|
طَلَعَ ابنُ سينا ركبُهُ واليلمقُ
|
|
ومُطهّمٌ يُزجي الصفوفَ وبيرَقُ
|
|
والجُبَّةُ السيراءَ هلّلَ نورُها
|
|
ليلٌ تَبلَّجَ منه وجهٌ مشرقُ
|
|
تَسعى كما يسعى الوَقَار مبجَّلاً
|
|
وتفوح بالنَّشرِ الزكيِّ، وتعبَق
|
|
وسرادق "الشيخِ الرئيسِ" عصائبٌ
|
|
تمضي، وراياتٌ تموجُ وتخفقُ
|
|
ما جحفلٌ للفتح ومضُ سيوفِهِ
|
|
يَهميْ بأكمامِ العجاجِ ويبرقِ
|
|
بلْ موكِبُ الفكرِ الذي تقداحُهُ
|
|
دُنيا، مغارِبها صدى وا لمشرِقُ
|
|
عَرْشُ ابنُ سينا منبرٌ وعمامةٌ
|
|
والصولجانُ يراعُهُ والمنطِقُ
|
|
ولِبابهِ تسعى العروشُ، وقد سعتْ
|
|
وأتت لتمحضهُ الودادَ، وترمُقُ
|
|
والملكُ يَعنو للمهابةِ مثلما
|
|
يعنو لها هامُ العبادِ ويُطرِقُ
|
|
وتطيبُ أبَّهةُ الحياةِ، ومجدُها
|
|
يغريْ، ويُصبي البهرجُ المتألِّق
|
|
لكنَّها هانَتْ لديهِ، فردَّها
|
|
ولطالما أغراهُ مجدٌ أعرقُ
|
|
ولَّى يقلِّبُ وجهَهُ شطرَ الظَمَا
|
|
يرتادُ أبوابَ السماءِ، ويطرقُ
|
|
ويجرِّدُ البصرَ الحديدَ مُجرِّباً
|
|
كشفَ الغِطاءِ، وما يرينُ ويخفقُ
|
|
حتى إذا نضبَ المعينُ، ولم تَعْد
|
|
تروي الحروفُ، وضاقَ عنه المنطقُ
|
|
عجم الكِنانةَ واستعان على الرؤى
|
|
بالشعرِ، يغترفُ البحورَ، ويهرِقُ
|
|
شعرٌ ، ولا كالشعرِ، ما غنَّى بهِ
|
|
تلعابَهُنَّ، ولا استباحَ يرقِّقُ
|
|
ما تيمتهُ العامريَّة، أو سَقى
|
|
قيسٌ به الركبانَ، وهو محرَّقُ
|
|
أدبٌ تعفَّفَ فيالهوى عن مقلةٍ
|
|
ترمي، وثغرٍ بالغوايةِ ينطقُ
|
|
وكما (ابنُ رشدٍ) ثاب بعد مشيبهِ
|
|
ومضى يُمزِّقُ شعرَهُ، ويحرِّقُ
|
|
شعرُ تورَّعَ عن مُحبٍّ مدْنفٍ
|
|
يبكي الديارَ ولاطمٍ يغرورِقُ
|
|
ألوى أعنَّتَهُ، ويمَّمَ تاركاً
|
|
طَلَلاً يُشدُّ الحرفُ فيه ويوثِقُ
|
|
وسعى إلى كبدِ السماءِ، مُحجَّلاً
|
|
ومبجِّلاً، يطوي الفضاءَ، ويعرِقُ
|
|
الشِعرُ شرَّفَهُ النزوعُ المُجتبى
|
|
واللحنُ طهَّرهُ الحنينُ المطلَقُ
|
|
"عينيةٌ"
سجعت هناك، وغرَّدت
|
|
وتوغلَّتْ عبرَ السَّماءِ تُحلِّقُ
|
|
"ورقاءُ"
بالحبلِ الوحيدِ تمسَّكتْ
|
|
تشدوْ، وبالنورِ البهيِّ تعلَّقُ
|
|
مجهولةٌ فينا، ويسفر وجهها
|
|
محجوبةٌ عنَّا، وما تتمنطقُ
|
|
أذنٌ، وما سمعت، وعينٌ ما رأتْ
|
|
وبصيرةٌ مكفوفةٌ تتحرَّقُ
|
|
لا يستطيعُ الحسُّ أنْ يشتفَّها
|
|
والعقلُ لا يقوى، ولا هوَ يصدُقُ
|
|
كانت تهمُّ
بسدرةٍ، وبمنتهى
|
|
وتجدُّ في دربِ الوصولِ، وتُعرقُ
|
|
لكنَّها اشتاقتْ إلى أهل الحمى
|
|
فَتَوَقَّفَتْ بالغيبِ، ما تستغرِقُ
|
|
أطبيعةٌ فيها استفاقَ بها الهوى
|
|
فهوَتْ، وأرَّقها هناك مُؤرِّقُ
|
|
ام راودتها مِنْ قديمٍ لهفةٌ
|
|
وأمالها قلبٌ يحبُّ ويعشقُ؟!
|
|
ـ بلْ صبوةَ وتعطُّفٌ وتلطُّفٌ
|
|
وصبابةٌ وتحرُّقٌ وتَشُوُّقُ
|
|
عاجَتْ تلمُّ ترابها وتضمُّهُ
|
|
وتبوحُ بالسرِّ القديمِ وتنطقُ
|
|
قَدَمْ؟ فمنْ عرفَ الجديدَ إِذنْ، ومن
|
|
بِضَلالهِ، وبجهلِهِ تَتَعَمَّقُ؟!
|
|
من أبصر "الورقاء" تهبط من علٍ
|
|
والروحُ تجتاحُ الحجابَ وتخرُقُ؟!
|
|
نَزَلَتْ لتنفخَ بالترابِ فيستوي
|
|
وتدبُّ بالعرضِ الحياةُ وتُخلقُ
|
|
ولِتَارةٍ تبقى، ولمَّا تَنقَضِيْ
|
|
يفد الفضاءُ بموعدٍ، ويفرِّقُ
|
|
لكنَّها، والإِلفُ ظل أليفِهِ
|
|
والقلبُ من طولِ المودَّة يعشقُ
|
|
تعتادُ صحبتَهُ، وتألفُ أسرَهُ
|
|
وتخافُ من يوم الرحيلِ وتشفقُ
|
|
تهواهُ، حتى تستفيقَ من الهوى
|
|
وتفككُّ من أسرِ الحياةِ وتُعتقُ
|
|
فتعودُ للملكوتِ ظِلاَّ خاوياً
|
|
هَرُمتْ ملامحهُ، وشابَ المَفرِقُ
|
|
كالطفل للثديِ القديمِ وكالرؤى
|
|
للعينِ، إمَّاعاوَدَتْ تَتَرَقرقُ
|
|
عفو البلاغةِ، فالمشبَّه فوق ما
|
|
تسعُ الحروفُ، وكُنُههُ مستغلِقُ
|
|
نفسٌ إذا انكشفَ الغطاءُ وأبصرتْ
|
|
تصحو، وتعرُجُ بالضياءِ، وتغرقُ
|
|
كانت، وعادت غير كان ولم يكنْ
|
|
وصفٌ ويحجبهُ المقامُ المطلَقُ
|
|
...ما أستطيع،
ولست أدري، إنِّما
|
|
صمتي يَدُلُّ، ولستُ أدريْ تسبقُ
|
|
حَمَأٌ يعودُ إلى الترابِ، وجوهَرٌ
|
|
يعلو، وغيبٌ فوقَ ذلك يُطبِقُ
|
|
بهراً، وكيفَ، وأينَ، لكنْ طالما
|
|
فَلِمَ؟ إِشاراتٌ وبابٌ مغلقُ!
|
|
|
***
|
|
|
يا سيِّدي"الشيخ الرئيس"، وجدتها
|
|
ومضيتُ تنبعُ سِرَّها، وتُحقِّقُ
|
|
وتجيلُ فيها الفلسفاتِ جَمِيعَها
|
|
وتجولُ فيما حاولوهُ، وأخفقوا
|
|
لمَّا تخلَّفتِ العلومُ ولمْ يَعُدْ
|
|
يقوى على حمل السؤالِ المنطِقُ
|
|
روَّضته بمعارجٍ صوفيَّةٍ
|
|
ما غيرُها يصلُ الحجابَ ويطرُقُ
|
|
عجز عن الإدراكِ؟ لا بل قدرةٌ
|
|
إدراكُها متأمِّلٌ، مُستغرِقُ
|
|
نفسٌ، وحين تأدَّبتْ، طوتِ المدى
|
|
ومضَتْ، يسابقها الزمانُ فتسبُقُ
|
|
كَشَفتْ وحلَّ بها الحلول فنورها
|
|
فيها يفيضُ على الوجودِ ويشرِقُ
|
|
إدراكها الخلْق الذي اضطلعتْ به
|
|
منْ قبل، بل هو من يعيدُ ويخلُقُ
|
|
أو بعدما بعد الحلولِ تشوُّقٌ
|
|
وهوىً؟! وبعد الواصلينَ تحرُّقُ
|
|
أبداً، فإن أبصرتنا أبصرتُهُ
|
|
وإذا، ففينا يستحيلُ وينطقُ
|
|
يا سائق الأظعانِ عَرِّجْ بالحمى
|
|
والظاعنينَ، تعطَّروا، وتحلَّقوا
|
|
دُقُّوا المزاهِرَ، فابنُ سينا مُقبلٌ
|
|
بالبردتينِ، مُعَمَّمٌ ومُطوَّقُ
|
|
فكأنَّنا بينَ الحجونِ إلى الصَفا
|
|
نسعى وتهزجُ بالركابِ الأينُقُ
|
|
ويصيحُ هيمانٌ، ويصدحُ عاشقٌ
|
|
طَرَبَاً، وربَّاتُ الحجالِ تُصَفِقُ
|
|
وَعلى السقايَةِ والوِفادَةِ منبرٌ
|
|
عَلَمٌ يجودُ على الوجودِ ويغدِقُ
|
|
مَرَجَ الشريعةَ والعلومُ ببحرهِ الطَّا
|
|
ميْ ، وأنشبَ بالعَبابِ يوَفِّقُ
|
|
محرابُ فلسفةٍ تفتَّحَ بابُها
|
|
مِنْ حيثُ كانوا أوصدوهُ وغلَّقوا
|
|
مَشقتْ بساحِ العلمِ سيفَ مجربٍ
|
|
ومُعَرِّبٍ يعتدُّ ساعةَ ينطُقُ
|
|
طرحتْ "أرسطو، أفلاطونْ"، وجادلتْ
|
|
مَنْ جاءَ يزعمُ عِصمةً ويهرطِقُ
|
|
وبمهمهِ "العصر الوسيطِ" تكفَّلتْ
|
|
وَتَضَلَّعتْ، بينَ العلومِ تُنسِّقُ
|
|
وضعتْ "شروطَ البحثِ" سابقةً بهِ
|
|
"ستيوارت
ميل" ومن تنطَّعَ يلحقُ
|
|
"سارتون"،
أنصفها، وأعلنَ أنَّها
|
|
سبقتْ بأوروبا القرونَ، وتسبقُ
|
|
أعطى ابنُ سينا "فرويد" ألهم كلَّ من
|
|
يتتبَّعُ التحليلُ ثمَّ يدقِّقُ
|
|
وبحينَ كانَ الطِبُّ سحرَ منجِمٍ
|
|
يسعى عليه مشعوِذٌ ومُمَخرِقُ
|
|
أرسى لعلمِ الطبِّ "قانوناً" فما
|
|
يحتارُ بالتطبيبِ بعدُ مُطبِّقُ
|
|
وَدَعَا، إلى طبِّ النفوسِ، دواؤُها
|
|
من دائِِهِا، وشِفاؤها متحقِّقُ
|
|
وَلَكَمْ أكبَّ وجالَ في أعراضِها
|
|
ببديهةٍ إحساسُها متألِّقُ
|
|
وَلَكمْ أماطَ عن العقولِ لثامَها
|
|
ومضى، يُهدِّمُ بالشكوكِ ويمحَقُ
|
|
وَلَكَمْ وَكَمْ، بحرٌ إذا أمواجُهُ
|
|
اضطرمَتْ، وسيلٌ عارِمٌ يتدفَّقُ
|
|
والضادُ أمٌ للرئيسِ ومُرضِعٌ
|
|
ولو ادَّعَتْ أممٌ وجادَلَ مشرقُ
|
|
أبياتُهُ فيها، وفيها لحنُهُ
|
|
والشعر، فيها شرحُهُ والمنطِقُ
|
|
والفلسفات، وطبُّه ودواؤُُهُ
|
|
وعزائمٌ ترقى، وسحرٌ يخرُقُ
|
|
أوَ بَعَدَ نجدٍ في البيوتِ، وضارج
|
|
وعذيبِها بيتٌ وأصلٌ مُعرِقُ؟!
|
|
قد كان يهدرُ من "بخارى" والصدى
|
|
ترويهِ بغدادٌ وتنشرُ جلَّقُ
|
|
لكنَّهُ فيهم تَشَرَّدَ هارِباً
|
|
ومضى يُغرِّبُ هائماً ويُشرِّقُ
|
|
فينا تسلَّمَ من "معدٍّ" بردةً
|
|
خضراءَ، سارَ بها جوادٌ أَبْلَقُ
|
|
وَبِهِمْ سعى فيه ارتيابٌ أصفر
|
|
ومضى يفحُّ الغدرَ نابٌ أزرقُ
|
|
أودى به سلطانُ "غزنة" حاقِداً
|
|
ورماهُ واشٍ عندهم وممخرِقُ
|
|
"كاراكانج،
جرجان، وقزوين، دماً
|
|
بالريِّ"، قضبانٌ وأسرٌ مطبِقُ
|
|
"دخل
المتاهة باليقينِ، وإِنَّما
|
|
بالشكِّ يخرجُ من هناكَ ويمرُقُ".
|
|
العالِمُ الصنديدُ روَّى رمحَهْ
|
|
من حبرهِ، يردي القيودَويسحقُ
|
|
قد رافقته الشمسُ في ترحالِهِ
|
|
أبداً، تُغَرِّبُ عنده وتُشرِّقُ
|
|
وإذا تخلَّفَ ركبُها عن ركبِهِ
|
|
يوماً تعجِّلُ بالمسيرِ وتلحَقُ،،
|
|
|
|
|
|
"ألفٌ"
به مرَّتْ، وما مرَّتْ، وما
|
|
انفكَّ الطبيبُ الفيلسوفُ يحلِّقُ
|
|
ومتوجٌ ما زال، يخطبُ، كفُّهُ
|
|
بالصولجانِ، إذا تربَّعَ أحدَقوا
|
|
فوق الزمان كتابُهُ وخطابُهُ
|
|
شابَ الزمان، وما يشيبُ المنطِقُ
|
|
فوق المكان، ففي "الإشارات" التي
|
|
اشتهرَتْ، مكانٌ آخرَ يتحقَّقُ
|
|
سُبُلُ "النجاةِ" جواهرٌ، مادونها
|
|
عَرَضٌ، إذا اتحدَتْ فليسَ تفرَّقُ
|
|
"قانونُه"،
وسع العلومَ، وطِبُّهُ
|
|
متفرِّدٌ، لكنَّهُ متعلِّقُ،
|
|
أبداً يجلِّي أين كان، وكَيفّما
|
|
وَيَظلُّ في سمعِ الزمانِ يصفِّقُ
|
|
فكأنَّهُ ما غابَ عن أبصارِهِ
|
|
وكأنَّهُ ما زالَ حيَّاً يرزَقُ
|
|
والمجدُ ما يومان، يومٌ واحِدٌ
|
|
من أجلهِ شمسُ الحقيقةِ تُشرِقُ
|
|
شمسٌ، ومن يقوى على ردِّ السنى
|
|
ويصدُّ أبوابَ السماءِ، ويُغلِقُّ؟!
|