|
||||||
| Updated: Sunday, December 14, 2003 02:19 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
ابن سينا طرائفُهُ العلميّة وَالخاصّة – أ.د.عزة مرّيدن أستاذ
بكلية الطب في جامعة دمشق ابن
سينا ـ كما يصفه معظم المستشرقين، عالمٌ موهوب، ومفكِّر عالمي، يملك ذكاءً نادراً،
وذاكرة قوية، وعقلاً خصباً، وَجَلداً منقطع النظير، وأعجب مافيه طموحه العقلي
الدائم، للبحث عن الحقيقة، وإمعان النظر فيما يجب التساؤل عنه مما يوجد على وجه
هذه الأرض، فهو لم يغادر في تأملاته صغيرة ولا كبيرة، وكان بحق جباراً من جبابرة
العقل يتلألأ كل ذلك في تضاعيف مؤلفاته، التي نيَّفت على المائتين، بين
مطوَّل أو رسالة، وبين أرجوزة أو قصيدة. إنَّ
الكلام على ابن سينا واسع وكثير، وقد يظن أن حصر البحث في ناحية معينة يردُّه
سهلاً، ولكن عالماً من طراز ابن سينا يجعل أكثر الباحثين إمعاناً، أعجز من أن
يستطيع، وفاء حقه وفضله على العلم والعالم. لهذا رأيت أن أدع جانباً كبيراً
من جوانبه المتعددة، لأورد نتفاً من طبه ومن بعض نواحيه الأخرى، منذ ابتداء ظهوره
إلى يوم وفاته. أما
في عالم الطب، فقد ذكر (آندره هان)، في مقاله الرائع عن الطب العربي: وإننا لنرى
في ابن سينا، الفيلسوف والطبيب والشاعر ومؤلف القانون، الرجل الأول الذي
يمثل بحق، ذروة الطب العربي، ويقول (بول دوتر). في محاضرته القيمة التي
ألقاها في الجمعية الفرنسية لتاريخ الطب: يعد ابن سينا، العالم العظيم، والفيلسوف
والطبيب، من عظماء المنتجين، ظلت نفائسه موضع اهتمام أساطين العلم والطب والفلسفة،
طوال خمسة قرون، ويعد قانونه في الطب، موسوعة كاملة، عانق فيها كل العلوم الطبية
مع بعضها، فليس من العجب أن يظل القانون الدستور العملي في الطب، خلال خمسمائة
عام، في كثير من أرجاء أوروبا، وقد اعتمدته جامعة (لوفان) في بلجيكا وجامعة
(مونبليه) في فرنسا، حتى منتصف القرن الثامن عشر. يقول
ابن سينا: لقد اتفق أن سلطان بخارى (نوح بن منصور) أصيب بمرض أعجز ا لأطباء وكان
اسمي قد اشتهر بهم، فأجروا ذكري بين يديه وسألوه إحضاري، فحضرت وشاركت في مداواته،
وتوسمت بخدمته، فسألته يوماً أن يأذن لي في دخول دار كتبهم ومطالعتها، وقراءة
مافيها من كتب الطب، فأذن لي فدخلت داراً ذات بيوت كثيرة، في كل بيت صناديق
كتب منضَّدة، بعضها فوق بعض، في بيت منها كتب العربية والشعر، وفي بيت آخر، الفقه،
وكذلك في كل بيت، كتب علم مفرد، فطالعت فهرست كتب الأوائل، وطلبت ما احتجت إليه
منها، ورأيت من الكتب مالم يقع اسمه لكثير من الناس، وماكنت رأيته من قبل ولا
رأيته من بعد، فقرأت تلك الكتب، وظفرت بفوائدها، وعرفت مرتبة كل رجل في
علمه. يقول
صاحب عيون الأنباء: لما سافر الشيخ إلى همذان، عرفه شمس الدولة وأحضره مجلسه بسبب قولنج
كان قد أصابه، فعالجه حتى شفاه الله، وفاز منه بخلع كثيرة، وصار من ندمائه، حتى
سأله تقلد الوزارة، فتقلدها، وألف في أثناء ذلك، جزءاً من الشفاء في الفلسفة،
وجزءاً آخر في الإلهيات والمنطق، وجزءاً من القانون في الطب، وكانت كبرياء العلم
تحتوشه من كل جانب، وكبرياء العلم صفة محمودة، وخلة لا تذم، إذا أحاط بها
الاعتدال، وإن من حق العالم على نفسه، وعلى الناس، أن يكون مرفوع الرأس في تواضع،
شديداً في حلم وأناة، فخوراً في غير زهو ولا إعجاب، ولقد عرف المحيطون بابن سينا،
ترفعه وتعاليه وتفاخره، فلم يرض عنه الجيش، فكبسوا داره وأخذوه إلى الحبس، وجردوه
من جميع ما كان يملكه، ثم سألوا الأمير قتله، فامتنع وعدل إلى نفيه عن الدولة،
فتوارى أربعين يوماً، وألف وهو في السجن، الهداية، وحي بن يقظان، والقولنج، وحينما
خرج أكمل القانون، وكتب جزء الموسيقى من الشفاء، ثم عاود القولنج شمس الدولة
فطلبه، واعتذر إليه، فاشتغل بمعالجته، وأقام عنده مكرماً، وأعاد إليه الوزارة
ثانياً. أما
قانونه العجيب، فيلفت النظر فيه وضوحه الكامل في عرض البحوث الطبية المختلفة، وفي
تبويبه وعنايته بإرجاع الأسماء إلى مسمياتها، وقد وضع فيه الكثير من المصطلحات
الطبية، التي لا تزال مستعملة حتى يومنا الحاضر، كما أننا نذكر بالإعجاب، وصفه
للكثير من الأمراض، وصفاً لا يزال كما هو، حتى يومنا هذا وقد تضمن القانون خمسة
أبواب: أولها الأمور الكلية في علم الطب، والثاني في الأدوية المفردة،
والثالث في الأمراض الجزئية، الواقعة في أعضاء الإنسان، والرابع في الأمراض التي
إذا وقعت لم تختص بعضو، والخامس في الأدوية المركبة، ولم يدع جهازاً من أجهزة
البدن، إلا أفاض في شرح تكوينه ووظيفته، ثم ينتقل بعد ذلك إلى أمراضه ومعالجتها،
ويلفت النظر في طب ابن سينا، عنايته بالوقاية وتفضيله إياها على الطب العلاجي، ولا
أدل على ذلك، مما جاء في أرجوزته الكبرى التي تدعى بالألفية، وهي أكثر من ألف بيت،
يقول فيها:
وقد
فاق ابن سينا، على من سبقه بتجاربه الطبية الخاصة، وبعمق فلسفته، مما دعا لتسميته بالشيخ
الرئيس فهو بحق شيخ الفلاسفة الأطباء، وقد ذكر في أرجوزة المجريات، كيف أنه كان
يعتمد على تجاربه الخاصة، يقول في مطلعها:
ثم
يختمها بقوله:
وقد
نظم هذه الأرجوزة، قبل وفاته بأربعين يوماً، وله أرجوزة لطيفة في النبض يقول فيها:
وهذا
ما كان من أمر طبه، على أن ابن سينا قد طرق معظم أبواب المعرفة، فرسالته مثلاً،
التي قدمها إلى خوارزم شاه، علي بن مأمون، وعنوانها: قيام الأرض في وسط السماء،
وكذلك رسالته عن الأجرام العلوية، دليل واضح على اشتغاله بالعلوم الفلكية ،
ورسالته الإكسير التي ينفي المؤرخ (روسكا) نسبتها إليه، والتي دحض هذا الزعم،
المحقق التركي (أحمد آتش) وأكد بالأدلة القاطعة نسبتها إليه هي دليل آخر على غوصه
في بحر الكيمياء، وقد ذكر فيها استبعاده القطعي، لقلب النحاس إلى فضة، أو الفضة
إلى الذهب. ولقد
ألف ابن سينا معظم كتبه بالعربية، مثلما ألف بالفارسية، ونُقِلَ أكثر مؤلفاته إلى
معظم اللغات الأجنبية، وإذا كنا نعرفه طبيباً بقانونه وأراجيزه ورسائله فقد عمت
شهرته الفلسفية، بالنجاة والشفاء والإشارات والتنبيهات، وبرسائله الفلسفية
الكثيرة، كرسالة الطير، وحي بن يقظان وغيرهما، والذين قرأوا حي بن يقظان، بتدبر
وإمعان، رأوا ولا شك، ما تنطوي عليه من رموز محفوفة بخيال وتصور فلسفي، يحار
القارئ في تفسيرها وما ترمي إليه،ومثل ذلك نجده في رسالة الطير. وإذا
كان ابن سينا طبيباً متمكناً، وفيلسوفاً أصيلاً، فقد كان إلى جانب ذلك لغوياً
وأديباً وشاعراً وموسيقياً يحسن الضرب على العود، وقد ألف المدخل إلى صناعة
الموسيقى، كما أورده في الشفاء، وفي رسائل لا تزال مخطوطة، ومن مؤلفاته كتاب
الشعراء، وشرح مشكلات شعر ابن الرومي، وله كتاب في اللغة العربية، سماه لسان
العرب، في عشر مجلدات، وهو غير اللسان المعروف، ويقول الخبراء العارفون، لو أن ابن
سينا، صرف من الهمة في الشعر واللغة والأدب، مثلما صرف في الفلسفة والطب، لكان له
بين أيدينا اليوم، ديوان رائع، ولكان له في عالم الأدب شأن رفيع، وإن من يقلب
النظر في مؤلفاته وأراجيزه وقصائده لا يشك أبداً في أنَّ صاحبها عربي النجار، ضادي
اللسان، وإذا كانت تعتبر أراجيزه نظماً وليست بالشعر، فإنها صحيحة الوزن والإيقاع،
على أنه حلق في سماء الشعر في قصيدته العينية، التي يقول في مطلعها: هبطت
إليك من المحل الأرفع والقصيدة
مشهورة، وشائعة، كما حلق في قصيدته الميمية التي يقول في بعض أبياتها متعاظماً
ومتفاخراً:
ومن
العجيب أن نجد له كل هذه المؤلفات والأراجيز والقصائد، وهو الذي لم يعمر أكثر من
ثمان وخمسين سنة، وإن يحظى بالكثير من الجاه والشهرة، وهو في عنفوان شبابه، وإن
يتقلد الوزارة وهو في غمرة تآليفه مرتين، ولقد أفقدت حوادث الأيام، غير قليل من
مؤلفاته، وما بقي فيها ينوف على مائتي مؤلف، قلما تخلو مكتبة كبيرة من المكتبات
الأجنبية من بعضها، في استوكهولم، وبرنستون ومونتريال، وأكثرها محفوظ في استانبول،
وبعضها في مكتبات القاهرة، وبغداد ودمشق. وكان
ابن سيناً متقناً من اللغات اثنتين العربية والفارسية، ولما كانت
اللغة العربية في أيامه، لغة العلم والدين والدولة، فقد فاقت معرفتها لديه، ومعرفة
الكثيرين من أبناء الأرومة العربية الخالصة، ذكر تلميذه أبو عبيد الجوزجاني ما
نصه: كان الشيخ جالساً يوماً من الأيام، بين يدي الأمير، وأبو منصور الجبائي حاضر،
فجرى في اللغة مسألة تكلم فيها ابن سينا بما حضره، فالتفت إليه أبو منصور وقال له:
إنك فيلسوف وحكيم، ولكن لم تقرأ من اللغة ما يرضي كلامك فيها. فاستنكف الشيخ من
هذا الكلام، وتوفر على درس اللغة العربية ثلاث سنين، حتى بلغ فيها طبقة قلما
يتفق مثلها، وأنشأ ثلاث قصائد، ضمنها ألفاظاً غريبةً من اللغة، كما كتب ثلاثة كتب:
أحدها على طريقة ابن العميد والثاني على طريقة الصابئ والثالث على طريقة الصاحب بن
عباد، وأمر بتجليدها وإخلاق جلدها، ثم أوعز للأمير فعرض تلك المجلدة على أبي منصور
الجبائي، وذكر له: أنا ظفرنا بهذه المجلدة في الصحراء وقت الصيد فيجب أن تتفقدها
وتقول لنا ما فيها، فنظر فيها أبو منصور وأشكل عليه كثير مما فيها، فقال له الشيخ:
إن ما تجعله من هذا الكتاب، مذكور في الموضع الفلاني من كتب اللغة، وذكر له كثيراً
من الكتب المعروفة ، كان الشيخ قد حفظ تلك الألفاظ منها، ففطن أبو منصور: أن تلك
الرسائل من تصنيف الشيخ وأن الذي حمله عليه، ما جبهه به في ذلك اليوم، فتنصل واعتذر
إليه. وأما
إله ابن سينا، فهو مبدع الوجود، ومفيض الخير، ومتجل على كل موجود، ولولا تجليه لم
يكن خير ولا وجود، إنه الواجب الوجود بذاته، وهو خيرٌ محضٌ وكمال محض، وقد اختلف
الباحثون في عقيدته، فمن قائل: إنه مسلمٌ مخلص في إسلامه، ومؤمنٌ مملوء قلبه،
بالإيمان، وكل ما حاوله هو التوفيق بين العقل والنقل، ومن قائل: إن فلسفته مملوءة
بالإلحاد، وإن تصوُّفه وبعض ما جاء في أقواله وأشعاره سترٌ لهذا الإلحاد، وهذا هو
رأي الإمام الغزالي فيه، ذكره في "تهافت الفلاسفة"، وفي "المنقذ من
الضلال"، حيث كان من أكبر اللائمين له في فلسفته ومعتقداته، وشربه واستهتاره،
بخلاف الفيلسوف ابن رشد الذي حمل عليه في بعض آرائه، ولكنه أعجب بالكثير من
فلسفته، ولم يتعرض لحياته الخاصة ومع ذلك فقد كانت وصيته لتلميذه أبي سعيد الصوفي:
ليكن الله تعالى أول فكر لك وآخره، وباطن كل اعتبار وظاهره، ففي كل شيء له آية،
تدل على أنه واحد، إن أفضل الحركات الصلاة، وأمثل السكنات الصيام، وأنفع البر
الصدقة، وأبطل السعي المراءاة، ولن تخلص النفس عن الدرن، ما التفتت إلى ما قيل
وقال، ومناقشة وجدال وخير العمل ما صدر عن خالص نية، الحكمة أُمُّالفضائل، ومعرفة
الله أول الأوائل ]إليه يصعد
الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه[. وكان يرد على الذين اتهموه في دينه بقوله: إن تكفير مثلي ليس
بالأمر الهين، ولا يوجد إيمان أقوى من إيماني، أنا وحيد دهري وأكون كافراً ، إذن
لا يوجد في العالم كله مسلم واحد. وقد جاء في كتاب قصص العلماء، المطبوع في إيران،
أن تلميذه وملازمه أبا الحسن بهمنيار، قال له ذات يوم: إنك عالم فاضل، أتيت
بالمعجزات في العلم والطب والفلسفة، فلماذا لا تدعي النبوة؟ فسكت ابن سينا ولم
يجبه بشيء، وفي ليلة شديدة البرد من ليالي الشتاء، وكان بهمنيار نائماً مع الشيخ
في غرفة واحدة، استيقظ ابن سينا في وقت كان المؤذنون فيه، ينادون لصلاة الصبح،
وطلب إلى بهمنيار أن يأتيه بقدح من الماء، فأراد هذا أن يعفي نفسه من الخروج في
تلك الليلة الباردة، فأخذ يتعلل بأن الماء بارد جداً، وأن شرب الماء عند اليقظة،
يضر بالأعصاب والعروق، فقال له ابن سينا: إني أنا الطبيب الوحيد في هذا الجبل،
فكيف تمنعني شرب الماء، لقد طلبت إلي أن أدعي النبوة، وأنت أقرب تلاميذي إلي، ولا
تطيعني في شرب ماء في حياتي، أفيصدقني الناس بعد موتي؟ لقد توفي النبي منذ أ
ربعمائة سنة، ولم يزل باقياً في النفوس، ولا يزال الناس مع شدة البرد يدعون باسمه
للصلاة، ألا تسمع صوت المؤذنين، الذين خرجوا في هذه الليلة الباردة، ولم يثنهم عن
طاعة ربهم هذا البرد الذي تتعلل به، فكيف تريدني أن أدعي النبوة؟! فأفحم بهمنيار،
وأدرك أن الشيخ لم يكن يقصد شرب الماء، وإنما أراد أن يجيبه على سؤاله في أمر
ادعاء النبوة، ولقد كثر حساد ابن سينا وأعداؤه، الذين اتهموه بالكفر والزندقة
وكرهوا منه تعاظمه واستعلاءه، فأوغروا صدر الملوك والخلفاء عليه، حتى أدى ذلك إلى
سجنه وإحراق مؤلفاته، على أن ذلك لم يمنع ولعه بالخمرة والتغني بمحامدها ولا
الانغماس في الشهوات، فهو قد حضَّ في تعاليمه على ترك الخمرة وعدم تعاطيها
إلا تداوياً، ولكنه أمعن في شربها، وقال يصفها: إن المدامة حقاً غذاء الروح فقد
فاقت بلونها ورائحتها، لون الورد ورائحته، أحلت بفتوى العقل على اللبيب، وحرمت
بحكم الشرع على الأحمق، وإذا احتست البقة جرعة منها أصبحت صقراً فإن أنت شربت الخمرة
كما يشربها أبو علي، أقسم بالله أنك تتصل بالحق، ومن خمرياته في الشعر العربي
قوله:
أما
نظرته للمرأة، فنظرة الوامق العاشق، الذي يمحضها الود ويصدقها الحب ولا يصغي فيها
إلى عذل عاذل أو لوم لائم، بل يذرف في حبها الدموع، ولنستمع إليه يقول:
يقول
تلميذه الجوزجاني: لقد كان ابن سينا كثير التخليط في الطعام والشراب، وكان قوي
القوى كلها وكانت قوته الشهوانية أشد وأغلب، فأثر جميع ذلك في مزاجه، وأصابه
القولنج الذي كان سبب موته فكان من شدة حرصه على الشفاء أن جعل يحقن نفسه ثماني
مرات في اليوم الواحد، فتقرحت أمعاؤه وانحطت قواه ولكنه استمر في المعالجة، حتى
استطاع المشي، غير أنه لم يتحفظ، بل عاد للانهماك في الشراب والشهوات، حتى سقطت
قوته، وإنه لمن المحزن حقاً، أن يكون هذا العالم الفيلسوف، والطبيب الأريب، قد دعا
في تعاليمه إلى اتباع الوسط الذهبي في كل الأفعال، ثم هو يخطئ في تدبير نفسه حتى
أجهز عليها فهو لم يعرف في حياته شيئاً من الاعتدال، إذا كان مفرطاً في مواصلة
النساء، مخلطاً في الطعام، مكثراً من الشراب، لا يتبع في ذلك أي شيء، مما كان يبشر
به فهو، القائل:
ومن
عجب أن نقرا له في رسالة الطير: وكم من أخ قرع سمعه قصتي، فقال أراك مسَّ عقلك
مسّ، وألم بك لم، ولا والله ما طرت ولكن طار عقلك، وما اقتُنِنصت ولكن اقتنص لبك،
كأن المرار قد غلب على مزاجك، واليبوسة استولت على دماغك وسبيلك أن تشرب طبخ
الافتيمون، وتتعهد الاستحمام بالماء الفاتر العذب، ـ وتستنشق بدهن النيلوفر،
وتترفه في الأغذية، وتجتنب الباه، وتهجر السهر، فأنا قد عهدناك فيما خلا لبيباً،
وشاهدناك فطناً ذكياً، والله مطلع على ضمائرنا، فإنها لاختلال حالك مختلة. ولما
أعياه الشفاء أخذ يقول: إن المدبر الذي كان يدبرني، قد عجز عن التدبير ولم تعد
تنفع المعالجة، فتوجه إلى ربه، ووزَّع كثيراً من الصدقات، وأعتق مماليكه ثم مات
بعد أيام قليلة عن عمر لا يزيد على ثمانية وخمسين عاماً. هذا
هو الشيخ الرئيس، الذي كان هذا الاسم علماً عليه، لا ينصرف إلى سواه، هذا هو ابن
سينا الذي تتخاطفه الأمم، وتتسابق في نسبته إليها، فنحن وآراؤه ومؤلفاته، والأتراك
قالوا بتركيته وأقاموا له مهرجاناً، والإيرانيون يدعون فارسيته، ويقيمون له
مهرجاناً أيضاً، والدول العربية في الشمال الإفريقي تقيم له مهرجانات وندوات،
وهيئة الأمم المتحدة ترى أن ابن سينا ليس لأمة وحدها، بل هو للعالم كله، فتوفد
للمهرجان الألفي الذي عقد في بغداد منذ سنين، من يمثلها ويتكلم باسمها، كما احتفي
به في باريز وكمبردج ومونتريال، ولقد دعت منظمة اليونسكو هذا العام، جميع
الأمم للاحتفاء بذكرى ميلاده الألفي، وفي الإصلاحات التي أجريت في جدران مكتبة أكسفورد،
ظهرت مجموعة من الصور، وكان من بينها صورة لابن سينا، إلى جانب أرسطو وأفلاطون،
هذا هو ابن سينا الذي يحار الباحث في التوفيق بين فلسفته وإلهياته، وبين تصوفه
وخمرياته، وبين أقواله وأفعاله، رحمه الله مقدار فضله وحسناته، في طبه وفلسفته
ومؤلفاته، وسامحه الله لو لم يردها حياة عريضة قصيرة، إذن لكان فوق ماكان عليه،
فلتة كبرى من فلتات الدهر والتاريخ. |