مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العددان 6/5 - السنة الثانية - حزيران "يونيو" 1982
Updated: Sunday, December 14, 2003 02:20 AM
فهرس العدد
 
القصيدة العينية في النفس ومعارضاتها - د.عبد الكريم اليافي

القصيدة العينية في النفس ومعارضاتها - د.عبد الكريم اليافي

شغلت النفس الإنسانية أفكار الفلاسفة منذ القدم. وقد كتب ابن سينا عدة رسائل في هذا الشأن، منها "أحوال النفس"، نشرها د.أحمد فؤاد الأهواني، والحق بها ثلاث رسائل أخرى صغيرة لابن سينا أيضاً في النفس. وقد عالج  الشيخ الرئيس مسألة النفس في مواضعٍ متعددة من كتبه. ونظن أنه كان يسائل نفسه في الحين تلو الحين عما قرره أو فكر فيه. ولاشك أنه اطلع على بيتي الرازي:

لعمري ما أدري وقد آذن البلى

 

بعاجل ترحالي إلى أين ترحالي

وأين محل الروح بعد خروجه

 

من الجسد المنحل والهيكل البالي.

فنظم قصيدته المشهورة هذه وهي التي يقول فيها ابن أبي أصيبعة، أنها "من أجل قصائده وأشرفها".

ولشهرة هذه القصيدة عني بها طائفة من الشراح. ذكر شروحها الكثيرة حاجي خليفة في "كشف الظنون"، وذكرها الأب قنواتي في "مؤلفات ابن سينا"، وذكرها يحيى مهدوي في فهرست مصنفات ابن سينا.

وأورد حاجي خليفة أنه قد خمسها الشيخ منصور المصري، وأول التخميس:

يا سائلاً عن كنه ذات البرقع

وشرح التخميس أبو البقاء الأحمدي ومن أشهر شروح القصيدة المطبوعة شرح نعمة الله الجزائري، الشوشتري وشرح عبد الرؤوف المناوي.

وقد عارضها شعراء متعددون نذكر ممن نظم على بحرها ورويها قديماً عفيف الدين التلمساني وحديثاً أحمد شوقي والشاعر الأديب عادل الغضبان وصديقنا العالم المفكر الأديب نصوح الطاهر نشر ذلك في رسالة لطيفة سماها الروح الخالدة تناول فيها أقوال بعض الفلاسفة في النفس.

هذا ومن المناسب أن نذكر هنا أنه قد اختلف في النفس والروح خلال الحضارة العربية الإسلامية فقيل هما شيء واحد وقيل هما متغايران. وقد يعبر عن النفس بالروح وعن الروح بالنفس. يقول ابن الفارض.

مالي سوى روحي وباذل نفسه

 

في حب من يهواه ليس بمسرف

فقد استعمل الروح والنفس بمعنى واحد في البيت.

وعند تسوية النفس بالروح إنما يراد بها النفس الناطقة أو ما يدعى الفكر أحياناً بالتعبير الحديث. والمراد بالنفس في قصيدة ابن سينا هذه النفس الناطقة أو الروح الإنساني والروح تذكر وتؤنث في اللغة:

هبطت إليك من المحل الأرفع

 

ورقاءُ ذاتُ تعزز وتمنع

محجوبة  عن كل مقلة عارف

 

وهي التي سفرت ولم تتبرقع

وصلت على كره إليك وربما

 

كرهت فراقك وهي ذات تفجع

ألفت وما سكنت، فلما واصلت

 

ألفت مجاورة الخراب البلقع

وأظنها نسيت عهوداً بالحمى

 

ومنازلاً بفراقها لم تقنع

حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها

 

عن ميم مركزها بذات الأجرع

علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت

 

بين المعالم والطلول الخضع

تبكي وقد ذكرت عهوداً بالحمى

 

بمدامع تهمي ولما تقلع

وتظل ساجعةً على الدِّمن التي

 

درست بتكرار الرياح الأربع

إذ عاقها الشرك الكثيف وصدها

 

قفص عن الأوج الفسيح المَرْبَع

حتى إذا قرب المسير من الحمى

 

ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع

سجعت وقد كُشِفَ الغطاءُ فأبصرت

 

ما ليس يدركَ بالعيونِ الهجع

وغدت مفارقة لكل مخلّفٍ

 

عنها حليف التُّرْبِ غير مُشَيِّع

وبدت تُغرِّدُ فوق ذروة شاهقٍ

 

والعلم يرفع كل من لم يُرفع

فلأي شيء أهبطت من شاهق

 

عال إلى قعر الحضيض الأوضع؟

إن كان أهبطها الإله لحكمةٍ

 

طويت على الفذ اللبيب الأروع

وهبوطها إن كان ضربة لازب

 

لتكون سامعة بما لم تسمع

وتعود عالمة بكل خفية

 

في العالمين، فخرقها لم يرقع

وهي التي قطع الزمان طريقها

 

حتى لقد غربت بغير المطلع

فكأنها برق تألق بالحمى

 

ثم انطوى فكأنه لم يلمع

أنعم برد جواب ما أنا سائل

 

عنه فنار العلم ذات تشعشع

وقد أغفلت بعض الروايات البيت الأخير.

***                       

قصيدة عفيف الدين سلمان بن عبد الله بن علي التلمساني (610/1213-690/1291). وهي في ديوانه المخطوط  نشرها لأول مرة، يتغنى فيها الشاعر بمذهبه الصوفي، ولكنه ينظر فيها إلى بعض تعابير الشيخ الرئيس:

ياطيبَ ما أهدى نَسيمُ الأجرَعِ

 

عَنهم فأسْكَرَني وأطْرَبَ مِسمَعي

فخلعْت من طربٍ عليهِ حُشاشَتي

 

لمّا أتى ونَثَرْتُ جَوْهَرَ أدمُعي

عَجَبَاً لمن أهدى السَّلامَ وشًخصُهُ

 

أفْدِيهِ أدنى لِلحَشا مِنْ أضلُعي

وحَّدْتُ معنى الحُسن فيه ولا أرى

 

ثَنَويَّةً فالَقَولُ أشهِدُهُ مَعي

ما لِلمَليحَةِ غَيرَها من عاشِقٍ

 

فَهيَ المَصونَة في الحِمِى المتمنِّعِ

ولقد بَدتْ  فَرَأتْ بَديع جمالِها

 

كلُّ العُيونِ وحُجْبُها لم تُرفَعِ

لكِنْ وَعَى  من لا يَعي عَنْ غَيرها

 

وأنا الَّذي هُوَ عَنْ سِواها لا يَعي

وَبِحُسنِها الباقي الذَّي أفناهُمُ

 

عَنْهُمْ بإطْلاقِ الجَمالِ المُبْدِعِ

قالَتْ لِكُلِّ مُتيَّمٍ ظَهَرَتْ لَهُ

 

فارِقْ وُجودَكَ فيَّ غَيرَ  مودِّعِ

يا سَعْدَ بالعلمينِ مِنْ رملِ الحمى

 

وَدِّعْ حَشاكَ بذلِكَ المُستودعِ

وإذ دعاكَ هوىً لساكنةِ الحمى

 

فَلَكَ البِشارَةُ بالمحَلِّ الأرفَعِ

سكر الكرامُ بِبنْتِ كَرْمتِها وما

 

شَربوا وَمالوا بالشَّذا المُتضوِّعِ

مَنْ لَمْ يَمُتْ بالسُّكْرِ منها لم يَعِش

 

أبداً ومَنْ لَمْ تَدْعُهُ لم يَسْمَعِ

إن كانت الغاياتُ أنْ يرقى الفَتى

 

زَمَنِ الفناءِ إلى المَحلِّ الأَرْفَعِ

فَلَقَدْ بلغتُ مبالِغَ العقلِ الَّذي

 

قَدْكانَ في الإيجادِ أوَّلَ مُبدعِ

ورأيتُ مالا ينتهي مِنِّي بِما

 

لا يَنْتَهي وسَمِعتُ مالمْ يُسمعِ

وَطَلَعَتْ في كُلِّ المَطالِعِ واحِداً

 

هُوَ عَينُ طالِعِها وَعَيْنُ المطلَعِ

متوحداً بالذاتِ فيه كثيرَهْ

 

بالوصف والفعل اللذين لمسمعي

فمَواقِفُ الإِدراكِ دونَ مَواقِفي

 

وَمَشارِعُ الورَّادِ ليس كمشرَعي

***             

قصيدة شوقي نشرها في مجلة المقتطف مجلد 64 عدد يناير 1924م:

ضمّي قناعك يا سعادُ أو ارفعي

 

هذي المحاسن ما خلقن لبرقع

الضاحيات الضاحكات ودونها

 

ستر الجلال وبعد شأو المطلع

يا دميةً لا يستزاد جمالها،

 

زيديه حسن المحسن المتبرع

ماذا على سلطانه من وقفة

 

للضارعين وعطفةٍ للخشع

بل ما يضيركِ لو سمحت بجلوة؟

 

إن العروس كثيرة المتطلِّعِ

ليس الحجاب لمن يعز مناله

 

إن الحجاب لهِّينٍ لم يُمنع

أنت التي اتخذ الجمالُ لعزه

 

من مظهر، ولسره من موضع

وهو الصّناع  يصوغ كل دقيقة

 

وأدقَّ منك بنانُهُ لم تصنع

لمستك راحته ومسَّكَ روحه

 

فأتى البديع على مثال المبدع

الله في الأحبار: من متهالك

 

نضوٍ، ومهتوك المسوح مُصرَّع

من كل غاوٍ في طويَّة راشد

 

عاصى الظواهر في سريرةِ طيّع

يتوهّجون ويطفئون كأنهم

 

سُرُجٌ بمعتركِ الرياح الأربع

علموا فضاقَ بهم وشقَّ طريقُهم

 

والجاهلون على الطريق المَهيَع

ذهب "ابن سينا"  لم يفز بك ساعة

 

وتولَّت الحكماء لم تتمتع

هذا مقامٌ كلُّ عزٍّ دُونهُ

 

شمس النهار بمثله لم تطمع

فَـ"محمد" لك، و"المسيح" ترجَّلا

 

وترجلت شمس النهار ليوشع

ما بال "أحمد" عَيَّ عنك بيانُهُ

 

بل مالـ"عيسى" لم يقل، أو يدَّعِ

ولسان "موسى" انحل  إلا عقدة

 

من جانبيكِ علاجُها لم يَنجع

لما حللتِ بـ"آدم" حَلَّ الحِبا

 

ومشى على الملأ السجودِ الرُّكعِ

وأرى النبوة في ذراك تكرمت

 

في "يوسف" وتَكلمت في "المرضَعِ"

وسقت "قُريش" على لسان "محمد"

 

بالبابلي من البيان المُمتع

ومشت بـ"موسى" في الظلام مشرداً

 

وحَدَتْه في قلل الجبالِ اللمَّع

حتى إذا طُويتِ ورثْتَ خِلالها

 

رُفع الرَّحيقُ وسِرُّهُ لم يرفَعْ

قسمتْ منازِلكِ الحظوظُ: فمنزلاً

 

أترَعَنَ منكِ ومنزلاً لم تُترِع

وخليَّة بالنحل منكِ عميرة

 

وخلية معمورة بـ"التُّبَّعِ".

وحظيرة قد أودعتْ غُرَرَ الدُّمَى

 

وحَظِيرَةِ "محرومة" لم تودَعْ

نظر "الرئيسُ" إلى كمالك نظرة

 

لم تَخْلُ من بَصَرِ اللبيبِ الاروعِ

فرآه منزلة تَعَرَّضَ دُونَها

 

قِصرُ الحياةِ وحال وشك المصرع

لولا كمالُكَ في "الرئيسِ" ومثلِهِ

 

لم تُحْسُنِ الدُّنيا ولم تترعرَع

الله ثبَّتَ أرضَهُ بدعائمٍ

 

 هم حائِطِ الدنيا وركن المجمع

لوْ أنَّ كُلَّ أخي يَراعٍ بالغٌ

 

شأوَ "الرئيس" وكلَّ صاحب مبضع

ذهب الكمالُ سُدىً وضاع محلُّهُ

 

في العالمِ المُتَفاوِتِ المُتنوِّعِ

 

***

 

يا نفس، مثلُ الشمسِ أنتِ، أشعةٌ

 

في عامرٍ، وأشعَّةٌ في بَلْقَعِ

فإذا طَوَى اللهُ النَّهارَ، تراجَعَتْ

 

شَتَّى الأشِعَّةِ، فالتقَتْ في المَرْجِع

لما نُعيتِ إلى المَنازِلِ غُودِرَتْ

 

دَكَّاً، ومثلُكِ في المنازلِ ما نُعِي

ضجَّتْ عليكَ مَعالماً، ومعاهداً

 

 وبكَتْ فراقكَ بالدُّموعِ الهُمَّعِ

آذنتِها بنَوىً، فقالتْ: ليت لمْ

 

تَصِلِ الحبالَ، وليتَها لم تُقطع

ورداءُ جُثمانٍ لبستِ مُرَقَّمٍ

 

بيد الشبابِ على المشيبِ مُرَقع

كمْ بنتِ فيهِ، وكَم خفيت كأنَّه

 

ثوبُ المُمثِّلِ، أو ثياب المرفعِ

أسئمتِ من ديباجه، فنزعتهِ

 

والخزُّ أكفانٌ إذا لم يُنْزَعِ

فزعت، وما خفيتْ عليها غايةٌ

 

لكنَّ من يرِدِ القيامةَ يفزع

ضرعت بأدمُعها إليكِ، وما درت

 

أنَّ السفينةَ أقلعت في الأدمعُ

أنتِ الوفيَّةُ، لا الذمام لديكِ مذ

 

مومٌ، ولا عهدُ الهوى بمُضيَّع

أزمعتِ فانهلَّتْ دُموعُكِ رقَّةً

 

ولوْ استطعتِ إقامةً لم تُزْمعي

بان الأحبَّةُ يومَ بَيْنِكِ كُلُّهُمْ

 

وذهبتِ بالماضي، وبالمُتَوقِع

***                       

قصيدة عادل الغضبان نشرها في عدد إبريل 1952 من مجلة الكتاب:

ورقاء، يا صنو الملائك، رجعي

 

نغم الهوى، وبحمد ربك فاسجعي

وتخايلي بالأجملين: عقيرةٍ

 

تسبى، وثوبٍ بالجمال مرصع

قال الرئيس، وقال عنك سليفه:

 

مخلوقةٌ أثمت، ولم تتورع

فأذاقها الرحمن سوط عذابه

 

ورمى بها في حالكاتِ الأربعِ

جسدٌ براهُ الله سجناً للتي

 

أثمت فعاشت في خرابٍ بلقع

نزلته فافتقدت به آي الحجى

 

وأحالها النسيان وجه مقنّع

فإذا بكيتِ فمن أسى وتوجع

 

وإذا حننت فمن جوىً وتَفجع

حاشا، فما خلق الإلهُ عبادَهْ

 

مزقاً، وسوَّاها بكف مرقِّع

الله خصِكِ بالجمال مُلألِئاً

 

في الريش منك وفي الصُّداح الأبرع

خُلقَا معاً، وبدا كمالُكِ فيهما

 

يُزجى الدليل على كمالِ المُبدعِ

سبحان من بدع السماءَ وشادها

 

ملكوتَ أَبْرارٍ، وجنَّةَ خُشّع

وأحاط قائم عرشه بملائكٍ

 

من قائمينَ على الصلاةِ، ورُكَّعْ

نثروا على دَرَجَ الجنان أشِعَّةً

 

مجلوة بسَنى الإِلهِ الأسطع

حتى ارتدى بالكبرياءِ زعيمُهُمْ

 

وصَبا إلى عرش العليِّ الأرْفع

فكبا وطُغْمَته العصاةَ وأَبْدلِوا

 

نارَ الجحيمِ من النعيم الممْرع

كانوا النجومَ النِّيِّراتِ، فأصبحوا

 

سُجَناءَ في ظُلماتِ لَيلٍ أَسْفَعْ

متقلِّبين على مَجَامِرِ إِثمِهِمْ

 

ومُصَفَّدينِ بِكُلِّ أَرْقَم مُوجع

يتحرَّفُون إلى السَّنا فيصدّهم

 

عن نَبْعِهِ الفَيَّاضِ ربُّ المَنبَعْ

أَغْضَى عن الملأِ الأثيمِ وشَاقَهُ

 

أن يَصْنَعَ الإنسانَ أجمل مَصْنع

جبل التراب، وقدَّ منهُ أضلُعاً

 

كَمُلَتْ، وبثَّ الروُّحُ بينَ الأضلعِ

حتى إذا نفضَ اليدين، رنا إلى

 

بشرٍ سويٍّ بالبهاءِ مُوشَّعْ

سطع الجَمالُ بكلِّ جارحةٍ بهِ

 

وجَرَى بأجنُحِ رُوحِهِ المُتَرفِّعِ

فأحلّهُ بالصَّدرِ مِنْ فِرْدوسِهِ

 

وأقامه مَلَكَ الخلائقِ أجمْع

ينهي ويأمرُ والعوالمُ كلُّها

 

خدمٌ، تلبيِّ ما يقول ويدعي

يقتاتُ من ثَمر الجنان، ويستقي

 

من كوثَرٍ، مترقرِقِ، متدفِّع

أغواه إبليسٌ، وأوغَرَ صدره

 

فغوى، وقال: أنال كلَّ مُمنَّعِ

فجنى المحارمَ، وانتشى، وصحا على

 

صوتٍ، يُجلجِلُ بالرُّعودِ، مُروِّعِ

ناداهُ من عالي الذُّرى: يا كافراً

 

بالخُلدِ والنُّعْمَى دعوتُكِ فاسمع

أغربْ عن الفردوسِ، واضرب في اللِّوى

 

واسكن بوادٍ بالمدامعِ مترع

وانصب، وشقَّ الصخر واستجدي الثرى

 

واظفر بخبزكَ ناضجاً بالأدمعِ

بدَّلتْ بالسعد الشقاءَ، فعش به

 

وملأت كاسك بالأذى، فتجرَّعْ

هذا قصاصُكَ في الحياةِ، فإن تمَتْ

 

فلسوْف يرْميك الجحيمُ بأفظع

لكن سأهديك السبيلَ بصفوةٍ

 

من أنبيائي المرسلين، وتبَّعي

فإذا اهتديت فجنتي لكَ مرْبعٌ

 

وإذا ضللت خَسِرتِ أطيَبَ مرْبعِ

فِردوْسَكِ المفقودُ، فاكسبهُ تُقمْ

 

فيه إلى أبد الأبيدِ، وترتع

 

***

 

أسطورةُ النفسِ الأثيمةِ قصةٌ

 

نبتت على دِمَنِ الزمانِ المهجعِ

أيامَ يرتعُ بالجهالةِ أهلُهُ

 

ويدينُ بالأوثانِ كلُّ سميدعِ

وحى بها (بُوذا) فسارت في القُرى

 

وسرت بأجنحةِ الرِّياحِ الأربعِ

وروتْ لها أن النفوسَ ظغائنٌ

 

تبكي على وطنٍ أعزَّ مُضيعِ

تنفكُّ عن جسم وتلبسُ غيرَهْ

 

حتى تعود إلى حماها الأمْنع

 

***

 

تلك الرِّوايةُ رمزُ قصة آدمٍ

 

في فنِّها، وختامها، والمطلَعِ

النفسُ في البدنِ المرقرَقِ بالسَّنا

 

كالشمسِ في الكونِ البديعِ الأسنعِ

كلٌّ بصاحبهِ يبثُّ وقيده

 

ويحفُّهُ بضيائهِ المتفرِّعِ

تنمو وآلتها، وتدرُجُ في الحمى

 

قدُماً، وتدرجُ في حِمى مُترعرعِ

وُهبِتهُ سفراً أبيضَ الصفحاتِ ما

 

تكتبهُ فيهِ يد المداركِ يطبع

تقنوه بكرُ سُلافةٍ لم تمتزج

 

بعصارة الذِّكرى ولمْ تتشعشعِ

ولو أن بالتذْكارِ إدراكَ المنى

 

ساويتُ بين أخي  الحِجى والأرقع

إن النُّفوسَ هي الكواكبِ بعضُها

 

باهِى الضِّياءِ، وبعضُها لم يلمع

مُتميِّزاتٌ بالفضائلِ  والهدى

 

مُترجِّحاتٌ بالفؤادِ الأروعِ

عاشتْ تُكفِّرُ عن جزيرةِ آدمٍ

 

فكأنَّها قُرَبُ الشّفيعِ الأشفَعِ

يخبُو من الدُّنيا سعيرُ شقائِها

 

في يوم تهجرُها بطرف مُوَدِّعِ

 

***

 

سبحانك اللهم أنت المبتدَى

 

والمنتهى للعابدين الخُضَّعِ

 

***

 

هذا وقد جاء في كتاب الكشكول للعلامة بهاء الدين العاملي (953-1031هـ)، بعد أن أورد مؤلفه قصيدة ابن سينا أن "حاصل الأبيات التسعة (فلأيِّ شيء... فكأنها برق)، أنها لأي شيء تعلقت (النفس) بالبدن؟ إن كان لأمر غير تحقيق الكمال فهي حكمة خفية على الأذهان، وإن كان لتحصيل الكمال فلم ينقطع تعلقها  به قبل  حصول الكمال؟ فإن أكثر النفوس تفارق أبدانها من دون تحصيل الكمال، ولا تتعلق ببدن آخر  لبطلان التناسخ" ـ (تحقيق طاهر أحمد الراوي ج2 ص 35).

ولم ينتبه من عارضها من الشعراء لسؤال ابن سينان وإنما تفننوا في معارضتها من دون أن يجيبوا عنه، ما عدا علي نصوح الطاهر في رسالته التي أشرنا إليها آنفاً.

ولقد كنا نشرنا مقالاً في مجلة "المعرفة"، السورية بعنوان "تعليقات على عينية ابن سينا"، ذكرنا في مستهله، أن هذا البحث يعالج "غاية حياة الإنسان الفرد إذا كانت لها غاية أو أن كان يمكن استشفاف تلك الغاية بالفكر. وهو يتخذ قصيدة ابن سينا ذريعة لذلك إذ كانت تنتهي بسؤال عن تلك الغاية ويكثر مستطرداً حولها من الشواهد ليبين احتمال ا ختلاف الجوانب. تلك الشواهد تبرز في الوقت نفسه ثراء تراثنا العربي التالد لتفضي من مختلف الاحتمالات الجوابية  إلى أنه من الضروري تلمّسُ البعد الاجتماعي في تلك الغاية".

وختمنا المقال بأن سؤال ابن سينا شعر. ولابد لنا من أن يكون جوابنا الختامي شعراً لزيادة الإيضاح في موقفنا ولإسباع التناسب:

مهما بلوت النفس بالتحليل لم

 

تحصل على حلٍّ أكيد مقنع

سر من الأسرار أعيا فهمه

 

من شئت من طب ومن متنطع

قل للرئيس مقالة من واثق

 

بجوابه من علمه المتنوع

النفس تبذل وسعها في سعيها

 

نحو الكمال الشاسع المتمنع

لكنها جزء من الشعب الذي

 

يبني الحياة معاً بناء المبدع

النفس ليست وحدها في سعيها

 

 أبداً فكل في الورى ذو موضع

وكأنّها برق تألَّقَ هاتكاً

 

حجب الظلام بنوره المتصدع

نمضي ويبقى سعيها متحققاً

 

أبد الزمان على أديم الأربُع

متضامناً مع غيره متجمّعاً

 

شأن الخضم الزاخر المتدفع

وملاوة من سؤدد متألق

 

أجدى إذاً من ألف عام بلقع

فاصرف جهودكَ للعلا متحفزاً

 

يكفيك نبل القصد والمتطلع

هذا جواب سائغٌ ومحقق

 

فاحرص عليه ودع كلام المدعي

 

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244