. وفي الواقع، حتى لو قامت بريطانيا وفرنسا وأمريكا بإعلان عدائها لألمانيا، فإنها لن تجلب لليهود سعادة داخلية ولا قوة داخلية، لأن العنف المحسوب الذي يقوم به هتلر يمكن أن يتحول إلى مذبحة عامة لليهود رداً على إعلان تلك الدول عداءها لألمانيا. أما إذا أمكن للعقل اليهودي أن يقوم بإعداد معاناة طوعية، فإن المذبحة نفسها التي أتصوّرها يمكن أن تتحوَّل إلى عيد شكر وفرحٍ، لأن (يهوا) يعمل على خلاص شعبه حتى على يد الطاغية. فعند وجود الخوف العظيم لا يكون في الموت خوف، لأنه نوم سعيد يتبعه استيقاظ مليء بكل شيء ممتع أكثر من النوم الطويل.‏

11 ـ ومن الضروري أن أشير إلى أنه من السهل على اليهود أكثر من التشيكيين أن يتبعوا وصفتي هذه، ولهم في حملة (الساتياغراها) satyagraha الهندية في جنوب أفريقيا نظير دقيق. فقد كان الهنود هناك يحتلون بدقة المكانة التي يحتلها اليهود في ألمانيا، وكان لاضطهادهم مسحة دينية أيضاً، فقد كان الرئيس كروغر (7) Kruger معتاداً على القول إن المسيحيين البيض كانوا مصطَفَيْن من الله، وإن الهنود كائنات دنيا خلقها لخدمة البيض. وكانت هنالك فقرة أساسية في (دستور ترانسفآل (8) Transvaal) تنص على عدم المساواة بين البيض والشعوب الملونة بمن فيهم الآسيويون. وقد أرسل الهنود إلى (غيتوهات) ghettos كانت توصف بأنها مساكن. وكانت حالات العجز الأخرى تقريباً من ذات النوع الذي كان لليهود في ألمانيا. وقد لجأ الهنود، وهم مجرد أقلية، إلى (الساتياغراها) من غير أي دعم من العالم الخارجي أو من الحكومة الهندية. وفي الواقع، حاول الرسميون البريطانيون أن يثنوا (الساتياغراهيين) (جنود اللاعنف) عن خطوتهم التي اعتمدوها. وجاء الرأي العالمي والحكومة الهندية لمساعدتهم بعد ثماني سنوات من الكفاح، وكانت المساعدة عن طريق الضغط الدبلوماسي لا عن طريق التهديد بالحرب.‏

12 ـ غير أن بإمكان يهود ألمانيا أن يقوموا بـ (ساتياغراها) برعاية أفضل من هنود جنوب أفريقيا، لأن اليهود في ألمانيا طائفة مترابطة ومتجانسة، وهم أكثر مواهب من الهنود في جنوب أفريقيا، وقد حشدوا الرأي العالمي وراءهم. وأنا واثق من أنه إذا تمكَّن أحدهم أن يقوم، في شجاعة ورؤية، بتوجيههم إلى عمل غير عنفي، فإن شتاء قنوطهم يمكن أن يلمع في عين فيتحوَّل إلى صيف أمل. وما هو اليوم صيد مذلّ للإنسان يمكن أن يصبح عرضاً هادئاً ومحدّداً يشرف عليه أناس غير مسلحين ونساء يملكون القدرة على المعاناة التي يعطيهم إياها (يهوا). وستكون هنالك مقاومة دينية حقيقية ضد الغضب العنيف الملحد عند الإنسان الظالم. إن يهود ألمانيا سوف يحرزون نصراً لا يمحى على مهذبي ألمانيا، بمعنى أنهم سيحصلون في النهاية على تقدير كرامتهم الإنسانية، وسيقدِّمون خدمة لنظرائهم الألمان، ويثبتون جدارتهم في أن يكونوا ألماناً حقيقيين يقفون ضد من يجرون اسم ألمانيا اليوم، نتيجة الجهل، إلى الوحل.‏

13 ـ والآن كلمة لليهود في فلسطين: ليس من شك عندي في أنهم يسيرون هناك في الطريق الخطأ. إن فلسطين في تصور الكتاب المقدس ليست رقعة جغرافية، وإنما هي مفهوم قلبي. وإذا كان عليهم أن ينظروا إلى فلسطين الجغرافية على أنها وطنهم القومي، فمن الخطأ دخولها في ظل المدافع البريطانية، فالعمل الديني لا يمكن أن يسير بعون من حربة البندقية أو من القنبلة. وبإمكان اليهود أن يستقروا في فلسطين برضا العرب فقط، ولذا عليهم أن يسعوا إلى كسب قلوبهم. إن الإله الذي يتحكَّم في قلب العربي يتحكَّم أيضاً في قلب اليهودي. وبإمكان اليهود أن يعملوا (ساتياغراها) في مواجهة العرب، وأن يقدِّموا أنفسهم هدفاً لإطلاق النار عليهم أو لإلقائهم في البحر الميت من غير أن يرفعوا في وجههم إصبعاً صغيرة واحدة. وسيجدون عندئذٍ الرأي العالمي في خدمة طموحهم الديني. وهنالك مئات من السبل للتفاهم مع العرب بشرط أن ينبذ اليهود مساعدة حربة البندقية البريطانية فقط. فإن هم لم يفعلوا ذلك فسيكونون شركاء مع البريطانيين في سلب شعب لم يرتكب في حقهم أي خطيئة.‏

14 ـ وأنا لا أدافع هنا عن تجاوزات العرب، وأتمنى أن يختاروا طريق اللاعنف في مقاومة ما يرونه بحقٍّ اعتداء غير مسوَّغ على بلادهم. ولكن ـ طبقاً لقوانين الحق والباطل المعتمدة ـ لا يمكن أن يقال شيء ضد العرب بشأن مقاومتهم هذه للتوقعات الكاسحة.‏

15 ـ لنترك اليهود، الذين يزعمون أنهم شعب مختار، يثبتون قدرتهم على اختيار طريق اللاعنف للدفاع عن مكانتهم على الأرض. إن كل بلد يعد وطناً لهم، بما في ذلك فلسطين، لا بالعدوان وإنما بفعل المحبة. وقد أرسل لي صديق يهودي كتاباً عنوانه (إسهام اليهود في الحضارة) Contribution to Civilization Jewsh لمؤلِّفه (سيسيل روث) Cecil Roth، وهو يعرض سجلاً لما قدّمه اليهود لإثراء الأدب العالمي، والفن، والموسيقى، والدراما، والعلم، والطب، والزراعة، إلخ. والوصية التي أقدمها لليهود هي أن يتمكنوا من أن يرفضوا أن يعاملوا على أنهم منبوذون في الغرب، أو أن يُحتقروا أو يُعاملوا بتعالٍ. ويمكنهم أن يحظوا بعناية العالم واحترامه بوصفهم كياناً إنسانياً، وهو الإبداع الذي اختاره الله، بدلاً من الكيان الإنساني الذي يغرق سريعاً في نزعة التوحش ويهمله الله. كما يمكنهم أن يضيفوا إلى إسهاماتهم الكثيرة: نبذ العنف.‏

رابعاً ـ قراءة في آراء غاندي:‏

يعبِّر غاندي في بداية مقالته عن منهجه الموضوعي في إبداء الآراء بما ينفع كل الأطراف التي يتناولها بالحديث، على الرغم من تعاطفه مع اليهود الذين ظلمهم العالم الغربي القديم ظلماً شديداً، كما ظلمهم العالم المسيحي الحديث ظلماً بينا بمختلف الأشكال حتى الحرب العالمية الثانية، كما أنه يصرح بما للعرب في فلسطين من حق شرعي في بلادهم لا يجوز الاعتداء عليه أو سلبه بأي حال من الأحوال أو بأي شكل من الأشكال، وهذا لا يعني تحيُّزه إلى العرب، لأنه يقول بصراحة (الفقرة ـ 14): (وأنا لا أدافع عن تجاوزات العرب). ولعل منهجه الموضوعي في إصدار الأجكام ناجم من كونه قاضياً أخلاقياً ورجلَ قانونٍ وزعيم تيار كفاحي يبحث عن العدل والإنصاف، ولذلك قال (الفقرة ـ 4): (غير أن تعاطفي هذا ـ يعني مع اليهود ـ لا يعميني عن متطلَّبات العدالة)، لأنه كان قد قال قبل ذلك في مطلع مقالته هذه (الفقرة ـ 2): (إن تعاطفي مع اليهود تعاطف تام).‏

ويدين غاندي، على طول الخط، أي جهة في العالم تعامل اليهود معاملة غير إنسانية أو معاملة المنبوذين، أو معاملة الاحتقار، لأنه يرى فيهم عنصراً بشرياً كغيرهم من العناصر التي تعيش على ظهر الأرض. ثم إن غاندي يقر بصراحة ووضوح تامين، في (الفقرة ـ 5) التي هي أهم فقرات المقالة على الإطلاق، بأن العرب هم أهل فلسطين وأصحابها الذين لا يحق لأحد أن ينازعهم في شيء من أرضها فيقول: (إن فلسطين تخص العرب بالمعنى نفسه الذي تخص فيه إنكلترا الإنكليز أو فرنسا الفرنسيين) Palestine belongs to the Arabs in the same sense that England belongs to the English or France to the French. إذن رأي غاندي أن فلسطين ليست لليهود من قريب ولا من بعيد، لا في التاريخ القديم ولا الحديث، ولعل جوهر كتاب (خرافات يهودية) (9)، الذي ننصح كل عربي ومسلم وباحث عن الحقيقة في العالم بقراءته، كما ننصح بترجمته إلى كل لغات العالم الحية، وهو آخر ما ألفه المرحوم أحمد الشقيري (10) قبل وفاته، استناداً فقط إلى كل ما ورد في توراة اليهود، ذاكراً الحجج القاصمة، والبراهين الساطعة، على أن بني إسرائيل (وهم نواة من صاروا يعرفون باسم اليهود فيما بعد) إنما كانوا عابري سبيل على أرض فلسطين التي كانت تعج بأهلها من الكنعانيين العرب، قبل قدوم إبراهيم (ع) ماراً بها إلى مصر وعائداً منها للمقام فيها ضيفاً على أهلها، مع ولده إسحاق وزوجته سارة، إلى حفيده يعقوب (إسرائيل) وأبنائه الاثني عشر (بني إسرائيل) الذين رحلوا جميعاً إلى مصر للحاق بأحدهم وهو يوسف (ع)، إلى ظهور موسى (ع)، بعد نحو 450 سنة، ورحيله بهم إلى سيناء (حيث عاشوا عيشة بداوة وخشونة 40 سنة، نشأ فيهم خلالها جيل قوي خشن محارب)، ثم دخولهم من بعده على أهل فلسطين الكنعانيين المتحضرين المترفين والمتفككين سياسياً والسيطرة عليهم في بعض بقاع فلسطين لا كلها على أنهم طبقة حاكمة موحدة القيادة والأهداف لكونهم محاربين أشداء، فكانوا أشبه بطبقة حكام مصر والشام من المماليك الذين دام حكمهم للقطرين قرابة 300 سنة).‏

ويرى غاندي أن فكرة إنشاء (وطن قومي لليهود في فلسطين) فكرة ظالمة لا يمكن أن تتحقق إلا بالظلم. . بل بالظلم المستمر والمتفاقم الذي يجر الويلات على اليهود والعرب معاً، وهذا ما وقع بالفعل (من خلال الحروب الست التي نشبت حتى اليوم ومن خلال الانتفاضات الفلسطينية والقمع الإسرائيلي)، ولا يزال مستمراً، فقد ذكر غاندي (الفقرة ـ 4) أن بكاء اليهود (من أجل الوطن القومي لا يروق لي)، وهذا تعبير عاطفي نفسي يلخِّص لنا تقزُّزه الشديد من بشاعة هذه الفكرة، لأنها ستتم ـ إن تمت ـ على حساب آلام الآخرين أصحاب الأرض والحق الأصلاء.‏

ويدين غاندي بكل شدة ما يمارسه الانتداب البريطاني من قمع للشعب العربي في فلسطين مع ما يفعله اليهود بهم بمعونتهم خلال ذروة الثورة الفلسطينية الكبرى التي تتزامن مع كتابة هذه المقالة، فيقول (الفقرة ـ 5): (إن ما يجري اليوم في فلسطين لا يمكن تسويغه بأي قانون أخلاقي في السلوك).‏

بل إن غاندي يدين الانتداب نفسه على أرض فلسطين بوصفه عملاً غير شرعي، تم بالقوة والغلبة نتيجة انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، فيقول (الفقرة ـ 5): (فالانتداب غير جائز، لأنه نتيجة الحرب الأخيرة). كما أن هذا الانتداب إنما يعبر عن مصالح المنتصرين ورغبتهم في تقاسم البلدان المغلوبة والضعيفة، ويبرهن على ذلك تقسيم الإنكليز والفرنسيين الشام والعراق بينهم باتفاقية (سايكس ـ بيكو) سنة 1916، حتى قبل انتصار الطرفين على الدولة العثمانية.‏

ويصف سعي الإنكليز إلى تمكين اليهود من إقامة وطن قومي لهم في فلسطين على حساب أصحاب فلسطين الشرعيين عبر التاريخ (الفقرة ـ 5) بأنه (جريمة ضد الإنسانية). إن لهذا الحكم الذي يصدر هنا من حكيم الهند المهاتما غاندي على عمل الإنكليز الخياني في فلسطين له وزن تاريخي وسياسي وواقعي عميق الأثر، لأنه يصف حقيقة ما جرى في زمانه وبعد زمانه إلى يومنا هذا: فكم ارتكب اليهود في الكيان الصهيوني الغاصب من جرائم تقشعر لها الأبدان ويندى لها جبين الإنسانية، وهل تركوا في فلسطين أي نوع من أنواع الجرائم لم يرتكبوه حتى الآن ؟!‏

ويلمح غاندي إلى وعد بريطانيا (باسم بلفور) بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بإشرافهم ودعمهم المتواصل بكل السبل، ويستنكر هذه الفعلة الشنيعة من تلك الإمبراطورية الظالمة، فيقول (الفقرة ـ 5): (إنه لمن الخطأ وغير الإنساني أن يُفْرَض اليهود على العرب)، لما له من نتائج ثقيلة جداً، ويلتفت إلى ما يفعل اليهود في فلسطين ليقول (الفقرة ـ 13) إنهم (يسيرون هناك في الطريق الخطأ)، لأن عملهم في إجلاء أهل البلاد عن أرضهم أو القضاء عليهم والحلول محلهم لم يرد في التاريخ سوى مرة واحدة حين نشأت الولايات المتحدة على جماجم الهنود الحمر ظلماً وعدواناً، لأن عهد المستعمرين والفاتحين طيلة فترات التاريخ أن يشاركوا أهل البلاد في أرضهم مشاركة يتم من خلالها الامتزاج بهم أو الجلاء عنهم في نهاية المطاف.‏

والمهم في رأي غاندي أن اليهود قد فهموا توراتهم خطأ، لأن (فلسطين في تصور الكتاب المقدس ليست رقعة جغرافية، وإنما هي مفهوم قلبي) (الفقرة ـ 13)، ثم يكمل توضيح رأيه إن كانوا مصرين على الفهم الجغرافي الخاطئ لتصور فلسطين فيقول: (وإذا كان عليهم أن ينظروا إلى فلسطين الجغرافية على أنها وطنهم القومي، فمن الخطأ دخولها في ظل المدافع البريطانية)، وهذه إدانة صريحة للتحالف اليهودي مع بريطانيا لإقامة مثل هذا الوطن القومي. والحقيقة التي يجلوها غاندي هنا أن الارتباط اليهودي بأرض فلسطين ـ إن كان لهم من ارتباط حقيقي بها ـ ينبغي أن يكون على المستوى الروحي فقط، أي أنه ارتباط روحي وتعلق قلبي، تماماً كما هو الشأن عند المسيحيين الذين تنشد قلوبهم وتتعلق روحياً بمهد السيد المسيح (ع) في كنيسة المهد ببيت لحم، وبمدارجه في الناصرة وغيرها، وبكنيسة القيامة في القدس الشريف، وهذا التعلق شبيه بما لدى المسلمين من تعلق روحي وقلبي ببيت الله الحرام ومشاعر الحج، ومدارج النبي (ص) ومشاهده بين مكة والمدينة، ومسجده الشريف والمدينة المنورة، والمسجد الأقصى وقبة الصخرة بالقدس.‏

وهكذا فإن قلوب المؤمنين في كل دين معلقة بالأماكن المقدسة الخاصة به، وهي تهفو إليها زيارةً وسياحة، ولكن ما ذهب إليه اليهود هو التفكير في استيطان الأماكن المقدسة وما حولها، وهو تفكير قاصر، وفكرته فكرة غير منطقية ولا صحيحة ولا واقعية، لأن أهل كل دين لو فكروا في استيطان أماكنه المقدسة لحدثت كارثة عظمى في هذه الأماكن: فلنتصور مثلاً أن كل المسيحيين في العالم أرادوا الانتقال إلى مدارج السيد المسيح واستيطانها، ولنتصور أن كل المسلمين سيتركون أوطانهم ليستوطنوا في ديارهم المقدسة في الحجاز، ولنفرض جدلاً أن أهل الصين قد اعتنقوا فجأة الدين اليهودي وأرادوا أن يعودوا إلى أرض الميعاد فلسطين: فما الذي سيحدث ؟ إنه بلا شك كارثة عظمى، مما يؤكِّد أن اليهود على خطأ حين يفكرون في الاجتماع جميعاً فيما يرونه وطنهم في فلسطين.‏

ولكل هذا، يعطي غاندي الحق صريحاً للعرب في أن يقاوموا مشروع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، على حساب أرضهم، بأن يحكم بمشروعية المقاومة الفلسطينية منذ نشأتها، وبالنتيجة يعطي مشروعية للمقاومة العربية في محيط فلسطين، لأن توجهات هذه المقاومة أخلاقية وقانونية محضة، فهي دفاع عن النفس والأرض والمال والوجود بكل معاني هذه الكلمات، ونفهم هذه الاستنتاجات من خلال قوله (الفقرة ـ 14): (طبقاً لقوانين الحق والباطل، لا يمكن أن يُقال شيء ضد العرب بشأن مقاومتهم هذه التوقعات الكاسحة). ويقر حق العرب مرة أخرى حين يريد منهم أن يتبعوا في تحقيق خلاصهم في مواجهة اليهود والبريطانيين بفلسطين تلك الفلسفة اللاعنفية التي نادى بها في جنوب أفريقيا وفي الهند حين يقول (الفقرة ـ 14): (وأتمنى أن يختاروا طريق اللاعنف في مقاومة ما يرونه بحق اعتداء غير مسوَّغ على بلادهم).‏

ثم يدين تواطؤ اليهود مع الإنكليز واعتمادهم عليهم في تحقيق طموحهم ويرى أن عملهم هذا من أكبر أخطائهم التي تورطوا فيها، ويدعوهم إلى أن يتخلوا عن هذا الاستقواء بالإنكليز على العرب وإلا (فسيكونون شركاء مع البريطانيين في سلب شعب لم يرتكب في حقهم أي خطيئة) (الفقرة ـ 13). ونحن نذكِّر بأن الحضارة الإسلامية هي الوحيدة التي استوعبت اليهود وعاملتهم معاملة طيبة إلى أن صار لهم منزلة رفيعة في بعض الأزمان وكانوا أحراراً في ظلها، وهذا إحسان قوبل في القرن العشرين بأعظم إساءة: وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟!‏

وعندما يتناول غاندي اضطهاد اليهود في ألمانيا النازية في زمن كتابة مقالته، يستنكر هذه الفعلة الشنيعة، ويرى أن اليهود طالما اضطهدوا في التاريخ، وأسيئت معاملتهم، ويرى أن عليهم اليوم جزءاً من المسؤولية، لأن سعيهم إلى إقامة وطن قومي لهم في فلسطين سيشجع الألمان في ظل النازية على طردهم من ألمانيا ويعطيهم (مسوِّغاً) لذلك، كما سيشجع غيرهم على مثل ذلك. يضاف إلى هذا الجزء جزء آخر هو حفاظهم على عزلتهم في المجتمعات الغربية في غيتوهاتهم التي دعت تلك المجتمعات إلى الارتياب في نياتهم. ولا شك أننا ندين مع غاندي أي اضطهاد لليهود وغير اليهود في العالم أجمعه. ويرى غاندي أن على المجتمعات البشرية مهمة كبيرة هي رفع الظلم والاضطهاد عن اليهود ومعاملتهم معاملة إنسانية سوية وكاملة، كما هو شأنه حين طالب بمعاملة هنود جنوب أفريقيا لا كعبيد وإنما كبشر أسوياء يتساوون في الأخوة الإنسانية مع غيرهم. وهذه المسؤولية تقع بالطبع على عاتق هذه المجتمعات التي يعيش فيها اليهود.‏

ويكشف لنا غاندي في مقالته عن جملة نقاط فيها حل جذري لما يعرف بـ (المسألة اليهودية) التي نشأت في المجتمعات الغربية، وأبرزها نقطتان:‏

1) أن يتخذ اليهود عن قناعة تامة من البلدان التي يولدون فيها ويكسبون عيشهم أوطاناً دائمة وثابتة لهم كغيرهم من شعوب الأرض المختلفة (الفقرة ـ 4)، وعلى هذا الأساس يكون (اليهود المولودون في فرنسا إنما هم فرنسيون، تماماً كما يعد المسيحيون المولودون فيها فرنسيين) (الفقرة ـ 6)، فإذا ما اقتنع اليهود بهذا الحل فإن (كل بلد يعد وطناً لهم، بما في ذلك فلسطين، لا بالعدوان وإنما بفعل المحبة) (الفقرة ـ 15)، ويؤكِّد غاندي فكرته هذه بالقول (الفقرة ـ 10): (ولو كنتُ يهودياً وولدتُ في ألمانيا وأكسب عيشي هنالك، فسأعلن أن ألمانيا هي وطني)، وهو يريد بذلك أن يتشبَّث اليهودي بوطنه الذي يقيم فيه بكل ما أوتي من قوة. وأذكِّر هنا بأن كل المهاجرين الجدد من اليهود بعد 1948 من الدول العربية وغيرها يمكن أن يعودوا إلى بلدانهم بسهولة إذا اقتنعوا بهذا الحل، ويعود الفلسطينيون الذين هجروا بالقوة من قراهم ومدنهم في تلك السنة إلى تلك القرى والمدن في حركة تبادلية عادلة.‏

2) أن يتخذ اليهود في العالم من فلسفة (الساتياغراها) أي طريق اللاعنف وسيلة للمسالمة وللوصول إلى احترام الناس وتقديرهم وحسن معاملتهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، ويضرب لذلك مثالين: الأول من اليهودي الذي يعيش في ألمانيا حين ذكر غاندي كيف يتصرف لو أنه كان يهودياً ألمانيا، إذ يقول (الفقرة ـ 10) إنه سيعلن أنه ألماني (حتى لو أن الألماني المهذب الأطول منع ذلك أو تحداه بإطلاق النار علي أو ألقاني في السجن. وسأرفض أن أطرد أو أخضع للتمييز في المعاملة). والمثال الثاني من اليهودي الذي يريد العيش في فلسطين، إذ ينصحه غاندي قائلاً (الفقرة ـ 13): (وبإمكان اليهود أن يعملوا ساتياغراها في مواجهة العرب، وأن يقدموا أنفسهم هدفاً لإطلاق النار عليهم أو لإلقائهم في البحر الميت، من غير أن يرفعوا في وجههم إصبعاً صغيرة واحدة).‏

ويختم غاندي مقالته بأن يقر لليهود بما قدموا من إنجازات أثرت الحضارة الإنسانية وأثرت فيها على صعيد الأدب العالمي، والفن، والموسيقى، والدراما، والعلم، والطب، والزراعة وغيرها. غير أننا نسجل هنا تحفظات على كثير من الإنجازات التي أضرت بالبشرية وأساءت إلى المجتمعات على مختلف المستويات: كما هو شأن نظرية التطور لدى داروين، أو نظرية المجتمع الشيوعي في البيان الشيوعي لماركس، أو نظرية العقد النفسية وتفسير دوافع السلوك عند الإنسان لدى فرويد، أو توصل آينشتاين إلى نظرية فيزيائية لشطر الذرة التي كانت أساساً لبلاء الإنسان في هيروشيما وناغازاكي، وتعد سيفاً مسلطاً على عنق الإنسانية جمعاء يمكن أن يهوي عليه في أي لحظة.‏

خامساً ـ الخلاصة:‏

لا شك في أن مقالة المهاتما غاندي كما ترجمناها وقرأناها أكبر صرخة صدرت عن زعيم عالمي بشأن توضيح حقيقة المشروع الصهيوني المدمر الذي جنى على كثير من اليهود والعرب، وسيظل يجني عليهم ويجلب لهم الويلات والآلام والمزيد من الدماء المهدورة والدموع المسكوبة، لا لشيء إلا لأن رجلاً معتوهاً هو هرتزل كان يخطط للسير عكس تيار التاريخ وطبائع الأشياء حين فكر أن خلاص اليهود وحل المسألة اليهودية لا يكون في الاندماج في المجتمعات البشرية، وإنما في الاستقواء بالقوى الاستعمارية الكبرى لإعانة اليهود على ركوب أعناق شعب هو الشعب الفلسطيني كل ذنبه أنه كان يعيش على أرضه آمناً مطمئناً كسائر شعوب الأرض. ولعل ارتفاع هذا الدعم عن اليهود في فلسطين سيؤدي إلى اختلال موازين القوى في يوم من الأيام وتكون الكرة لجماهير المظلومين والمستضعفين في الأرض، لتعود المياه إلى مجاريها ويأخذ المنطق الواقعي مساره في الاتجاه الصحيح. وإن التواطؤ البريطاني بادعاء بلفور أن وعده أو إعلانه الشهير (يمنح أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض) كان أكبر جريمة أخلاقية بحق الإنسانية ترتكب في القرن العشرين، كما أن هذه المقولة كانت الكذبة الأولى في بناء صرح الكيان الصهيوني الغاصب، وما قام على باطل سيبقى باطلاً مهما امتد الزمان، ومهما استقوى أصحابه بالأقوياء في هذا العالم الظالم والمتحيز للسلب والعدوان والخالي من القيم السامية والنبيلة التي وصل إليها الإنسان الحقيقي أو بينتها كتب السماء المنزلة على أنبياء أهل الأرض جميعاً لخلاص البشرية من عذاباتها التي تصنعها أيادي بعض الضالين والمنحرفين عن جادة الهدى والصواب.‏

الهوامش‏

(1) الساتياغراها: هي كلمة مركبة من كلمتين سنسكريتيتين هما (ساتيا) وتعني (الحقيقة)، و( غراها) وتعني (الإمساك)، أي أنها تعني (الإمساك بالحقيقة)، أو (التشبث بالحقيقة)، أو (الحفاظ على الحقيقة)، أو (التمسك بالحقيقة)، وهي فلسفة وتطبيق لمقاومة اللاعنف أو (المقاومة السلبية) أو (العصيان المدني) سابقاً، وقد كان أول من طورها (غاندي) الذي عرف بعد كفاح طويل باسم (المهاتما غاندي) ـ وهو محام ـ في جنوب أفريقيا، ثم في حملات الاستقلال الهندي. وقد أثرت فلسفة (الساتياغراها) في مارتن لوثر كنغ M.L.King طيلة الحملات التي قام بها خلال حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وانتهى به المطاف غيلة كأستاذه غاندي، كما أن المناضل نلسون مانديلا N. Mandella كان يستلهم تلك الفلسفة في نضاله ضد النظام العنصري في جنوب أفريقيا حتى كان له النصر المبين (المترجم).‏

(2) مترجمة عن سيرته في الموقعين (iloveindia.com وindianchild.com) (المترجم).‏

(3) وكانت الباكستان تشمل إقليمين: الأول في غربي الهند (وهو الباكستان اليوم)، والثاني في شرقي الهند ويسمى الباكستان الشرقية (وهي دولة بنغلادش اليوم، وقد تم فصلها بحرب شهيرة سنة 1971 بين الهند وباكستان في عهد رئيسة الوزراء أنديرا غاندي) (المترجم).‏

(4) إنه لمن الأهمية بمكان أن نتذكر زمن كتابة هذه المقالة، وهو سنة 1938، التي كان هتلر يحكم فيها ألمانيا، وكانت غيوم النزاع الرهيب قد بدأت تتشكل. ويعرض غاندي في مقالته إحساسه المرهف بالحق والباطل، وثقته العمياء بمنهجيته، ورؤيته العميقة للأشياء التي كانت تجري (المصدر) [ ونضيف إلى ذلك أن هذه المقالة كتبت زمن الثورة الفلسطينية الكبرى، من سنة 1936 إلى سنة 1939، على الانتداب الإنكليزي والهجرة اليهودية إلى فلسطين والاستيطان فيها (المترجم) ].‏

(5) مقالة كتبها غاندي في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) من سنة 1938 ونشرت في صحيفة (هاريجان) [ وهي صحيفة أسبوعية كان غاندي يصدرها بثلاث طبعات: واحدة باللغة الإنكليزية، وأخرى بالهندية، وثالثة بالغوجاراتية. وتعني كلمة هاريجان Harijan (ابن الرب) بالهندية، وعنوان المقالة بالإنكليزية: A Non ـ Violent Look at Conflict and Violence (المترجم) ] في 26 تشرين الثاني من السنة نفسها (المصدر: Jews. kamat.com).‏

(6) يقصد بها الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) (المترجم).‏

(7) كروغر (بول ـ ): رجل دولة من البوير Boers (1825 ـ 1904)، وكان خصماً للإنكليز (المترجم).‏

(8) ترانسفآل: إقليم في جمهورية جنوب أفريقيا عاصمته (بريتوريا) Pretoria (المترجم).‏

(9) وهو في الأصل رد على خطاب الإرهابي مناحيم بيغن، رئيس وزراء إسرائيل، الذي توجه به يوم 11/11/1977 إلى الشعب المصري، وقد ملأه بالأغاليط والأكاذيب، ويمكن تحميل هذا الكتاب مجاناً لقراءته من الموقع المذكور في الهامش التالي (المترجم).‏

(10) وهو رئيس منظمة التحرير الفلسطينية قبل تولي عرفات سنة 1967، وكان جريئاً وخطيباً مفوهاً، وكان قبل ذلك محامياً مشهوراً، وأميناً عاماً مساعداً بجامعة الدول العربية حتى سنة 1957، ثم أصبح سنة 1963 ممثلاً لفلسطين في جامعة الدول العربية، ثم رئيساً لأول مجلس وطني لفلسطين سنة 1964، ثم رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، توفي سنة 1980، ودفن قرب ضريح الصحابي الجليل أبي عبيدة بن الجراح أمين الأمة (ر) في أغوار الأردن (راجع موقع: ahmad ـ alshukairy.org) (المترجم).‏

(*) الأستاذ المساعد الأسبق في جامعة دمشق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244