مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 32 السنة الحادية عشرة 2008
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

«جومو كينياتا» Jomo Kenyatta رمــح كينيـا اللامــع ـــ محمد عدنان مراد(*)

شخصيات أفريقية عالمية لا تنسى‏

جومو كينياتا، رمح كينيا اللامع‏

مقدمة عامة:‏

لم يكن الأوربيون يعرفون القارة الأفريقية عدا بعض المؤرخين في أزمان متباعدة، وكانت لديهم أفكار غريبة عن القارة، وكان العرب وحدهم هم الذين كان لهم اتصال ومعرفة بها، وحتى النفوذ إلى داخلها والاتصال بشعوبها عن طريق سواحل المحيط الهندي من جهة وكذلك عبر الصحراء الكبرى وما وراءها حين قامت ونشأت أعظم الإمبراطوريات الإسلامية، وفي وقت ما كانت إمبراطورية مالي أكبر وأقوى دول العالم. والعرب هم الذين كتبوا عن القارة، وهم الذين ربطوها بالعالم الخارجي، والواقع أن سقوط الأندلس بيد الإسبان من جهة والبرتغاليين من جهة أخرى والمحاولات التي جرت، والسباق بين الإسبان والبرتغاليين للوصول إلى الهند عن طريق البحر، بالإضافة إلى محاولات البرتغاليين للوصول إلى المناطق التي كان عرب الأندلس يجلبون منها الذهب وأخيراً وليس آخراً: التأثير الديني للحروب في الأندلس وكان المحرض على متابعة الحرب الدينية ضد العرب والمسلمين هو الأمير البرتغالي هنري الملاح /1394 ـ 1463/ وذلك عن طريق القيام بضرب المسلمين والعرب من الخلف وذلك بالقيام بحركة التفاف واسعة وبالتعاون مع دولة (القديس يوحنا) (برست جون) عن طريق نهر يجتاز القارة من غربها إلى شرقها بالإضافة إلى السيطرة على التجارة العالمية والوصول إلى الهند. وقد ظل البحارة البرتغاليون لفترة طويلة يخشون من الاندفاع جنوباً بعد الرأس الأخضر على الساحل السنغالي خوفاً من تغيير لونهم إلى الأسود. وعندما زال ذلك الوهم بالإضافة إلى عدم وجود النهر الموعود تابعوا سيرهم نحو الجنوب ساعدهم على ذلك سفنهم المعروفة باسم (الكرافيل) المبنية خصوصاً للإبحار في البحار الغريبة، وأعالي البحار، ويبدو أن البحار المشهور (دياز) كان هو أول من اجتاز رأس الرجاء الصالح عام /1487/ ولكن بحارته رفضوا متابعة المسير. وعادوا إلى البرتغال وتابعه البحار المشهور فاسكو دغاما الذي اجتاز رأس الرجاء الصالح. ووصل إلى الساحل الشرقي لأفريقية وإلى مدينة قاليقوط عام /1498/ ومع الزمن سيطر البرتغاليون على تجارة التوابل مما أدى إلى حسد الدول الأطلسية. في البداية للحاق بالبرتغاليين.‏

ـ بعد البرتغاليين جاءت الدول الأطلسية من بريطانية وفرنسية وألمانية وبلجيكية وهولندية وحتى دانماركية، لغزو أفريقية واستغلال ثرواتها، ومع الزمن وجدت كل دولة لها مكاناً على السواحل الأفريقية أي مكاناً للنفوذ إلى الداخل وتم تنظيم ذلك بعد مؤتمر برلين /1885م/ ومؤتمر بروكسل عام /1890/ الذي تم فيهما تقاسم النفوذ والاحتلال، ورغم الصعوبات والثورات المسلحة خاصة في غرب أفريقية، استطاع الاستعمار الأوربي مع الزمن تثبيت أقدامه في القارة، وتهاوت الإمبراطوريات الأفريقية، مرة عن طريق القوة، ومرة عن طريق التبشير وتارة عن طريق إقامة اتفاقيات مع زعماء القبائل، ومما يذكر أن أغلب المقاومات ضد الاستعمار كانت من قبل العناصر العربية والإسلامية، ويقول أحد المؤرخين في كتاب حاضر العالم الإسلامي (أنه لو تأخر الاستعمار لمدة خمسين عاماً، لكانت أفريقية كلها عربية إسلامية) وقد سار الاستعمار جنباً إلى جنب مع التبشير ويقول (كلود فوتيه) في كتابه أفريقية للأفريقيين «أعطانا الأوربيون الإنجيل وأخذوا منا الأرض» وقد ساعد على ذلك تقدم الاستعمار في آسيا أيضاً وكان شعار الاستعمار في المنطقتين دائماً هو الحرب في آسيا حتى آخر رجل أفريقي والحرب في أفريقية حتى آخر رجل آسيوي، وأعظم مثال على ذلك هو الجيش الهندي الذي مهد للاستعمار البريطاني في كل مكان. وتقوم أمريكا حالياً بنفس المنظر وإن كان هناك بعض الخلاف. فأمريكا في حربها ضد العراق وأفغانستان أجبرت العدد الأكبر من الدول الأوربية بخاصة، وبعض الدول الأمريكية على إرسال قوات داعمة لحربها القذرة... وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أصبحت كل أفريقية مستعمرة أوربية عدا دولة واحدة هي إثيوبية. ونوعاً ما مصر باستقلال ناقص.‏

ـ منذ الحرب العالمية الأولى التي جرى بعضها في أفريقية بين الألمان والإنكليز بدأ ظهور الحركات التحررية وحتى الحرب العالمية الثانية التي اجتاحت فيها الإمبراطوريات الاستعمارية القارة الأفريقية ورجالها وإنتاجها، ازدادت فيها الحركات التحررية والثورات والانتفاضات في الوقت الذي ازداد الاستعمار تصلباً في مواقفه كما ازدادت المحاولات الاستيطانية الأوربية في القارة الأفريقية واستغلال القارة بشرياً وجغرافياً واقتصادياً. ترافق مع مصادرة الأراضي الصالحة أكثر من غيرها للزراعة لصالح المستوطنين البيض بعد معاهدة فرساي /1919/ عقد أول مؤتمر أفريقي ضم عدداً من الزعماء الأفارقة بزعامة الدكتور «ديبوا» في باريس وقد اتخذ هذا المؤتمر عدة قرارات من أهمها: المطالبة بحق تقرير المصير للشعوب الأفريقية جميعها وحكم نفسها بنفسها.‏

بعد ذلك توالت المؤتمرات الأفريقية وبخاصة في أوربة إلا أن الاستعمار كان يزداد شراسة في تمسكه بالأرض الأفريقية نظراً لما تحويه من ثروات. خطط للاستفادة منها بإقامة المشاريع الضخمة التي لا تخدم سوى المستعمر ومثل هذه المشاريع ساعدت أوربة على تضميد جراحها. واستعادة عافيتها.‏

كان للحرب العالمية الثانية آثارها البعيدة المدى في القارة الأفريقية وذلك لأن الحرب وصلت القارة وكانت إحدى ميادينها، حيث هلكت أعداد كبيرة من الجنود الأفارقة الذين جندهم الاستعمار للقتال في القارة وخارجها أو العمل الشاق لصالحها ولولا تضحية الجنود الأفارقة من عرب وسود لما استطاعت فرنسا الجلوس على طاولة المنتصرين حسب قول الرئيس السنغالي (سنغور).‏

كان أبرز ما تم من تطورات في ذلك الوقت هو انعقاد مؤتمر الشعوب الأفريقية في (مانشستر) البريطانية عام 1944، حيث قرر المؤتمر المناداة بوحدة الشعوب الأفريقية وطالب باستقلالها وبحقها في تقرير مصيرها والتي وصلت إليه في أعوام الستينيات الذي اعتبر عام القارة الإفريقية، حيث حصلت أغلب الدول الأفريقية إن لم يكن جميعها على استقلالها السياسي. وقد امتلأت أروقة الأمم المتحدة بالوفود الأفريقية وجلس السود والسمر والبيض على مقاعد الأمم المتحدة في أمريكا بلد التفرقة العنصرية.‏

وكان مؤتمر القمة الأفريقي الأول الذي انعقد في الفترة ما بين 22 ـ 25 مايس 1963 نقطة تحول هامة في تاريخ القارة وكان ظهور القارة الأفريقية في الواقع أعظم أحداث القرن العشرين حيث خرجت من القمقم الاستعماري وانضمت إلى ركب الحضارة بطاقاتها الكبيرة: البشرية والاقتصادية والسياسية...إلخ.‏

ـ مع الاستقلال بدأت تظهر المتناقضات في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية حيث وجهها المستعمر للوجهة التي لا تريدها، فهو الذي حدد حدودها دون النظر إلى النواحي الاجتماعية والعرقية والاقتصادية، وهو الذي حدد نوع اقتصادها وربطه بمصالحه الخاصة وبتقلبات الأسعار العالمية، ولم يستهدف حاجات الشعوب بالإضافة إلى تركه أعداداً كبيرة من المستوطنين البيض يسيطرون مادياً ومعنوياً في كثير من الدول المستقلة.‏

ـ وأكثر ما تتعرض له الدول الأفريقية المستقلة، تداخل الحدود، وتداخل الأعراق. والقوميات ببعضها فقد ظلت الحدود كما خطط لها المستعمر بمسطرته، ولا تزال المشاكل بين الدول المجاورة تسيطر على الحياة وأدت إلى حروب طويلة بالإضافة إلى الحروب الأهلية الداخلية. رغم أن منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي حالياً) منعت ضم الأراضي بدون اتفاق بين الأطراف المتنازعة ومنعت كذلك فكرة الانفصال دون اتفاق.‏

ومع الثورات والانتفاضات ضد الاستعمار ظهرت الشخصيات الأفريقية المكافحة والتي قادت بلادها إلى النصر والحصول على الاستقلال، ومن بين هؤلاء وربما يكون من أكثرهم شهرة وقوة وعزم هو (جومو كينياتا) رئيس جمهورية كينيا حتى عام /1978/ وهو عام وفاته.‏

2 ـ جمهورية كينيا: تقع جمهورية كينيا الحالية في شرق ووسط أفريقية وتبلغ مساحتها 583 ألف كم2 وعدد سكانها حسب آخر الإحصائيات (27) مليون نسمة ويجمع المؤرخون وعلماء الإنسان وعلماء الآثار أن الإنسان الأول ظهر في المنطقة التي تحتلها كينيا الحالية معتمدين على ما وجدوه من آثار لبقايا إنسانية أقدم من كل الآثار التي ظهرت حتى الآن. وحسب ما يذكر المؤرخون، وما يحس به المرء عند وجوده في تلك المنطقة يعود ذلك للطقس الملائم للحياة البشرية من جهة ووجود الغذاء النباتي والحيواني من جهة أخرى وكانت سواحلها والقريبة منها هدف الأقوام التجارية من هنود وعرب وبرتغاليين، وأهمها العرب الذين أقاموا وأسسوا في زنجبار دولتهم التي كانت واسعة الاتصال بين داخل القارة وخارجها وتسيطر على السواحل والموانئ الموجودة.‏

ـ في عام 1888 تم احتلال كينيا من قبل البريطانيين عن طريق الحصول من سلطان زنجبار في بادئ الأمر على مواقع على الساحل، ومنها انتشروا داخل القارة في المنطقة المعروفة حالياً بكينيا، وظل العرب يسيطرون على السواحل وعلى الموانئ وكانت جزءاً من الوطن العربي الكبير ثم أصبحت زنجبار محمية بريطانية 1890 ثم مستقلة عام 1963 ولكن في مساء كانون الثاني 1964 قضي على هذه الدولة العربية على يد المرتزقة وانضمت إلى تنزانيا وبذلك فقد العرب للمرة الثانية جزءاً من الوطن العربي الكبير وقد أصبحت كينيا محمية بريطانية عام 1920 ثم مستعمرة للتاج عام 1945 بعد أن ضمت إليها السواحل وبخاصة ميناء ممياسا.‏

استطاع البريطانيون مع الزمن توسيع مستعمرتهم الكينية حيث ضمت إليها بعض الأراضي الأثيوبية وذلك عند تحديد الحدود بين المنطقتين عام 1907، كما أن بريطانيا اقتطعت المناطق الشمالية الغربية من أوغندا عام 1926، وكانت قد ضمت إليها المنطقة الشمالية ذات الهوية الصومالية حيث تقاسمت المنطقة مع إيطاليا المستعمرة للصومال أو بريطانيا المستعمرة لكينيا. ولا يزال الصوماليون حتى الآن يطالبون بتلك الأراضي والتي يطلقون عليها الصومال الكيني في حين يطلق عليها الكينيون منطقة الحدود الشمالية ويرمز لها حالياً N.F.D.‏

ومع التغيرات الحدودية لصالح كينيا أو بالأحرى الاستعمار البريطاني انضمت ودخلت كينيا أراض وأقوام وقبائل أخرى بلغ عددها (70) مجموعة عرقية وفي الوقت ذاته ازداد عدد المسلمين والعرب والصوماليين وأصبحوا يشكلون 35% من السكان وازداد عددهم ليصل إلى ثمانية مليون مسلم.‏

وتدل الإحصاءات التي أجريت مراراً على أن الأفارقة يشكلون 92% من السكان والباقي من أصول عربية وهندية وأوربية، وعاصمة كينيا هي مدينة النيروبي، وتقع على ارتفاع (1600م) عن سطح البحر وعدد السكان يفوق المليون ونصف. وهي مدينة حديثة بأبنيتها العالية وفنادقها الفخمة وقربها من المراكز السياحية. وتعتبر مدينة (ممياسا) الميناء الرئيسي للبلاد وتقع على ساحل المحيط الهندي وعدد سكانها يفوق نصف مليون وفيها جالية عربية كبيرة.‏

تعيش القبائل البانتويه بشكل عام في وسط وغرب كينيا وتضم قبائل الكيكويو 20% وقبائل أخرى مثل: كيمبا 10% ثم الميرو والكيسي ولوهيا. فاندي وناندي وكالونجين 61%.‏

أما النيليون فيعيشون في المنطقة الشمالية وهم (اللو Luo) والتوركانا ثم النيني Nini.... أما الكوشيون الحاميون أي الصوماليون فيعيشون في الشمال. ويعيش العرب على السواحل وبخاصة مدينة (ممياسا) الميناء الرئيس. يدين أغلب السكان بالديانات الوطنية وقسم منهم اعتنق الديانة المسيحية عبر المبشرين، ويعتنق الصوماليون والعرب الديانة الإسلامية، ويتكلم السكان لهجات مختلفة لذلك اعتبرت اللغة السواحيلية لغة رسمية بجانب اللغة الإنكليزية أما العربية فهي لغة السوق.‏

3 ـ كينيا تحت نير الاستعمار البريطاني:‏

أولاً ـ حركة الاستيطان البريطاني في شرق افريقية وامتداداتها‏

كانت لدى الإنكليز آمال عريضة في السيطرة على شرق أفريقية وضمها إلى ما كان يعرف باتحاد روديسيا، ونياسالاند (ملاوي) وكانت (روديسيا) تضم ما يعرف حالياً بكل من زامبيا (روديسيا الجنوبية) وكذلك زيمبابوي (روديسيا الشمالية) وبذلك يعيدون ما قاموا به في أمريكا وأوستراليا ونيوزلندا باستيطان تلك المناطق والقضاء على السكان الأصليين، وهذا ما تحاول إسرائيل القيام به بالسيطرة على الأرض والقضاء على السكان حسب مخطط بن غوريون. ولكن بريطانيا لم تنجح في أي بلد من هذه البلدان. ففي كل مكان كانت هناك ثورات وأهم هذه الثورات ما حدث في كينيا والتي عرفت بثورة (الماوماو).‏

ثانياً ـ الاستيطان البريطاني في كينيا وثورة (الماوماو)‏

في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أدرك البريطانيون بعد سيطرتهم على كينيا سيطرة تامة (صلاحية المرتفعات والأراضي الكينية للاستيطان. وسجل روادهم الأمال العريضة، التي داعبت خيالهم في الفردوس الجديد، وفي كتاب استعمار أفريقية 1913 «...دون إجحاف بحق الأهالي ليس هناك ما يحول دون تخصيص نحو 30 ألف ميل مربع من شرق أفريقية لاستيطان البعض» وستتكون في هذه الأرض ـ بمرور الزمن ـ جالية عاملة قريبة من ثلاثة أو أربعة ملايين قد تبرهن على أنها عامل فعال في سياسة أفريقية الاستوائية» وكان يرى أن يحتفظ البيض بالمرتفعات وأن يحيا الآسيويون (هنود وغيرهم) في الأرض القريبة من الشاطئ. وفي الأجزاء الشمالية حيث الحرارة أشد والجو لا يلائم الاستيطان الأوربي!!وقد تحدث غيره عن الفوائد التي تجنى من وجود الأوربيين مثل الاستعماري اللورد (لوجارد) 1893 والدكتور «نورمان ليز» 1929. وأما حكومة المستعمرة فكان لديها الفكرة بأنه لا يمكن الاستفادة من الأراضي من الناحية الاقتصادية إلا بتوطين أوربيين لديهم رؤوس أموال وهؤلاء لا يمكن جلبهم إلا إذا أعطيت لهم مساحات كبيرة من الأرض. والواقع أن مثل هذه الأموال لو قدمت للسكان المحليين لاستطاعوا زراعة الأرض بأفضل من الأوربي الذي لم يعتد على هذه الأنواع من الزراعة. وهذا ما ذكره الملك عبد العزيز آل سعود لروزفلت خلال مقابلتهم المشهورة في البحيرات المرة وعلى ظهر طراد أمريكي يقف في تلك البحيرات الواقعة في مصر عندما ذكر روزفلت بعد عودته من مالطا أن اليهود قد نهضوا بفلسطين. وزرعوها بشكل جيد وكان جواب الملك لو أعطيت هذه الأموال للفلسطينيين لنهضوا بها بأفضل من اليهود.‏

بعد (لو جارد) يأتي كمفوض سام عام 1905 (سير تشارلز اليوت) وهو الذي كان يقول إن داخلية المستعمرة هي أرض الرجل الأبيض. يجب أن تكون مصلحة الرجل الأبيض هي العليا. إن الهدف الرئيسي لتشريعاتنا ينبغي أن توجه نحو خلق مستعمرة بيضاء. ويؤكد أحدهم هو الدكتور (نورمان ليز) 1929، صورة نابضة بالحياة عن الاستيلاء على الأرض وانتزاعها من الأفريقيين.‏

ـ كانت الأرض التي فكر بها كل هؤلاء المستعمرين هي ما يعرف بـ(المرتفعات البيضاء). ذات المناخ المعتدل والأرض الطيبة الخصبة وكان الشرط الرئيسي لأصحاب الأموال في الاستثمار هو أن تكون الحكومة قادرة على إقناع الأفريقيين بالعمل في مزارع الأوربيين والمستوطنين وللتشجيع على الاستثمار أنشأت الحكومة البريطانية سكة حديد بين كينيا وأوغندة فتحت بها الطريق أمام الاستيطان الجديد. وتنظيم تيار مستمر من الهجرة الأوربية. وقد جاء أفراد يختلفون في درجة الغنى من بريطانيا، وجنوب أفريقية، وأخذوا يتنقلون بين أجزاء كينيا. ويحددون المناطق المناسبة التي يرغبون بالاستيلاء عليها، ثم تبدأ المفاوضات مع الحكومة. لإتمام ذلك مع هدر حقوق الأهالي. وكانت حكومة المستعمرة تساعدهم في كل شيء، وسرعان ما سيطروا على جهاز الحكم في المستعمرة لذلك تسربت الأرض بسرعة لأيديهم، رغم تعرض هذه الأعمال لانتقادات شتى «بأي حق تقوم حكومة أوربية لها حقوق وعليها واجبات حيال المواطنين بادعاء ملكية الأرض ثم التصرف بها بأثمان زهيدة وتافهة تقدمها للأصدقاء والمستوطنين البريطانيين وأسوأ من ذلك أن الملاك الجدد (المستعمرون) كانوا ينتظرون من الأفارقة القيام بالعمل الزراعي. فيما يكتفي المستعمرون إما بالإشراف أو متابعة حياتهم في بريطانيا» وحسب قول أحدهم وهو سير تشارلز دندسي 1955 في كتابه (إفريقية على مفترق الطرق «إن عدداً غير قليل من الأوربيين، جاء إلى كينيا وأقصى همه أن يتمتع بحياة أفضل ليتحرر معها من ماضيه السابق».‏

مع الزمن أخذ المستوطنون في الزيادة المضطردة وقد وصل عددهم في بداية القرن العشرين إلى (600) فرد متناثرين في أرجاء كينيا. وفي عام 1902 كان هناك مشروع يرمي إلى منح جزء من الأرض (المرتفعات) لتكون وطناً لليهود المطرودين من روسيا، ورومانيا... إلخ ولكن اليهود كما يقول أحد المؤرخين البريطانيين رفضوا هذا العرض بغباء. ومن ناحية أخرى لقي مثل هذا المشروع معارضة من المستوطنين الأوربيين، رغم قلة عددهم. وما كادت حرب جنوب أفريقية بين البوير والمستوطنين الإنكليز حتى انتقل إلى كينيا قسم من البوير (من الأصول الهولندية) وعددهم يتراوح بين 600 ـ 700 إنسان ومعهم زوجاتهم وأولادهم. وعلى هذا يمكن اعتبار 1903 بداية الاستعمار الأبيض المنظم للمرتفعات البيضاء لكينيا حيث أخذت جموع المغامرين والمهاجرين تفد من جنوب أفريقية. وأصبح عدد المستوطنين أكثر من (ألفين) عام 1910 وارتفع إلى ما يقرب (سبعة آلاف عام 1920 ليصل إلى سبعة عشر ألف عام 1930) وفي الستينيات وصل العدد إلى أكثر من مئة ألف خلال الستينيات من القرن العشرين.‏

ـ ومع الهجرة الأوربية (والبوير) حدثت هجرة أخرى إلى كينيا قادمة من الهند وباكستان ووصل عددهم إلى أكثر من 150 ألف وقد شكل هؤلاء الطبقة الثانية في المجتمع الكيني بعد الإنكليز وكانوا يسيطرون على التجارة بشكل عام وكانت لا تزال شوارع ضخمة إن كان في كينيا وأوغنده وزامبيا... إلخ وحتى في جنوب أفريقية مملوكة للهنود وأكثرهم من الهندوس. وجماعة آغا خان وتعتبر نيروبي بالنسبة لهؤلاء المدينة الرئيسية لهم.‏

حتى عام 1960 كانت الأرض المحتلة من قبل الأوربيين قد وصلت إلى 16 ألف ميل. في الوقت الذي تكدس ملايين الأفريقيين في معازل خصصت للسكان، وصلت الكثافة فيها إلى 400 شخص في الميل المربع حيث خصصت كل قبيلة بمعزل لا يتناسب مع عددها، بالإضافة إلى فرض الضرائب الباهظة على الأفارقة مما جعل كثيراً منهم يهجرون المعازل للعمل لدى المستوطنين رغم الأجور الزهيدة. كما وضعت شروطاً لترك المعزل أو الانتقال من معزل إلى معزل ويكون ذلك عادة بتضرع مع وضع الحواجز لمنع الاتصال ويطلق عليه (كيباندى) وربما نقلت إسرائيل نظام المعازل وإقامة الحواجز والالتزام بالتصاريح أو بالأحرى، جوازات المرور من الاستعمار البريطاني في كينيا.‏

كانت أول مقاومة للأفارقة على الاستيطان الأوربي هو الاحتجاج على (الكيباندي) واعتبر إشارة للعبودية المفروضة على السكان.‏

وفي أواخر العقد الثاني من القرن الماضي أي بعد عشرين عاماً من الاستيطان كانت معظم الأراضي الصالحة للزراعة، أصبحت تحت سيطرة المستوطنين (كما يحدث الآن في فلسطين المحتلة). وقد اقتبس نظام الكيباندي في ذلك الوقت من جنوب أفريقية، وروديسيا (زيمبابوي حالياً) والتي لا تزال فيها مشكلة المستوطنين الأوربيين تؤرقها.‏

ـ وقد اشتد قلق الأفارقة من هذا الأمر عندما كانوا يرون أراضيهم تنتقل إلى أناس لا علاقة لهم في تلك البلاد. وفي الوقت ذاته شعرت الحكومة البريطانية في لندن، بالقلق الذي أخذ يجتاح المواطنين، أصحاب الأرض لذلك، وكالعادة البريطانية وكل مستعمر إعطاء البلاد أو بالأحرى تقديم أنواع من المسكنات التي لا تقدم ولا تؤخر ـ كما هو الحال في مسكنات إسرائيل للفلسطينيين ـ منها الرسمية ومنها غير الرسمية من قبل المسؤولين في لندن، وبخاصة وزارة المستعمرات التي أعلنت أن كينيا «منطقة أفريقية أساساً»، وترى حكومة صاحب الجلالة أن تقدم رأيها بعد ترو، وتقول: «يجب أن تكون مصالح الأفريقيين في الصدارة (كذا) ولذلك لجأت لتمييع هذه الكلمات (كما هو الحال مع إسرائيل) إلى اللجان التي انهمرت على كينيا على أساس دراسة الأوضاع وتقديم الحلول. «وقد لجأت بريطانيا في يوم ما بعد وعد بلفور إلى فكرة اللجان التي كانت وبالاً على الفلسطينيين». وهنا أيضاً كانت هذه اللجان وبالاً على الأفارقة: لجنة شرق أفريقية 1924 ـ 1925. لجنة كارتر ولجنة داد إلى آخره... وكلها لم تقدم حسب ما يذكره المؤرخون وما هو معروف سلفاً سوى الفتات والتي تزامنت مع ازدياد تملك الأرض من المستوطنين وبالرغم من وجود بعض الآمال التي تعود لتلك المقترحات إلا أن الحاكم البريطاني ظل هو صاحب القرار وهو المسيطر في استبعاد أي أرض من المعازل الأفريقية ما دام ذلك يكون في سبيل المصلحة العامة، وقد تم تكوين تسع وحدات من الأرض لتسكنها القبائل الأفريقية الرئيسية في كينيا ولكنها أرفقت ذلك بقانون يعطيها حق الحرمان من الأرض لكل من تثبت عليه صفة الخيانة أو الثورة.‏

وعلى كل حال فكل ما كانت تقوم به الحكومة المستعمرة من قرارات وقوانين كانت في الواقع لصالح المستوطنين الأوربيين ـ بالإضافة إلى أنها كانت تعمل وتخطط لإقامة إمبراطورية شرق أفريقية، تضم كل الدول التي كانت تحت السيطرة البريطانية كتنزانيا وموي (نياسالاند). وزيمبابوي (روديسيا الشمالية) وزامبيا (روديسيا الجنوبية) وكان يعرف باتحاد (روديسيا ونياسالاند) يكون فيه الأوربي السيد والأفريقي هو العامل، ولا تزال زيمبابوري (روديسيا الشمالية) تعاني من مشكلة المستوطنين المسيطرين على زراعة التبغ بخاصة.‏

خلال هذه الفترة الطويلة، ومع الضغط من جهة، وطرد المواطنين أصحاب الأرض أخذت تتصاعد المقاومة. وبينما كانت اللجان تتابع كانت القوات البريطانية تقوم بحملة واسعة ضد المواطنين وتهاجم الآمنين، وتعتقل الزعماء وتحاكمهم كما سيمر معنى وبخاصة جومو كينياتا وترهب الشعب الأعزل مما أدى إلى فرار عدد كبير من الأفارقة من المعازل إلى الغابات يحتمون بأشجارها ومرتفعاتها للاختفاء بها من بطش الحكومة ومع الضغط بدأت المقاومة والدفاع ومجابهة الحكومة الاستعمارية بما لديهم من أسلحة محلية، وربما بعض الأسلحة النارية وشهدت «كينيا» حرباً دموية غير متكافئة عرفها العالم باسم حركة (المادماد)، ولا يعرف من أطلق عليها هذا الاسم الذي قال عنه جومو كينياتا بأنه لا وجود له وحتى أنه لم يكن يقول عنها ثورة بل إنها قتال للدفاع عن النفس وهناك أقوال كثيرة ارتبطت بالتسمية وبخاصة بالحرفين A – U من KAU يعني Kenya وبعضهم يقول عنها إن الاسم هو القسم لدى شعب الكيكويو الذي ينتمي إليه جومو كينياتا.‏

4 ـ المقاومة الكينية وظهور جومو كينياتا ومراحل حياته:‏

ترتبط حياة جومو كينياتا أوثق الارتباط بقضية الاستقلال الذي كان يسعى الشعب الكيني وبخاصة (الكيكويو) والشعوب المتحالفة معه والتي تأثرت أكثر من غيرها بقضية الاستيطان الأوربي فعندما كان طفلاً واسمه الحقيقي «كامو وانجينجي» شاهد الأرض الغنية والطيبة التي عاش عليها آباؤه وأجداده. يغتصبها الغرباء الذين جاؤوا من وراء البحار أو زحفوا عليها من جنوب أفريقية ولذلك أصبح في شبابه وكهولته اللسان المدافع عن قومه، وحقهم في الحياة وعمل في كل مكان حل فيه في أفريقية نفسها وفي أوربة وفي المحافل الدولية والمجتمعات العامة والمؤتمرات، وأمام لجان التحقيق وقضى أياماً صعبة في المعتقلات والمنافي.‏

أولاً ـ المرحلة الأولى من حياة جومو كينياتا ـ الدراسة ـ ظهور كتاب تحت سفح جبل كينيا وما يحمله من آراء:‏

يقول «جوزيف كي زيريو» في كتابه تاريخ أفريقية السوداء أن كينيا، استغرقت خمسة عشر عاماً، للتعرف على زعيم أفريقي لها، ومع ذلك فإن جومو كينياتا الذي لا يعرف تاريخ مولده كان هناك عام 1947 وهو من قبيلة الكيكويو أكبر القبائل الكينية وأشدها صلابة. نشأ في قرية صغيرة اسمها «كيكويو» جنوب جبل كينيا بإطلالته الجميلة بغاباته الكثيفة. وفي سن العاشرة التحق بإرسالية الكنيسة الاسكوتلندية في بلده المذكور، وبعد تعميده سمي (جونستون) وعمل في طفولته المبكرة مساعداً في مطبخ أحد أطباء الإرسالية، وتدرب في قسم التجارة، التي أنشأتها الإرسالية. وكان فيه ذكاء فطري دفعه للقراءة، وكان يقرأ كل ما يقع في يده، ولما اشتد عوده عمل مفتشاً في إدارة مياه مدينة (نيروبي)، وانضم إلى جمعية شرق أفريقية، عندما أنشأها (هنري توكو) عام 1922 وكانت هذه الجمعية أول تنظيم سياسي قبلي أنشأه رجال (الكيكويو)، وسرعان ما أصدرت الحكومة أمراً بحلها.. وفي عام 1929 تكوّن تنظيم جديد باسم جمعية الكيكويو المركزية وكان أميناً عاماً لها وأصبح محرر جريدتها (مويجثانيا). ومنذ ذلك الوقت ظهرت قوته الشخصية، ولم تكن ثقافته مقتصرة على ما يقرأ من كتب، وإنما استطاع أن يعي الكثير من تراث قبيلته وتراثها تتناقلها ـ كالعادة في أفريقية ـ الأجيال شفاها وبالممارسة دون كتابة. وحياة الفرد عند الكيكويو كما هي عند كثير، أو بالأحرى أغلب القبائل الأفريقية. مقسمة إلى مراحل وعند الانتقال من مرحلة إلى مرحلة. تعقد القبيلة مباريات يتنافس فيها الأفراد وينتخب من هؤلاء القادة. وهذه الطريقة تلجأ إليها كل القبائل الأفريقية قبل الاستعمار ومنها بعض القبائل التي تستخدم قضية (الختان) لمجموعة من الفتيان ذوي الأعمار المتقاربة ويصبح هؤلاء بعد الختان أخوة ينسى الفرد منهم أهله ويصبح مع الزمن أحد شخصيات القرية أو القبيلة الذي يدلي برأيه كان والد كينياتا من أصحاب الأراضي بين الكيكويو. ولما كان كينياتا أكبر أولاده فقد عني بتعليمه وتدريسه تراث قومه في حيازة الأرض وتقديسهم لها.. وقد شهد كثيراً من مشكلاتها العامة والخاصة، وعند تسلمه تحرير الجريدة قام بجولات واسعة في أرض قبيلته ودرس مشكلاتها، كما كان له حضور في مجالس كبار القوم «الحكماء» وتمرس في طرقهم لمعالجة المشكلات. حتى السحر أخذ منه كينياتا بطرف منه فقد كان جده ساحراً. وكثيراً ما كان يصحبه وهو صغير ليحمل حقيبة أدوات السحر وأتاحت له حياته في منطقة الكيكويو الوسطى ولها شهرتها في فنون السحر أن يزداد خبرة بهذا النوع من العمل.‏

في عام 1929 أرسلته جمعية (الكيكويو) المركزية إلى لندن ليشرح قضية قومه هناك أمام المسؤولين البريطانيين. وفي لندن اتصل بالغابيين) وغير اسمه إلى (جومو) ومعناها بلغة (الكيكويو) الرمح الملتهب أو اللامع.‏

تتلمذ (كينياتا) في جامعة لندن على الدكتور (مالينوفسكي) أستاذ (الأنثروبولوجيا) وتحت إشرافه أعد كتابه المشهور تحت سطح جبل كينيا Facing Mount Kenya. وأهدى كتابه إلى موجو Moigoi وأمبو Wamboi ويقول: إني أهدي هذا الكتاب إلى هؤلاء إلى الشباب الأفريقي كله المحروم لتخليد المشاركة الروحية مع أرواح الأسلاف من خلال الكفاح في سبيل حرية أفريقية. وإني واثق ثقة لا تتزعزع بأن الجميع سيجدون، أمواتاً وأحياءً ومن سيولدون فيما بعد... وكتب الأستاذ المذكور أعلاه مقدمة الكتاب جاء فيها أنه من الكتب التي يمكن اعتبارها بحق ـ إضاءات بناءه أصيلة للأنثوجرافيا الأفريقية كباحث من أصل أفريقي نقي. وأعيد طبعه عام 1953 ويقول الدكتور عبد العزيز كامل في كتابه «قضية كينيا» الصادر عام 1961 «عندما ظهر الكتاب أول مرة كتب الباحث الإنكليزي (دكتور لبكي) عن كينياتا، وزملائه من شباب الكيكويو» «إن هذا النفر من الشباب (الكيكويو)، يعتبرون أنفسهم، أصحاب رسالة ونفوسهم تشتعل برغبة عارمة ليأخذوا بأيادي قومهم ويصححوا الأخطاء التي تحيا فيها كينيا».‏

ويقول الدكتور (فوتيه) في نفس المعنى في كتابه أفريقية للأفريقيين عام 1978. كان ينبغي علينا أن نتوقع دون شك في قارة يمثل فيها المثقفون أقلية ضئيلة أن يكون الكتاب والباحثون من رجال السياسية، ولذا كان من بين أخصائي علم أصول السلالات البشرية (جومو كينياتا أول رئيس لحكومة كينيا وكان هناك آخرون مثل (كوفي بيزيا) و(ج.ب دفكا) زعيمي المعارضة في غانا، و(اكينوم) عضو الاتحاد الفرنسي. وهازوما المستشار السابق للاتحاد الفرنسي و(بويوهاما) رئيس المجلس الوطني في النيجر و(مبولو لوجيك) الوزير السابق في نيجيريا الشرقية وكذا (مابيكا كالاند) وزير خارجية الكونغو السابق من رجال الاقتصاد، (دأما دوديا) رئيس مجلس الوزراء السابق في السنغال و(ابدو لاي لي) (أي عبد الله) مؤسس حزب التجمع الأفريقي في السنغال أيضاً وكان وزيراً للخارجية. ومن بين القصصيين، والروائيين، ورجال المسرح في ذلك الوقت «برنارد» وزير الإعلام في ساحل الذهب (بنين) حالياً، والشيخ (حميدو كان) وزير سابق في السنغال ونجد من بين الشعراء الرئيس سنغور رئيس جمهورية السنغال... إلخ.‏

لا شك أن (جومو كينياتا) يظل الشخصية الفذة بلا منازع بين علماء السلالات البشرية وظل كذلك حتى تعطل عمله السياسي عام 1953. حين صدر عليه الحكم بالسجن سبع سنوات لأنهم ـ أي الإنكليز ـ اعتبروه المسؤول عن حركة الماو الماو بالرغم من دفعه لهذا الاتهام وقد أطلق سراحه عام 1961 ليتبوأ في الحال مركزاً مرموقاً في حياة جمهورية كينيا السياسية.‏

وفي كتابه تحت سفح جبل كينيا شرح أفكاره وعقائده وما يفكر فيه من الناحية السياسية والاجتماعية، ومما يلفت النظر في ذلك الكتاب العاطفة الصادقة التي بذلها المؤلف في دفاعه عن ترابط الحياة الاجتماعية والأنظمة السياسية في قبيلته التي يمكن اعتبارها في الواقع إحدى القبائل القوية والذكية وتقبلها للحضارة بسرعة استناداً لما كان لديها من مقومات وعادات شرحها جومو كينياتا بشكل جيد وأهم هذه القضايا هي:‏

1 ـ قضية ختان الفتيات.‏

2 ـ تعدد الزوجات.‏

3 ـ مشكلة الأرض.‏

4 ـ النظم السياسية والدينية.‏

5 ـ محبة الأرض.‏

6 ـ عدم استخدام العنف بعكس ما كان يشاع منه.‏

ـ وبالرغم من النزعة الحضارية التي كان يسعى إليها كينياتا إلا أنه كان لا يخفى حرصه على التقاليد التي درجت عليها قبيلته والتي يراها أمراً لا جدال فيه وعلى رأس هذه التقاليد كانت مشكلة ختان الفتيات، وهي التي لا تزال موضع نقاش في مصر والسودان. وكان من المدافعين عن هذه العادة وانتقد بشكل ظاهر، وانتقد في ذلك الوقت ما يعتبره حكماً جائراً وهو الذي أعلنته السلطات الطبية في المستعمرة بمنع ختان الفتيات ويقول (كينيا): من المهم أن نفهم الأهمية الضخمة لهذه العملية في رد الفعل النفساني لدى القبيلة التي تعتبر هذه العادة أو الوضع له اعتبارات تربوية وأخلاقية ودينية ويعود يستحيل على أي عضو في القبيلة أن يتخيل احتفالاً بقبول الفتاة دون عملية ختان، وبالنسبة لأفراد قبيلة الكيكويو فإن إلغاء هذه العملية معناه إلغاء للنظام الموضوعي والتقليدي. وهو بالرغم من أنه لا يهمل المظهر الطبي لهذه العملية والذي هو مثار للجدل وبخاصة تشويه جزء من الجسد، ولكنه يعرض بالتفصيل الوسائل المستخدمة في هذا الشأن... ونظام الطعام المناسب والحمام البارد، وأنواع الأعشاب الطبية المستخدمة كأدوية لتجنب تعفن الجرح، ولتخفيف الآلام، ويرفض فكرة أن الختان يسبب تعسر الولادة أو أنه سبب في كثرة الوفيات عند وضع المولود الأول وذلك بسبب الجروح التي تتركها هذه العملية (الختان)، ويؤكد أنها حالات شاذة ولكنها تستلفت الأنظار لشذوذها، ولأنها عولجت في مستشفيات المستعمرة التي يديرها الأوربيون، في حين يؤكد أن هناك مئات من المواليد الأوائل «لنساء كيكوبو» لا يزالوا على قيد الحياة ويتمتعون بصحة جيدة «والكاتب يقصد جوموا كينياتا نفسه».‏

عالج كينياتا أيضاً مشكلة تعدد الزوجات ويعود ذلك كما يقول هو إعطاء الأمهات الشابات الفرصة لتربية الطفل بشكل جيد بإعفائهم خلال فترة الرضاعة الطويلة المدى التي تفرضها التقاليد. والواقع أن للمرأة في المجتمعات الأفريقية دوراً كبيراً في العمل، فهي التي تزرع وهي التي تحصد، وهي التي تبني البيوت وتعتني بصلاحيتها خلال الأمطار، وهناك من تعمل بالأجرة لدى زوجها أو أن تكون المسؤولة عن مصروفات البيت، وحتى الزواج كأن يفرض على الزوج أن يعمل لدى والد الفتاة كمهر للزواج.‏

ـ أما الأرض فالقسم بالأرض (كيورجو) أعظم ما يقسم به الفرد من الكيكويو. لذلك لم تكن الأرض متروكة فكان هناك نظام قوي قبل وصول الأروبيين.ويعدد كينياتا في كتابه أنواعاً متعددة من حيازة الأرض. و كان مالك الأرض يسمى (الجيتاكا) وهو الذي يحصل عليها بالشراء أو الوراثة أو حقوق العين و(الموراماتي) هو الوصي الذي يزرع الأرض باسم الصغار حتى يبلغوا أشدهم وأما (الموهوي) فهو الذي له حق في الزراعة في أرض أحد (الجيتاكا).‏

ـ لذلك كما يقول «عندما اغتصب الأوربي أي (سرق الأرض) من أصحابها فإنه حرمهم من مصدر رزقهم واختلس منهم الرمز المادي الذي يربط العائلة بالقبيلة ولذلك بفعلته هذه يهدم الأسس الاجتماعية، والأخلاقية، والاقتصادية في حياة الأفريقيين يفعل كل هذا مدعياً في سفسطة، أنه يعمل ذلك لصالح الأفريقيين، وأنه يسعى لنشر المدنية بينهم ويعلمهم كيف يعملون في نظام، وانتظام، وأنه يريد أن يستفيدوا من التقدم الأوربي في حين أن هذا الأوربي يصب الإهانة على الأفريقيين تحت شعار المنفعة ويدعي أنه لا ينبغي السيطرة على أحد. وفي الحقيقة أنه لا يقوم بعمله هذا إلا لمنفعته الخاصة».‏

ـ في الواقع أن كينياتا عبر في كتابه عن كل ما يتعلق بالنواحي الاجتماعية والسياسية والإنسانية والدينية وكان زاخراً بالوطنية التي يتمسك بها.‏

ـ يقول من الناحية الدينية أن قبائل الكيكوبو تؤمن (بإله) واحد وهو (نجاي) خالق كل شيء أما من الناحية السياسية فيذكر أن السلطة كان يمارسها أول «طاغ» يدعى «جيوكيو» مؤسس القبيلة، ثم قام الشعب بثورة عارمة، أرسى فيها نظام الحكم الديموقراطي ووضع الثوار السلطة من خلال دستور، لطبقة من الناس معينة لمدة (30 ـ 40) عاماً.‏

ـ مثل هذا النقطة كان منتشراً في الحقيقة بين القبائل الأفريقية ويقتضي إحلال جيل حاكم محل جيل سابق حاكم ولكل قبيلة أسلوبها الخاص بإحلال الجيل القادم والسياسة والشعارات التي كان سيضعها الجيل القادم والمفروض أن يكون الجيل القادم متقارب في العمر وكانت بعض القبائل تستخدم الختان للأولاد من الجيل الواحد والأعمار المتقاربة، لأنه بعد الختان يجمع هؤلاء في معسكرات لتربيتهم وإبعادهم عن تأثير آبائهم وقبائلهم (عائلاتهم) فالواحد منهم يصبح أخ للذي ختن معه. ثم يربونه تربية قوية ليستطيع مع الزمن الحلول محل الجيل القديم الذي يتنازل بمحض إرادته عن السلطة للقادمين الشباب الجدد، ويمكن أن تدوم بعض المراحل لأكثر من عشر سنوات بدورات متلاحقة حساب نظام القبيلة.‏

ـ وهنا ينتقد كينياتا السلطة البريطانية لاختيارها للرؤساء المحليين وهذا يعني العودة للاستيراد وهناك أفريقي آخر من رفقاء كينياتا يؤكد على ذلك حسب قول (كلود فوتيه) وفي كتاب أفريقية للأفريقيين واسمه (بارميناس جينيزو مكرى) في كتابه أفريقي يخاطب مواطنيه «أن بلاد الكيكويو كانت تنعم بنظام ديموقراطي لعدة قرون قبل أن تسقط تحت سيطرة الاستعمار الأوربي». وهناك آخر وهو (سيلان آسيان) يذكر في كتابه: جمهورية أفريقية في القرن التاسع عشر وهي جمهورية (ليبو) التي ظهرت في شبه جزيرة الرأس على الساحل الغربي للقارة الأفريقية. وقد تأسست هذه الجمهورية عام 1795 نتيجة ثورة قام بها صيادوا الأسماك من شعب «ليبو» في شبه جزيرة الرأس الأخضر منذ الملك «داحل» ملك (كايور) ثم سقطت هذه الجمهورية عام 1857 نتيجة لحمله القبطان البحري الفرنسي (بروتيه) عند بدء الاحتلال الفرنسي لداكار وكان لديها مجلس نيابي مؤلف من نواب وشيوخ، والمؤلف يعبر عن كذب الأوربيين في حملتهم لاحتلال أفريقية فقد قضوا على كل مظاهر الديموقراطية الأفريقية ومن المفارقات أن جزيرة الرأس الأخضر أصبحت مأوى للعبيد الذين كان البرتغاليون وغيرهم ينقلون منها العبيد (الأرقاء) إلى أمريكا.‏

لا شك أن الديموقراطية الأفريقية كان مسرفة في ديموقراطيتها حسب قول (كلود فوتيه) حتى كان النظام يتعطل بسبب هذه الديموقراطية، فالشعب هو أساس كل سلطة وتكون بطريقة منتظمة وبالرغم من أن الكثير من المراقبين الأوربيين والأمريكيين يعتقدون أن السلطة يجب أن تكون في يد الرئيس وحده (رئيس الدولة) والواقع أن الديموقراطية الأفريقية كانت فضفاضة ومسرفة في الديموقراطية مما أضر بالشعب فتنفيذ أي مشروع من المشاريع كان يتطلب موافقة العشيرة أو القبيلة كلها. وكان لدي مثال على ذلك ما كانت عليه الديموقراطية الصومالية إلا أنها كانت في النتائج أفضل من ديكتاتورية (سيادبري) الذي قاد بلاده للخراب.‏

ـ بالنسبة لكينياتا فإنه لا يحبذ وجود الأحزاب وبخاصة في مرحلة النضال ضد الاستعمار وظل على رأيه حتى بعد الاستقلال وبحسب ما ذكره كلود فوتيه عن هذا الموضوع أنه كان لا يريد تشتت قوى الشعب كما أن الحزب الواحد حسب رأيه لا غنى عنه بعد الاستقلال لأنه أهم عامل في تضامن الأمة الجديدة، كما أنه لم يكن في وقت من الأوقات محباً للمبشرين.‏

ثانياً ـ الصفات الشخصية لجومو كينياتا:‏

هناك اعتقاد قوي، بالقوة التي يتمتع بها كينياتا والشخصية التي كان يمتلكها وقد وصفه مؤلف كتاب (تاريخ أفريقية السوداء) المؤرخ «جوزيف ـ كي زيرتو» يشعر الإنسان أمام جومو كينياتا، أنه أمام قوة من قوى الطبيعة، فهو يتمتع بقامة مديدة وسحنة كأنها قدت من خشب الأبنوس، تتألق فيها عينان كبيرتان، أما يداه فضخمتان وكأنهما خلقتا لإنجاز عمل ضخم، ويشعر بضخامتهم كل من يصافحه، ومع أنه كان شديد الارتباط بالتقاليد، بحمله «منشه» مصنوعة من ذنب حيوان بري، واعتماره قلنسوة من قلانس الكيكويو، فإنه كان يحسن أن يتصرف على الطريقة الغربية ـ وكان صوته الغليظ الهادئ، الذي ينساب كجدول على أرض حصباء يشربه صفاء ممزوج برنة حزم، لا يزعزعه التردد وكان يتنقل خلال حكمه من مكان إلى آخر ونجاحه عند توجهه لمكان عمله وكأنه في مهرجان يقف دائماً بسيارته يحيي الجماهير وحوله جمع من المرافقين وغيرهم.‏

كما أن أحد حكام كينيا وهو (سير فيليب ميتشل) قال عنه «إن له نظرات هي أعمق وأشدّ النظرات التي رأيتها في حياتي نفوذاً وسيطرة» وكان الإنكليز يؤمنون بالرغم من تقدم سنه بعد سجنه الطويل أنه قادر في كل وقت على جمع الأفارقة تحت قيادته ومحاربة الاستعمار، فله من قوة الشخصية ما يجعله محوراً خطراً. سرعان ما يلتف حوله مواطنوه، وبالرغم من مساوئ الاستعمار واتهامه الدائم بالتعاون مع حركة (الماو ماو) إلا أنه كان لا يحب اللجوء إلى السلاح أو الثورة ضد الاستعمار بل كان يريد الاستقلال عن طريق الحوار.‏

ـ المرحلة الثاني والطريق إلى الاستقلال ورئاسة الجمهورية:‏

في عام 1921 كونت مجموعة من شباب الكيكويو من بينهم كينياتا و(هنري توكد) أول منظمة سياسية أفريقية في كينيا، وحمل هذا التنظيم اسم (جمعية شرق أفريقية) للدفاع عن حقوق المزارعين الأحرار الملاكين ومقاومة نظام (الكيباندي). واحتجت على إبعاد الأفريقيين عن الأراضي الزراعية المعروفة باسم (المرتفعات البيضاء) وذلك لإفساح المجال للمستوطنين والمستعمرين الجدد وهم الضباط الذين اشتركوا في الحرب العالمية الأولى وبتشجيع حكومة المستعمرة، للاستيطان في كينيا لزيادة عدد المستوطنين، ولكن بعد عام أوقفت حكومة المستعمرة الجمعية المذكورة وذلك في آذار 1922 واعتقل (هنري توكو) وسجن رغم المظاهرات التي جرت لإخراجه. ولكن الحكومة البريطانية وبعد عدة سنوات ومن أجل مناقشة القضية الكينية سمحت بتكوين جمعية الكيكويو المركزية عام 1928 ولتستطيع الجمعية عرض مطالبها على اللجان التي بدأت تتدفق على كينيا لدراسة الأمور وكسب أنصار لها من بين نواب حزب العمال البريطاني.‏

وعلى هذا الأساس قدم كينياتا باسم شعب الكيكويو مذكرة إلى الحكومة البريطانية طلب فيها إعادة الأرض المصادرة وزيادة الأرض التي تعطى للجمعية (أي شعب الكيكويو) بالإضافة إلى المحافظة على نقطة (الجيتاكا) داخل المعازل مع توفير ملكيات خاصة للنساء والأسر ورعاية تعديل المساحة مع تغيير عدد أفراد الأسرة... إلخ وقد أرسلت الجمعية جومو كينياتا إلى بريطانيا في العام التالي إلى لندن لعرض قضية بلاده هناك وبخاصة التصريح بشراء الأرض من الأوربيين والهنود، ولكن الحكومة البريطانية مقابل ذلك اشتدت في محاربة الجمعية وطالبت كبار رجال قبيلة الكيكويو بمعاونتها بالأمر، ورغم كل الوعود التي لم تتحقق ظلت حكومة المستعمرة تحابي الأوربيين ومما يذكر أنها أصدرت قراراً بتحريم أناشيد ورقصات وحفلات الجمعية وقد اتبع الكينيون في أناشيدهم الأسلوب البريطاني وبخاصة التحيات للملكة فأبعدوا كلمة الملكة ووضعوا اسم كينياتا مكانه.‏

انتهزت الحكومة البريطانية الحرب العالمية الثانية 1939 وقامت بحل جمعية الكيكويو المركزية عام 1940 بحجة النشاط الهدام والاتصال بالإيطاليين، ولكن الوضع تغير مع مجي الحرب العالمية الثانية واحتاج فيها الإنكليز للسكان الأفريقيين في مختلف أنحاء القارة. وعندما عاد المحاربون الذين اكتسبوا كثيراً من التجارب واتسعت آفاقهم ومعرفتهم وزادت خبرتهم برزت من بين الجموع الساخطة زعامات قوية.‏

ظل كينياتا في لندن مدة (17) عاماً في نضال عظيم واتصال غير مفيد مع المسؤولين البريطانيين وشرح أفكاره ومطالبته مراراً وتكراراً رغم اعتراف الجميع بعدالة قضيته وبخاصة كما ذكرنا عند حضوره عام 1945 مؤتمر الوحدة الأفريقية في (منشستر) وتأييد المؤتمر بكل قوته كفاح كينيا لنيل حرياتها الأربعة بالطرق السلمية، ثم عاد (جومو كينياتا) إلى بلاده بعد هذه المدة الطويلة قضاها في بريطانيا ليتصل بالاتحاد الكيني الأفريقي مباشرة منذ وصوله.‏

عندما عاد كينياتا إلى بلاده عن طريق ميناء ممياسا ورغم ذلك كان في استقباله الآلاف من قومه، وقد نظر إلى وجوه الرجال المتطلعة لما يأتي به زعيمها الغائب، قال موجهاً بأسى لهذه الجموع معلناً أنه لم يحضر معه من أوربة شيئاً بعد غياب سبعة عشر عاماً:«وكل ما جئت به هو الصدق في المطالبة بحقوقنا، وعندما أدعوا الأوربيين الذين يقاومون حقوق الأفريقيين إلى هذا الصدق، ستصيبنا عداوتهم, وسيشنون علينا حرباً على هذا الصدق، تصيب كل الذين يتصلون باتحاد كينيا الأفريقي».‏

وفي الأول من حزيران 1947، عقد الاتحاد الذي تأسس عام 1944 مؤتمره الأول في نيروبي، وبما أن فكرته إيجاد جبهة قومية متحدة، لذلك شملت الدعوة كل القبائل الكينية. ووضع الاتحاد برنامجاً شاملاً لكل الجوانب: سياسية ـ اقتصادية ـ حكم ذاتي للأفريقيين ـ مطالباً زيادة عدد الممثلين الأفارقة المحليين في المجلسين التشريعي والتنفيذي، وهو الذي أقامته حكومة المستعمر. وطالب بإيقاف تملك الأرض وإعطائها للأوربيين، وجعل تعليم الأفارقة إجبارياً. وإلغاء (الكيباندي) وهي التراخيص التي تعطي للمرور من معزل إلى معزل وغيرها..‏

وصل عدد أعضاء الاتحاد عام 1950 إلى أكثر من مائة ألف وانتشروا داخل كينيا جميعها وكان أول عمل قام به هو جمع مليون توقيع تلتمس فيه الجمعية الحكومة البريطانية للنظر في المطالب الكينية حمله اثنان من المجلس التنفيذي للجمعية إلى بريطانيا، لكن دون جدوى، وعاد الوفد إلى بلاده ـ وبالرغم من أنه لم يستطع الحصول على وعود ذات أهمية، و لكنه حصل على تأييد من قطاعات متعددة من الرأي العام البريطاني، إلا أن المستوطنين البيض ثاروا على الحاكم، وطالبوا بإلغاء الاتحاد، ولكنه لم يستجب لهم، ولكن ظهور حركة (الماو الماو) أدى إلى اشتداد ضغط البيض على الحكومة المحلية، مما جعلها تعلن الأحكام العرفية في 20 تشرين أول 1952، وتم القبض على مسؤولي الاتحاد ومن بينهم (جومو كينياتا) وعددهم (25) شخصية حزبية، وبدأت موجات من الاعتقالات الجماعية تجري في كل يوم خلال السنوات التي تلت، واعتبر (جومو كينياتا) مسؤولاً عن الثورة، رغم نفيه أي علاقة مع (الماو ماو) والتي لا يعرف من هي وما اسمها الحقيقي فقد اعتبر الاتحاد الغطاء السياسي لحركة (الماو ماو) والتي في الواقع كان يقوم بها مجموعات متطرفة أثر عليها أخذ أراضيها وحقوقها فلجأت إلى التطرف وحمل السلاح. وتدعم البلاد مختلف قطاعات الشعب الكيني ونجاحه شعب الكيكويو. بسبب الإجراءات القاسية التي قامت بها حكومة المستعمر بعد إدخال الجيش في الأمر وقد استمرت هذه المعركة الظالمة مدة طويلة وتسربت أخبارها للخارج وكان لها صدى قوي في أنحاء العالم وبخاصة في أفريقية.‏

في 14 نيسان 1959 أتم (جومو كينياتا) تنفيذ الحكم الصادر عليه بالسجن سبع سنوات ولكن لم يطلق سراحه بل نقل من السجن إلى المعتقل في إحدى القرى النائية الواقعة في الشمال وقد منع عنه كل شيء حتى الأكل، وكان يطهو طعامه بيده يحيط به حراس ومنع عنه كل اتصال مع الخارج. وقد حاولت الحكومة قبل اعتقاله الاستعانة به لتهدئة الأحوال وكان الآلاف يقفون ويستمعون إلى خطاباته، وقد سبق له أن أمر قومه بمقاطعة (البيرة) الإنجليزية وكذلك التخلي عن لبس القبعات البريطانية، وقد حاولت الحكومة اتهامه دائماً بالاشتراك بثورة الماو ماو وإيجاد الشهود... وقد ألقى كينياتا دفاعاً رائعاً أثناء محاكمته واتهامه أمام القاضي كشف فيه الستار عن المأساة التي يتعرض لها شعبه «وأنت كأوربي قد تحس أننا نحمل لكم شيئاً من الكره، إن نشاطي كان ضد الظلم الذي حاق بالأوربيين، فإذا كنت تظن أننا حين نطلب العدل للأفريقيين قد انقلبنا إلى ما تسميه (الماو ماو). فإننا نأسف لأنك جانبت الصواب إن الذي عملنا له وسنظل نعمل له هو المطالبة بحقوق الآخرين كبشر»، ثم ذكر بأن الزعماء الأفارقة يعملون للسلام «نحن بشر ولنا أسر... وباسم أخواني لا أسأل أي رحمة إنما نسأل أن يأخذ العدل مجراه وأن تصحح الأخطاء الموجودة».‏

بعد فترة طويلة من الاضطرابات والحرب الدموية التي دامت بين أعوام 1952 حتى عام 1960 لم تحصل كينيا على استقلالها وكان كينياتا لا يزال في السجن وثورة الماو ماو مستقلة، وبعد خسائر فادحة في الأرواح الإنسانية من الطرفين استطاعت إنكلترا ربح المعركة عسكرياً، ولكن النصر السياسي عاد للأفريقيين، حيث تم إخراج كينياتا من سجنه، وحصل على السلطة عام 1993. وقد خاف المستعمرون البيض من روح الانتقام التي يمكن أن يفكر بها المواطنون. ومنذ البداية توج كينياتا عصره العرقي والقبلي بالإعلان عن ما يعرف بالهارامبيه Harambeé وهو صرخة تعني لنعمل سوية جميعاً ومع بعضنا البعض. وقد طبق هذا المبدأ حين نعمت (كينيا) بمكانة مرموقة وسمعه جيدة بالمسامحة والاستقرار.‏

ومنذ عام 1963 أصبحت البلد الأفريقية الأكثر هدوءاً. ومنذ البداية انقسمت البلاد إلى جهتين.. من جهة الأغلبية اتحاد الكيكويو وقبيلة لوس Luos التي تدعم الاتحاد الوطني الأفريقي الكيني KANU. والجهة الثانية الأقل أهمية وهي التي تدعم الاتحاد الديموقراطي الأفريقي KADU ولكن بعد فترة تحلل الاتحاد الديمقراطي KADU من تلقاء نفسه في محاولة للتقرب من حزب KANU للوصول إلى الوزارة.‏

وبذلك ابتدأ الصراع للوصول إلى السلطة بداخل صفوف حزب KANU وهو قسم من الصراع الشخصي بين (توم بويا Tom Boya) وجاراموجي أوجينفا أودينفا Odinga) وهذا الأخير كان يحلم بمرحله إيديولوجية وكان لهذا الأخير اتجاه ماركسي وكان يتطلع إلى علاقات علنية ويدعم من البلاد الاشتراكية وقد تطورت الأمور عندما أبعد (اودينجا) من منصبه كنائب لرئيس كانو KANU وقد اعقد اجتماع للحزب في ليمورو Limuru في شباط 1966، وبعد شهر ترك حزب Kanu وشكل حزباً خاصاً به وأطلق عليه اتحاد شعوب كينيا (KPU) وقد استطاع أودينغا ضم ثلاثون برلمانيا إلى حزبه (KPU)، ولكن الحكومة طلبت منه أن يقف أمام منتخبيه ولكنه خسر هذه الانتخابات البسيطة من حزيران 1966 حيث لم ينتخب سوى تسعة من نوابه ثم أن KPU فقد شيئاً فشيئاً مراكزه والناطق باسمه في البرلمان ييلداد كاجيا Bildad Kaggia انتسب إلى حزب KANU وتبعه بقية أعضاء الحزب ولكن الوضع السياسي عاد إلى خطورته بعد مقتل زعيم قبائل Laos لود / توم مبويا في 5 تموز 1969 قتل من قبل المدعو ناشون نفينغا Nashan Ngenga أحد أعضاء قبيلة الكيكويو. وقد سبب موته ذعراً كبيراً في قبيلته لوس Luos حيث شعروا بأن أمنهم مهدد. وكان الكيكويو يحتفلون بعرس كبير بعيديهم التقليدي وأقسموا على فداء جومو كينياتا مما أثار الذعر مرة ثانية لدى القبائل الأخرى.‏

في نهاية تشيرن أول 1969 قام كينياتا بزيارة منطقة قبائل اللو Luo مثيراً الهيجان فيها وقد قامت الحكومة بمنح حزب Kpu وتم سجن أودينغا. كردة فعل.‏

وفي نهاية 1969 كانت كينيا على حافة الكارثة وذلك عندما طلب كينياتا إجراء الانتخابات وذلك في 6 كانون أول وقد تمت الانتخابات ولكن فقط ثم انتخاب الأعضاء فقط من بين أعضاء حزب كانو Kanu وقد تم الانتخاب بسهولة وأدى ذلك إلى نجاح قائمة كانو.‏

5 ـ بعض التواريخ الهامة في حياة كينياتا وكينيا كجمهورية:‏

ـ ولد جومو كينياتا نحو عام 1893 في بلدة ايشاويري Ichaueri وفاته في ممياسا عام 1978.‏

ـ ظل كينياتا يناضل ضد تملك الأجانب منذ عام 1925 وتصميمه على احتفاظ قبيلته الكيكويو بأرضها.‏

ـ 1895 أصبحت كينيا محمية بريطانية.‏

ـ 1920 أصبحت مستعمرة للتاج.‏

ـ 1925 أصبح جومو كينياتا زعيم الحركة الوطنية.‏

ـ 1952 ـ 1956 ثورة الماو ماو.‏

ـ 1961 تم إيقاف كينياتا.‏

ـ 1963 تم تحرير كينياتا بعد أن استقلت كينيا ـ ضمن الكومولولن.‏

ـ 1963 أصبح رئيسا لأول حكومة.‏

ـ 1964 ـ 1978 جومو كينياتا رئيساً للجمهورية.‏

ـ 1978 وفاة جومو كينياتا.‏

وقد خلفه أحد أفراد قبيلته وهو آراب موي على أساس الحزب الواحد.‏

وقد أعيد انتخاب آراب موي على أساس العقدية الحزبية عام 1992. وقد ظل لمدة خمس رئاسات وكل رئاسة مدتها خمس سنوات وقد خلفه بعد هذه الفترة الطويلة مواي كيباكي الرئيس الحالي، الذي أعيد انتخابه العام الماضي (2007) واتهم بالتزوير من قبل واريلا اودينفا زعيم حزب التنمية الوطنية. وتسبب بذلك في أزمة حادة أدت إلى تدخل الأمم المتحدة وقد تم الاتفاق على رئاسة كيباكي للجمهورية أما أودينفا فيتولى رئاسة الحكومة.‏

المراجع:‏

1 - Encyclofaedio 13 ritancea الموسوعة البريطانية.‏

2 – Raeee of Africa E.G Seligmon.‏

3 – Afrieon History. Ingman.‏

4 – History of East Africa ingman.‏

5 – East Africa and its invaders: sir. R Coupland.‏

6 – Kenga Apalilieal History. Calonral Period. George Bennett.‏

7 – Grand larause Enayelopidiqus.‏

8 – Quid: Par Dominique et Miehel Fremy.‏

9 – Afrique (10) Jeune Afreque.‏

1 ـ قصة (قضية كينيا) الدكتور عبد العزيز كامل.‏

2 ـ أفريقية للأفريقيين تأليف: كلود فونيه، ترجمة أحمد كمال يونس.‏

3 ـ القادة الأفريقيون عبد الحميد عبد النبي.‏

4 ـ تاريخ أفريقية السوداء جزأين تأليف: جوزيف كي زيربو، ترجمة يوسف شلب الشام.‏

5 ـ زنجبار تأليف الدكتور صلاح العقاد. جمال زكريا قاسم.‏

6 ـ أفريقية فصول من الماضي والحاضر أحمد طاهر.‏

المجلات:‏

1 ـ أعداد مجلة ناشيونال جيوغرافيك National Geographic.‏

الأعداد (1) المجموعة 116 ـ العدد (1) المجموعة 156 عن كينيا ـ أوغندا الصومال.‏

2 ـ أعداد مجلة السياسة الدولية ـ الأهرام.‏

3 ـ أعداد مجلة Aramco باللغة الإنكليزية.‏

ـ رحلة سفاري شملت أوغندا ـ كينيا ـ تنزانيا.‏

ـ المجتمعات الأفريقية محمد عدنان مراد.‏

(*) عميد ركن وسفير سابق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244