|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
التقرير الختامي لمؤتمر «تجديد الفكر القومي والمصير العربي» بدعوة كريمة من السيّدة الدكتورة نجاح العطّار نائب رئيس الجمهورية العربية السورية وبمناسبة احتفالية «دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008» عقدت نخبة من مفكري ومثقفي وأكاديميي وكتّاب وأدباء الوطن العربي «مؤتمر تجديد الفكر القومي والمصير العربي» (في دمشق) بين 15 ـ 19 نيسان/ إبريل 2008، حيث تضمنت فعالياته خمس عشرة جلسة، جرى فيها التدارس والتحاور ومناقشة الموضوعات والقضايا المحورية التالية: «تجديد الفكر القومي والوحدة العربية، الفكر القومي العربي ومسألة الهوية، القطر والطريق على الدولة الأمة، الديمقراطية والمواطَنَة في الوعي القومي، حركات المقاومة وتهمة الإرهاب، الثقافة العربية والرابطة القومية ـ محاولة في التجديد، بؤس الأيديولوجيا القطرية في الصراع العربي الإسرائيلي، المسؤولية القومية وعروبة فلسطين، دور الاقتصاد العربي في التخلّف القومي والقطري، الوطن العربي في الأيديولوجيا الصهيونية، القومية ومسألة الدين بين الظلامية والتنوير، العرب في الاستراتيجية الأمريكية ـ من الهيمنة إلى التفكيك، العولمة والمسألة القومية، الفكر القومي في مواجهة الطائفية في غياب الوعي القومي، المصير العربي إلى أين؟»، إضافة إلى ورقة عمل (منفردة وختامية) حول «دور الإعلام في تجديد الفكر القومي». بعد عرْض الباحثين لأوراقهم وأطروحاتهم، والنقاشات والحوارات الجديّة والمسؤولة والرصينة، التي دارت بشأن مضامينها طيلة أيام المؤتمر، وبمشاركة تفاعُلية مباشرة وقويّة من معظم الحضور، سواء بالمداخلات والإضافات والتعقيبات أو بطرح الأسئلة على مُعدِّي الأوراق البحثية، أكدّ المؤتمرون على الحاجة المُلّحة والماسّة لتجديد الفكر القومي وتطويره انطلاقاً من دروس التجربة الماضية، والضرورة الشديدة لإيجاد واجتراح صيغ جديدة ودينامية للفكر القومي العربي، تأخذ بالحسبان التحديّات الكبيرة والعاصفة والمتغيرات التي شهدها العالم وانعكست على الوطن العربي، على الأصعدة السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية، والثقافية. كما لاحظ المجتمعون أن إنجاز عملية التطوير والتجديد لن تبلغ غاياتها المرجوّة والمثمرة إنْ لم ينخرط أصحاب الانتماء والفكر القومي في الذود عن قضايا الأمة والتصدّي لمشكلاتها المختلفة، بدءاً من مواجهة جميع أشكال الاحتلال والهيمنة والاستتباع، وانتهاء بتطوير الاقتصاد، وإحداث تنمية وطنية وقومية مستقلة وشاملة، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وإشاعة الديمقراطية بأبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية. وتوافق المشاركون في المؤتمر على أن ثمة طائفة من التحديات الأساسية تواجه الفكر القومي العربي، وتتطلب التصدّي المعرفي والعلمي والعملي لها، وابتداع آليات جديدة لحلّها، وإيجاد البدائل المناسبة لها، استناداً إلى تشخيص الواقع الراهن وتحليله بأدوات صحيحة وموضوعية ومنتجة ومرنة. ومن أبرز التحديات التي تواجه الفكر القومي تحدّي الاحتلال والتدخلات الأجنبية، حيث احتلت الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ العراق، وما تزال «إسرائيل» تحتل فلسطين بكاملها، والجولان العربي السوري، ومزارع شبعا، وتشكّل التحدّي الوجودي الأخطر ضد العرب وحقوقهم. يضاف إلى ذلك الأمر سعي بعض الدول الكبرى لإحياء المشاريع الاستعمارية القديمة، التي تهدّد وطننا العربي بكل أقطاره وبقاعه وهو ما يشكّل عاملاً معرقلاً لوحدة العرب وتضامنهم كخطوة أولى على طريق استئناف مشروعهم القومي النهضوي الحضاري. كما يواجه المشروع القومي أسئلة مُلحّة حول شروط نجاح التنمية المستقلة والمتوازنة، التي هي مفتاح لازدهار المجتمع، وضرورة الإطار العربي التكاملي لإنجاز هذه التنمية ذات الأبعاد الاجتماعية في مواجهة الأوضاع المختلّة والمنذرة بمخاطر واسعة في ميادين الفقر والبطالة والفساد ونهب الثروات الوطنية، والانكشاف المخيف في الأمن الغذائي والمائي والصحي والتربوي، وتناقض تكدّس الثروات والبذخ الترفي مع تعاظم معدّلات الفقر والفقراء وانعدام أبسط وسائل المعيشة والحياة الإنسانية. وناقش المؤتمرون هوية الاقتصاد العربي في سياق تجديد الفكر القومي، وتوصلوا إلى ضرورة إيجاد التوازن المطلوب بين آليات السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية، وإمكانية دراسة تجارب بعض الشعوب والمجتمعات التي نجحت في هذا المنحى، وأن يتابع الفكر القومي الرؤى والأفكار الجديدة في الاقتصاد والإدارة والتنمية المستدامة. وتوقف المؤتمر أمام المعضلات التي تطرح أهمية تجديد الفكر القومي، حيث تبيّن أنه لا وجود لمسلّمات ويقينيات فكرية أزلية وميتافيزيقية، وإن كثيراً ممّا يصنف في إطار البدهيات يخضع للتغيّر والتبدّل، والمراجعة، وإعادة النظر في سياق صيرورة متدرجة تستوجب عقد عشرات حلقات البحث والمناقشات والحوار والمؤتمرات والندوات العلمية، التي تخصّص لتطوير عناصر ومكوّنات الفكر القومي وتجديد مفاهيمه وأطروحاته ومقارباته، التي مضى على ظهورها عقودٌ طويلة، وهي تصطدم اليوم بأسئلة وإشكاليات من نوع مختلف نتج عن متغيرات موضوعية جديدة ومستجدة. ومنها: مسألة الهوية بين الثبات والتغيّر، وإعادة تحديد معنى الهوية في الوعي القومي الربي، أو استيلاد مفهوم جديد لها، في ضوء السياسة والمصالح الملموسة بعيداً عن دهاليز الأنثروبولوجيا الثقافية والرؤية الأرسطية السكونية. وثمة أسئلة من نوع: هل العرب بأنسابهم؟ وهل هذا مفهوم غير قابل للنقاش؟ هل العرب عرب اللغة والثقافة، وهل ذلك يكفي؟... وهل العرب عرباً لكيانهم الجغرافي السياسي الذي يعيشون فيه؟... وأين موقع مسألة الوحدة العربية وبناء الدولة القومية في المشروع القومي، وفي تجديد الفكر القومي؟... وهل حاجتنا إلى الوحدة العربية مستمدة من هويتنا، أي من أننا عربٌ لنا تاريخٌ وجوامعٌ ومُتَّحَدٌ ثقافي ولغوي وأمّة وحدّها الإسلام وجزّأتها الغزوات الأجنبية، أم من حاجة مستمدّة من ضغوط الحاضر وتحديات المستقبل والمصير؟! وناقش المؤتمر عدداً من المعضلات التي تواجه الثقافة العربية، كالمحاولات الجارية لتضخيم التمايزات الحاصلة بين ثقافات فرعية مُعيّنة والثقافة العربية الجامعة. وركز المجتمعون في هذا الإطار على ضرورة اهتمام الفكر القومي بدراسة خصوصيات الجماعات الإثنية (الأقوامية) والأقليات الموجودة في نسيج المجتمع العربي، بشكل منهجي مؤسسّاتي والعمل على تفهم مخاوفها وهواجسها وإزالة أسباب قلقها، وطرح الحلول والبدائل الواقعة والعملية لاندماجها الطبيعي الفعّال في مجتمعاتها وبيئاتها المحيطة، في سياق ديمقراطي منفتح يراعي حقوق الإنسان ويحفظ هذه الجماعات خصوصياتها القومية والثقافية والدينية. أما الإشكالية المحورية الأخرى، التي حظيت باهتمام المؤتمرين، فهي تحدّي الانتقال من الدولة القطرية إلى دولة الأمة، والمحاولات التراجعية للتقهقر من الدولة القطرية إلى ما دونها وما قبلها من تكوينات طائفية أو مذهبية أو قبلية أو عشائرية، تحت تأثير قوى التدخل الخارجي وبدفع علني وسافر لتفتيت الكيانات العربية القائمة (رغم هشاشتها الكبيرة وضعفها وافتقاد جزء منها لمقومات الدولة المستقلة بالمعنى المعروف لهذا الاصطلاح). وقد أجمع المشاركون على حقيقة أن السلطة تختلف تماماً وجذرياً عن الدولة، فليست كل سلطة تشكّل بنية دولة، بدءاً من موضوعة الشرعية، وانتهاءً بعناصرها ومؤسساتها ودستورها وقوانينها، ومن تخدم، وما هي وظيفتها العملية والواقعية، ومدى سيادتها الفعلية على مواردها وثرواتها وقراراتها، وعلاقاتها العربية والإقليمية والدولية. والثابت أن مشاريع الانتقال من الدولة القطرية إلى الدولة القومية تعثّرت إلى الآن، ولا بدّ لها أن تسير في الطريق الذي أملته الجماهير ونادى به الفكر القومي. ورأى المشاركون أهمية التركيز على آليات تدرجية للانتقال من الدولة القطرية إلى الدولة القومية، انطلاقاً من إيلاء الازدهار والتنمية والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي أهمية خاصة. وأكدوا على الحاجة إلى قاطرة للتغيير، فالمطلوب اليوم تحديد الأهداف ووسائل تحقيقها بدقة وعدم تكرار الخطأ الذي وقعت به الحركة القومية في الماضي. ويمكن أن يستند مفهوم قاطرة التغيير على ثقافة الحوار والتعاون البنّاء واحترام الخصوصيات والديمقراطية، وخلق المصالح المشتركة والمعالجة السريعة للأعراض الجانبية السلبية لمسيرة العمل المشترك، كي لا يكون هناك رابحون وخاسرون. كما رأوا أن تجديد الفكر القومي لا يعني تجاهل حلم المواطنين العرب، ذلك أن التخلي عن الرومانسية القومية في وجدان الناس وثقافتهم وتخيلهم واهتمامهم، ارتياحاً أو تذمراً، يعني التخلي عن طاقة وحدوية علمانية حداثية. فالقومية العربية هوية حداثية تشمل تسييساً لانتماء الثقافي، وتشكل حالة إنسانية متغيرة مثل كل القوميات الحديثة. وفي الإطار الثقافي أيضاً شدّد المشاركون على الأهمية القصوى للغة العربية والاهتمام الواسع والمنهجي والاستراتيجي بجوانبها المختلفة، من حيث أنها حاضنة الفكر القومي وأحد أبرز مكوّنات الهويّة، وأشادوا هنا بجهود سورية المتميزة في مجال تمكين اللغة العربية، رسمياً وشعبياً وإعلامياً وتربوياً، وما قامت به من دور في إدراج موضوع اللغة العربية في جدول أعمال مؤتمر القمة العربية العشرين، المنعقدة بدمشق في أواخر آذار/ مارس 2008. ووجد المجتمعون أن التواصل مع الأجيال الشابة مسألة في غاية الأهمية، ولا سيّما أنها تتعرض لموجات مختلفة من التغريب وأنماط الاستهلاك والضخ الإعلامي الهائل وتأثيراته الكبيرة، إضافة إلى عدم قدرة الفكر القومي إلى الآن على ابتكار الأساليب والطرق المناسبة لمخاطبة هؤلاء الشباب وجذبهم، وجعلهم أكثر تفاعلاً مع أطروحات الفكر القومي، وتبني أهدافه النضالية بصورة واعية ومتجذرة. وتوقف المؤتمرون أمام محاولات الخلط المتعمد بين الإرهاب والمقاومة، خصوصاً من جانب الكيان الصهيوني والقوى الاستعمارية المعادية لحق الشعوب في المقاومة والتحرر وتقرير المصير، واتفقوا على الحاجة الشديدة للوصول إلى الرأي العام العالمي، واستثمار جميع المنابر، والمنتديات، والمؤتمرات، والمعارض، والفعاليات العلمية والثقافية والإعلامية، والعلاقات مع الهيئات والمنظمات والتجمعات العالمية المتاحة لعرض قضايانا العربية بلغة وأسلوب حضاري راقٍ، يعتمد على الوثائق والمؤيدات الملموسة، واحترام رؤى الآخرين ومدركاتهم، ومحاولة تصحيحها وتعديلها، من خلال كسب التعاطف، وتعميق الروابط والعلاقات المتبادلة مع الشعوب والجماعات والشخصيات المناهضة للعولمة والعنصرية والحروب، والساعية للتعاون الدولي، ومؤيدة لحق الشعوب في التحرر من الأجنبي وتقرير المصير. وقد ركّز المؤتمرون على الحاجة إلى انفتاح الفكر القومي على التيارات الناشطة والمقاومة ضد الاحتلال والهيمنة، مشيرين إلى أن هذه الحركات والتيارات هي جزء من المسيرة القومية التحررية، ولا بدّ من جهد واعٍ ومكثّف لتحويل حركات المقاومة بمختلف مرجعياتها إلى حركة تحرر عربي واحدة تملك مشروعاً سياسياً نهضوياً، وتشكّل بالتالي إحدى القوى المحرّكة للمشروع القومي وفكره، وإعطائه دفعة تطويرية، تجديدية، لئلا تذهب التضحيات الجسيمة التي قدمتها وتقدمها أمتنا يومياً في مسيرتها التحررية هدراً، أو تصل إلى انسداد الآفاق والجمود الدوغمائي، الذي يعادل في دلالته وجوهره معنى الموت والفناء. وتدارس المشاركون موضوع العرب في الاستراتيجية الأمريكية، واستخلصوا أنَّ الاهتمام الأمريكي بالوطن العربي جاء نتيجة للمصالح الحيوية الأمريكية ووجود الكيان الصهيوني من جهة، والموقع الاستراتيجي للمنطقة العربية ذات الثروة النفطية من جهة أخرى. وتبيّن من خلال الأوراق المقدّمة ومداخلات الحاضرين أن استراتيجية الولايات المتحدة في وطننا العربي تتركز على إدارة الصراعات والأزمات وليس إنهائها، كما أنها بدأت تعمل بعد استفرادها بشؤون العالم لتفكيك عدد من الأقطار، وتحويلها إلى شظايا ممزّقة، خدمة للمصالح والأهداف الأمريكية، والإبقاء على «إسرائيل» بوصفها قاعدة مدجّجة بأحدث الأسلحة بما في ذلك الأسلحة النووية، التي تشكل تهديداً خطيراً لأمن المنطقة واستقرارها وازدهارها. ولدى استعراض العلاقة بين العولمة والمسألة القومية، وتحليل خلفياتها وآثارها خلص المؤتمرون إلى ضرورة إعادة النظر ببعض ما كان يُعَدّ بمثابة مسلّمات في هذا المجال، وأبرزها: موضوعة مركزية الدولة ومحوريتها وإلقاء على عاتقها جميع شؤون التنمية والإنتاج والتوزيع، في حين أن العولمة تضعف الدولة وتقوّي الشركات والأفراد. وقد كنا قد اعتدنا على أن السياسة والاقتصاد أهم من الثقافة، فماذا لو قلبت المعادلة بحيث تعد الثقافة والفكر والوعي وسيلة لتحرير السياسة والاقتصاد. وإذا كنا قد ألفنا مقولة مفادها أن قيادة الحركة العربية تنطلق دائماً من العواصم العربية الكبرى، فلماذا لا يصحّ العكس، بحيث أن قيادات النضال القومي يمكن أن تنبثق من الدول العربية الأصغر؟!. وإذا كانت الحركة القومية العربية تواجه أشكالاً من القهر السياسي والاقتصادي والفكري والثقافي، فلماذا لا تبحث عن حلفاء في العالم يعانون من الوضع نفسه؟!. ومن ناحية أخرى، لا بدّ للفكر القومي من تحليل ما يُسمى بـ «الحرب الباردة الجديدة» بين حلف الديمقراطيات الليبرالية والديمقراطيات السيادية (الصين وروسيا)، والاستفادة من الأطروحات والمفاهيم المتداولة في إطار ذلك، ودراسة تجربة الصين في التعامل مع العولمة، ولكنْ بعد أن حصَّنت بنيتها التحتية وحققت ما اصطلح عليه «اشتراكية السوق والسلع» على خلفية منظمة من القيم الأخلاقية والوعي القومي واليقظة الذكية، التي تستشرف آفاق المستقبل وتخطط لعقود قادمة. أما بالنسبة إلى كيفية مواجهة الفكر القومي للطائفية، فقد رأى المشاركون أن الطائفية لا تنمو وتتضخم إلا عندما يتراجع الفكر القومي الحضاري ويصبح في أزمة ولا يجدّد نفسه. وأثبتت التجارب الحاصلة في بعض الأقطار العربية أنّ الفكر الطائفي هو النقيض للفكر القومي الديمقراطي الحضاري المنفتح والمتجدد. والمسؤولية الملقاة على عاتق الفكر القومي كبيرة، وهو مطالب بالبحث عن البدائل المناسبة وإيجاد الحلول، وعد الاكتفاء برفض الفكر الطائفي وشجب توجهاته وأطروحاته غير الوطنية وغير القومية. ومسألة العلمانية والطائفية، وعلاقة الدين بالدولة والتشريعات قضايا تحتاج إلى أكثر من ندوة، وإلى حوارات معمّقة ومتكاملة. وقد أقر المؤتمر أن المصير العربي برمته يصبح في مهبّ الرياح، إذا ما غاب الوعي القوميّ الحضاري الشامل، وحلّت الأفكار والرؤى الرجعية محلّه، من أيديولوجيات وتوجهات ونزعات وممارسات طائفية ومذهبية وإثنية وعشائرية وقبلية، والنتيجةُ ذاتها تحصدها الأمة لدى فقدان الحسّ بالكرامة القومية، وسيطرة مشاعر اليأس والهلع وثقافة الهزيمة والاستسلام. ولهذا فإن مهمّة الفكر القومي ودعاته جليلة وعظيمة من حيث التصدي للمثقفين والسياسيين المنهزمين قيمياً وروحياً وأخلاقياً وثقافياً ونفسياً، لأن غياب الوعي الشامل لمجمل المخططات والمشاريع والأضاليل والحرب النفسية، التي تتعرض لها أُمتنا العربية في أقطارها المختلفة، يجعل المواطنَ العربي في أدنى درجات الانهزام واليأس والجهوزية للسقوط والانهيار. وبناء عليه رأى المجتمعون أن الفكر القوميَّ معني قبل غيره بالتركيز على الوعي المطابق، بوصفه أداة رئيسة لنقد الوعي الغائب أو الزائف المتداول في واقعنا الثقافي والسياسي والاجتماعي. فالوعي القومي المطلوب هو الذي يتسم بالنقدية التاريخية، والعقلانية، والديمقراطية، والالتزام بقيم المواطنة وحرية الفكر والاعتقاد، ورفض كل أشكال التعصب والغلّو والرؤية الأحادية والإلغائية والانتهازية والتبعية، والخروج على ثوابت الأمة وتاريخها وثقافتها وحضارتها وتطلعاتها المشروعة نحو التحرر الشامل، وامتلاك قرارها ومصيرها، بمعزل عن خطط الآخرين واستهدافاتهم وتوجهاتهم الاستعمارية والسياسية والاستراتيجية. إنّ المحاور والقضايا الإشكالية والمقاربات الارتكازية لتجديد الفكر القومي المشار إليها تقتضي عملاً فكرياً وثقافياً واسعاً، في سياق الإفادة القصوى من وسائل الإعلام العصرية لنشره، عبر شبكات الاتصال الالكتروني والمدوِّنات التفاعلية وغير ذلك من أساليب وطرائق وخيارات ووسائط إعلامية متعددة ومؤثرة وفعّالة. وقد صدر عن المؤتمر البيان التالي: أمام ما تتعرض له أمتنا العربية، من خطر اقتلاع وجودها، وفي هذه اللحظة التاريخية الحاسمة، التي بلغت فيها أمتنا من التشتت والضياع، والتمزق، والصراعات، والاحتلالات مبلغاً لا سابقة له، وبدعوة كريمة من الدكتورة نجاح العطار، نائب رئيس الجمهورية العربية السورية، انعقد في دمشق ما بين الخامس عشر والتاسع عشر من نيسان سنة 2008، مؤتمر تجديد الفكر القومي والمصير العربي، شارك فيه نخبة من المفكرين العرب الساعين إلى بناء رؤية نهضوية شاملة ومعمقة لواقع الأمة العربية ومستقبلها، تنطلق من قضايا وثيقة الصلة بتاريخ الأمة وتراكمها الحضاري وتطلعاتها القومية التي يجب أن تقوم على الوعي، والمواطنة والديمقراطية، وتنوع الحريات، وقيام الدولة العصرية، ومواكبة التطور العالمي، بما يمكننا من المشاركة في صناعة التاريخ. وتأسيساً على ذلك، توقف المؤتمرون عند القضايا والمحاور المعروضة على المؤتمر، فبحثوا في مسائل الهوية وتجديد الفكر القومي، والوحدة العربية، والطريق إلى الدولة الأمة، والديمقراطية والمواطنة، والقومية العربية والدين، وحركات المقاومة وتهمة الإرهاب، والتجديد بين الثقافة العربية والرابطة القومية، ورفضوا في هذا الإطار الرؤى والحلول القطرية للصراع العربي ـ الصهيوني، مشددين على أن عروبة فلسطين تقع في صميم المسؤولية القومية، كما كشفوا عن التخلف القومي والقطري الذي أنتجته السياسات الاقتصادية الرسمية، وسلطوا الضوء مليَّاً على ما تنطوي عليه الاستراتيجيان الصهيونية والأمريكية من مخاطر على الأمة ومصيرها القومي. وإذ يعي المؤتمرون أهمية تلك القضايا وضرورة استئناف التفكير فيها، يدركون الحاجة إلى رفدها بمحاور وقضايا أخرى في أفق توسعة نطاق المقاربة الفكرية لمسائل المصير القومي العربي من منظورٍ يرمي إلى تجديد الرؤية الفكرية لهذه المسائل، وهو ما يفرض علينا ديمومة الاستمرار في تقويم الفكر القومي العربي وتنقيحه وتصحيحه وإغنائه بحسبانه معطىً مصيرياً حياً قابلاً للتعديل والتراكم والتطور. من هنا، تأتي الحاجة على تكريس هذا المؤتمر على نحو يعقد سنوياً بحيث يساهم فيه من شاركوا في هذه الدورة من المفكرين والباحثين وغيرهم ممن لم تتح لهم فرصة المشاركة من الكفاءات العربية على نحو يوسع من دائرة المشاركة بين الأجيال وتمثيل الجغرافي المتوازن. وقد اتفق الرأي خلال مداولات المؤتمر على أن العمل الفكري الفاعل والمنتج لا يستقيم إلا بإقرار مبدأ الحق في الاختلاف والاعتراف بالآخر وبالتنوع وإسقاط كل قيد عن الحرية والرأي والانفتاح على سائر الثقافات والدفاع عن وظيفة الفكر والثقافة والإبداع. أخيراً، الشكر لسورية، رئيساً وشعباً، والشكر لنائب رئيس الجمهورية العربية السورية، الدكتورة نجاح العطار التي بدأ بها على حضور جلسات المؤتمر كافة، أكدت جدارة دمشق بأن تكون عاصمة للثقافة العربية، الشكر لدمشق على عطائها القومي والثقافي الدائم وحرصها على أن تبقى هذه الأمة قامة حضارية تساهم في جعل الحياة على هذه الأرض مناسبة للإبداع والحرية والعدالة والسلام والتقدم. دمشق 19 نيسان 2008 كما اتخذ المؤتمر جملة من التوصيات هي: 1 ـ أن يكون مؤتمر «تجديد الفكر القومي والمصير العربي» دورياً سنوياً، ويقترح المشاركون أن تتشكل له هيئة أو لجنة للمتابعة والتنسيق. 2 ـ مأسسة المؤتمر بما يسمح له باستمرار عمله الثقافي والفكري وبأن يتحول إلى نشاط فكري دائم عبر هذه المؤسسة. 3 ـ أن تكلف السيدة الدكتورة نجاح العطار نائب رئيس الجمهورية العربية السورية برئاسته والمسؤولية عن متابعة لجانه وأنشطته وقضاياه. 4 ـ أن تصدر أعمال المؤتمر بكتاب، وينشأ موقع خاص به على شبكة «الإنترنت»، يكون تفاعلياً ومرناً وجذاباً. 5 ـ أن يواصل أعماله مناقشاته وحواراته، ويوسع اتصالاته بالمثقفين والمفكّرين العرب في الوطن والمهاجر وفق ما تراه لجنة المتابعة مناسباً، وبصورة منهجي منتظمة. 6 ـ إيلاء التواصل بين الأجيال الاهتمام الكافي من جانب المؤتمر، وإيجاد وسائل لإشراك المرأة والشباب بنشاطات وفعاليات المؤتمر القادم. دمشق 19 نيسان 2008 |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |