مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان 6/5 - السنة الثانية - حزيران "يونيو" 1982
Updated: Sunday, December 14, 2003 02:19 AM
فهرس العدد
 

المناهج العلميّة في مَعرفِة خصائصص الأدوية عند ابن سينا - د.أحمد عروة

الجزائر المعهد الوطني للصحة العمومية‏

قد يعتقد الكثيرون أن الأدوية عند الأطباء الأقدمين أكثرها علاجات بدائية تناقلوها عن تجربة العجائز، والرهبان وتشوبها الشعوذة والتبرك بالأوثان وإن المناهج العلمية والتجريبية في هذا العلم من مكتسبات القرون الأخيرة ونتيجة التطور الحديث للعلوم الطبيعية والكشوف الكيميائية والفيزيائية. وقليلاً ما يعترف الغربيون بفضل الأطباء الإسلاميين في تحديد وتهذيب هذا العلم مع أنهم درسوهم ودرّسوهم مدة قرون وبنوا على كتبهم نهضتهم العلمية. إلا إذا اعتبرنا أنهم لم يصلوا إلى مستوى تعاليمهم الأساسية فمروا عليها وهم عنها غافلون.‏

إنَّ ما قرأناه في القانون في الطب لابن سينا فيما يخص علم الأدوية دعانا إلى إبراز الأهمية الجديرة به. ولما كان من حظنا أننا دعينا للمشاركة في هذا الاحتفال التذكاري الجليل فإننا اخترنا له موضوع علم الأدوية ما جاء في القانون في الطب ولسنا نعني بذلك علم الصيدلية الذي يختص بتركيب الأدوية وتهيئتها Pharmacie ولا مادة الأدوية المركبة أو الأقرباذين Pharmacopée ولا مادة الأدوية المفردة Materia médica ذلك العلم الذي يتعرف منه خصائص الأدوية من حيث تركيبها ومزاجها وطبائعها ومفعولها الفزيولوجي والتغييرات التي تعرض لها بالصناعة والتركيب وقوانين استعمالها، وهو العلم الذي يسمى اليوم Pharmacologie.‏

كتب ابن سينا مقالات طويلة حول الأدوية نذكر منها:‏

ـ الكتاب الثاني من القانون في الأدوية المفردة ويشتمل على قسمين أو جملتين. الجملة الأولى في القوانين الطبيعية التي يجب أن تعرف من أمن الأدوية المستعملة.‏

الجملة الثانية: في عرض مرتب للأدوية المفردة مع ذكر خواصها وأفعالها.‏

ـ في الكتاب الرابع: الفن السادس موضوعه كلام مجمل في السموم (المعدنية والنباتية والحيوانية).‏

ـ الكتاب الخامس: في الأدوية المركبة ويحتوي على مقالة علمية تشير إلى أصول علم التركيب.‏

وجملتين: جملة في المركبات الراتبة في القرباذيات.‏

جملة في الاقرباذين في الأدوية المجربة حسب الأمراض.‏

يتركز بحثنا هذا على ما جاء في الكتاب الثاني من القانون في الجملة الأولى وعنوانها: "القوانين الطبيعية التي يجب أن تعرف من أمر الأدوية المستعملة في علم الطب"، تنقسم هذه الجملة إلى ستة مقالات:‏

المقالة الأولى:‏

في تعريف أمزجة الأدوية المفردة، أي خصائصها الطبيعية الأصلية.‏

يقول ابن سينا:‏

"إن جميع المركبات المعدنية والنباتية والحيوانية أركانها هي العناصر الأربع وإنما تمتزج فيفعل بعضها في بعض حين تستقر على تعادل أو على تغالب فيما بينها وإذا استقرت على شيء وذلك هو المزاج الحقيقي".‏

والمزاج نوعان: المزاج الأول يحدث عن العناصر البسيطة المكونة له.‏

والمزاج الثاني: الذي يحصل من الاختلاط والتركيب مثلاً: "اللبن يمتزج بالحقيقة عن مائية وجبنية وسمنية وكل واحد من هذه الثلاثة غير بسيط بالطبع بل هو أيضاً ممتزج وله مزاج يخصه، وهذا المزاج الثاني يكون إما قوياً وهو الذي يعسر تفريقه Stable وهو المزاج الموثق (مثلاً على الحرارة الغريزية أو النارية).‏

وإما رخوا: أي كما يقول ابن سينا:"سلس إلى الانفصال فقد يجوز أن تفترق بسائطه عند فعل طبيعتنا فيه ويتزايل بعضها عن بعض وتكون مختلفة القوى". Instable وهذا الانفصال قد يحصل بسهولة متفاوتة مثلاً بالطبخ أو الغسيل مثلاً"الكرنب جوهره ممتزج من مادة أرضية قابضة ومن مادة لطيفة جلاءة بودقية، فإذا طبخ في الماء تحلل الجوهر البودقي الجالي منه في الماء وبقي الجوهر الأرضي القابض فصار ماؤه مسهلاً وجرمه قابضاً".‏

المقالة الثانية: في تعرف قوى أمزجة الأدوية بالتجربة.‏

تبرز أهمية هذه المقالة في طابعها العلمي التجريبي لأنها تذكر القواعد الأساسية التي يتركز عليها المنهج التجريبي وكثيراً ما تعتبر هذه القواعد من مكتسبات العلم الحديث وحسب ما نعرف فإنها رغم وضوحها وأهميتها لم يعمل بها لا نظرياًولا تطبيقياً حتى العهود الأخيرة. يقول ابن سينا "التجربة إنما تهدي إلى معرفة قوة الدواء بالثقة" أما قواعد أو شرائط التجربة فهي:‏

أولاً:أن يكون الدواء خالياً عن كيفية مكتسبة وحرارة عارضة أو برودة عارضة أو كيفية عرضت له باستحالة في جوهرها أو مقارنة لغيرها".‏

ثانياً: "أن يكون المجرب عليه علة مفردة، فإنها إن كانت علة مركبة وفيها أمران يقتضيان علاجين متضادين فجرب الدواء فنفع لم يدر السبب في ذلك بالحقيقة".‏

ثالثاً: أن يكون الدواء قد جرب على المتضادة، أي على علل مختلفة المزاج، حتى إن كان ينفع منهما جميعاً لم يحكم أنه مضاد لمزاج أحدهما وربما كان نفعه من أحدهما بالذات ومن الآخر بالعرض فإذا كان كذلك لم تفدنا التجربة ثقة بحرارته أو برودته إلا بعد أن يعلم أنه فعل أحد الأمرين بالذات وفعل الآخر بالعرض.".‏

رابعاً: أن يكون القوة في الدواء مقابلاً بها ما يساويها من قوة العلة... فيجب أن تجرب أولاً على الأضعف ويتدرج يسيراً يسيراً حتى يعلم قوة الدواء ولا يشكل".‏

خامساً: أن يراعي الزمان الذي يظهر فيه أثره وفعله، فإن كان مع أول استعماله أقنع أنه يفعل ذلك بالذات، وإن كان من أول الأمر لا يظهر منه فعل فهو موضع اشتباه وإشكال عسى أن يكون فعل ما فعل بالعرض.".‏

سادساً: "أن يراعي استمرار فعله على الدوام أو على الأكثر: فإن لم يكن كذلك فصدور الفعل عنه بالعرض.".‏

سابعاً: "أن تكون التجربة على بدن الإنسان.".‏

المقالة الثالثة: "في تعرف أمزجة الأدوية المفردة بالقياس.".‏

تتعرض هذه المقالة إلى معرفة قوى الأدوية من طريق القياس أي حسب قوانين مأخوذة من خصائصها الطبيعية مثلاً:"من سرعة استحالتها إلى النار والتسخن ومن بطء استحالتها ومن سرعة جمودها وبطء جمودها من الروائح ومن الطعوم ومن الألوان ومن أفعال وقوى معلومة فيكتسب منها دلائل واضحة على قوى مجهولة.".‏

وهاته الخصائص الطبيعية تقابلها قوى خاصة كما يظهر مثلاً في الطعوم:‏

العلو يقابله الانضاج والتلبين وتكثير الغذاء.‏

المرارة يقابله الجلاء والتسخين.‏

العفوصة يقابله القبض إن ضعف والعصر إن اشتد.‏

القبض يقابله التكثيف والتصليب والحبس.‏

الدسومة يقابله التلبين والإزلاق‏

الحرافة يقابله التمليل والتقطيع والتعفين.‏

الملوحة تقابله الجلاء والغسل والتجفيف ومنع العفون.‏

الحموضة تقابله التبريد والتقطيع.‏

ثم هاته الخصائص وهاته الأفعال تمتزج حسب امتزاج الأجسام كما يجتمع مثلاً طعمان في جرم واحد مثلاً: الحرافة والحلاوة في العسل المطبوخ، المرارة والحرافة والقبض في الباذنجان.‏

ثم هاته الخصائص والأفعال تتحول مع تحول المزاج أما بفاعل طبيعي أو بفاعل مصطنع مثل الفاعل الطبيعي: تكون الفواكه التي تعلو أولاً فيها عفوصة شديدة التبريد. فإذا جرت فيها هوائية ومائية حتى تعتدل قليلاً بالهوائية وباسخان الشمس المنضج مالت إلى الحموضة مثل الحصرم ثم تميل إلى الحلاوة إذا عملت فيها الحرارة المنضجة. مثل الفاعل المصطنع: إذا سخن المالح بشمس أو نار أو بمقارنة الماء به الكاسرة réduction من قوة الحرارة صار مراً.‏

المقالة الرابعة: "في تعرف، قوة الأدوية المفردة"، أو أفعالها Pharmacodynamie‏

نوعية الأفعال: تنقسم الأفعال حسب نوعيتها إلى:‏

1 ـ الأفعال الكلية ومنها:‏

الأفعال الكلية الأوائل: Proprétés Fondamentales‏

وهي الأفعال الأربعة:‏

التبريد‏

التسخين‏

الترطيب‏

التجفيف‏

الأفعال الكلية الثواني : Propriétés secondaires‏

وهي ترجع إلى الأفعال الأوائل لكنها مقدرة أو مقايسة بعد زيادة أو نقصان مثل الاحراق ـ العفونة ـ الاجماد ـ .أفعال أخرى صادرة عن هذه مثل :التخدير- الختم- الجذب- الالزاق.‏

2 ـ الأفعال الجزئية: Proprriétés spécifiques‏

مثل المنفعة في ـ السرطان ـ والبواسير ـ واليرقان.‏

3 ـ الأفعال التي تشبه الكلية: مثل الإسهال ـ التعريق ـ الإدرار.‏

خصائص الأدوية: أي الصفات التي للأدوية من أنفسها والتي تعتبر في صنع الدواء واستعماله.‏

1 ـ الكيفيات الأربع: بارد ـ حار ـ رطب ـ يابس.‏

2 ـ الروائح والألوان.‏

3 ـ الصفات الأخرى: مثل اللطافة ـ الكثافة ـ اللزوجة ـ الهشاشة ـ الجمود ـ السيلان ـ اللعابية ـ الذهنية ـ النشف ـ الخفة ـ الثقل.‏

ترتيب الأفعال الدوائية المشهورة: يقال دواء:‏

مسخن: ملطف ـ محلل ـ جال ـ مخشن ـ مفتح ـ منضج ـ جاذب ـ مقطع ـ هاضم ـ كاسر الريح ـ مجمر ـ محكك ـ مقرح ـ أكال ـ محرق ـ لاذع ـ مفتت ـ معفن ـ كاو ـ مقشر ـ‏

مبرد: مقو ـ رادع ـ مغلظ ـ مفجع ـ مخدر ـ‏

مجفف: عاصر ـ قابض ـ مسدد ـ مغر ـ مدمل ـ منبت ـ خاتم.‏

أفعال أخرى جزئية : قاتل ـ سم ـ ترياق ـ مسهل ـ مدر ـ معرق.‏

المقالة الخامسة: في أحكام تعرض للأدوية من خارج أي بالصناعة وصناعة الأدوية تكون إما:‏

1 ـ بالمعالجة: بالطبع ـ السحق ـ الإحراق بالنار ـ الغسل ـ الإجماد في البرد ـ الوضع في جوار أدوية أخرى.‏

مثلاً: من الأدوية ما يحرق لينقص من قوته ومنها ما يحرق ليزاد في قوته، وجميع الأدوية الحادة اللطيفة الجواهر أو معتدلتها فإنها إذا أحرقت انتقص من حرها وحدتها. بما يتحلل من الجوهر الناري المستكن فيها مثل الزاجات والقلقطار. وأما الأدوية التي جواهرها كثيفة وقوتها غير حارة ولا حادة فإن الإحراق يفيدها قوة حادة مثل النورة فإنها كانت حجراً لا حدة فيه فلما أحرق استحال حاداً.‏

2 ـ بالممازجة: وذلك يرجع إلى تركيب الأدوية فالممازجة تارة تقوى أفعال الأدوية ـ وتارة تبطل أفعالها ـ وتارة تصلح وتزول غوائلها.‏

المقالة السادسة: في التقاط الأدوية وادخارها.‏

وفيها القواعد الأساسية لاختيار الأدوية والتقاطها وتهيئتها وادخارها حسب نوعيتها المعدنية والنباتية والحيوانية.‏

أخيراً: وتكمله لما استخلصناه من كتاب علم الأدوية المفردة، نذكر باختصار أن الكتاب الخامس في الأدوية المركبة يفتتح بمقالة علمية تشير إلى أصول علم التركيب يشرح فيها فوائد الممازجة والتجربة للأدوية حسب الحاجة إلى مفهومها في الأمراض ونفوذها إلى الأعضاء المعنية. كما ترشدنا المقالة إلى هاته القاعدة العلاجية النفسية: "إن المجرب خير من غير المجرب، والقليل من الأدوية خير من كثيرها".‏

ختاماً لهذا المقال إذا كان من الحق أن نشهد للطب والصيدلة الحديثة بالمكتسبات المدهشة التي تفتخر بها الحضارة التقنية المعاصرة ولاسيما في مكافحة الأمراض الجرثومية التي كانت تقضي على الأفراد والجماعات وفي الاختراعات الآلية والصناعات الدوائية ووسائل التعقيم والتقليم وإطالة الأعمار بوقاية الأضرار فإنه كذلك من الحق أن نشهد عليها بالقصور في كثير من المعالجات ولاسيما الأمراض العضوية المزمنة التي تنتج عن فساد البيئة الإنسانية وتغيير العادات الحضارية و السلوكية والغذائية بل في ظهور أمراض علاجية كثيرة يتسبب فيها عدم معرفة خصائص الأدوية المستحدثة وحدودها وعدم احترام قوانين خلقية وعلمية في عصر طغت عليه المادية الجاهلية فلوثت الأمخاخ والمحيطات ونسي الإنسان علاقته الحيوية بالطبيعة وارتباط صحته الجسمية والفكرية بما تكنه أو تبرزه من معادن وأعشاب وحيوانات وطاقات ومساحات حتى صار مريضاً أكثر مما كان ومنفقاً في سبيل صحته أبهظ الأثمان.‏

إن الدعوة إلى البحوث التاريخية في ميدان العلوم الطبية والدوائية ليست مجرد النبش عن رفات مندثر نعرضه في متحف التاريخ وإنما هي تنقيب عن طاقات حية كامنة تحت طيات النسيان لنقتبس من حكمتها الأصلية ومناهجها الثمينة وخلقياتها السامية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244