|
||||||
| Updated: Sunday, December 14, 2003 02:18 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
ابن سينا بَيْنَ المشْرق وَالمغْرِبْ - د.إبراهيم مَدكور الدكتور إبراهيم مَدكور :رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة يطيب لنا دائماً أن نتحدث عن ابن سينا، والحديث عنه شائق وجذاب. ومنذ أربعين سنة أو يزيد تردد اسمه كثيراً لدى الخاصة، وربما امتد إلى العامة. فقامت حوله دراسات متلاحقة، واحتفل بذكراه غير مرة. وكان إخواننا الأتراك سباقين إلى ذلك، وهم أول من فكر وعُنِيَ به. وحذا حذوهم العرب والإيرانيون، فأقاموا مهرجانين متعاقبين: أولهما في بغداد عام 1952، ثانيهما في طهران عام 1954. وذلك بمناسبة الذكرى الألفية لمولد الشيخ الرئيس، على حسب التقويم الهجري. والمهرجانان متصلان ومتتامّان، مبعثهما واحد وهدفهما مشترك. وقدر لي أن أكون على صلة وثيقة بهما، وأن أتابع خطواتهما منذ البداية، وأن أسهم فيهما إسهاماً تاماً. وحرص العرب والإيرانيون على أن يعدوا لهما إعداداً لائقاً وقضوا في ذلك بضع سنوات. ويوم أن اكتملت العدة وجهت الدعوة شمالاً ويميناً إلى الهيئات والجماعات، وإلى بعض الأفراد ممن تخصصوا في درس ابن سينا، وعنوا بعلمه وفلسفته. وكانت الاستجابة صادقة وشاملة، فلبى الدعوى نفر من كبار الباحثين في الشرق والغرب، واسهموا في توضيح كثير من جوانب الفكر السينوي وفي وسعنا أن نقرر أن هذين المهرجانين كانا حقاً على مستوى الشيخ الرئيس، وبرهنا على أنه مفكر عالمي كان ولا يزال موضع درس وتقدير. وحرص اليونسكو على أن ينوه به، وأن يشترك في تخليد ذكراه ومهرجاناته. ولم يقف هذا التخليد عند العالم الإسلامي، بل جاوزه إلى العالم المسيحي، واضطلعت به دول وهيئات مختلفة في أوروبا وأمريكا. ولا أزال أذكر الإذاعة الفرنسية التي رحبت بهذه المناسبة، وقضى قسمها العربي شهراً كاملاً في تقديم حديث يومي عن ابن سينا. ولن أنسى أيضاً تلك الحفلة الساهرة التي أقيمت في قاعة ريشليو بالسربون بعد مهرجان طهران بقليل، وارتفع فيها صوت فرنسا وإيران ومصر منوهاً بالفيلسوف الكبير. وشاء الفاتيكان نفسه أن يسهم مشكوراً في هذا الإحياء والتخليد فاستضاف لمدة عام كامل فيلسوفاً مصرياً شاباً، هو المرحوم محمود الخضيري ومكنه من الاطلاع على مكتباته، وما اشتملت عليه من آثار ابن سينا، سواء أكانت بالعربية أم باللاتينية، وجانبها اللاتيني غني وحافل بالمخطوط والمطبوع. *** وها نحن أولاء اليوم أمام ذكرى ألفية لمولد ابن سينا على أساس التقويم الميلادي. وقد حمل اليونسكو رايتها، ودعا إليها، ولا يسعنا إلا أن نشكره أصدق الشكر باسم تاريخ الفكر الإنساني وإحيائه. ومن حسن الحظ أن الفيلسوف الإسلامي كفيل بأن يلبي كل دعوة. ومجال القول فيه ذو سعة. ومنذ عام 1948 نحن نعيش معه، فقد اضطلعنا بإخراج موسوعته الكبرى، وهي كتاب الشفاء الذي يشتمل على 23 مجلداً تنصب على المنطق، والطبيعيات، والرياضيات، والإلهيات. وقد أفسحت هذه المجلدات في السبيل لدراسات متصلة فيها تحليل ومقارنة، ونقد وتعليق. ولابن سينا مؤلفات لا تزال مخطوطة، وما أحوجها أن يوجه النظر إليها وأخرى نشرت على عجل، وتتطلب إعادة نظر، وتحقيقاً ونشراً على أساس علمي دقيق. ومع هذا يجدر بنا أن نلتزم في التخليد وإحياء الذكرى بتقويم بعينه، لكي تتفادى التكرار، وندخر جهوداً نحن في حاجة إليها، لاسيما أن في الفكر الإسلامي أعلاماً شبه منسية، تنقصها هذه الجهود. *** هذا هو ابن سينا في الفكر المعاصر، ونود أن نرجع إلى أصوله، وأن نتابعه في سيرة الزمن، مشيرين أولاً إلى آثاره في المشرق، ونحن نعلم أنه قمة عليا من قمم القرن الخامس الهجري، وهو العصر الذهبي للفكر الإسلامي. فما أن بلغ العشرين حتى أخذ الملوك والأمراء يتنافسون في دعوته إلى حضرتهم، كي يفيدوا من علمه وفلسفته، وقضى نحو أربعين سنة متنقلاً بين بعض العواصم الإسلامية. ولقد كان غزير العلم، واسع المعرفة، ويعدمن كبار الموسوعيين في التاريخ. إلى جانب تبحره في الطب والفلسفة. كتب وألف بالعربية والفارسية، وخلف لنا ثروة فكرية بالغة، نذكر من بينها كتاب الشفاء، وكتاب الإشارات في الفلسفة، وكتاب القانون في الطب، وكون مدرسة اتصل سندها من القرن الخامس إلى القرن السابع الهجري، ومن أشهر رجالها بهمنيار بن المرزبان (408هـ)، الذي كان أثيراً لدى أستاذه، وناصر الدين الطوسي (672هـ) الذي يعد شيخ أتباع ابن سينا المتأخرين وله على الإشارات شرح يعول عليه الباحثون والدارسون حتى اليوم. وبين المشائين العرب، يعد ابن سينا الفيلسوف الأول الذي عرف كيف يتآخى مع المدارس الكلامية، سِّنية كانت أم شيعية. فأخذ فخر الدين الرازي (1209م1)، وهو الفقيه الكبير والأشعري المعروف، بكثير من آرائه، وحرص هو الآخر على أن يشرح كتاب الإشارات. والايجى (1356م) والتفتازاني (1387م)، وهما من كبار الأشاعرة المتأخرين يعولان عليه كل التعويل في دراساتهما الطبيعية والميتافيزيقية، وكتابا هما المشهوران، المواقف، والعقائد، يمزجان الكلام بالفلسفة وكان لهما شأنهما في الدراسات العقلية بالمعاهد الإسلامية الكبرى، كالأزهر والزيتونة والقرويين، منذ القرن الثالث عشر الميلادي إلى اليوم. ولم يكن حظ التصوف الإسلامي في الأخذ عن ابن سينا بأقل من حظ علم الكلام، لأنه كان في آن واحد فيلسوفاً ومتصوفاً. ويعرض الفصل الأخير من كتاب الإشارات لقضايا كانت دعامة التصوف الفلسفي في الإسلام. وحكمة ابن سينا المشرقية غَذّت دون نزاع الفلسفة الإشراقية التي قال بها السهروردي المقتول (1191م)، واستلفتت هذه الصلة نظر كثير من الباحثين بين مشارقة ومستشرقين وابن عربي (1240م)، وإن نحا منحى "وحدة الوجود"، عول فيها على دعائم سبقه بها ابن سينا، وأفاد كثيراً من نظراته الصوفية، وابن سبعين (1270م)، وإن عارض الشيخ الرئيس ونقده أحياناً، مدين له بقدر غير قليل من الآراء والأفكار، ولا غرابة فهو خاتمة المتصوفة الفلاسفة. وفي كلمة واحدة يمكننا أن نقرر أن فلسفة ابن سينا كانت الفلسفة الوحيدة في العالم الإسلامي، وبخاصة في المشرق، منذ القرن السادس الهجري إلى القرن الرابع عشر، برغم حملة الغزالي (1111م)، العنيفة على الفلسفة والفلاسفة. فكانت تدرس في المعاهد الدينية الكبرى في ثنايا التصوف وعلم الكلام، في القرويين، والزيتونة بالمغرب، وفي الجامع الأزهر، وكبرى مساجد دمشق، وبغداد، وأصبهان وشيراز بالمشرق. ومما يلفت النظر حقاً أن الفلسفة عرفت في هذه المعاهد كيف تتآخى مع التصوف وعلم الكلام، وفي وسعنا أن نذهب إلى أبعد من ذلك، فنلاحظ أنا نلمس لدى جمال الدين الأفغاني (1897) ومحمد عبده (1905) بعض لمحات من فكر ابن سينا. *** وابن سينا الفيلسوف عالم أيضاً، ولعلمه أثره وصداه، والعلم والفلسفة مختلطان كل الاختلاط وممتزجان في التاريخ القديم والمتوسط. ولفيلسوفنا دراسات علمية جديرة بالنظر والتأمل، وقد كشفت عنها بوجه خاص طبيعيات الشفاء ورياضياته. فعرض فيها للجيولوجيا، والنبات، والحيوان ووقف طويلاً عند علم النفس. وله في الرياضيات أبحاث دقيقة ومفصلة: في الحساب، والهندسة، والفلك، والموسيقى وهو في هذا يسمو على أرسطو الذي لم يقف عند الرياضيات طويلاً. وسبق لي أن نوهت ببعض جوانب ابن سينا العلمية، وأحرص على أن أقرر أنها لم تنل بعد حظها من البحث والدرس. ويوم أن تدرس في عناية واسعة، ستكشف عن أثر ابن سينا في تاريخ العلم العربي بعامة، وقد اجتذب هذا التاريخ بعض الباحثين من المستشرقين ولكنه لا يزال في حاجة إلى تخصص أعمق وبحث أشمل. وابن سينا طبيب أخيراً، وطبيب عظيم يعد من كبار الأطباء العالميين، وكتابه القانون أحد كتب الطب العالمية. وهو في الطب كأصول إقليدس في الهندسة، والمَجِسطي لبطليموس في الفلك، والطب العربي خاصة مدين له بقسط كبير. ووضع في أسلوب واضح وترتيب منسق، وقدم الطب اليوناني والطب العربي في صورة كاملة، وقد طغى على الكتب الطبية العربية الأخرى. وفاز بالصدارة وأضحى المرجع الأول للطب العربي طوال عدة قرون، وكان يدرس في المعاهد الإسلامية الكبرى منذ القرن الخامس الهجري حتى أخريات القرن الماضي. وتتلمذ عليه أطباء متلاحقون، وفي مقدمتهم ابن النفيس (1288م) الذي اكتشف لأول مرة الدورة الدموية الصغرى. واعترافاً بفضل أستاذه عليه، سمى كتابه الهام "موجز القانون".. *** ولم يقف أثر ابن سينا عند العربية، بل جاوزها إلى لغات شرقية أخرى، وسبق لنا أن أشرنا إلى أنه ألف بالفارسية، لغته الأصلية، كما ألف بالعربية، وتبودلت مؤلفاته بين مواطنيه الذين حاولوا أن يترجموا إلى لغتهم الوطنية مؤلفاته العربية، وكثيراً ماكتب علماء الفرس بهاتين اللغتين. وعندهم أن ابن سينا هو الطبيب الكبير والفيلسوف الأول، وبقي طبه وفلسفته يدرسان إلى عهد غيره بعيد. وكان له أتباع وتلاميذ نذكر من بينهم صدر الدين الشيرازي (1642م)، الذي أخذ كثيراً عن ابن سينا، درسه وعلق عليه، وكانت شروحه مما يعول عليها. وعن العربية والفارسية عرف ابن سينا في اللغتين التركية والكردية، وكان له بوجه خاص شأن في اللغة العبرية، وله فيها أنصار وأتباع. وقد خدمه اليهود درساً وترجمة، ترجموها لأنفسهم ثانية، ثم عاونوا معاونة صادقة في نقله إلى اللاتينية. وفيلسوفهم الكبير، ابن ميمون (1204م)، مدين لابن سينا بقدر دينه لابن رشد(1198م). واستطاعت فلسفة ابن سينا أن تجد طريقها أيضاً إلى اللغة السريانية فترجم إليها بعض كتبه كالإشارات، ورسالة الطير، ويعد ابن العبري (1286م) أحد كبار مفكري السريان في القرن الثالث عشر الميلادي، من تلاميذ ابن سينا المخلصين. *** لم يتأخر طويلاً عبور ابن سينا إلى أوروبا، فلم يكد يمضي على وفاته نحو قرن حتى بدئ في ترجمته إلى اللاتينية. وسعى رجال القرون الوسطى المسيحية إلى الحصول على مؤلفاته، وبخاصة كتاب الشفاء الذي أشرنا إليه من قبل. وقد ترجم على مرحلتين: أولاهما في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي. والثانية بعد ذلك بنحو مائة عام. بدأ المدرسيون بالمنطق، فترجموا "ايساغوجي" الذي عد خطأ من صنع أرسطو، وفصلاً من "التحاليل الثانية" وانتقلوا إلى الطبيعيات، فترجموا منها القسم الأول، والثاني، والسادس، وهو "كتاب النفس". ثم ترجموا الإلهيات بجزئيها كاملين. وفي المرحلة الثانية استكملوا أجزاء الطبيعيات. وننساءل لمَ يتعرضوا للرياضيات؟ وأغلب الظن أنها لم تقع تحت بصرهم. ثم ترجموا أخيراً أجزاء من النجاة، والإشارات، وبعض الرسائل الصغيرة. واستطاع اللاتين بهذا أن يحصلوا على مراجع مباشرة وكاملة لفلسفة ابن سينا، أما طبه فقد ترجموا منه كتاب القانون في عهد مبكر. وما إن ترجمت هذه المراجع حتى نسخ منها عشرات وعشرات، تسابق الباحثون للحصول عليها، وظهرت في كثير من مدن أوروبا، ومعروف أن تجارة المخطوطات كانت رائجة هناك كل الرواج في القرن الثالث عشر الميلادي. وما أشبه حركة الترجمة اللاتينية بحركة الترجمة العربية التي سبقتها بنحو قرنين أو يزيد، وفيها ضرب من التقليد والمحاكاة. بدئ بها في القرن العاشر الميلادي، دون أن تتوافر لها وسائل الجودة والإتقان، ثم أخذ اللاتين يجردونها إلى أن بلغوا بها شأواً لا بأس به في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وإن بقيت ترجمتهم حرفية في الغالب. ترجموا عن العبرية، وعن العربية، واستطاعوا أيضاً أن يترجموا عن اليونانية. وعلى غرار العرب عنوا في ترجمتهم خاصة بالعلم والفلسفة، ولم تستوقفهم المراجع الأدبية، واستعانوا في البداية بمترجمين يعرفون لغتين أو أكثر دون تقيد ببلد أو جنسية، ثم شاء كل بلد أن يكّون مترجمين خاصين، فأنشئت في طليطلة مدرسة لتعليم اللغات الأجنبية: العبرية والعربية، واليونانية... وفي هذه المدرسة نشأ الأب ريمون مارتان Martin (القرن 13)، الذي كان على علاقة بالقديس توما الأكويني (1274م). وبعد ذلك بقليل رأي ريمون ليل LULL (1316م)، ضرورة إنشاء كرسي للغات الأجنبية في مختلف الجامعات الأوروبية. وكانت طليطلة وبالرم مركزي الترجمة الهامين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. فجدت طليطلة في جمع عدد غير قليل من النصوص العربية، ونظمت جماعات من المترجمين، وعلى رأس كل جماعة مترجم يقود العمل ويراجع الترجمة. من بين هؤلاء المترجمين نستطيع أن نذكر جيرار الكريموني (1187م) الذي عنى خاصة بترجمة المؤلفات العلمية، ودومنيك جند سالينوس (1150م) الذي وقف نفسه على الفلسفة، وأدخل بعض الفلاسفة العرب إلى اللاتينية، ومن بينهم الغزالي (1111م) الذي كان معاصراً له تقريباً. أما بالرم فقد نشطت فيها حركة الترجمة نشاطاً ملحوظاً في القرن الثالث عشر تحت عناية الامبراطور فردريك الثاني الذي كان على صلة ببعض مفكري الإسلام ورؤسائه، ودار بينهم وبينه حوار كان من ثمار "الرسالة الصقلية"، التي اشتملت على أسئلة أجاب عنها ابن سبعين. وقد وجد فردريك بدروه في جمع أكبر عدد ممكن من النصوص العربية، وفي مقدمتها شروح ابن رشد على أرسطو. ودعا إلى ترجمتها وحاول مافي وسعه أن ينشرها في الجامعات الأوروبية، إيماناً منه بما اشتلمت عليه الثقافة العربية من درس وبحث. وقاد حركة ترجمة نشيطة وواسعة، ووفق لمترجم بارع عرف كيف يترجم وكيف يستحث المترجمين الآخرين، وهو ميشيل اسكوت (1255م)2 الذي غذى حركة الترجمة في بالرم بغذاء وافر، من بينه شروح ابن رشد التي ترجمت إلى اللاتينية، ولما يمضِ على موت مؤلفها ربع قرن. وربما ترجم النص الواحد عدة مرات، وعلى أيدي مترجمين مختلفين. ومن بينهم من لم يتمكن من ترجمته كل التمكن. وقد أولع روجر بيكون (1294م)، الذي كان معجباً بابن سينا، بمقارنة هذه الترجمات بعضها ببعض، وأغلب الظن أنه لم يكن يعرف العربية معرفة تمكنه من هذه المقارنة، ولعله كان يستعين ببعض المستعربين القريبين منه. وعلى كل حال استطاع هؤلاء المترجمون أن يحتفظوا لنا بنصوص قيمة لم نقف بعد على أصولها العربية. وعلى هذا عرف الغرب منذ عهد مبكر ابن سينا العالم، والفيلسوف، والطبيب، وكان لبعض آرائه العلمية صدى بعيد لدى بعض كبار المفكرين المسيحيين من رجال القرن الثالث عشر، وفي مقدمتهم ألبير الكبير (1240م)3 وروجر بيكون وقد قدرا موقفه حق قدره من تلك القضية الخاطئة التي شاعت في التاريخ القديم والمتوسط لدى بعض الكيميائيين الذين كانوا يزعمون أن في الإمكان تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، وقد أنكر ابن سينا هذا إنكاراً تاماً، واستطاع أن يصحح مسار البحث الكيميائي، وأن يمهد لعلم الكيمياء الحديث وقال ابن سينا أيضاً مع بعض المفكرين السابقين، بكروية الأرض فمهد لأمثال كوبر نيك(1543م) وجاليلو (1642م) وحاول في الجيولوجيا أن يوضح كيفية تكوين الصخور والجبال، وساعد على وضع نظرية البراكين التي عرفت في القرن السابع عشر. ولم يفت ابن سينا أن يستعين في بحوثه العلمية والطبية بالملاحظة والتجربة، ويمكن أن يعد بهذا من بناة المنهج التجريبي، وربما كان ذلك من عوامل القربى بينه وبين روجر بيكون. وأثر ابن سينا في فلسفة القرون الوسطى المسيحية جد عظيم. فغذى بكتابه المدخل مشكلة الكليات غذاءً تاماً. وهي مشكلة لها وزنها في تاريخ الفلسفة المدرسية المسيحية، وله تفسيرات تتصل بهذه المشكلة ترجمت ترجمة حرفية إلى اللاتينية، وهي في "الكثرة"، وقبل الكثرة وبعد الكثرة. وكتابه في النفس صادف نجاحاً كبيراً في هذه الفلسفة، ولا نكاد نجد كتاباً عربياً آخر لقي فيها مثل حظه. وفي هذا الكتاب يعرف ابن سينا النفس، ويثبت وجودها، ويبرهن على خلودها، وكل تلك قضايا تعني المؤمنين والقائلين بالحساب والعقاب في اليوم الآخر. ومن حججه على وجود النفس برهانه المشهور باسم "برهان الرجل الطائر" الذي حظي بتقدير فائق لدى جماعة "الفرنسيسكان" وما أشبهه ببرهنة سابقة للقديس أوغسطين. وهو يبعث أيضاً على التفكير في "الكوجيتو" الديكارتي، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه ليس ببعيد أن يكون ديكارت، أبو الفلسفة الحديثة، قد وقف على هذا البرهان في قراءاته اللاتينية. وفي كتاب الإلهيات وقف ابن سينا عند قضايا لاهوتية كبرى كأصل العالم، وذات الباري وصفاته، وصلته بمخلوقاته، وكانت الشغل الشاغل لمفكري القرون الوسطى المسيحيين من فلاسفة ولاهوتيين. *** فنرى إذن أن ابن سينا قد أثر تأثيراً ملحوظاً في تاريخ الفكر المسيحي إبان القرون الوسطى، فنوه به كبار المفكرين المسيحيين وأخذوا عنه. وعلى رأسهم ألبير الكبير وروجر بيكون اللذان اعتنقا بعض أفكاره وآرائه. وحاولا أن يقلدا نسق كتاب الشفاء في مؤلفاتهما الموسعة. والقديس توما الأكويني، وإن مال نحو ابن رشد نوعاً ما، نلحظ لديه بعض سمات سينوية. ودنس اسكوت (1308م)، رئيس المدرسة الفرنسسكانية، كان أميل إلى ابن سينا ونظرياته، وجاراه في ذلك كبار رجال هذه المدرسة. فكان هناك تيار سينوي واضح في الفلسفة المسيحية إبان القرون الوسطى، ولا سبيل لأن نفهم هذه الفلسفة فهماً دقيقاً إن أغفلنا هذا التيار. وقد وقف جلسون Gilson، وهو شيخ مؤرخي الفلسفة المسيحية المعاصرين، عنده طويلاً، وسماه "الأوغسطينية السينوية" وسماه الأب دي فو "المذهب السينوي اللاتيني"، وأوضح ما يلحظ هذا التيار في القرن الثالث عشر، واعتمد الفكر الفلسفي المسيحي، في هذا القرن بخاصة على رجال ثلاثة يُكْمِل بعضهم بعضاً، وهم أرسطو، وابن سينا، وابن رشد. ولم يقف أثر ابن سينا في الغرب عند القرون الوسطى، بل جاوزها إلى عصر النهضة والتاريخ وسبق أن أشرنا إلى مايبدو من تلاق بين "الرجل الطائر" عند ابن سينا، و"الكوجيتو" الديكارتي، وعقدت صلات أخرى بين الفيلسوف الإسلامي وباسكال، واسبنوزا، وليبتز. في مهرجان بغداد أطلقت عليه اسم "المفكر العالمي" الذي لم يتقيد فكره ولا فلسفته بزمان أو مكان معين. وفي هذا المهرجان نفسه أمدني زميل كريم، هو جب كبير مستشرقي إنجلترا المعاصرين، بحجة مفحمة، فقد أشار إلى كشف تمَّ أخيراً في أثناء ترميم مكتبة "بودليين" بأوكسفورد، ولوحظ على حوائطها ثلاث صور مجتمعة، أولاها لأرسطو، وثانيها لأفلاطون، وتردد الباحثون في شأن الصورة الثالثة قليلاً، ثم قطعوا بأنها لابن سينا، هذا ولاشك حدث له دلالته. وفي تاريخنا المعاصر، لا يزال ابن سينا يشغل الأذهان شرقا ًوغرباً، فتترجم كتبه إلى اللغات الحية، وحرص اليونسكو على أن يشجع هذه الترجمة، وتقوم حوله دراسات مختلفة في الجامعات الإسلامية والمسيحية. *** واكتسى طب ابن سينا وكتابه القانون، بكساء عالمي، في مقدمته ما ترجم إلى اللاتينية من النصوص العربية، وعد في أوروبا مرجعاً عاماً للدراسات الطبية طوال ستة قرون، من القرن الثاني عشر إلى القرن السابع عشر4 . ويوم أن اكتشف فن الطباعة الحديث نشر في أوروبا بالعربية واللاتينية قبل أن ينشر في الشرق والعالم الإسلامي. وقد أعيد نشره في أوروبا غير مرة، وبلغ عدد طبعاته في القرن السادس عشر نحو العشرين، ولا غرابة، فهو كتاب سهل في أسلوبه: منسق في منهجه، شامل في موضوعه، وقل أن يضارعه في ذلك كتاب طبي آخر في التاريخ القديم المتوسط. ** وختاماً أود أن أقرر أن ابن سينا كان صنيع عصره وبيئته، وكان بِحّقٍ قمة من قمم الثقافة العربية، واستطاع أن يحتفظ بمكان بارز في تاريخ الثقافات العالمية أدى رسالته في المغرب، كما أداها في المشرق، أداها في الحاضر كما أداها في الماضي، وسيذكر دائماً بين من يمهدون للمستقبل. شغل الأذهان في التاريخ المتوسط والحديث، ولا يزال يشغلها حتى اليوم، وهو دون نزاع حلقة هامة في تاريخ الفكر الإنساني. الدكتور إبراهيم مدكور "تعليق" (1)ـ يجد الأستاذ الفاضل شبهاً قوياً بين حركة الترجمة اللاتينية، وحركة الترجمة العربية. لاشك أن كلتيهما ترجمة، ولكن الفرق بين الحركتين كبير، ولابد من تبيان هذا الفرق بين نقل العرب عن اليونان ونقل الغربيين عن العرب. ذلك أن حضارة العرب كانت أصيلة فاضت من جزيرة العرب وغمرت بلاداً واسعة وممالك مترامية، وعثرت في اتساعها على ثقافة اليونان التي كانت مبعثرة منثورة على وشك الضياع، منزوية في بعض المراكز والأديرة، فالتقطها العرب وترجموها في عواصمهم، ومسحوا عنها غبار الإهمال، وردوا رونقها إليها، واستفادوا منها رغم التواء الترجمات وغموضها وضعفها، بالإضافة إلى نقلهم تراث الأمم الأخرى كالفرس والهنود والصين والسريان... فكان نقلهم نقل الأعلى عن الأدنى والأقوى عن الأضعف، بخلاف الأوروبيين، فلم تكن عندهم حضارة إذ ذاك وإنما شهدوا حضارة العرب وحدها أمامهم، فاقتبسوها من جذاها. ولقد كان العرب أمناء أوفياء نقلوا نصيباً من العلم ونسبوا ما استطاعوا إلى أهله. أما الأوروبيون فلم يكونوا كذلك، بل نسبوا قسماً مما نقلوه إلى أنفسهم. ولما تقدم الغربيون أحيوا التراث اليوناني مرة جديدة، فطمسوا الآثار العربية وحاولوا ربط حضارتهم باليونان والرومان، ولكنهم أصبحوا حين يبحثون في تاريخ الفكر والفنون وينقبون في غياهبه يرتطمون بمصاعب لا يستطيعون لها تذليلاً من جراء طمسهم لتلك الآثار، ولذلك نجدهم يرجعون في الحين بعد الحين فيعنون بعض العناية بالآثار العربية، وينقبون شيئاً من التنقيب عنها، وقلما تسلم عنايتهم هذه من خدمة لمطامع دولهم السياسية والاستعمارية. (2)ـ يدعو الأستاذ الفاضل إلى التزام تقويم واحد في التخليد وإحياء الذكرى ونظن أنه يريد التقويم الهجري، لأن هذا التقويم يؤلف صلب الحضارة العربية. وكثير من الأقوام الحديثة تعتمد على تقويمها القومي، وقد تشير إلى التقويم الميلادي كاليابان، والفيتنام، والإيرانيين. هذا وإن للتقويم الهجري مزايا كثيرة، لأن الأشهر فيه قمرية، والشهر القمري ذو صلة بأمور طبيعية وحيوية كالمدّ والجزر، وإفراز الغدد الصم في الإنسان وفي الحيوان، وبأمور أخرى... وكذلك يدعونا التقويم الهجري إلى العناية بالحسابات الفلكية والتدقيق فيها. ولكن النظر إلى شيوع التقويم الميلادي، وثباته خلال الفصول، واعتباره مصطلحاً عالمياً ـ لا يرجع بالضبط إلى تاريخ ميلاد السيد المسيح ـ يجعلنا نعتمد عليه أيضاً. والمؤلف الفاضل في مقالته الممتازة اعتمد التقويمين معاً حين أَرَّخَ بعض الأعلام بالتاريخ الهجري، وآخرين بالتاريخ الميلادي. إن التاريخ العربي الإسلامي حافل بالأعلام في كل ميدان، ومن المناسب أن نعمد دائماً إلى إحياء ذكرى هؤلاء جميعاً، وهذا هو الغرض من دعوة الأستاذ الفاضل ولكن تكرار الاحتفال بعلم كبير مثل ابن سينا لابد من أن يعود بالنفع نظراً لاتساع آفاقه الفكرية: علمية، وفلسفية، وأدبية، وطبية. (المجلة). مراجع (عربية) (1)ـ ابن سينا : المدخل، من منطق الشفاء، القاهرة 1952، الإلهيات، جزءان، القاهرة 1960 ـ 1961. كتاب النفس، جزءان، القاهرة 197. (2)ـ مدكور (إبراهيم)، مقدمة (المدخل)، 1952. مقدمة الإلهيات، 1960-1962. مقدمة كتاب النفس، 1974. الفلسفة الإسلامية والنهضة الأوروبية، في أثر العرب في النهضة ـ القاهرة 1970. مراجع (فرنسية). 1 – D’ Alverny. 2 – De Vaux, Notes et textes sur l’avicennisme Iatin anx confins du XII’ et XIII’ Siécle Paris, 1934. 3 – Gilson (E) Avicenne et le Point de départ de Duns Scot, Archives, 1927, Les Sources greco – Arabes de l’augustinisme avicen- naisant, Archives. 4 – Madkour (I) Duns Scot entre Avicenne et Averroés, Oxford 1966. *** 1 التواريخ التي يثبتها كاتب المقال إزاء الإعلام تدل على سني الوفاة. 2 ذكر مؤلف المقال أن وفاته في 1255م، والصحيح في سنة 1235م ولعل ذلك من خطأ النسخ. 3 وفاته في سنة 1280م ولعل ما ورد من خطأ النسخ. 4 جاء في المجلة التي يصدرها اليونسكو "بريد اليونسكو" ـ تشرين الأول 1980. في أعلى الصفحة 38 أن كتاب القانون بقي يدرس في جامعة بروكسل حتى في سنة 1909. (المجلة) |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |