مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان 6/5 - السنة الثانية - حزيران "يونيو" 1982
Updated: Sunday, December 14, 2003 02:18 AM
فهرس العدد
 

إسهام ابن سينا في تقدّم العُلوم - للأب د.جورج شحاته قنواتي

معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومينيكيين ـ القاهرة.‏

لم يكن ابن سينا فيلسوفاً عميقاً ذا أفكار جديدة وشاملة فحسب، بل امتاز أيضاً بنزعةٍ علمية قوّية جعلته أكثر العلماء تأثيراً في الميدان العلمي في الشرق وفي الغرب.‏

ويجدر بنا بادئ ذي بدء، أن نشير إلى بعض الميزات التي اتسم بها عقله العلمي. فهو يستمد من المشاهدة مادةً غزيرة تسمح له بأن يستخلص، بالاستقراء، القوانين التي تخضع لها الطبيعة.‏

ثلاث ميزات:‏

فأول هذه الميزات هي قوة الملاحظة:‏

لم يقرأ ابن سينا فقط كتب الأقدمين مُطلعاً على ما تذكره من حوادث، بل كان شغوفاً بأن يشاهد بنفسه ما يحدث في الطبيعة. ولنذكر بعض الأمثلة في هذا الصدد.‏

في الفَنّ الخامس من الطبيعيات كتابٌ في الآثار العلوية(1) وفيه فصل في الجبال وتكوينها وكيف تكونت الحجارة والصخور، وبقايا الحيوان والنبات المتحجرة في الأرض فيذهب إلى أن الأرض المرتفعة تتحوّل إلى صخور، جزءٌ منها يحدث بتحجر الطين بتأثير الشمس، وجزءٌ آخر بتجميد الماء إما بطريقة الاستلاكتيت (Stalactites) والاستلاجميت(Stalagmites)، أو بنوعٍ من الرسوب تحدثه الحرارة، أو بقوة تحجّرية غير معلومة.‏

وتعزيزاً للطريقة الأولى يذكر الحادث الآتي: "قد شاهدنا في طفولتنا مواضع كان فيها الطين الذي يُغْسَل به الرأس، وذلك في شط جيحون. ثم شاهدنا وقد تحجر حجراً رخواً وذلك في مدّةٍ قريبة من ثلاث وعشرين سنة". ويقول: "إن هذا مايحدث أيضاً للجبال التي تتحجر في سالف الأيام في مددٍ لا تفي التواريخ تحفظ أطرافها".ويضيف إن "بعض الجبال كوّنت من الأرض التي ارتفعت من قعر البحار". "ولهذا يوجد في كثيرٍ من الأحجار إذا كسرت أجزاء الحيوانات المائية كالأصداف".‏

ويحاول أن يعزز هذه النظرية بالملاحظة الآتية: "وفي بلاد العرب حَرَّةٌ كلُّ ما يسكنها وأيَّ جسم يقع فيها يتلون بلونها. وقد رأيت رغيفاً على صورة الأرغفة المحرقة المرققة الوسط المرقومة بالسباع قد تحجر ولونه باقٍ وأحدُ وجهيه عليه أثر التخطيط الذي يكون في التنور، ووجدته ملقى في جبل قريب من بلدة من بلاد خراسان يسمى جاجرم وحملته معي مدَّةً. وهذه الأشياء إنما تستغرب لقلة وقوعها، فأما أسبابها في الطبيعة فظاهرة موجودة".‏

وهذا مثل ثالث وهو مأخوذ من كتاب (القانون في الطب). وهو خاص بتشخيص نوع الألم الذي يلمّ بالمريض فيميز ابن سينا بين خمسة عشر نوعاً من الألم وعلى الطبيب الماهر أن يميز بينها:‏

1 ـ الحكّاك pruritivus.‏

2 ـ الخشن aspertivus.‏

3 ـ الناخس compressivus.‏

4 ـ الضاغط compressivus.‏

5 ـ الممدّد extensivus.‏

6 ـ المفسخ concussivus‏

7 ـ المكسّر fangitivus‏

8 ـ الرخو Laxativus‏

9 ـ الثاقب perforativus‏

10 ـ المسلى axualis‏

11 ـ الخدر stupefactivus‏

12 ـ الضرباني pulsantivus‏

13 ـ الثقيل gravativus‏

14 ـ الإعيائي fativativus‏

15 ـ اللاذع mordicativus‏

(Canon, I. Ii, ii, 20 , I, 127)‏

وهناك ميزة ثانية، يمتاز بها عقله العلمي، وهي نزعته إلى الاستقراء والتجربة في ممارسة أعماله:‏

وعندنا مثل رائع لهذه النزعة في بداية القسم المخصص للأدوية في ممارسة أعماله. وعندنا مثل رائع لهذه النزعة في بداية القسم المخصص للأدوية في كتابه "القانون"، فهو يضع سبعة قوانين يجب على الباحث المحقق أن يطبقها عندما يريد أن يقف على أثر الدواء المستعمل في معالجة مرضٍ ما.‏

يقول ابن سينا:‏

المقالة الثانية في تعريف قوى أمزجة الأدوية بالتجربة. الأدوية تتعرف قواها من طريقين:أحدهما طريق القياس والآخر طريق التجربة.‏

ولنقدم الكلام على التجربة فنقول:‏

إن التجربة إنما تهدي إلى معرفة قوة الدواء بالثقة بعد مراعاة شرائط.‏

أحدها: أن يكون الدواء خالياً من كيفية مكتسبة وحرارة عارضة أو برودة عارضة، أو كيفية عرضت لها باستحالة في جوهرها أو مقارنة لغيرها. فإن الماء، وإن كان بارداً بالطبع، فإذا سخن سخن مادام سخيناً، والأفربيون، وإن كان حاراً بالطبع، فإذا برد برد مادام بارداً، واللوز، وإن كان إلى الاعتدال لطيفاً، فإذا دلخ سخن بقوة، ولحم السمك، وإن كان بارداً، فإذا ملح سخن بقوةٍ.‏

والثاني: أن يكون المجرب عليه علة مفردة. فإنها إن كانت علة مركبة، وفيها أمران يقتضيان علاجين متضادين، فجرب عليهما الدواء فنفع، لم يدرِ السير في ذلك بالحقيقة. مثاله: إذا كان بالإنسان حمى بلغمية فسقيناه الغاريقون فزالت حُماه لم يجب أن يحكم أن الغاريقون بارد لأنه نفع من علة حارة، وهي الحمى، بل عسى إنما نفع لتحليله المادة البلغمية أو استفراغه إياه: فلما نفدت المادة زالت الحمى، وهذا بالحقيقة نفع بالذات مخلوط ينفع بالعرض. أما بالذات فبالقياس إلى المادة، وأما بالعرض فبالقياس إلى الحمى.‏

والثالث: أن يكون الدواء قد جرّب على المتضادة حتى إن كان ينفع منهما جميعاً لم يحكم أنه مضاد لمزاج أحدهما، وربما كان نفعه من أحدهما بالذات ومن الآخر بالعرض، كالسقمونيا لو جربناه على مرض بارد لم يبعد أن ينفع ويسخن، وإذا جربناه على مرضٍ حار كحمى الغب لم يبعد أن ينفع باستفراغ الصفراء. فإذا كان كذلك لم تفدنا التجربة ثقة بحرارته أو برودته إلا بعد أن يعلم أنه فعل أحد الأمرين بالذات، وفعل الآخر بالعرض.‏

والرابع: أن تكون القوة في الدواء مقابلاً بها ما يساويها من قوة العلة فإن الأدوية تقصر حرارتها عن برودة علة ما فلا يؤثر فيها البتة، فيجب أن يجرب أولاً على الأضعف ويتدرج يسيراً يسيراً حتى يعلم قوة الدواء ولا يشكل.‏

الخامس: أن يراعى الزمان الذي يظهر فيه أثره وفعله، فإذا كان مع أول استعماله أقنع أنه يفعل ذلك بالذات، وإن كان في أول الأمر لا يظهر منه فعل ثم في الآخر يظهر منه فعل، فهو موضع اشتباه وإشكال، عسى أن يكون قد فعل ما فعل بالعرض كأنه فعل أولاً فعلاً خفياً تبعه بالعرض هذا الفعل الأخير الظاهر. وهذا الإشكال والاشتباه والتشكل في قوة الدواء يحدس أنه فعله إنما كان بالعرض. لقد يقوى إذا كان الفعل إنما ظهر منه بعد مفارقته ملاقاة العضو. فإنه لوكان يفعل بذاته لفعل وهو ملاق ولاستحال أن يقصر وهو ملاق ويفعل وهو مفارق وهذا هو حكم أكثري مقنع.‏

وربما اتفق أن يكون بعض الأجسام يفعل فعله الذي بالذات بعد فعله الذي بالعرض، وذلك إذا كان اكتسب قوةً غريبة تغلب الطبيعة مثل الماء الحار فإنه في الحال يسخن وإما من اليوم الثاني أو الوقت الثاني الذي يزول فيه تأثيره العرضي فإنه يحدث في البدن برداً لا محالة لاستحالة الأجزاء المتنشفة منه إلى الحالة الطبيعية من البرد الذي له.‏

والسادس: إن يراعي استمرار فعله على الدوام أو على الأكثر فإن لم يكن كذلك فصدور الفعل عنه بالعرض لأن الأمور الطبيعية يصدر عن مبادئها أما دائمة وإما على الأكثر.‏

والسابع: أن تكون التجربة على بدن الإنسان فإنه إن جرب على بدن غير الإنسان جاز أن تخلف من وجهين: أحدهما أنه قد يجوز أن يكون الدواء بالقياس إلى بدن الإنسان حاراً وبالقياس إلى بدن الأسد والفرس بارداً إذا كان الدواء أسخن من الإنسان وأبرد من الأسد والفرس ويشبه فيما أظن أن يكون الروند شديد البرد بالقياس إلى الفرس وهو بالقياس إلى الإنسان حار. والثاني: أنه قد يجوز أن يكون له بالقياس إلى أحد البدنين خاصية ليست بالقياس إلى البدن الثاني مثل البيش فإن له بالقياس إلى بدن الإنسان خاصية السمية وليست له بالقياس إلى بدن الزرارير.‏

فهذه القوانين التي يجب أن تراعى في استخراج قوى الأدوية من طريق التجربة.‏

Traité I. PP. 115, 116, de L’éd . de Rome 1593.‏

والميزة الثالثة لعقل ابن سينا العلمي هي التخلي عن الأحكام المسبقة في نظره إلى الوقائع العلمية:‏

وأحسن مثل لهذا هو موقفه مما كان يسمى الكيمياء في القرون الوسطى أو بالأحرى "الصناعة" وهي محاولة قلب المعادن الخسيسة إلى الفضة أو الذهب. وقد اعتقد كثيرٌ من علماء العصر الوسيط وحتى عصر النهضة أن هذا ممكن. وكان ابن سينا بموجب آرائه العلمية الخاصة بتكوين الأجسام والمعادن يخالف تماماً هذه الفكرة. ولكنه أراد قبل أن يجاهر بموقف محدد من ذلك أن يقوم بنفسه بالعمليات التجريبية التي يصفها أصحاب الصناعة لكي يتحقق من صحة ما يزعمونه. وقد كتب رسالة في الأكسير توضح النتائج السلبية لأعماله.‏

وعندئذٍ فقط صرح برأيه المبني على التجربة.(2).‏

*** ‏

معنى العلم وتقسيم العلوم عند ابن سينا:‏

لابد بادئ ذي بدء من ملاحظة خاصة بمعنى العلم في العصر الحديث، وهو يختلف عما كان يذهب إليه أرسطو ومن اقتدى بمبادئه. فالعلم بمعناه الحديث بنطبق قبل كل شيء على القوانين الخاصة بالظواهر ومحاولة ربط الوقائع بشروط وجودها. فقد تلاشى معنى العلة بمقتضاها الميتافيزيقي، وكل ما يطلبه الكيماوي أو الفيزيائي، هو تحديد الشروط الدقيقة التي تسمح لأي عالم آخر أن يعيد التجربة التي يجريها. وهذه النظرة الوضعية للحوادث الطبيعية فقد تظهر بكل وضوح عند عالم مثل أوغست كونت أو ستوارت مِل في محاولتهما لتصنيف العلوم.‏

كما أنه، منذ جاليلو وديكارت، أدخلت الرياضيات في تحديد الوقائع وصياغة القوانين (mathématisation).‏

أما عند الفلاسفة القدماء وعلى رأسهم أرسطو كان للعلم معنى آخر، وهو معرفة الشيء بعلله وهو يرادف الحكمة أو المعرفة التامة للوجود1. فقد خصص ابن سينا رسالة لتقسيم العلوم نرى فيها كيف ينظر إليها وعلى أي أساس يُصَنِّفها(3).‏

فيبدأ رسالته على الشكل الآتي: "الحكمة صناعة نظر يستفيد منها الإنسان تحصيل ما عليه الوجود كله في نفسه،وما عليه الواجب مما ينبغي أن يكسبه فعله لتشرف بذلك نفسه، وتستكمل وتصير عالماً معقولاً مضاهياً للعالم الموجود،وتستعد للسعادة القصوى بالآخرة وذلك بحسب الطاقة الإنسانية".‏

فالحكمة هي الفلسفة بمعناها الأعلى، وهي علم ومعرفة. وهي تنقسم إلى قسمين: قسم نظري وقسم عملي. والقسم النظري هو الذي تكون الغاية منه حصول الاعتقاد اليقيني بحال الموجودات التي لا يتعلق وجودها بفعل الإنسان...‏

مثل علم التوحيد وعلم الهيئة. أما القسم العملي فيكون المقصود منه حصول صحة رأي في أمرٍ يحصل بكسب الإنسان ليكتسب ما يعود عليه بالخير. فغاية النظري هو الحق وغاية العملي هو الخير.‏

فلنضع جانباً العلم العملي فهو متجه إلى تدبير الإنسان لنفسه، أو لعائلته أو للمجتمع، أو بمعنى حديث إلى أخلاقه.‏

ولنضع أيضاً جانبا علم المنطق الذي هو مجرد "آلة عاصمة للذهن عن الخطأ فيما نتصوره ونصدق به وموصلة إلى الاعتقاد الحق بإعطاء أسبابه ونهج سبله".‏

(النجاة، ص 3)، وله تسعة أقسام: المدخل، المقولات، العبارة، القياس، البرهان، الجدل، السوفسطيقا، الخطابة، الشعر. وقد عالج ابن سينا مطولاً المنطق في أول كتابه من الشفاء.‏

أما الحكمة النظرية فأقسامها ثلاثة: العلم الأسفل، ويسمى العلم الطبيعي، والعلم الأوسط، ويسمى العلم الرياضي، والعلم الأعلى ويسمى العلم الإلهي.‏

بنى ذلك على نظريته العامة الخاصة بمبادئ الأشياء وطريقة معرفتنا لها. يقول ابن سينا:‏

"وإنما تكون أقسام الحكمة هذه الأقسام لأن الأمور التي يبحث عنها إمَّا أنْ تكون أموراً حدودها ووجودها متعلقة بالمادة الجسمانية والحركة مثل الفلك والعناصر الأربعة وما يتكون منها وما يوجد من الأحوال خاصة بها مثل الحركة والسكون والتغير والاستحالة والكون والفساد والنشور والبلى والقوى والكيفيات التي عنها تصدر هذه الأحوال وسائر ما يشبهها فهذا قسم.‏

وإما أن تكون أموراً وجودها متعلق بالمادة والحركة وحدودها غير متعلقة بهما، مثل التربيع والتدوير والكرية والمخروطية ومثل العدد وخواصه، فإنك تفهم الكرة من غير أن تحتاج في تفهمها إلى فهم أنها من خشب أو ذهب أو فضة، ولا تفهم الإنسان إلا وتحتاج إلى أن تفهم أنَّ صورته من لحم وعظم، وكذلك تفهم التقعير من غير حاجة إلى فهم الشيء الذي فيه التقعير، ولا تفهم القطوسة إلا مع حاجة إلى فهم الشيء الذي فيه القطوسة ومع هذا كله فالتدوير والتربيع والتقعير والأحديداب لا توجد إلا فيما يحملها من الأجرام الواقعة في الحركة، فهذا قسم ثان.‏

وإما أن تكون أموراً لا وجودها ولا حدودها مفتقران إلى المادة والحركة. أما من الذوات فمثل ذات الأحد الحق رب العالمين وأما من الصفات فمثل الهوية والوحدة والكثرة والعلة والمعلول والجزئية والتمامية والنقصان، وما أشبه هذه المعاني.‏

ولما كانت الموجودات على هذه الأقسام الثلاثة، كانت العلوم النظرية بحسبها على أقسام ثلاثة، والعلم الخاص بالقسم الأول، يسمى طبيعياً، والعلم الخاص بالقسم الثاني، يسمى رياضياً، والعلم الخاص بالقسم الثالث يسمى إلهياً". (ص106-107).‏

وقد طبق ابن سينا هذا المنهج في تقسيم العلوم بكتابه الشامل "الشفاء". والذي يهمنا في بحثنا هذا هو العلوم التي تتصل بما نسميها "العلوم" في وقتنا الحاضر، وهي التي تقع في القسمين الثاني أي الطبيعيات، والثالث أي الرياضيات.‏

أما الطبيعيات: فهي تحوي ثمانية علوم رئيسة يتفرع منها علوم خاضعة لمبادئها.‏

أول هذه العلوم الرئيسية الثمانية هو علم خاص بالأمور العامة لجميع الطبيعيات، مثل المادة، والصورة، والحركة، والطبيعة، والأسباب بالنهاية وغير النهاية، وتعلق الحركات بالمحركات، وإثباتها إلى محرك أول واحد غير متحرك، وغير متناهي القوة لا جسم ولا في جسم ويشتمل عليه كتاب الكيان أو السماع الطبيعي، المقابل لكتاب أرسطو المسمى Physike aeroasis.‏

والقسم الثاني: يعرف فيه أحوال الأجسام التي هي أركان العالم، وهي السموات، وما فيهن، والعناصر الأربعة وطبائعها وحركاتها ومواضعها، وتعريف الحكمة، في صنعتها وتنضيدها، ويشتمل عليه كتاب السماء والعالم.‏

والقسم الثالث: يعرف فيه حال الكون والفساد والتوالد، والنشوء والبلى، والاستحالات مطلقاً من غير تفصيل، ويتبيَّن فيه عدد الأجسام الأولية القابله لهذه الأحوال ولطيف الصنع الإلهي في ربط الأرضيات بالسموات، واستيفاء الأنواع على فساد الأشخاص بالحركتين السماويتين إحداهما شرقية والأخرى غربية منحرفة عنها ومواجهة لها ويحقق أن هذه كلها بتقدير العزيز العليم، ويشتمل عليه كتاب الكون والفساد.‏

والقسم الرابع: فتكلم فيه عن الأحوال التي تعرض فيه العناصر الأربعة قبل الامتزاج لما يعرض لها من أنواع الحركات والتخلخل والتكاثف بتأثير السموات فيها فنتكلم في العلامات والشهب، والغيوم والأمطار، والرعد والبرق، والهالة وقوس قزح، والصواعق والرياح والزلازل والبحار والجبال. ويشتمل عليه ثلاث مقالات من كتاب الآثار العلوية.‏

والقسم الخامس: يعرف فيه حال الكائنات الجمادية وما في المعادن ويشتمل عليه كتاب المعادن. وقد نال هذا الكتاب شهرة كبيرة في القرون الوسطى في ترجمته اللاتينية. يتكلم ابن سينا في هذا الكتاب عن الجبال والصخور، وعن كيفية تكوينها وعن منافعها. وقد خصص المرحوم الدكتور ساطع الحصري بحثاً في آراء ابن سينا في الجيولوجيا ووصل إلى نتيجة ذهب فيها إلى أنه في بحث تكوّن الجبال توصل إلى نظرية صحيحة كما يقرها العلم الحديث تماماً (4).‏

وقد سبق أن ذكرنا نصاً لابن سينا يدل على دقة ملاحظته وآرائه في تكوين‏

الحفريات(fossiles) ويؤكد الأستاذ كرومبي Crombie، وهومن أشهر مؤرخي العلوم، أن ملاحظات ابن سينا وآراءه في هذا الميدان تعتبر نقطة بداية للنظرية الحديثة الخاصة بالحفريات التي قدمها للمرة الأولى ألبرت الكبير في تفسيره لكتاب الأحجار، ومنه انتقلت لليوناردو دافنشي Leonardo de Vincui ولآخرين في القرن السادس عشر والقرن السابع عشر.‏

والقسم السادس من الطبيعيات مخصص لكتاب النفس وهو، مع كتاب الإلهيات، من أهم مصادر الفلسفة في القرون الوسطى. فقد فسره وعلق عليه كبار مفكري المسيحية وبخاصة توماس الأكويني، والمدرسة الفرنشسكية. وقد تبنى ابن سينا في هذا الكتاب التعليم الأساسي لأرسطو وزاد عليه آراءه الخاصة وملاحظاته وأدخله في إطار فلسفته الروحية فقد برهن بدقة روحية النفس وعدم فسادها، كما أنه حلل تحليلاً دقيقاً العمليات المختلفة التي تقوم بها الحواس والملكات النفسية لكي تنقل إلى العقل مواد المعرفة.‏

أما القسم السابع والثامن: فهما مخصصان لدراسة النبات والحيوان، وقد عرض ابن سينا لهما مطولاً في الشفاء.‏

وبَعد هذه العلوم الرئيسية في الطبيعيات، يذكر ابن سينا العلوم التي تتفرع منها.‏

أولها الطب، وقد عرضه مطولاً في كتاب القانون، وهو ، بلا جدال، أضخم مؤلفاته وأشهرها كما سنراه فيما بعد.‏

وعلم "أحكام النجوم" وهو في نظر ابن سينا علم تخميني لا قيمة له، وقد مَحَّصَ هذا الموضوع في رسالة خاصة. والغرض المزعوم منه الاستدلال من أشكال الكواكب، بقياس بعضها إلى بعض، وبقياسها إلى درج البروج، وبقياس جملة ذلك إلى الأرض، على مايكون من أحوال أدوار العالم والملك والممالك، والبلدان والمواليد، والتحاويل والتياسير، والاختبارات والمسائل". وقد فنّد في رسالته هذه المزاعم وبين أنه لا أساس لها.‏

وهناك أيضاً خمسة علوم طبيعية متفرعة:‏

علم الفراسة: والغرض منه الاستدلال من الخلق على الأخلاق،‏

علم التعبير: والغرض منه الاستدلال من المتخيلات الحلميّة على ما تشاهده النفس من علم الغيب، فخيلته القوة المخيلة بمثال غيره،‏

وعلم الطلسمات: والغرض منه تمزيج القوى السماوية بقوى بعض الأجرام الأرضية ليتألف من ذلك قوة تفعل فعلاً غريباً في عالم الأرض.‏

وعلم النيرانجيات والغرض منه تمزيج القوى في جواهر العالم الأرضي ليحدث عنها قوّة يصدر عنها فعل غريب.‏

وقد بين ابن سينا في كتابه الإشارات والتنبيهات أنه من الممكن تفسير هذه الأفعال الغريبة تفسيراً عقلياً.‏

وأخيراً علم الكيمياء: والغرض منه، في نظر مجنديه، سلب الجواهر المعدنية خواصها وإفادتها خواص غيرها وإفادة بعضها خواص بعض. ليتوصل إلى إيجاد الذهب والفضة من غيرها من الأجسام، وقد سبق أننا ذكرنا أن ابن سينا ألف رسالة خاصة في هذا الموضوع وأورد فيها نتائج عمله.‏

وقد لخّص ابن سينا موقفه من هذه الصناعة على الوجه الآتي:‏

يقول:‏

"وليس يبعد أنْ يحاول أصحاب الحيل حيلاً تصيرُ بها أحوال انعقادات الزئبق بالكباريت انعقادات محسوسة بالصناعة، وإن لم تكن الأحوال الصناعية على حكم الطبيعة وعلى صحتها، بل تكون مشابهة، أو مقاربة لذلك، فيقع التصديق بأن جهة كونها في الطبيعة هذه الجهة أو مقاربة لها، إلاَّ أن الصناعة تقصر في ذلك عن الطبيعة ولا تلحقها وإن جهدت.‏

وأما ما يدعيه أصحاب الكيمياء، فيجب أن تعلم أنه ليس في أيديهم أن يقلبوا الأنواع قلباً حقيقياً، لكن في أيديهم تشبيهات حسية، حتى يصبغوا الأحمر صبغاً أبيض شديد الشبه بالفضة، ويصبغوه صبغاً أصفر شديد الشبه بالذهب، وأن يصبغوا الأبيض أيضاً أي صبغ شاؤوا، حتى يشتد شبهه بالذهب أو النحاس.‏

وأن يسلبوا الرصاصات أكثر مافيها من النقص والعيوب إلا أن جواهرها تكون محفوظة، وإنما يغلب عليها كيفيات مستفادة حيث يُغلط في أمرها، كما أن للناس أن يتخذوا الملح والقلقند والنوشادر وغيره.‏

ولا أمنع أن يبلغ التدقيق مبلغاً يخفي الأمر فيه على الفرهة. وأما أن يكون الفصل المنوع يسلب أو يكسى فلم يتبين لي إمكانه، بل بعيد عندي جوازه. إذ لا سبيل إلى حل المزاج الآخر، فإن هذه الأحوال المحسوسة يشبه أن لا تكون هي الفصول التي بها تصير هذه الأجساد أنواعاً، بل هي عوارض ولوازم وفصولها مجهولة: وإذا كان الشيء مجهولاً كيف يمكن أن تقصد قصد إيجاده أو إفقاده.‏

وأما سلخ هذه الأصباغ والأعراض من الروائح والأوزان أو كسوها، فهذا مما لا يجب أن يصرّ على جهده، لفقدان العلم به فليس يقوم البتة برهان على امتناعه.‏

ويشبه أن النسبة التي بين العناصر في تركيب كل جوهر من هذه المعدودة غيرها في التركيب الآخر. وإذا كان كذلك، لم يعد إليه، إلا أن يفك التركيب إعادة إياه إلى تركيب ما يراد إحالته إليه، وليس ذلك مما يمكن بأدائه حفظ الاتصال. وإنما يختلط به شيء غريب أو قوّة غريبة"(5).‏

القسم الثالث: من الشفاء جعله في العلوم الرياضية وهي تضم أربعة علوم رئيسية، عالجها ابن سينا في الشفاء، وهي علم العدد وعلم الهندسة، وعلم الهيئة، وعلم الموسيقى.‏

وجدير بالذكر أن قسم علم الموسيقى من كتاب الشفاء يحوي أهم الأبحاث الموسيقية وأوسعها لابن سينا. ويعتبر بحق من أنفس المصادر للموسيقى العربية القديمة. وقد ترجم البارون ديرلانجيه D’erlanger القسم المتعلق بعلم الموسيقى من الشفاء وطبعه في باريس سنة 1935 كما ترجم الدكتور فارمر Farmer فصل العود منها إلى الإنجليزية ونشره مع المتن في الجزء الثاني من كتابه.‏

Sudies in Oriental Instruments.‏

عالج ابن سينا في الشفاء علم الموسيقى فحدد ماهية هذا الفن، والمتفق والمتنافر من الأصوات، والأجناس وأنواعها، والإيقاعات، والشعر وأوزانه، وتأليف الألحان والآلات الموسيقية.‏

يقول الأستاذ فارمر: إن ابن سينا كان أول من نظم صورة لعلم الانسجام والموسيقى القياسية ـ بدلاً من القيم الزمانية السائلة ـ التي لا تزال موجودة في الترتيل الغريغوري ( Plainchant) ـ تكون مدة استمرار النوطات فيها لها نسبة مضبوطة فيما بينها.‏

يقول الأستاذ كرومبي (crombie)(6): إنه بالرغم من أن القسم الخاص بالموسيقى من الشفاء لم يصل إلى اللاتين، إلا أنه من المؤكد أن تنظيم الموسيقى قد وصل إليهم بواسطة العرب في القرن العاشر، والموسيقى القياسية وصلت في القرن الثاني عشر، وكان استعمال الانسجام والتوقيع في الغرب نتيجة لتطبيق هاتين الوسيلتين.‏

إن اهتمام ابن سينا بالموسيقى لم يكن، في نظره، إلا تمهيداً لإعداد النفس للتوصل إلى الاتصال بانسجام الأفلاك. كما أنه كان كثير الاهتمام بقيمة الموسيقى العلاجية وقدرتها على أن تعد النفس لتقبل الحكمة. وقد ذكر روجر بيكون عنه أنه كان يقول: إن الإنسان الذي ليس له علم محدد عن الحياة الأبدية هو شبيه بالرجل الأصم الذي لم يسمع قط لذة الانسجام، بالرغم من أنه يستطيع أن يعلم جيداً حقيقة عذوبته وماهيته.(7).‏

وأخيراً لنشر هنا إلى أن ابن سينا في رسالته عن تقسيم العلوم يذكر للعلوم الرياضية الأربعة الرئيسة العلوم الآتية المتفرعة عنها، وهو لم يفرد لها دراسة خاصة:‏

فروع العدد:‏

1 ـ علم الجمع والتفريق بالهندي.‏

2 ـ علم الجبر والمقابلة.‏

فروع الهندسة:‏

1 ـ علم المساحة.‏

2 ـ علم الحيل المتحركة.‏

3 ـ جرّ الأثقال.‏

4 ـ علم الأوزان والموازين.‏

5 ـ علم الآلات.‏

6 ـ علم المناظر والمرايا.‏

7 ـ علم نقل المياه.‏

فروع علم الهيئة:‏

عمل الزيجات والتقاويم.‏

فروع الموسيقى:‏

اتخاذ الآلات العجيبة الغربية مثل الأرغل وما أشبهه.‏

*** ‏

تأثير ابن سينا العلمي في الغرب:‏

لقد عرضنا في مناسبات عديدة لتأثير ابن سينا في الفكر الإسلامي في الشرق وفي الغرب. ولا نريد في بحثنا هذا أن نلقى الضوء على تأثيره في ميدان العلوم في الشرق فهذا موضوع عولج مراراً، والمكانة العلمية للشيخ الرئيس بخاصة في ميدان الطب لا تزال حتى الآن عالية جداً في بلاد مثل إيران وباكستان حيث الطب السينوي يدرس ويطبق. فإني آثرت أن يكون بحثي منصباً على التأثير العلمي لابن سينا في الغرب لكي يتسنى لنا أن نقف على مدى إسهام الشيخ الرئيس في تشييد هذا الصرح الشامخ الذي يسمى العلم الحديث.‏

ولكي نفهم مدى هذا التأثير وضخامة العمل الذي قام به ابن سينا لدى مفكري الغرب، لنسمع ما يقوله أحد هؤلاء المفكرين ـ روجيه بيكون ـ الذي يحاول في كتابه Opus Mailus أن يعطى نبذة من تاريخ الفلسفة في عصره فيقول:‏

"إن أرسطو... قد أزاح أغلاط الفلاسفة الذين سبقوه ووسع نطاق الفلسفة، طامحاً إلى السيطرة الكاملة على الموضوع كما كان هذا شأن الآباء القدماء بالرغم من أنه لم يكن في وسعه أن يتمكن تماماً من كل أجزائها. وقد نقح خلفاؤه بعض آرائه وأضافوا كثيراً إليها، وهذا أمر لا غنى عنه حتى نهاية العالم. إذ ليس هناك كمالٌ في الاكتشافات الإنسانية...‏

ولكن الجزء الأكبر من فلسفة أرسطو لم تَحظَ إلا بانتباهٍ ضئيل، وهذا إما لقلة وجود مؤلفاته وندرتها أو لصعوبتها وعدم شيوعها، أو بسبب الحروب التي غمرت الشرق حتى زمن محمد، وحينئذٍ أعادها إلى النور وأوضحها ابن سينا وابن رشد وفلاسفة آخرون.... وبالرغم من أن بعض مؤلفاته في المنطق وغيرها وقد ترجمها بوئيسيوس Boethius، فإنه منذ عهد ميكل سكوت Michael Scot الذي ترجم بعض أجزاء مؤلفات أرسطو في الطبيعة، وما وراء الطبيعة وعلق عليها تعليقاً صحيحاً سنة 1230م، أخذت فلسفة أرسطو تكتسب اهتماماً عند اللاتين.‏

إلا أن ما يتعلق بضخامة حكمته الموجودة في عدد كبير من الكتب، فليس منها إلا قدرٌ قليلٌ جداً إلى وقتنا هذا قد نقل إلى اللاتينية، وقدر أقل يفيد منه الطلبة. إن ابن سينا هو، بوجه خاص، الذي اقتدى بمذهب أرسطو وفسره، وهو الذي كمل الفلسفة بقدر المستطاع ووضع في الفلسفة كتاباً في ثلاثة أجزاء... وقد وصل إلى اللاتين جزء من القسم الأول، وهو كتاب الطبيعيات، وبعد ابن سينا جاء ابن رشد، رجل ذو حكمة حقيقية.... بالرغم من أنه كان ينبغي عليه أن ينقح في بعض الجزئيات ويكمّل في كثير من المواضيع".(8).‏

يدل هذا النص على أن ابن سينا كان أول فيلسوف عربي مكّن علماء الغرب من مباشرة الثورة العلمية التي ابتدأت فعلاً في القرن الثالث عشر وبلغت هذه الثورة مرحلتها الأساسية في القرن السابع عشر.‏

يقول العالم الفلكي الشهير وايتهيد Whitehead في أحد كتبه إن الشيء الجديد في عصرنا هو الاهتمام البالغ في الحوادث المفصلة والمقرون بنفس الاهتمام بالتعميم التجريدي abstract generalisation، أي بتعبير آخر، باتحاد اهتمام رجال العلم ذوي النزعة الفلسفية.‏

وقد طبق الأستاذ كرومبي هذه الملاحظة في دراسته عن ابن سينا، فوصف الخلفية النفسية التي أوجدتها مؤلفات ابن سينا عندما دخلت لأول مرة في الغرب يقول: إن البيئة العلمية كانت حينذاك مهيّأة لهذا القران بين الانتباه إلى الحوادث التفصيلية ورغبة دخالها بمذهب فلسفي شامل.و هذا يفسر الاهتمام الكبير الذي أبداه المفكر نحو التراث العلمي للعالم القديم الذي كان يرد في موكب علماء العرب.‏

بعد سقوط الامبراطورية الرومانية في الغرب كل ما تبقى في العالم اللاتيني من التراث العلمي اليوناني كاد يكون محصوراً في دائرة معارف بليني Pliny وترجمات بوئيسيوس Boethius وبعض المقالات الأولية في المنطق والرياضيات. وبخلاف هذا القدر الضئيل من الزاد الفكري الذي كان يحول دون أي وجود لعلوم مبتكرة حتى عمل المترجمين في القرن الثاني عشر، كان حتى الفترة التي جاءت بعد ا لغارات البربرية حركة تكنولوجية وابتكارات هي من أغرب ما يلاحظ في تاريخ العلوم(3).‏

نعم لم تكن هذه الابتكارات التي حققت في المرحلة بين 800 و1200، بالنسبة لما حققه العلم الحديث والمعاصر إلا شيئاً متواضعاً، ولكنه قد تجاوز تجاوزاً كبيراً في بعض الميادين، كل ما حققته التكنولوجيا في العالم الكلاسيكي. وما الابتكارات التي وصلنا إليها في عالمنا الحاضر إلاّ امتدادٌ وتطور لهذه الحركة.‏

وقد لخص الأستاذ كرومبي (Crombie) هذه المنجزات التكنولوجية التي ظهرت في القرون الأولى حتى فترة الترجمات عندما ترجمت إلى اللاتينية مجموعة النصوص الخاصة بالعلوم اليونانية والعربية، ومنها مؤلفات ابن سينا، فذكر المحراث ذا العجلات والطرق الجديدة لسرج حيوانات الجرّ. وطرق البناء الجديدة، وبداية مكننة الصناعات باستعمال الإدارة بوساطة الهواء أو الماء، وتقدم الكيمياء وصناعة المعادن، كما هو واضح في صناعة الزجاج، والتقطير، وسباكة الأجراس. وبداية عمليات الجراحة وتحسينها وتشخيص الأمراض.‏

ويضيف الأستاذ كرومبي: إن أهم نتيجة لهذا النشاط التكنولوجي، من وجهة تاريخ العلوم، هي أنه أوجد عند رجال العلم عقلية مهتمة بإيجاد حلول عملية دقيقة لأسئلةٍ عملية معينة، وهذا جعلهم يحدون من نزعة التعميم الذي لا يستند إلى الملاحظات الدقيقة المبنية على المقاييس. ففي القرن السابع مثلاً نرى الراهب بيدا Bede يكتب رسالة في التقويم لا تزال محتفظة بقيمتها العلمية والحاجة إلى تقويم دقيق لتحديد تاريخ عيد الفصح كان السبب الرئيس للاشتغال في علم الفلك. وإننا لنرى كانوت Canute وإيرل هارولد Earl Harold ووليم الفاتح William the Conqueror يطلبون فلكيين ورياضيين للمركز الجديد في لوتارنجيا Lotharingia .‏

من أول المؤلفات العربية التي ترجمت إلى اللاتينية كانت رسائل في علم الاصطرلاب وفي الواقع، كثير مما ترجم قبل عام 1200م، كان يتصل بعلم الفلك، والمِعداد، والحساب الهندي الجديدة والكيمياء، والطب ومواضيع عملية أخرى.‏

وفي بداية القرن الثاني عشر للميلاد ابتدأت النزعة العلمية تؤثر في التعليم في نظام الفنون السبعة الحرة Seven Liberal arts. فإننا نرى مثلاً الديداسكاليون Didascalion لهوج دي سانت فيكتور Hugh of st. Victor والهبتاتيكون Heptateuchon لتييري دي شارتر Thierry de chartres وما جاء في قائمة لكتب دراسية مستعملة في باريس، إن المواضيع الرياضية الموجودة في الكوادريفيوم Quadrivium كانت قد توسعت بحيث ضمت أنواعاً مختلفة من العلم التكنيكي، وأن الأعمال الطبية المترجمة كان لها شأن كبير في هذه البرامج.‏

ولا غرو أن ابن سينا بنظرته إلى العلوم وممارسته للطب ممارسة عملية وملاحظاته الدقيقة الراصدة كان مثلاً حيَّاً لهذا الاتجاه الجديد نحو العلم المبني على الملاحظة والتجربة(9).‏

القانون في الطب وأثره في الغرب‏

إني أرجأت النظر في القانون على حدة لكي يتسنى لي أن أشير بشيء من التوسع إلى أهمية هذا الكتاب الوحيد في نوعه والذي يعتبر أكثر موسوعة طبية وصلت إلينا من القرون الوسطى. ولم تكن شهرته عظيمة في الشرق فحسب بل تجاوزته إلى الغرب فترجم إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر وظلّ أثره في أوروبا دون منافس حتى في القرن السابع عشر.وفُسر مراراً وعلقّ عليه، فاعتمد كتاباً مدرسياً Text – Book مدّة قرون مما جعل الدكتور أوسلر Osler يقول بحق: "لقدعاش كتاب القانون مدة أطول من أي كتاب آخر كمرجع أوحد في الطب".‏

“The Canon has remained a medical Bible for a longer period than any other book.”.‏

ويشتمل القانون على خمسة أجزاء أو كتب. أما الكتاب الأول فهو مخصص للأمور الكلية من علم الطب: في حد الطب وموضوعاته وفي الأركان والأمزجة والأخلاط. في ماهية العضو وأقسامه والعظام والعضلات.‏

وفي تصنيف الأمراض وأسبابها بصفة عامة من جهة النبض والهضم وتدبير الصحة وقوانين المعالجات: المسهلات، الحمامات إلخ....‏

والكتاب الثاني خاص بالمفردات الطبية أو الأدوية غير المركبة. وهو قسمان القسم الأول درس دقيق في ماهية الدواء وصفاته ومفعوله وطريقة حفظه. وتسهيلاً للإفادة من البيانات العديدة الموجودة فيه، يعطي ابن سينا مجموعة من الألواح مبينة أثر كل دواء في كل عضو. والقسم الثاني يحتوي على المفردات نفسها مرتبة ترتيباً أبجدياً.‏

وفي الجزء الثالث يدرس ابن سينا الأمراض الجزئية الواقعة بكل عضو على حدة. مبتدئاً من الرأس إلى القدم.‏

وفي الكتاب الرابع دراسة الأمراض الجزئية التي إذا وقعت لم تختص بعضو مثل الحميات ويعالج مسائل مثل الأورام والبثور والجذام والكسر والجبر ويخصص باباً للزينة.‏

وأخيراً يدرس ابن سينا في الكتاب الخامس الأدوية المركبة. أو الأقرباذين: وهذا في مقالتين: مقالة عملية يشير فيها إلى أصول علم التركيب وإلى جملتين: جملة في المركبات الراتبة وفي القراباذينات، وجملة في الأدوية المركبة المجربة في مرض مرض.‏

وقد لخص ابن سينا قانونه في قالب شعري فألف"الأرجوزة في الطب"، وهي تشتمل على 1329 بيتاً. وقد كانت بمثابة دستور للطب في مختلف أقسامه، ويشغل القسم الخاص بالأدوية الأبيات من رقم 997، إلى 1119. وقد ترجمت هذه الأرجوزة إلى اللاتينية في العصر الوسيط وأحرزت شهرة متفوقة مدة قرون. وقد نشرت أخيراً مع ترجمة فرنسية وتعليقات(10).‏

أما المبادئ النظرية التي يبني ابن سينا عليها علمه الطبي ومعالجة الأمراض فهي مرتبطة كل الارتباط بنظرية القدماء الموروثة عن أرسطو.‏

ويحسن بنا الآن أن نعرض بشيء من التفصيل لمعالجة ابن سينا للعقاقير: ما مدى علمه بالأدوية؟... وما قيمة هذا العلم بالنسبة إلى علمنا الحديث؟.. ولكي نستطيع أن نجيب عن هذين السؤالين يجب أن نميز بين أمرين: أولاً المبادئ التي تقوم عليها نظرية ابن سينا في معالجة الأمراض، وبالتالي في تركيب الأدوية، وثانياً التجارب العملية التي اهتدى إليها.‏

أما المبادئ فهي مرتبطة كل الارتباط بنظرية القدماء الموروثة عن أرسطو عن تكوين العالم. ويمكننا أن نلخصها كما وردت في القانون فيما يلي: تتركب جميع الكائنات المادية من أربعة أركان بسيطة أساسية تسمى العناصر أو الاسطقسات وهي الأرض والماء والهواء والنار، ومن أربع كيفيات أساسية متضادة اثنين اثنين، اليبوسة والرطوبة والحرارة والبرودة. الأرض باردة يابسة في طبعها ووجودها في الكائنات يفيدها الاستمساك والثبات وحفظ الأشكال والهيئات، والماء كيفية باردة رطبة ووجودها في الكائنات يجعلها سلسلة سهلة التشكيل والتخطيط والتعديل. والهواء حار، رطب ووجوده في الكائنات يفيدها التخلخل والتلطف. أما النار فهي حارة يابسة ووجودها في الكائنات ينضج ويلطف.‏

إن جميع الكائنات مكونة من هذه الأركان الأربعة ونتيجة التركيب يسمى "المزاج" والأمزجة تختلف باختلاف نسب العناصر فيها. فالمزاج المعتدل بالحقيقة هو الذي تكون فيه المقادير من الكيفيات المتضادة متساوية متقاومة، ويكون المزاج كيفية متوسطة بينها ويبن الخفيف. والمزاج غير المعتدل هو الذي يكون فيه زيادة من عنصر إلى عنصرين ويطلق عليه اسم العنصر الزائد. فيقال مزاج حار أو مزاج حار يابس.‏

غير أن المعتدل الذي يستعمله الأطباء في مباحثاتهم مشتق، لا من هذا التعادل الذي هو التوازن بالتسوية، بل من العدل في القسمة، وهو أن يكون قد توفر في الممتزج، بدناً كان أو عضواً، من العناصر القسط الذي ينبغي له في المزاج الإنساني على أعدل قسمه ونسبة.‏

وليس هذا الاعتدال شيئاً مطلقاً ينطبق على كل إنسان يتمتع بصحة جيدة بل يختلف باختلاف الأقاليم والأجناس والأزمنة الخ... وفي الجسم الإنساني نفسه يختلف المزاج باختلاف الأعضاء فللقلب مزاج وللدماغ مزاج وللعين مزاج الخ.‏

ونظرية المزاج محور العلاج أيضاً إذ هي تنطبق على الأدوية، غير أن مزاج الأدوية لا يؤخذ مطلقاً بل يؤخذ بالنسبة إلى البدن الإنساني.‏

يقول ابن سينا: "إنا إذا قلنا للدواء إنه معتدل فلسنا نعني بذلك معتدل على الحقيقة، فذلك غير ممكن، ولا أيضاً إنه معتدل بالاعتدال الإنساني في مزاجه وإلا لكان من جوهر الإنسان بعينه، ولكنا نعنى أنه إذا انفعل عن الحار الغريزي في بدن الإنسان فكيف بكيفيته، لم تكن تلك الكيفية خارجة عن كيفية الإنسان إلى طرف من طرق الخروج عن المساواة. فلا يؤثر فيه أثراً ماثلاً من الاعتدال وكأنه معتدل بالقياس إلى فعله في بدن الإنسان.‏

وكذلك إذا قلنا أنه حار أو بارد فلسنا نعني أنه في جوهره بغاية الحرارة أو البرودة. ولا أن جوهره أحرمن بدن الإنسان أو أبرد.... ولكنا نعنى به أنه يحدث منه في بدن الإنسان حرارة أو برودة فوق اللتين له، ولهذا قد يكون الدواء بارداً بالقياس إلى بدن الإنسان حاراً بالقياس إلى بدن العقرب وحاراً بالقياس إلى بدن الإنسان بارداً بالقياس إلى بطن الحية، بل قد يكون دواء واحد أيضاً حاراً بالقياس إلى بدن زيد فوق كونه حاراً بالقياس إلى بدن عمرو. ولهذا يؤمر المعالجون بأن لا يقيموا على دواء واحد في تبديل المزاج إذا لم ينجح"(القانون طبعه بولاق ـ ج1 ـ (ص 8-9).‏

وقد يقول قائل: إن نظرية ابن سينا الخاصة بتكوين الجسم الإنساني وأعضائه ومعالجة أمراضه مبنية على أصول هي من وجهة العلم الحديث خاطئة كل الخطأ. وإذن، ليس هناك أية فائدة من هذا التراث الطبي القديم الذي دخل نهائياً في ذمة التاريخ.‏

وإني لأُقِرُّ ببساطة أني لا أميل إلى موقف قاطع مثل هذا، فالذي يُطلب إلى الطبيب هو أن يشخص المرض ويعالج المريض فيشفيه.‏

وهذا ماكان يفعله كبار الأطباء القدامى مثل الرازي وابن سينا. فلابد من أن نجزم إذن بأنه كان في علمهم وخبرتهم ما ضمن نجاح ممارستهم للطب. وإني أعتقد إننا نستطيع حتى اليوم أن نجد في بعض صفحات من القانون ما يساعدنا في معالجة بعض الأمراض.‏

ولا أريد أن أتوسع في هذا الموضوع مكتفياً أن أحيل إلى البحث القيم الذي خصصه الدكتور محمود نجم آبادي لتقويم منزلة ابن سينا الطبية (11) فقد تبين أن الشيخ الرئيس قد وصف في القانون تشريح جميع أعضاء البدن وصفاً صحيحاً جداً، وأنه ذكر أقسام العظام والعضلات واحداً واحداً تماماً كما هو معروف اليوم وإن معلومات الشيخ في علم الأمراض جدّ واسعة وكاملة وأنه أ وّل من ذكر ألم العصب ذي الشعب الثلاث وأنه ميّز بين التهاب المنصف الصدري أو الحزيم (mediastinitis) والتهاب البلورا (pleurisy). واكتشف طبيعة السل المعدية وانتشار الأوبئة بالماء والأرض. وهو يرى أن زيادة استعمال الأدوية يمكن أن تنتج أخطاراً، وهو يؤمن بطريقة التقنين الغذائي أو الحِميَة. كما أنه كان يرى أن الرياضة أحد الأركان الهامة في السلامة. وقد وضح مختلف أنواع الرياضة للإنسان في مراحل العمر المتباينة كما وضح جيداً أثر الرياضة في الوضع النفساني والحياة الروحية. وهو يرى أن أفضل مياه الشرب مياه العيون والينابيع. ويختتم الدكتور نجم آبادي بحثه قائلاً: "إذاً فنحن نرى أنه كانت لابن سينا... قبل ألف سنة، نظريات في معالجة بعض الأمراض وآراء لا تختلف عن النظريات الطبية العصرية".(ص241).‏

وقد ذكرنا فيما سبق كيف يشير ابن سينا إلى طريقتين للوصول إلى معرفة قوى الأدوية وإدراجها في أحد الأمزجة: طريقة التجربة وطريقة القياس، وذكرنا الشروط السبعة التي يجب مراعاتها إذا أردنا الوصول إلى معرفة موثوق بها. ويعطي ابن سينا أمثلة على هذه الشرائط، شارحاً إياها مما يدلّ على أنه أجرى بنفسه هذه التجارب.‏

أما معرفة أمزجة الأدوية المفردة بالقياس فهي تؤخذ أولاً من سرعة استحالتها إلى النار والتسخين وبطء استحالتها، ومن سرعة جمودها، وبطء جمودها. ثانياً: من الروائح. ثالثاً: من الطعوم. رابعاً:من الألوان. خامساً:من أفعال وقوى.‏

ولم يغب عن ذهن ابن سينا أن هذه العلامات غير يقينية أو بحسب تعبيره: "أن قال إنسان في هذا شيئاً فإنما يقوله على وجه التخمين". غير أن الطعوم تفوق، في هذه الدلالة، الروائح لأنها تصل إلى الحس بملاقاة: "فهي أول ما يوصل من جميع أجزاء الدواء قوة". وقد ميز ابن سينا تسعة طعوم بسيطة: التفه: وهو العادم الطعم والحلاوة والمرارة والحرافة والملوحة والحموضة والعفوصة والقبض والدسومة.‏

وزيادة عن الكيفيات الأربع المعلومة وهي البرودة والرطوبة واليبوسة والروائح والألوان، يوجد للأدوية صفات أخرى أشهرها اللطافة، مثل التي توجد في الزعفران والدار صيني، والكثافة مثل كثافة القرع، واللزوجة مثل لزوجة العسل، والهشاشة وهي سهولة التحول إلى راب مثل الصبر الجيد، والجمود مثل جمود الشمع، والسيلان مثل سيلان المائعات، واللعابية مثل لعابية بزر القطونة والخطمى، والدهنية مثل دهنية الحبوب، والنشف مثل نشف النورة غير المطفأة الخ..‏

وقد افتن ابن سينا في التدقيق في ملاحظة أفعال الأدوية فيشير مثلاً إلى ارتباط بعض الأفعال بالصفات فيذكر أن أفعال الحلو: الإنضاج والتليين وتكثير الغذاء، وأفعال المرارة: الجلاء والتخشين، وأفعال العفوصة: القبض إن ضعف والعصر إن اشتد، وأفعال الملوحة: الجلاء والغسل والتجفيف ومنع العفونة الخ...‏

1 ـ المسخن والملطف والمحلل والحاد والمخشن والمفتتح والمرخى والمنضج والهاضم وكاسر الرياح والمقطع والجاذب والمحكك والمقرع والأكال والمحرف اللاذع والمفتت والمعفن والكاوي والمقشر.‏

2 ـ والمبرد والرادع والمغلظ... والمخدر...‏

3 ـ والمرطب والمنفخ والغسال والموسخ للروح والمزلف والمملس.‏

والمجفف والعاصر والقابض والمسدّد والدامل والمنبث للحم والخاتم.‏

5 ـ والقاتل والسم والمسهل والمدّر والمعرق.‏

ثم يبحث ابن سينا في أحكام تعرض للأدوية من خارج وتغير كيانها مثل الطبخ والسحق والإحراق بالنار والغسل والأجماد في البرد والوضع في جوار أدوية؟ أخرى والممازجة ثم يعطى نصائح في طريقة التقاط الأدوية وادخارها.‏

وبعد هذه الدراسة العامة للأدوية المفردة ينتقل ابن سينا إلى دراستها بالتفصيل واحداً واحداً. وتسهيلاً لدرسها وضع الشيخ الرئيس اثني عشر جدولاً (وهو يسميها ألواحاً) لتسجيل أفعال الأدوية وخواصها في أعضاء أو أحوال خاصة معطياً في كل لوح عدد كبير من هذه الأفعال. وهذه الألواح تشمل الزينة، والأورام والبثور والجراح والقروح وآلات المفاصل وأعضاء الرأس وأعضاء العين وأعضاء النفس والصدر وأعضاء الغذاء والحميات والسموم.‏

وعلى سبيل المثال أذكر أن ما ورد في لوح الزينة ستون فعلاً للأدوية في هذا الباب. فيقول مثلاً عن الدواء الذي يصفه أنه: ينقى أو يكدر أو يزيل السفوع أو ينفع من البهق والأسود أو ينفع من البرص أو يحمر اللون أو يقلع الوشم من الثآليل أو يسمن الخ...‏

وبعد هذه المقدمات الدقيقة ينتقل إلى الأدوية المفردة نفسها واحداً واحداً وهو يذكرها حسب الحروف الأبجدية في ثمانية وعشرين فصلاً، وهو يكاد يذكر لكل دواء: الماهية والاختبار والطبع والخواص والأفعال حسب كل لوح من الألواح المذكورة.‏

القانون في الطب والغرب‏

ابتدأ أثر القانون في الغرب في أواخر القرن الثاني عشر عندما ساعد في إيجاد صناعة الجراحة مع روجيه دي ساليرنو Roger of Salerno ورولان دي بارم Roland de Parme وأعضاء آخرين من مدرسة ساليرنو(12).‏

وفي الواقع لقد أحدثت ترجمة القانون تغييراً أساسياً في الطب الغربي. ويلاحظ كرومبي أن هذا التأثير لم يكن دائماً ذا نتيجة محمودة. فينصح مثلاً ابن سينا ـ تمشياً مع رأي جالينوس في علاجة القروح ـ ألاَّ تنقى بل أن تترك لكي "تتقيح". وكان يميل إلى اعتبار الجراحة وسيلة غير راقية لصناعة الطب تترك للحلاقين والحجامين. وقدحارب هذه النظرية بقوة بعض أطباء الغرب في أواخر القرن الثالث عشر (13). ولكن لسوء الحظ وجد من يدافع عنها لمدة ثلاثة قرون أخرى.‏

في آخر هذه الحقبة من الزمن حظي القانون بعدة طبعات إلى اللاتينية، وصل عددها إلى خمسة عشرة في الثلاثين سنة من القرن الخامس عشر، وعشرين في القرن السادس عشر. وقد زاد عدد الطبعات في القرن السابع عشر(14).‏

وبالرغم مما كان عليه الطب في ذلك الزمن، فإننا نجد في ميدانه روح التجدد والبحث نفسها التي نجدها في العلوم التطبيقية وفي العلم نفسه. ففي القرن الرابع عشر مثلاً، كان الأطباء يشخصون تشخيصاً دقيقاً عدداً كبيراً من الأمراض مثل الطاعون الدّملي والرئوي، والديفتيريا والجذام، والكلب، ومرض السكر، والنقرس، والسرطان والصرع(15)، وقد اقترحوا نظرية العدوى بواسطة الآثار التي يتركها المريض وأدخلوا نظام الحجر الصحي.‏

ولابن سينا ملاحظات قيمة في هذا الصدد فهو يقول:‏

ومن الأمراض أمراض معدية مثل الجذام، والجرب، والجدري، والحمىالوبائية، والقروح العفنة، خصوصاً إذا ضاقت المساكن، وكذلك إذا كان المجاور في أسفل الريح. ومثل الرمد وخصوصاً إلى متأمله بعينه. ومثل القرس حتى إذا تخيل الحامض يفعله، ومثل السبل، ومثل البرص.‏

ومن الأمراض أمراض تتوارث في النسل مثل القرع الطبيعي، والبرص، والنقرس، والسبل، والجذام.‏

ومن الأمراض جنسية تختص بقبيلة أو بسكان ناحية أو يكثر فيهم.‏

(القانون، طبعة روما، ص 39).‏

ونشروا استعمال الأدوية المعدنية مثل الزئبق، والأفيون وأدوية مخدرة خفيفة أخرى. وتمكنوا من إجراء عمليات صعبة مثل عملية الفتق والسد، وسدّوا الأضراس بأوراق من الذهب، وزوّدوا ذوي النظر القصير بالنظارات(16).‏

ومما لاشك فيه أن هذه الروح التجريبية التي أنجزت هذه الأعمال هي في الأكثر ثمرة للتعليم السينوي الطبي.‏

وقد اختار الأستاذ كرومبي مثلين نرى فيهما هذا الأثر بشكل لا يقبل الشك: الأول: النظرية الخاصة بالحركة الدموية الصغرى، والثاني في نظرية الأبصار.‏

الحركة الدموية الصغرى(17).‏

أما (الحركة الدموية)، فقد كان ابن سينا قد قبل نظرية جالينوس القائلة: إنَّ الدم "والأرواح" ترتفع وتسيل بين نصفي القلب والشرايين والأوردة، وأن هناك صلة بين نظام الأوردة ونظام الشرايين بواسطة نوافذ كان يفرض أنها تمرّ عبر الحاجز الناشب في البطين (intraventricular septum).‏

وفي القرن الثالث عشر، نقد علاء الدين ابن النفيس، الطبيب المصري في شرحه للقانون، نظرية ابن سينا، فقد قرر أن هذه المسام أو النوافذ لا وجود لها، وأن الدم يمر من الجانب الأيمن إلى الجانب الأيسر من القلب بطريق الرئتين. وقد بنى ابن النفيس نظريته ـ وهو أول من قال بنظرية الحركة الدموية الصغرى أي بواسطة الرئتين ـ على أساس منطقي محض، قائلاً مثلاً: إن كانت هذه النوافذ موجودة، فالدم في الجانب الأيسر من القلب لا يستطيع أن يبقى نقياً.‏

وقد خصص الدكتور بول غليونجي، القاهري، بحثا مطولاً لابن النفيس ونحن ننقل هنا ما وصل إليه فيما يتعلق بنظرية ابن سينا.... يقول الدكتور غليونجي: "ولعلنا نستطيع الآن أن نتصور الدورة الدموية كما كان يتصورها ابن النفيس مستندين في ذلك إلى ما سبق أن استشهدنا به من فقرات في شرح تشريح القانون"...‏

"فقد كان يرى أن الدم يأتي غليظاً من الكبد إلى التجويف الأيمن حيث يلطف، ثم يمر في الوريد الشرياني (الشريان الرئوي)، وهو وعاء غير نابض يتحرك بحركة الرئة حركة معتدلة هي سبب غلظ جداره، ثم يصل إلى الرئة حيث ينقسم إلى قسمين قسم رقيق يصفى من مسام الشريان الرئوي، وقسم غليظ يتبقى في الرئة لتغذيتها.‏

أما القسم الرقيق فإنه يختلط بالهواء القادم إلى الرئة بطريق القصبة الهوائية ويدخل الشريان الوريدي (الوريد الرئوي) عبر جداره النحيف، وعلة هذه النحافة أولاً ضرورتها لتسمح بمرور الدم الرقيق، ثم كثرة حركتها إذ أنها كانت ـ في زعمه ـ نابضة تلقائياً بالإضافة إلى أنها متحركة تبعاً لحركة الرئة، ثم يصل الدم الرقيق المخلوط بالهواء إلى التجويف الأيسر حيث تتكون الروح التي تخرج منه إلى الأوردة فالشرايين فالأنسجة، أما غذاء القلب، فيكون عن طريق أوعية خاصة تمرّ في صميم عضلة القلب". (ابن النفيس، ص 128-129).‏

ويبدو، فيما يقوله الأستاذ كرومبي(18)، أن نظرية الحركة الدموية الرئوية قد أغفلت حتى القرن السادس عشر. لم ينشر شرح ابن النفيس للقانون في الغرب ـ بترجمته اللاتينية ـ إلا سنة 1547م في البندقية، ولكن القسم الخاص بالحركة الرئوية لم ينشر. وبعد بضع سنين نشر هذه النظرية الإسباني ميجيل سيرفيتو Miguel serveto (1553)، وتلميذ لفيزاليوس Vesalius، ريالدو كولومبو Realdo colombo الطبيب البدواني (1559)، وفي رأي الأستاذ كرومبي ليس ثمة برهان قاطع يدلّ على أن هذين الطبيبين قد اطلعا على نص ابن النفيس، على كل حال فإن ابن النفيس، في شرحه للقانون، كان أول من قال بالحركة الدموية التي عممها هارفي Harvey فيما بعد، واضعاً بعمله هذا أساس علم وظائف الأعضاء الحديث.‏

نظرية الإبصار(19):‏

والموضوع الفيسيولوجي الثاني الذي كان لابن سينا الفضل في لفت النظر إليه هو ماهية الإبصار. لقد أثار بعض علماء اليونان مشكلة الإبصار فتساءلوا: هل هو ناتج من أشعة تخرج من العين وتقابل الشيء المرئي أو يحدثه نورٌ يدخل في العين بعد مروره على المرئي.‏

ويرفض ابن سينا في كتابه عن النفس النظرية الأولى ويؤكد أن الأشياء تُرى بواسطة نورٍ يدخل في العين ولكن يضيف أن هناك نوعاً من العملية النفسانية تخرج من العين.‏

وقد اعتمد روبير جروسيت Robert Grosseteste وروجير باكون Roger Bacon هذه النظرية وَمَيَّزَ بين الإحساسات الشخصية التي تصل بواسطة البصر والعملية الطبيعية التي فعلت هذه الإحساسات. وقد تصورا هذه الأخيرة كتعاقب من الأمواج أو النبضات تمرُّ عبر وسطٍ شفاف، وهي نظرية تجد إرهاصاً عنها في كتاب النفس لابن سينا.‏

وقد سبب هذا، كما يقول كرومبي، تميزاً أساسياً في نظريات الطبيعة في القرن السابع عشر أي التمييز بين الصفات الأولى والصفات الثانية والنظرية الموجية للنور.‏

وبجانب هذا، استقى روجير باكون من وصف ابن سينا في "القانون" للعين نظريته الخاصة بتكوين الصورة من وراء العدسة. ومن بين الأشياء التي أخذها روجير باكون من ابن سينا أن العدسة ليست كروية بل مسطحة.‏

وبحث روجير بيكون في هذا الموضوع كان الأول في نوعه في الغرب، وقد أدّى مباشرة إلى نظريات سديدة خاصة بالنظر في القرن السابع عشر.‏

الميل القصري في حركة القذائف (impetus)‏

أشار الأستاذ كرومبي إلى أهمية ما جاء به ابن سينا في موضوع ميكانيكي أطلق عليه فيما بعد كلمة الـ impetus. فالشيخ الرئيس كان، كما قلنا أرسطياً صميماً فيما يخص العلوم ومن بين المبادئ الأرسطية الإنسانية مبدأ خاص بالحركة، وهي محور الفلسفة الطبيعية. ومؤدى هذا المبدأ أنه لابد لكل جسم يتحرك أن يكون له مُحرك فما دام المتحرك مستمراً في حركته لابد أن يواصل المحرّك فعله.‏

ولكن هناك صعوبة في تطبيق هذا المبدأ على حركة القذائف، فحين يرمي رامٍ حجرة، ويكفُّ هو عن تحريكها، ماهي القوة التي تبقي فيها الحركة؟...‏

ولقد خصص العالم الشهير دوهيم (Duhem)(20)، في مجموعة كتبه الخاصة بتاريخ الفلك دراسة مطولة في هذا الموضوع، وتتبع التفاسير المختلفة التي قدمها الفلاسفة اليونانيون والعرب لحل هذه المشكلة. كما أن الأستاذ بينس pinés(21)، خصص عدة مقالات لتوضيح النظرية عند الفلاسفة العرب وبخاصة أبو البركات البغدادي. فلخص الأستاذ كرومبي هذه البحوث في مقالته عن ابن سينا العالم ونحن بدورنا نثبت هنا نتائج بحثه.‏

يقول أرسطو: إن الذي يبقي الحركة في القذيفة هو الهواء. بيد أن شارحاً من القرون الوسطى، هو يوحنا النحوي Jean Philopon اعترض على هذا الرأي قائلاً: إن الهواء يتصدى للحركة، وإن الجسم المتحرك يحتفظ بحركته بفعل صفةٍ أو قوة تحركية منطبعة بالقاذفة نفسها.‏

وكان ابن سينا أول فيلسوف عربي أخذ برأي يحيى النحوي فعرّف هذه القوة بأنها ميل قصري يدفع به الجسم ما يمنعه من أن يتحرك في أية جهة. فشبه هذه الصفة بالحرارة التي تعطيها النار للماء. فقد نقح نظرية ابن سينا في نقطتين مهمتين جعلتها تقترب من النظرية الحديثة الخاصة بقوة القصور الذاتي. فقد كان يحيى النحوي يقول: إن الميل القصري يأخذ بالتلاشي في الفراغ، وإن القذيفة تصل تدريجياً إلى السكون. أما ابن سينا فقد كان يرى خلاف ذلك فيقول: إنه إذا لم يكن هناك أي مانع فهذه القوة، والحركة القصرية التي تسببها ـ تدوم إلى اللانهاية.‏

ثانياً: حاول أن يعبر عن هذه القوة المحركة بواسطة الكمّ قائلاً: إن الأجسام، عندما تحركها قوّة محددة تسير بسرعة تتناسب عكسياً مع ثقلها، وإن الأجسام التي تتحرك بسرعة محددة تقطع (ضد مقاومة الهواء) مسافاتٍ متناسبةٍ مباشرة مع أثقالها.‏

وقد اجتاز شوطاً آخر نحو النظرية الحديثة لقوة القصور الذاتي أحد تلاميذ ابن سينا في القرن الثاني عشر اسمه أبو البركات البغدادي، صاحب كتاب المعتبر، فقد حاول أن يفسر تعاجل الأجسام الساقطة بتراكمٍ لكميات متتالية من زيادات في القوة مع زيادات متتالية في السرعة. ومعنى هذا بدلاً من نظرية أرسطو الخاصة بالحركة، أن ينص هذا المبدأ على أن القوة المستديمة لا تسبب سرعة. فحسب بل تعجل (accéleration) أيضاً.‏

ومن الغريب أن الترجمات اللاتينية لكتاب الطبيعيات لابن سينا sufficientia Physicorum لم تتضمن القسم الخاص بمناقشة نظرية القذائف(22)..‏

ومع ذلك فإن النظرية نفسها قُدمت في الغرب في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر فاستعمل بطرس أوليفي Petrus Olivi (حوالي 1248-1298)، وهو أول مؤلف لاتيني عالج هذا الموضوع، التعبير الآتي inclination. Violenta وهو المقابل الحرفي للميل القصري.‏

أما العالم الطبيعي يوحنا بوريدان Jean Buridan في القرن الرابع عشر فقداستعمل التعبير impctus impressus وقد حده بأنه يساوي الثقل مضروباً بالسرعة، وهذا يقابل ما يسميه المعاصرون بـmomentren. وقد أدخل جليليو هذا التعبير في علم الميكانيكا في القرن السابع عشر واستعمل كلمة impeto مرادفاً لكلمة momento.‏

والتغيير الأساسي الذي أحدثه جليليو هو أنه لم يجعل الـimpeto علة فاعلة للحركة بل إنه مجرد وسيلة للوصف الرياضي للحركة ولقياسها(23).‏

*** ‏

وختاماً لهذا البحث المتواضع، يمكننا أن نلخص النتائج التي وصلنا إليها على الوجه الآتي:‏

أولاً: إن مكانة ابن سينا الفلسفية، وهو الفيلسوف العقلاني الروحي، قد فاقت مكانته العلمية. ونظرته الميتافيزيقية العميقة وإيمانه الراسخ بالله وبروحانية النفس الإنسانية وحقوقها قد صبغا دراساته العلمية بطابع إنساني بل بمسحة دينية.‏

فكان دقيقاً في ملاحظاته العلمية واستقراءاته، إلا أنه في الوقت نفسه، لم يغفل غاية الإنسان القصوى ونظام الكون، وعودة المخلوقات إلى منبعها الأصلي. فاستطاع أن يوفق بين نزعته الأفلاطونية المحدثة ونزعته الدينية.‏

ثانياً ـ المساهمة العلمية الكبرى لابن سينا في التاريخ الفكري هي المنهج الذي استعمله في أبحاثه. وهو مبني على المشاهدة الشخصية والتجربة والاستقراء. وقد كان قانونه ودراساته العلمية الأخرى حلقة في غاية الأهمية في سلسلة مراحل النمو العلمي وتطوره.. فقد مدّت حركة الترجمة في القرن التاسع في بغداد، مفكري العالم الإسلامي بتراث فلسفي وعلمي غني كل الغنى. وكان فضل ابن سينا ذي العقل المُصَنِّف المنظم أن يجمع هذا التراث على شكل دائرة معارف شاملة، بعد أن أضاف إليه نتائج بحوث من سبقه من علماء العرب وما توصل إليه هو شخصياً باجتهاده العلمي الدائب.‏

ثالثاً ـ يمكننا أن نميز في الإنتاج العلمي السينوي وجهين:‏

الوجه الخاص بفلسفة العلوم أعني ارتباط العلوم بعضها ببعض وصلتها بالعلم الأعلى أي الحكمة وهي في قمة المعرفة والفلسفة. ونظريته الخاصة بترتيب العلوم وما يعطيه العلم العالي إلى العلم المرتب تحته من مبدأٍ وموضوعٍ، قد انتشرت في القرون الوسطى تحت اسم subalternatio وأصبحت كلاسيكية وقد أقرها اللاهوتيون المسيحيون قطبقوها في تحديد صلة العلم اللاهوتي بالعلم الفلسفي وصلته بعلم القديسين في مشاهدة الله في الآخرة vision beatifica. كما أن فلاسفة معاصرين مثل جاك ماريتان Jacques Maritain قد تبنوا هذه النظرية، بعد توسيعها وتنقيحها وحاولوا أن يكونوا فلسفة علوم تتلاءم مع العلوم الحديثة والمعاصرة.‏

والقسم الثاني في إنتاج ابن سينا العلمي هو ما نستطيع أن نسميه بالعلم الوصفي أو الموضوعي. ومن هذه الناحية يمكننا أن نستخلص مما جاء في كتاب القانون أوصافاً مفيدة في وقتنا الحاضر.‏

وأخيراً يجب ألا يكون موقفنا من ابن سينا العالم مجرّد موقف إعجاب وفخر، بل لابد من أن تتبنى روحه العلمية، وشغفه بالبحث والدأب على العمل بحيث نستطيع أن نثبت قدرتنا على العلم والابتكار لا بتقديم مؤلفات ابن سينا والتشدّق بعبقريته بل بمساهمتنا الفعلية في جميع ميادين العلوم الحديثة.‏

الأب د.جورج شحاته قنواتي‏

القاهرة‏

المصادر والمراجع:‏

(1)ـ المعادن والآثار العلوية، نشرة الأستاذين عبد الحليم منتصر وسعيد زايد في مجموعة الشفاء ـ القاهرة ـ 1965م. وقد سبق نشر هذا النص.‏

E.J. Holmyard et D.C.Mandeville , Avicennae de congelatione et conglutinatione lapidum.‏

وهو يحوي النص العربي والترجمة اللاتينية وترجمة إنجليزية مصحوبة بهوامش نقدية، Paris , Geuthner. 1927.‏

(2)ـ انظر مقالنا:‏

Avicenne et l’alchimie Accademia Nazionale dei Lincei . Conveyno internazionale. 9-15 Aprile 1969, Roma 1971, pp. 285 –341.‏

(3)ـ ترجمنا هذه الرسالة إلى الفرنسية ونشرناها في مجلة معهدنا: MIDEO الجزء الثالث عشر.‏

(4)ـ نشر هذا المقال في أعمال مؤتمر ابن سينا الذي عقد في بغداد والنص المذكور ص 459.‏

(5)ـ انظر مقالنا عن ابن سينا والكيمياء ص 292.‏

(6)ـ لقد استفدنا كثيراً، في بعض أقسام بحثنا الحاضر، من مقال قيم للأستاذ كرومبي A.C.Crombie وهو من أعلام مؤرخي تاريخ العلوم. وهذا المقال عنوانه:‏

’s Influence on the Mediaeval scientific tradition, Avicenna‏

وظهر في كتاب عنوانه:‏

Avicenna: Scientist and Philosopher.‏

Amillenary Symposium. Edited by B. M. Wickens. London. 1952.‏

ويشير هذا المقال إلى عديد من المصادر كلها افرنجية (أو بعضها مترجم من العربي) سأشير إلى هذا المقال باختصار بكلمة كرومبي للهامش رقم (6)، انظر "كرومبي" ص 101.‏

(7)ـ كرومبي، ص 102.‏

(8)ـ‏

Roger Bacon, Opus Majus , 11.13, J.H. Bridges. Oxford , 1897. I. English translation by R. B. Burke, Philadelphic 1928, I. 63.‏

الترجمة الإنجليزية لهذا النص موجودة في مقالة كرومبي ص84.‏

(9)ـ كرومبي، ص 85-86.‏

(10)ـ‏

AVICENNE, Poéme de la médecine – Urjuzafit – tibb – Cantica Avicennae:‏

النص العربي والترجمة الفرنسية، والترجمة اللاتينية. حقق النصوص وقدم لها وعلق عليها هنري جاهيية “Henri. JAHIER” وعبد القادر نور الدين من جامعة الجزائر ـ باريس 1956.‏

(11)ـدائرة المعارف العربية تحت إشراف فؤاد أفرام البستاني ـ انظر أيضاً مقالات الدكتور سليم بن عمار وبخاصة العدد الخاص من المجلة الطبية التونسية المكرسة لابن سينا (يوليو ـ أغسطس 1980، سفر 58، عدد 4).‏

(12)ـ انظر:‏

D. Campbell. Arabian . Medecine and its Influence on the Middle Ages. 1926. t. I. Pp. 124 et sq: C. Singer, the Evolution of anatomy. London, 1925. p. 68.‏

(13)ـ انظر سارتون، ج3، ص 865-873، وكرومبي، ص 93، وهامش 33،‏

(14)ـ M. meyerhof. Science and Medecine in Legacy of Islam. Oxford. 1931. pp. 329- 30 ; Sarton, Introduction. 1. 711.‏

(15)ـ‏

Sarton, Intruduction, t. 3. p 271 . et sq 881. et sq. – 1651 –1683-1691-1703.‏

(16)ـ انظر:كرومبي ص 93.‏

(17)ـ انظر:كرومبي ص 94-95، ورسالة الدكتور عبد الكريم شحادة:‏

A.K. Chehade, Ibn. An – Nafis et la découverte de la circulation Pul – monaire, institut francais de Damas (1955).‏

ـ دكتور بول غليونجي، ابن النفيس، القاهرة، سلسلة أعلام العرب رقم 57، (بلا تاريخ).‏

(18)ـ كرومبي ص 94-95.‏

(19)ـ كرومبي ص95‏

(20)ـ‏

Duhem. Le systéme du monde‏

الجزء الأول ص‏

(21)ـ‏

S. Pines. Les Preécurseurs musulmans de la théorie de L’impétus. Archeion. Xxl. (1938).‏

ومقالتان أخريان جمعتا في كتيب موضوعهما فلسفة أوحد الزمان البغدادي.‏

(22)ـ كرومبي ص100.‏

(23)ـ كرومبي ص101‏

1 كان الفلاسفة القدماء يعتمدون العلل الأربع وهي المادية والفاعلة والصورية والغائية. وقد اقتصر العلم في العصر الحديث على تعرف العلة الفاعلة على الأغلب. (المجلة).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244