مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان 6/5 - السنة الثانية - حزيران "يونيو" 1982
Updated: Sunday, December 14, 2003 02:19 AM
فهرس العدد
 

طبّ العَيْن في القانون - د. نشأة الحَمارنة

أستاذ بكلية الطب في جامعة دمشق‏

تأتي شهرة ابن سينا من منبعين رئيسين:‏

أولاً ـ إنه فيلسوف عظيم.‏

وثانياً ـ إنه طبيب ومؤلف واسع التأثير.‏

أما منزلته في العلوم الأخرى فتأتي في المرتبة الثانية.‏

ابن سينا الفيلسوف:‏

وفي الفلسفة يدرس ابن سينا من جانبين:‏

الجانب الأول: أهمية آرائه.. واصالتها.‏

والجانب الثاني: تأثيره في تاريخ الفلسفة، سواء في الشرق الإسلامي، أو في الغرب اللاتيني.‏

وقد عرف العالم الإسلامي فلاسفة كثيرين، ولاشك في أن ابن سينا كان من أعظمهم وأشهرهم.‏

أما في الغرب اللاتيني فقد كان ابن سينا معروفاً ومحترماً، ولكن ربما لم يكن هو الفيلسوف الإسلامي الأوسع تأثيراً.. إذ لابد لنا من أن نتذكر نفوذ ابن رشد وتأثيره في الفلسفة الغربية.. وأن نقارن بين الاثنين قبل أن نعطي حكماً.‏

ابن سينا الطبيب:‏

وكما في تاريخ الفلسفة.. فإن دراسة ابن سينا في تاريخ الطب تكون أيضاً من جانبين:‏

الجانب الأول: هو أصالة آرائه، ودقة ملاحظاته السريرية، وعمق تفهمه للنظريات الطبية السائدة في عصره، ومقدرته على شرحتها في مؤلفاته، وما أتى به من جديد في عالم الطب... ممارسة وتأليفاً.‏

والجانب الثاني: هو تأثيره فيمن جاء بعده من الأطباء والمؤلفين سواء في الشرق الإسلامي أم في الغرب اللاتيني.‏

وكتب ابن سينا في الفلسفة كثيرة(1). أما في الطب فإن كتابه "القانون" هو الكتاب الذي حاز على الشهرة المدوية منذ تأليفه وحتى الآن. هذه الشهرة التي لا يكاد يوجد لها نظير في تاريخ الطب.‏

لذلك لا غرابة إذا اقترن اسم هذا الكتاب باسم ابن سينا، بحيث إذا ذكر اسم المؤلف قفز اسم الكتاب إلى الذهن.‏

ولذلك فإن أية دراسة في الطب تتعلق بابن سينا، يجب أن تتناول كتاب القانون أول ما تتناول.‏

وقد لا يتغير شيء في الأمر إذا اقتصرت الدراسة على كتاب "القانون" دون غيره من الكتب والمقالات والرسائل الطبية الأخرى.. بينما قد لا يستقيم الأمر إذا اقتصرت دراسة في الفلسفة تتعلق بابن سينا، على كتاب واحد دون غيره.‏

كتاب "القانون":‏

ولقد كتب عشرات النقاد والمؤرخين والأطباء المقالات العديدة في تقريظ هذا الكتاب(2)، وإن نظرة واحدة إلى الكتب المتخصصة في تاريخ الطب ترينا مدى حجم هذه المادة (3).‏

وليس من أهداف بحثي هذا أن أستعرض هذه الآراء.. حتى ولا بعضها... فمن النادر أن نجد مثقفاً واحداً لا يعرف أكثر من مقال من هذا النوع. ولكنني إنما أريد أن أشير إلى أن الكثير من هذه المقالات كانت أقرب إلى قصيدة المديح منها إلى المقالة النقدية الجادة. كما أنني أود أن أقول:إن دراسة كتاب القانون دراسة نقدية.. ومن وجهة نظر مؤرخ الطب تتطلب في كاتب المقالة شروطاً ومواصفات قد لا تتوافر للكثيرين وأن بعض هؤلاء الكتاب كان من الهواة حديثي العهد بهذا النوع من الأبحاث في تاريخ العلوم.‏

ولا أسمح لنفسي بأن أقع في الخطأ الذي وقع فيه الكثيرون.. بل سوف أقتصر على محاولة دراسة الجزء المتعلق بأمراض العين في كتاب القانون نظراً لتشعب الدراسة واتساع مجالها.‏

ولابد في البداية من التعريف بهذا النوع من الكتب الطبية العربية ... التي هي من نوع القانون وتوضيح الفرق بينها وبين الكتب المتخصصة.‏

كتب الطب العربية: فهذه الكتب.. تعرض جميع النظريات الطبية والمرضية في كتاب واحد.. ولا تترك في الطب كله شاردة ولا واردة، إلا وتأتي على ذكرها، أما بشكل عام، أو بشكل متخصص.. وإما بشكل مطول أو بشكل مختصر فتبدأ بعلم التشريح. ووظائف الأعضاء. ونظريات الأمراض. ثم تنتقل إلى الدراسة السريرية للأمراض:مبتدئة بتحديد أسبابها.. ثم استعراض علاماتها. ثم طرق معالجتها.. كما تعطي قائمة بأسماء الأدوية المفردة مرتبة حسب أحرف القاموس... وتتحدث عن كل دواء.. ومزاياه. وطرق استعماله، وفوائده، ومضاره... ثم تنتقل إلى الأدوية المركبة.. فتبين طرق تركيبها، والغاية المرجوة منها، ومواضع استعمالها.‏

وقد عرف العرب الكثير من هذه الكتب قبل عصر ابن سينا.. وأهم هذه الكتب: كتاب "المسائل في الطب" الذي كتبه حنين بن اسحق وكتاب "غنى ومنى" الذي كتبه القمري، وكتاب "كامل الصناعة الطبية" الذي كتبه علي ابن العباس المجوسي الأهوازي، وكتاب "الطب المنصوري" الذي كتبه أبو بكر الرازي... ولا أريد أن أعدد المزيد من هذه الكتب.. فهذا خارج عن غاية هذا البحث.‏

وبطبيعة الحال فإن هذه الكتب تشتمل فيما تشتمل عليه على فصول خاصة بطب العين، تحتوي بدورها على أبحاث في تشريح العين، ووظائفها، وأمراضها، وأدويتها. ولكن الغرض من هذه الكتب يظل عاماً، أي أنها كتب موجهة للطبيب الممارس أي للحكيم.. أو المتطبب، وليس للكحال المختص بمعالجة أمراض العين.‏

ونجد الفصول المتعلقة بطب العين في هذه الكتب بعيد مطلع الفصول السريرية ذلك أن العرب درجوا في تأليف كتبهم هذه على استعراض الأمراض مبتدئين من الرأس ومنتهين بالقدم. وقد عبر بعضهم عن هذا الترتيب قائلاً: "من المفرق إلى القدم"، أو "من القرن إلى القدم". فتأتي أمراض الرأس أولاً.. ثم أمراض العين، ثم أمراض الأنف، ثم أمراض الأذن، ثم أمراض الفم، فالعنق، فالصدر وهكذا...‏

كتب الكحل:‏

أما الزمرة الثانية من الكتب: فهي التي كان الغرض من تأليفها أن يقرأها الكحّال.. أي الطبيب الجراح الذي يقتصر في ممارسته على معالجة أمراض العين.‏

وهذه الكتب كثيرة، وهامة وعلى مستوى رفيع. نظراً لأن الكحالة ظهرت عند العرب في المرحلة الإسلامية من تاريخهم كفن متخصص من فنون الطب في مرحلة مبكرة تعود إلى القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، أي أن العرب بعد الإسلام نسجوا على منوال أسلافهم في مصر القديمة وبلاد مابين النهرين حيث كان (طب العين) فرعاً متخصصاً من فروع الطب.‏

وبطبيعة الحال فإنه من غير العدل أن نقارن المادة المتعلقة بأمراض العين من كتاب من الزمرة الأولى، بكتاب من الزمرة الثانية.. لاختلاف طبيعة الكتابين وهدفهما، وكذلك لاختلاف حجم المادة المكتوبة.‏

وسوف نراعي في هذا البحث أن كتاب القانون كتاب من الزمرة الأولى.‏

"القانون" و"الأرجوزة":‏

وثمة كتاب آخر في الطب لابن سينا، هو "الأرجوزة"، التي تداني في شهرتها كتاب القانون. والتي هي في الحقيقة تلخيص له.. وقد ظلت هذه الأرجوزة معتمدة كمادة للتدريس عند أكبر أساتذة الطب العرب سواء في الأندلس، أم المغرب، أم المشرق العربي.. فشرحت، وعلق عليها، وأضيفت إليها مقاطع عديدة، وتمتعت بنفوذ واسع على مدى العصور الوسطى.‏

إلا أننا في بحثنا هذا.. لا نتعرض لها بسبب اقتصار هدف البحث على "كتاب القانون"، وبسبب افتقار الأرجوزة إلى مادة الكحل.‏

قيمة الكتاب:‏

وكتاب "القانون" درس أيضاً، واختصره الكثيرون، كما شرحه آخرون.. كاملاً أو شرحوا بعض فصوله، سواء في الشرق أم في الغرب. وتمتع بنفوذ غير عادي حتى القرن السابع عشر الميلادي. وترجم إلى اللاتينية. وكتب الكثيرون تعليقات عليه على مدى عدة قرون.‏

وإذا استثنينا بعض الروايات من هنا وهناك(4)، التي تشير إلى أن بعض أساتذة الطب قد قللوا من أهمية هذا الكتاب فإن القاعدة العامة تظل على عكس هذا التقييم، بل إن بعض المؤرخين يحسب أن الاحترام الشديد الذي تمتع به الكتاب جمد الطب عند حدود المعرفة المتوافرة في عصر ابن سينا، ومنع لقرون عديدة دارسي الطب من البحث عن نظريات جديدة في الأمراض. أي أن "القانون" في ظنهم قد جمد العلوم الطبية أكثر من خمسة قرون، لأنه أصبح كتاباً مقدساً في عالم الطب لا يجرؤ أحد على نقده، ولا يفكر أحد في تطويره(5).‏

ابن سينا وهيرشبرغ:‏

لقد قيض الله لتأريخ طب العيون العربي أستاذاً بارعاً ومؤرخاً قديراً وعارفاً باللغات هو الأستاذ هيرشبرغ Hirschberg أستاذ أمراض العين في "جامعة برلين"، في مطلع القرن العشرين... الذي ألف في تاريخ طب العيون مؤلفات ليس لها نظير في تاريخ العلوم قاطبة.‏

ولقد قام هذا الأستاذ مع بعض زملائه(6)، بترجمة القسم المتعلق بطب العيون من كتاب القانون إلى اللغة الألمانية، كما قام بالتعليق عليه.‏

وإن معرفتنا بتاريخ طب العيون عند العرب تعتمد بالدرجة الأولى على مؤلفات الأستاذ هيرشبرغ (7)، الذي مهد الطريق لهذه الدراسة الصعبة.‏

ولكن تأريخ طب العيون العربي قد تطور كثيراً بعد هيرشبرغ بفضل اكتشاف كتب أخرى لم يتح لهيرشبرغ أن يحصل عليها. وذلك أنه عثر على مخطوطات لم تكن مفهرسة، أو لم تكن معروفة المكان حتى ذلك الزمن. أو أن بعضها كان يعد مفقوداً(8).‏

لذلك فإن تعليقات هيرشبرغ على مادة طب العيون في "كتاب القانون" أصبحت بحاجة إلى إعادة النظر فيها على ضوء المعلومات الجديدة.‏

وقد لا ينتج عن إعادة النظر هذه أي اكتشاف جديد... ولكن هذه هي القاعدة في تاريخ العلوم، فإن مقالة مر عليها أكثر من خمس وسبعين سنة.. لابد من إعادة دراستها، وتقييمها وامتحان الأحكام الواردة فيها.‏

تكريم العلماء:‏

وقد ألقيت في المؤتمرات الخاصة بتاريخ الطب أو الاستشراق كلمات، كما ظهرت في الصحف المتخصصة مقالات وأبحاث تهدف إلى التعريف بتراث ابن سينا.. وعرضه عرضاً نقدياً(9).‏

لذلك فإننا نسمح لأنفسنا ـ في هذا الاحتفال المخصص لذكرى ابن سينا ـ والذي نريد فيه حقاً أن نكرم ابن سينا. أن نتساءل: ماهي الوسيلة المثلى لتكريم هذا الرجل الخالد؟..‏

إنني أعتقد بأننا يجب أن نتخلى عن أسلوب المدح والتقريظ.. وأن نلجأ إلى الدراسة الموضوعية.. ذلك أن هذه الدراسة هي خير تكريم للعلماء.. فهي التي تكشف عن الكنوز الحقيقية المدفونة في مؤلفاتهم التي تركوها لنا.. والتي يعجز أسلوب المديح والثناء والإطراء عن كشفها.‏

وإنه لمن دواعي اعتزاز الأمة بعلمائها أن يكون تراث هؤلاء العلماء معروفاً على حقيقته، وفي متناول القراء، وليس مدفوناً في مكتبات المخطوطات مجهول المحتوى لا يعرف الناس قيمته الحقيقية.‏

فهل قام مؤرخو الطب العربي أو أطباء العيون العرب المعاصرون بدراسة من هذا النوع لكتاب "القانون"؟..‏

إنني أود أن أطرح بعض الأسئلة لكي تكون بداية محاولة لوضع خطة لدراسة تراث ابن سينا في الكحل قد تستغرق عشرات السنين، ولكننا إذا لم نقم بها فإننا لا نكرم ابن سينا التكريم الذي يجب.‏

أولاً: من المعروف أن كتاب "القانون" حل محل الكتب التي تشبهه، والتي كانت معروفة ومنتشرة قبله ككتب للتدريس، سواء في العالم العربي أو في أوروبا اللاتينية. فهل حدث هذا لأن كتاب "القانون" كان أحسن من حيث تأليفه من تلك الكتب؟ ومثل هذه الكتب هو كتاب "كامل الصناعة الطبية"، لعلي بن العباس المجوسي الأهوازي، الذي اشتهر في الغرب باسم "الكتاب الملكي"، إذ ترجم باكراً إلى اللاتينية. (في القرن الحادي عشر)، بينما ترجم القانون في القرن الثاني عشر.‏

ترى إذا أجرينا دراسة مقارنة بين فصول "مادة الكحل"، في كلا الكتابين هل نعثر على جواب؟‏

ثانياً: من المعروف أن ابن سينا قد قرأ معظم كتب الطب المتوافرة في عصره حينما كان شاباً، في مقتبل عمره، وهضمها، وأتقن صناعة الطب.. ثم كتب كتاب "القانون". فمن هم أساتذة ابن سينا الذين تأثر بهم أو اقتبس عنهم؟..‏

ترى لو درسنا ما جمعه "الرازي"، في كتاب "الحاوي"، وقارنا هذا بما كتبه ابن سينا في "مادة الكحل"، فهل نجد تأثيراً للرازي على ابن سينا؟..‏

ومن المعروف أيضاً أن ابن سينا لم يتح له أن يمارس الطب على نطاق واسع. بل شغلته صحبته للأمراء واشتغاله بالسياسة عن الممارسة اليومية للطبّ كما أن اشتغاله في الطب ربما اقتصر على الخاصة.. فهل اشتغل ابن سينا بالكحل؟.. وهل نجد في كتاباته ملاحظات ومشاهدات سريرية تجيب على هذا التساؤل؟..أو أن كتابه يخلو من هذه الإضافات الشخصية؟ وبمعنى آخر هل نجد شيئاً أصيلاً في باب "السريريات العينية" عند ابن سينا؟..‏

ثالثاً: من المعروف أن الرازي كتب بعض الرسائل الطبية التي تعنى بتفسير بعض الظواهر الغريزية (الفسيولوجية) في العين. وأن هذه الرسائل معروفة حالياً باسمها فقط؟ إحداها: (لماذا تضيق النواظر في النور، وتتسع في الظلمة؟).‏

وثانيتها: "في معرفة تطريف الأجفان".‏

وثالثتها: "في كيفية الإبصار".‏

فهل اطلع ابن سينا على هذه الرسائل؟‏

وهل نجد لها أثراً في كتاباته في "القانون"؟‏

وبمعنى آخر.. هل نجد عند ابن سينا مستوى نوعياً جديداً متطوراً عن المستوى الذي نجده عند الرازي في باب. "غرائز العين"؟ أو أن ابن سينا ظل على نفس القدر من المعرفة الطبية في عالم "وظائف العين"؟ أو أنه قصر في دراسة هذه الموضوعات.. فجاء من حيث تطور مادة "غرائز العين" في مرتبة ثانية بعد الرازي الذي عاش قبله؟‏

كل هذه الأسئلة تستدعي دراسة متخصصة وعميقة.‏

رابعاً: يذكر ابن أبي أصيبعة في كتابه "عيون الأنباء في طبقات الأطباء"، أن الرازي انتقد إقليدس فيما يتعلق بـ"نظرية الإبصار"، وأنه بين أن الإبصار لا يكون بشعاع يخرج من العين.. على عكس ما قال به إقليدس.‏

وقد درس الكثيرون آراء العلماء العرب في كيفية الإبصار. ولاحظ بعضهم أن هذا الرأي الذي أتى به الرازي.. قد مهد الطريق لاكتشافات ابن الهيثم في "نظرية الإبصار". كما لاحظ آخرون أن موقف ابن سينا جاء مستوعباً لرأي الرازي(10).‏

فماذا نقول نحن العرب في هذا؟‏

هل قرانا هذه النصوص وقارنّا بينها؟ وهل عرفنا على وجه التحديد رأي كل من علمائنا.. في هذه المسألة؟‏

خامساً: من المعروف أن مؤلفي كتب الكحل العربية قد أسندوا كثيراً من أقوالهم إلى أصحابها الذين أخذوها عنهم، كما أوردوا الكثير من الاقتباسات.‏

فعلي بن ربن الطبري في منتصف القرن التاسع الميلادي (الثالث الهجري) يقتبس عن حنين. وكذلك يفعل علي بن إبراهيم بن بختيشوع الذي عاش في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي (الخامس الهجري)، فهو ينقل عن حنين وعن علي بن عيسى وعن عمار بن علي الموصلي.‏

بل إن خليفة بن أبي المحاسن الحلبي الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي (السابع الهجري) يورد قائمة بأسماء الكتب التي نقل عنها. ويبلغ عدد هذه الكتب ثمانية عشر كتاباً.‏

ونحن هنا أمام سؤالين:‏

أولهما: من هم الكحالون العرب الذين نقل عنهم ابن سينا؟ أو تأثر بكتاباتهم؟‏

وهل نستطيع أن نرد الحقائق الطبية التي أوردها ابن سينا إلى مصادرها العربية أو المترجمة عن الإغريقية؟‏

وثانيهما: من هم الكحالون العرب الذين تأثروا بابن سينا؟ وهل كان كتاب القانون أحد الكتب التي ينبغي أن يدرسها الكحال في أثناء تدريبه؟ أو أن الكحالين العرب قد اكتفوا بكتب الكحل المتخصصة، واستغنوا عن "القانون" وأمثاله من الكتب العامة؟.‏

والسؤال الأول هام من حيث أنه يساعدنا على معرفة صاحب الفضل الأكبر في تأسيس علم طب العيون عند العرب(11)، هل هو يوحنا ماسويه؟ أو هوحنين ابن اسحق؟ أو أن هذا الفضل يعود إلى عصر متأخر.. هو عصر علي بن عيسى في مطلع القرن الخامس الهجري؟‏

والسؤال الثاني: هام أيضاً إذ أنه ـ إذا أتيح لنا أن نجيب عليه ـ سوف يوضح لنا علاقة التدريس الطبي، بالتدريس في اختصاص الكحالة، ويبين ماهية الكتب التي يعتمدها الكحالون في دراستهم؟ كما يبين مدى اطلاع الكحالة العربي على النظريات الطبية العامة، وهذه مسألة أساسية في معرفة تاريخ "الاختصاص الطبي".‏

سادساً: لقد عرف العرب كيف يميزون بين الساد القابل للبضع، والذي إذا تداخل الجراح عليه شفي،وبين الساد الذي لا يشفى بالتداخل الجراحي. وقد عبروا عن ذلك بقولهم: "لا يبرأ.". وطريقة التمييز بين هذين النوعين تعتمد على مراقبة تفاعل الحدقة للنور:‏

فالحدقة التي تتضيق إذا سلط عليها ضوء مصباح، وتتسع في الظلمة.. أو التي تتضيق إذا خرج المريض إلى نور الشمس، ثم تتسع إذا عاد إلى غرفة مظلمة هي حدقة تشير إلى أن العين سليمة: فإذا قدح الساد أبصرت من جديد، بينما الحدقة التي لا تتفاعل بتأثير النور تشير إلى أن الساد بحد ذاته ليس هو العامل المرضي المسؤول عن فقدان البصر. بل إن أجزاء العين الأخرى المستقبلة لحسِّ الإبصار هي التي فقدت وظيفتها. وأن العين إذا قدحت لا تبرأ...‏

وقد عبر أجدادنا الأطباء الكحالون العرب بتعابير فنية ثابتة.. فـ"الساد" كانوا يسمونه: "الماء"، والتداخل الجراحي على "الساد" لخلعه وإسقاطه على قاع الجسم الزجاجي وتحرير محور العين البصري منه كانوا يسمونه: "القدح"، والشفاء كانوا يسمونه: "البرء".‏

ونجد أن أطباء العين العرب وصفاً لعملياتهم، وبعض الملاحظات الشخصية(12) التي تشير إلى أنهم مارسوا هذا العمل الجراحي: فالرازي في كتابه "الطب المنصوري" يتحدث عن تفاعل الحدقة للنور بوضوح تام.. ونجد إشارات أقل وضوحاً عند "علي بن ربن الطبري"، في كتابه "فردوس الحكمة"... فلماذا لا نجد مثل هذه الملاحظات عند ابن سينا؟...‏

هل اقتصار ممارسته الطبية على علية القوم، وابتعاده مرغماً عن الممارسة الطبية عند عامة الشعب ـ بحكم عمله في البلاط هي المسؤولة عن ذلك؟ أي أنها هي التي جعلته أقل ممارسة وبالتالي أقل خبرة من غيره؟ أو أنه لم يمارس الكحل أبداً؟ أو أنه لم يبد اهتماماً بتسجيل مشاهداته وتجاربه الشخصية؟...‏

هذه أسئلة تحتاج إلى إجابة...‏

هذه كلها نموذجات من الأسئلة المطروحة على الباحث.. تشير إلى اتساع المادة التي ينبغي أن ندرسها.. كما تشير إلى مدى دقة التخصص الذي يجب أن يتوفر في الباحث. وإذا لم تكن كل هذه النماذج من الأسئلة واضحة.. وإذا لم تكن محاولة الإجابة عليها جادة ومسؤولة. فإن الأمر يظل نوعاً من الهواية ونظل عاجزين عن أن نقوّم ابن سينا تقويماً صحيحاً.‏

*** ‏

ولننتقل إلى مجال آخر..‏

لقد تناسخ الأطباء والدارسون كتاب "القانون"، فأصبح من أوسع كتب الطب انتشاراً طيلة العصور الوسطى وحتى القرن السابع عشر في أوروبا، وحتى القرن التاسع عشر في الشرق الإسلامي. وقد تعرض هذا الكتاب بطبيعة الحال إلى ما يتعرض إليه أي كتاب آخر... وهو وقوع النساخ في بعض الأخطاء لأنهم لم يفهموا بعض المعاني. أو لأنهم وقعوا في سهو.. أو أنهم أساءوا قراءة بعض التعابير الفنية الطيبة.‏

وقد طبع هذا الكتاب بالعربية ثلاث مرات: مرة في روما سنة 1593م. ومرة في بولاق سنة 1294هـ. ومرة في لوكناو Lucknow سنة 1308هـ. فما مدى دقة الطباعة؟ وهل وقعت هذه الطبعات في بعض الأخطاء.. الطباعية.. التي يسهل على القارئ أن يكتشفها؟ أو في بعض الأخطاء التي قد تغير المعنى أو تشوهه...؟‏

ما أسلوب التحقيق الذي اتبع قبل طباعة "القانون"؟ وما مدى دقة هذا التحقيق؟ ومن هم المحققون؟ وما مستواهم؟‏

لنأخذ مثلاً على ذلك..‏

لقد عبر العلماء العرب عما نسميه الآن بالصورة.. بقولهم: "المبصر" وعما نسميه بالخيال الذي يرتسم في العين بقولهم: "الشبح" الذي يتشبح داخل العين.‏

فهل نتصور مدى انقلاب المعنى وتشوهه إذا قرأ أحدهم كلمة "التشبح" على أنها "التشنج"؟‏

لقد كتبت هذه الكلمة خطأ في النسخة المطبوعة. فكيف يمكن للقارئ أن يفهم المقصود من الجملة؟ بعد هذا الخطأ الفادح.‏

وقد اخترنا هذا الخطأ لشدة المفارقة فيه، ولكن ثمة أخطاء أخرى كثيرة فمتى يحقق المختصون كتاب القانون؟ متى يدرسه أحفاد ابن سينا.. دراسة تليق بجدهم العظيم..؟ دراسة يتعاون فيها اللغوي، والمؤرخ والطبيب؟... ومتى نطبع القانون طبعة خالية من الأخطاء؟...‏

وإلى متى نظل نقرأ جملاً وتعابير مشوهة ظانين أنها من تراث ابن سينا؟...‏

هذا بالعربية.. أما باللاتينية فقد أثبت الكثيرون أن الترجمة اللاتينية قد وقعت في أخطاء عديدة فادحة...‏

وكان جيرهارد الكريموني قد ترجم القانون إلى اللاتينية بعد انقضاء حوالي قرن واحد على وفاة مؤلفه.. ثم أصلح اندريا الباغو هذه الترجمة.. ثم طبعت هذه الترجمة المحسنة سنة 1527م في البندقية.‏

وفي القرنين التاسع عشر والعشرين ترجم الكثيرون في مقاطع من كتاب القانون وعلقوا عليها. وبينوا الأخطاء العديدة التي وقعت فيها الترجمة.‏

وهذه التراجم جميعاً.. ما تزال بحاجة إلى دراسة نهائية... لكي يترجم هذا الكتاب العظيم.. ترجمة أمينة.‏

ولنعد إلى النسخة اللاتينية التي درست طيلة خمسة قرون في أوروبا.. والتي نجد منها نسخاً خطية في معظم جامعات أوروبا العريقة..‏

أو لنعد إلى النسخة اللاتينية المطبوعة والتي اعتمدت طيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر كمادة تدريسية رئيسة في عدد من الجامعات، ولنتساءل.. كيف فهم طلاب الطب، وأساتذتهم ابن سينا.. إذا كانت آراؤه قد انتقلت إليهم بشكل غير دقيق.. أو بشكل مشوه أحياناً بسبب الترجمة الخاطئة..؟....‏

*** ‏

والسؤال الأخير الذي نريد أن نثيره هنا.. لنختم به هذا البحث.. هو التالي؟..‏

هل كتب ابن سينا رسالة خاصة.. أو كتاباً خاصاً في الكحل؟....‏

إن الجواب... يأتي بالنفي... فإن كتاب سيرة ابن سينا الذين أوردوا قائمة مؤلفاته لم يذكروا مثل هذا الكتاب.‏

يعود الفضل في إثارة هذه القضية إلى الأستاذ صلاح الخيمي مدير المخطوطات في المكتبة الظاهرية بدمشق.. الذي عثر على نسخة مخطوطة لكتاب يسمى "الاستبصار في معالجة أمراض الإبصار". يذكر الناسخ أن هذا الكتاب لابن سينا...‏

فما نصيب هذا القول من الصحة؟... أي: ما مدى صدق نسبة الكتاب إلى المؤلف؟..‏

لقد كتب ابن سينا سيرة ذاتية أورد فيها قائمة بأسماء مؤلفاته.. وقد أكمل الجوزجاني تلميذ ابن سينا هذه السيرة.. وعنهما نقل البيهقي في "تتمة صوان الحكمة"، والقفطي في "أخبار الحكماء"، وابن أبي أصيبعة في "عيون الأنباء" وعنهما أيضاً نقل المؤرخون وأصحاب كتب التراجم. ومؤلفو كتب التواريخ. كما أن بعض هؤلاء نقل عن بعضهم الآخر..‏

لذلك فإننا نمتلك قائمة موثوقة بأسماء مؤلفات ابن سينا تعود إلى القرن الحادي عشر...‏

وقد أضيفت إلى هذه القائمة أسماء كتب أخرى..‏

فقد عثر على مخطوطات كثيرة تنسب إلى ابن سينا. وبالدراسة تبين أن هذه المخطوطات هي لابن سينا فعلاً، وأن أسماءها لم ترد عند قدامى المؤلفين الذين وضعوا قوائم بأسماء كتب ابن سينا، وهذا الأمر جعل من الضروري كتابة قائمة جديدة بمؤلفات ابن سينا، وقد قام الأب جورج شحادة قنواتي بكتابة هذه القائمة على ضوء المكتشفات الجديدة، كما كتب الأستاذ عثمان أرجن قائمة أخرى (في تركيا). ولعل أكمل ما كتب حديثاً في هذا الموضوع هو ما كتبه الأستاذ مهدوي في إيران.‏

ورغم ذلك ما نزال نعثر على مخطوطات تنسب لابن سينا.‏

والشيء الهام في أمر كتاب "الاستبصار" هو أن صاحب "كشف الظنون" ذكره على أنه من مؤلفات ابن سينا، دون أن يعرف بمحتواه..‏

فنحن إذن أمام كتاب في أمراض العين كتبه ابن سينا وهذا اكتشاف هام، ويحق لنا أن نتساءل: لماذا لم يذكر كتاب سيرة ابن سينا هذا الكتاب في قوائم الكتب التي كتبوها؟ لكن السؤال لا يقتصر على هذا السؤال وحده.. بل يتعداه إلى كل الكتب المكتشفة حديثاً.. ولذلك فإن أمر الإجابة عليه يحتاج إلى بحث خاص ويخرج عن دائرة هذه العجالة.‏

وثمة سؤال آخر.. ألم يذكر أحد المؤلفين القدامى هذا الكتاب؟ ألم يقتبس منه أحد؟ والجواب هو أننا نمتلك في "المكتبة الظاهرية" أيضاً مخطوطة تعالج سيرة ابن سينا بشكل مقتضب جداً. تذكر اسم هذا الكتاب، ولا نستطيع حتى الآن أن نذكر كتاباً آخر. فإذا كانت هذه السيرة قد كتبت قبل عهد صاحب "كشف الظنون" (حاجي خليفة) فإن أمرها شديد الأهمية لا شك في ذلك. أما الاقتباسات عن ابن سينا التي أوردها المؤلفون في الكحل فإنها لم تجمع بعد، وبالتالي لا نستطيع الإجابة على الشق الثاني من السؤال.. وربما وجدنا بعض الاقتباسات المنسوبة إلى ابن سينا. والتي لا نجدها في القانون.. وإنما نجدها في "الاستبصار". فإذا حصل ذلك فإن نسبة الكتاب الجديد إلى ابن سينا مؤكدة.‏

وهذا هو دور مؤرخي الطب، الذين ينبغي عليهم القيام بدراسة جادة لهذا المخطوط.. قبل إعطاء حكم نهائي.. أهو حقاً من مؤلفات ابن سينا أو أنه منسوب إليه؟‏

وإذا ثبت أن كتاب "الاستبصار" من تأليف ابن سينا.. فإن الأستاذ صلاح خيمي، يكون قد اكتشف اكتشافاً رائعاً بمناسبة العيد الألفي لابن سينا..‏

*نشأة الحمارنة.‏

الهوامش:‏

(1) ـ انظر: قنواتي: مؤلفات ابن سينا في : الكتاب الذهبي للمهرجان الألفي لذكرى ابن سينا (بغداد ـ من 20-28 مارس 1952)، مطبعة مصر ـ القاهرة صدر عن الإدارة الثقافية ـ جامعة الدول العربية 1952م.‏

(2) ـ انظر: سامي حمارنة: فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية (الطب والصيدلة)، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق 1969م.‏

(3) ـ‏

Sami K. Hamarrneh.‏

Biblography of Medicine and Pharmacy in medieval Islam, Stutgart 1964‏

Islamic Science – Sayyed Hosein Nasr Tehran 1975.‏

(4) ـ ابن أبي أصيبعة. عيون الأنباء في طبقات الأطباء منشورات دار مكتبة الحياة ـ بيروت.‏

(5) ـ‏

Ullmann.‏

Die Bedizine im Islam Brill – Leiden / Koln 1970.‏

(6) ـ ترجمة ابن سينا:‏

Die Augenheilkunde des Ibn Sina. Hirschberg, Lippert, Mittwoch Verlag von Veit & comp. leipzig 1905.‏

(7) ـ الكتب الأخرى لهيرشبرغ.‏

-Geschichte der Augenheikunde Bei den Araber.‏

‏‏‏a rzte nach der Quellen bearbeitet. -Die Arabishen Augen‏

-Lehrbucher d. arab. Augenhelkunde.‏

(8) ـ انظر:‏

مايرهوف M. Meyerhof في مقدمته لتحقيق كتاب (عشر المقالات في العين) لحنين بن اسحق. ومايرهوف هو صاحب الفضل في تحقيق هذا الكتاب بعد إشارة هيرشبرغ إليه.‏

The Book of the ten treatises on the Eye ascribed to Hunain Ibn Ishaq.‏

(9) ـ انظر: الكتاب الذهبي..للمهرجان الألفي لذكرى ابن سينا: عزة مريدن: ـ ابن سينا في قانونه.‏

مصطفى شريف العاني: ـ حول الشيخ الرئيس ابن سينا الكحال.‏

(10) ـ‏

1-C. Prufer & M. Meyerhof.‏

Die aristotelische Lehre vom Licht vom Licht bei Hunain b. Ishaq.in (Der Islam 2, 1911, 117-128)‏

2-M. Meyerhof & C. Prrufer.‏

Die Lehre vom Sehen bei Hunain b. Ishaq. In : Arch. Gesch. Med . 6. 1913 21-33.‏

3-Wolf Bronner.‏

Die Augenheilk unde des Rhazes. Diss. Berlin 1900.‏

(11) ـ حمارنة نشأت. تاريخ أطباء العيون العرب (الجزء الأول)، دمشق 1981.‏

(12) ـ عمار بن علي الموصلي. المنتخب في علاج أمراض العين مترجماً إلى الألمانية.‏

J. Hirschberg.‏

J. Lippert.‏

E. Mittwoch.‏

Das Buch der Auswahl von der Augenkrankheiten.‏

Leipzig. 1905.‏

(13) ـ ترجم جيرارد الكريموني Gerhard von Cremona.‏

كتاب "القانون" إلى اللاتينية قد أصلح اندريا الباغو. Andrea Alpago هذه الترجمة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244