|
||||||
| Updated: Sunday, December 14, 2003 02:20 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
مسألة تصنيف المعرفة العلميّة في الشرَقين الأدنى والأوسَط في القرون الوُسطى (الفارابي ـ الخَوارزمي ـ ابن سينا)1 - م.م. خير الله يف عضو مراسل في أكاديمية العلوم لجمهورية أوزبكستان السوفييتية ـ دكتور في العلوم الفلسفية ترجمة: يوسف حلاق *يُلاحظ في بلدان الشرقين الأدنى والأوسط إبان القرون الوسطى بدءاً من القرن التاسع الميلادي وعلى امتداد ثلاثة قرون نهوض ثقافي عاصف، تطورت خلاله فروع العلم والفن المختلفة والطب والفلك والرياضيات والجغرافية والفلسفة وفن الخط والبصريات والكيمياء الخ... تطوراً واسعاً ومكثفاً، وظهرت كوكبة رائعة من علماء الطبيعة والشعراء والفلاسفة، وبلغ نشاط المترجمين فيه أبعاداً لم يسبق لها مثيل. لقد أصبح الشعر والموسيقى والفلسفة موضوع اهتمام عام، وفي هذه المرحلة نفسها ظهر عدد ضخم من المؤلفات العلمية والأدبية التي لم يفقد الكثير منها قيمته حتى وقتنا هذا، وما زالَ يحتفظ بمكانته اللائقة بين الكنوز الخالدة للحضارة العالمية. أطلق على هذه المرحلة في الكتب المتعلقة بالعلوم الشرقية، اسم "الانبعاث الشرقي"، أما في الكتب التاريخية الفلسفية فتسمى هذه المرحلة أحياناً المرحلة الكلاسيكية في تاريخ الفكر العلمي لشعوب الشرق. وفي كتب التاريخ العام توصف هذه المرحلة بأنها العصر الوسيط الباكر أو بأنها مرحلة تطور الإقطاعية في بلدان الشرقين الأدنى والأوسط. هناك بالطبع مجموعة خصائص تقارب بين ثقافة هذه المرحلة وثقافة النهضة التي حصلت بعد ذلك بزمن طويل في إيطاليا أولاً في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ثم في بلدان أوربة الأخرى، وعلينا ألا نوحِّد بين هاتين الثقافتين لأنهما تشفَّان عن مراحل تطور اقتصادي واجتماعي متباينة، وهذه مسألة شائقة تقتضي من دون شك دراسة خاصة ومعمقَّة. ولكن الحقيقة هي أن هذه المرحلة تشكل إحدى أنصع الصفحات في تاريخ ثقافة شعوب الشرقين الأدنى والأوسط. استدعت هذا النهوض الثقافي حاجات تطور الإنتاج الإقطاعي والعلائق الإقطاعية في المقام الأول. كان انتقال المجتمع إلى شكل أرقى من العلائق الاقتصادية الاجتماعية عملية بالغة في التقدم، فقد وفَّرَ إمكانات جديدة لاطَِّراد تطور الإنتاج. لقد ظلت العلائق الإقطاعية مدة طويلة تتعايش والعلائق الأبوية والعبودية في بلدان الشرق الأدنى. أما في بعض البلدان الأخرى، كما في آسيا الوسطى وإيران، فقد شرعت العلائق الإقطاعية تتطور في القرنين الخامس والسادس. ثم ساعد قيام الخلافة العربية على رقعة هائلة من بلاد الشرق تمتد من جبال الهمالايا حتى شمال إسبانيا، وربط أمصار كثيرة من أمصار الخلافة بعلائق اقتصادية وتجارية وسياسية وثقافية واحدة، والتطوير الكثيف لهذه العلائق، وإقامة روابط وثيقة بين مختلف الأمصار، ونشوء سوق تجارية واحدة كل هذا ساعد في تسريع إشاعة العلائق الإقطاعية وتطويرها. وهذه المرحلة الجديدة من تطور العلائق الإقطاعية في عدد من بلدان الشرقين الأدنى والأوسط تتميز بازدياد التفاعل فيما بينها في أوجه الحياة الاجتماعية المختلفة وهي التي كانت المقدمة الاقتصادية الاجتماعية للنهوض الثقافي. وبنتيجة توسع سبل العلاقات الاقتصادية التجارية، تطور تبادل السلع والتجارة، ونما شأن المدن في حياة المجتمع الاقتصادية والثقافية، وبنيت المدن الجديدة وتوسعت المراكز الاقتصادية التجارية القديمة، وتطوّرت تطوراً واسعاً مدن قديمة كسمرقند وبخارى والرها ومرو ودمشق، وبنيت أخرى جديدة كالبصرة والكوفة (حوالي عام 653م)(1)، والفسطاط (القاهرة القديمة) ، حوالي عام (640م)، وبغداد (حوالي عام 762م)، وسامراء (حوالي عام 835م)، وغيرها. وساعد نموّ المدن باقتصادها المتعدد الجوانب على اطِّراد تطور الإنتاج الحرفي، فتمَّ بالتدريج انفصال الحرفة الصناعية عن الزراعة، واستمر التمايز بينهما يشتد ويعمق ويزداد ازدياداً مطرداً. وقد استدعى إنتاج السلع، الذي كان يتطور بوتائر سريعة، نمواً في استعمال العملة، فأصبح التداول النقدي هو الأساس في المبادلات السلعية، وصار قسم معين من الضريبة يُستوفى عُملة نقدية. ويلاحظ في هذه المرحلة تطور واضح في الزراعة، فقد بنيت منشآت الري ومُدت القنوات الخ... واستدعى هذا كله حاجة هائلة إلى دراسة ظواهر الطبيعة وأحداثها، وبروج النجوم، ومعرفة خواص المعادن، وخصائص الجسم البشري، والأوصاف الجغرافية لبلدان الخلافة وأمصارها، وتاريخ الشعوب المختلفة الخ.. لكنه لم يكن ممكناً سدَّ هذه الحاجة على أساس علوم العقيدة الدينية للإسلام والشريعة اللتين انتشرتا انتشاراً واسعاً آنذاك في أمصار الخلافة وشغلتا من دون شك مكاناً هائلاً في حياة المجتمع الروحية فقط. لم يكن بوسع "علوم الإسلام"، أو "العلوم القديمة"، التي كانت تضم فقه اللغة وعلم اللغة القائمين على دراسة لغة القرآن وأسلوبه، وعلم الإلهيات والفقه الإسلامي وعلوم الحديث فقط، أن تلبِّي الحاجات المتنامية لتطور المجتمع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. فكانت الحاجة إلى تطوير المعرفة العلمانية إلى العلوم الطبيعية والعلوم الدقيقة(2). ويتم في هذه المرحلة، وعلى قاعدة تطور العلاقات الاقتصادية التجارية بين مختلف أمصار الخلافة وبينها وبين البلدان الأخرى نمو شديد للعلاقات الثقافية، ولتبادل المعارف المتوارثة، والكنوز الثقافية، والإنجازات العلمية لمختلف الشعوب. وقد أدى هذا التبادل إلى انتشار منجزات الفكر العلمي للهند وآسيا الوسطى وإيران وخصوصاً اليونان، هذا الفكر الذي نفذ إلى بعض مدن الشرق الأدنى، وعرف فيها على نطاق واسع حتى قبل الفتح العربي. فقد ترجمت مؤلفات علمية وفلسفية وأدبية كثيرة من الفارسية والهندية واليونانية والسريانية إلى العربية، وكان الخلفاء على الأخص هارون الرشيد (786-809م)، والمأمون (813-833م)، يشجعون عملية الترجمة. وتركَّز النشاط في هذا المجال على مؤلفات اليونانيين خاصة ـ أرسطو وأفلاطون وإقليدس وأرخميدس وفيثاغورث وبطليموس وجالينوس وأبقراط ـ في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة والمنطق الخ.. وكان انتشار مختلف الكنوز الثقافية والإنجازات العلمية والتأليف بينها، ذلك الانتشار وهذا التأليف اللذان اضطلعت بهما اللغة العربية اضطلاعاً هائلاً، بمثابة المقدمة الفكرية الروحية للنهوض الثقافي في بلدان الشرقين الأدنى والأوسط بين القرنين التاسع والثاني عشر. وأدَّى تراكم هذا العدد الزاخر من المعارف العلمية إلى توفير إمكانية استيعابها وتطويرها تطويراً خلاَّقاً. ومن العلماء البارزين الذين أثروا تأثيراً ضخماً في تطور العلم لاحقاً ثابت بن قرة، وموسى الخوارزمي، ومحمد الفرغاني، والبتاني وغيرهم في (الرياضيات، والفلك)، والرازي وابن سينا في الطب، وابن الهيثم في البصريات، والفارابي و الكندي وغيرهما في الفلسفة. وفي عهد الخليفة المأمون بلغ "بيت الحكمة"، وهو نوع من أكاديمية علوم كانت له مكتبة كبيرة ومرصد فلكي، ذروة نشاطه وازدهاره. وهكذا أحرزت دراسة مختلف أسرار الطبيعة والظواهر الجارية فيها نجاحاً ملحوظاً كان له شأن أي شأن في إغناء المعرفة العلمية وتطوير التعاليم الفلسفية. وقد أسهم ممثلوا الشعوب والبلدان التي كانت داخله في نطاق الخلافة في قسط وافر في إنشاء هذه الثقافة الجديدة وهذا الفكر العلمي باللغة العربية.فالخوارزمي والفرغاني والفارابي وابن سينا على سبيل المثال كانوا من آسيا الوسطى. شاع في كتب البرجوازية على نطاق واسع رأي يزعم أنَّ العلم والفلسفة في الشرق الإسلامي في العصر الوسيط الباكر كان تكراراً للفكر العلمي اليوناني، وأنه لم يكن بوسعهما أن يضيفا جديداً إلى منجزاته. لكن الدراسة المتأنية لإنجازات علماء تلك المرحلة العلمية تشهد بأن هذا الرأي لا يتفق والواقع إطلاقاً. كتب العالم الإنكليزي البارز الحائز على جائزة نوبل جون بيرنال في كتابه "العلم في تاريخ المجتمع"، يقول: "... أنشأ العلماء المسلمون... علماً جديداً متطوراً... وقد استطاع هؤلاء العلماء باقتباسهم المستمر من تجربة البلدان غير الهيلينية ـ فارس والهند والصين ـ توسيع القاعدة الضيقة للعلوم اليونانية من رياضيات وفلك وطب، ووضع أسس الجبر وحساب المثلثات وكذلك البصريات. وحقق العلم الإسلامي نجاحات حاسمة في الكيمياء أو السيمياء. وفي هذا المجال أعاد العلماء النظر جذرياً في النظريات القديمة، وأدخلوا عليها تجاربهم الجديدة بغية إنشاء علم جديد ذي مناهج متعارفة جديدة". (الترجمة الروسية، موسكو 1956م، ص167). وهكذا أدَّت المعارف العلمية المتنوعة والكنوز الثقافية الغنية لمختلف البلدان بتركزها في مدن الخلافة المركزية إلى تطوّر سريع في المعرفة الوضعية ككل على اساس التفاعل بين هذه المعارف والكنوز والتأليف بينها، وإلى نموّ سريع في بعض فروعها. وكان من نتيجة تراكم هذه الكمية الهائلة من المعارف المتنوعة جداً، دينية وطبيعية وفلسفية، تأملية ودقيقة، هندية ويونانية وفارسية وعربية خالصة، إن نشأت الحاجة إلى إجمال هذه المعارف وتصنيفها ووضع نظام واحد لها، وتعيين مكانات فروع المعرفة المختلفة وشؤونها ووشائجها في إطار المعرفة العام. وكانت لهذا الأمر أهميته المنهجية الكبيرة. كان من شأن منهجية المعارف أن يهيء سبلاً لحلّ أغراض منهجية مطروحة أمام الحياة الفكرية لتلك المرحلة: آ ـ فالوصول إلى نظرية عامة ذو أهمية فلسفية لأنها تمهد السبل لتصوّر واحد عن الوجود، أشكاله وأجزائه وعناصره وتدرّجاته. ب ـ وهو ذو قيمة علمية لأنها كانت تساعد في تمييز المعارف، وتعرِّف مراتبها، وإظهار شأن كل فرع من فروع العلم وأثره في نظام المعرفة الواحد. ج ـ وهي ذات أثر توجيهي، تربوي ـ وهذا ليس بالأمر اليسير لمرحلة في القرون الوسطى كان يُبنى نظام الدراسة والتعليم الجامعي فيها، فإذا أخذنا بعين الاعتبار أنَّ التعلم الذاتي كان ذا شأن كبير في التطور اللاحق للعلم في هذه المرحلة، أدركنا ما لتحديد نظام واحد ومتماسك للمعرفة من قيمة هائلة من دون شك. أدّت منهجية المعرفة عضوياً إلى تصنيفها، وقد استلزمته قبل كل شيء ضرورة تنظيم العلوم الطبيعية والدقيقة، أي المعلومات المتوافرة عن الطبيعة التي تطورت بدورها تطوراً كبيراً تبعاً لحاجات المجتمع العملية. ومما له دلالاته أنَّ العلوم قُسِّمَت تقسيماً صارماً منذ بدء تراكم المعارف المختلفة إلى علوم دينية (وكانت تسمى بأسماء مختلفة لدى مختلف المؤلفين فهي علوم روحية وإسلامية وتقليدية الخ...). وعلوم طبيعية أو فلسفية. وهكذا فحتى المفكر العربي المعروف "ابن خلدون"، الذي عاش فيما بين القرنين الثامن والتاسع يقرر وجود هذا التقسيم. فهو يقول في كتابه "المقدمة" مايلي: "اعلم أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلاً وتعليماً هي على صنفين: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه. والأول هو العلوم الحكمية الفلسفية وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها حتى يقفه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها، من حيث هو إنسان ذو فكر. والثاني هي العلوم النقلية الوضعية وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول لأن الجزئيات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النقل الكلي بمجرد وضعه، فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي إلاَّ أنَّ هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم في الأصل وهو نقليّ، فرجع هذا القياس إلى النقل لتفرعه عنه، واصل هذه العلوم النقلية كلها هي الشرعيات من الكتاب والسنة التي هي مشروعة لنا من الله ورسوله وما يتعلق بذلك من العلوم التي تهيئها للإفادة. ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملَّة وبه نزل القرآن". هذا الفصل الصارم بين العلوم "الوضعية"، و"الطبيعية" كان بداية عملية فصل الفلسفة والعلم عن الدين. وتظهر هذه العملية على نحو أكثر وضوحاً وتحديداً في مؤلفات المفكرين المتأخرين(3) كالفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم. في هذه المرحلة كانت العلوم التي لا تتعلق بالدين تدخل في نطاق الفلسفة، وكان هذا استمراراً للتقاليد اليونانية القديمة فيما يخص تحديد موضوع الفلسفة وشأنها. كما احتفظ بتقسيم الفلسفة إلى نظرية وعملية، وهو تقسيم يعود إلى أرسطو. كانت الفلسفة النظرية تشمل الميتافيزياء، والرياضيات والفيزياء، وكانت الفلسفة العملية تشمل ثلاثة علوم: السياسة وتدبير المنزل وعلم الأخلاق، وخصَّ المنطقُ بمكان هام في نظام المعرفة العلمية، إلا أنه كانت توجد آراء مختلفة حول المكانة التي يشغلها في تصنيف العلوم. إلا أنه وجدت إلى جانب هذا التقسيم الشائع جداً للعلوم في القرون الوسطى، محاولات في مؤلفات عدد من كبار مفكري الشرق لإنشاء نظام معرفة علمية جديد وتصنيفه. ويمكننا أن نسوق مثالاً في تصنيف العلوم في مؤلفات الفيلسوف الأول الكندي وفي رسائل إخوان الصفا (القرن العاشر). لكن أهم تلك التصنيفات وأكثرها أصالة ذلك التصنيف الذي قام به المفكر الموسوعي البارز أبو نصر الفارابي (873-950م)، والذي حظي بانتشار واعتراف واسعين. كما أولى عبد الله الخوارزمي (القرن العاشر) والفيلسوف والطبيب العظيم أبو علي ابن سينا (973-1037م)،(4)، هذه المسألة اهتماماً كبيراً في مؤلفاتهما.(وبالمناسبة كان هؤلاء كلهم من آسيا الوسطى). فقد وضع الفارابي كتاباً خاصاً ـ هو دراسته ذات الشِأن والمسماة اختصاراً "إحصاء العلوم"، حيث قسم العلوم كلها إلى خمسة فصول كبيرة: ـ علم اللسان وأجزاؤه. ـ علم المنطق وأجزاؤه. ـ علوم التعاليم ـ (الرياضيات)، وهي العدد والهندسة وعلم المناظر وعلم النجوم التعليمي وعلم الموسيقى وعلم الأثقال وعلوم الحيل. ـ العلم الطبيعي وأجزاؤه ـ والعلم الإلهي وأجزاؤه (الميتافيزياء). ـ العلم المدني وأجزاؤه ـ وعلم الفقه وعلم الكلام. ثم قسم كل مجموعة من هذه المجموعات إلى ضروب وفروع، وأورد وصفاً دقيقاً لخصائص أكثر من ثلاثين فرعاً من فروع العلم. وقد أُعيدت طباعة هذا الكتاب عدَّة مرات في السنوات الأخيرة، وترجم جزئياً إلى اللغة الروسية. ويتصل بهذا الكتاب كتاب آخر بالمضمون نفسه، وإن كان أقل منه حجماً بكثير وهو كتاب "مراتب العلوم"، الذي لم يصلنا، إلا في ترجمته اللاتينية (وهو مترجم إلى اللغة الروسية)، وقيمة هذا الكتاب في أن صاحبه يركز اهتمامه الأساسي على تحليل مصادر تنوع العلوم وأسبابه، وعلى تعيين خصائص موضوعات العالم الواقعي التي تشكل مادة كل فرع من فروع المعرفة العلمية(5). ويولي الفارابي في كتابه الثاني تحليل الموضوعات ذات القيمة العلمية، وهي خصائص الوجود وأشكاله التي تدرسها فروع العلم المختلفة، اهتماماً أكبر ويتناول فيه أساساً العلوم الفلسفية والطبيعية. كان لتصنيف الفارابي للعلوم شأن كبير في التطور اللاحق للمعرفة العلمية، وكان في أساس التصنيفات التالية للمعرفة، وهذا التصنيف بمجمله ذو طابع مادّي من حيث مضمونه. وفي بعض الكتب السوفييتية حللت هذه التصنيفات تحليلاً دقيقاً كما في كتابينا "مذهب الفارابي وأهميته في تاريخ الفلسفة"، 1967م، و"الفارابي"، 1976م، طشقند. ووصلنا أيضاً مؤلف عبد الله الخوارزمي "كتاب مفاتيح العلوم"(6). المخصص لمنهجه فروع المعرفة الموجودة في الشرق الإسلامي في القرون الوسطى وتصنيفها. ولعلَّ كتاب الخوارزمي أكمل نهجاً، بمعنى أنه يصف فيه بالتفصيل موضوع كل فرع من فروع المعرفة ومصطلحاته. وعلى سبيل المثال نراه وهو يدرس مضمون هذا الفرع من فروع المعرفة أو ذاك وغايته، يعطينا، تعريفات موجزة تشكل بمجموعها موضوع هذا العلم. ولبحث الخوارزمي هذا قيمة استثنائية، بوصفه مصدراً يعطينا تصوراً كاملاً، منظماً وموجزاً عن موضوع العلم في القرون الوسطى ومقولاته. إلا أنه يختلف من حيث مبدأ التصنيف المعتمد فيه عن تصنيف الفارابي. إنَّ كتاب الخوارزمي يشتمل على مقالتين. المقالة الأولى ستة أبواب فيها اثنان وخمسون فصلاً وهي مخصصة لعلوم الشريعة وما يتعلق بها. والمقالة الثانية في بقية العلوم وهي تقع في تسعة أبواب فيها واحد وأربعون فصلاً. وهذه الأبواب هي الفلسفة والمنطق والطب وعلم العدد والهندسة وعلم النجوم والموسيقى والحيل والكيمياء. وهكذا يفصل المؤلف علوم الشريعة عن العلوم الفلسفية والطبيعية. ونريد أن ننوه بأنَّ كتاب الخوارزمي قد قلَّ حظه من الدراسة، هذا على علوِّ شأنه. فقسم منه فقط ترجم إلى الروسية وصدر في طشقند (معطيات حول تاريخ الفكر الاجتماعي والفلسفي في أوزبكستان، 1976م)، كما قُدمت أطروحة لنيل شهادة مرشح في العلوم حللت تحليلاً جزئياً هذا الكتاب. ولابن سينا بحث خاص في تصنيف العلوم بعنوان (أقسام العلوم العقلية) نظام العلوم الفلسفية، وقد انطلق فيه من تقسيمها التقليدي إلى نظرية وعملية. ولم يتناول فيه العلوم الدينية. قسَّم ابن سينا الحكمة قسمين: قسم نظري وقسم عملي، فالقسم النظري هو الذي الغاية فيه حصول الاعتقاد اليقيني بحال الموجودات التي لا يتعلق وجودها بفعل الإنسان ويكون المقصود إنما هو حصول رأي فقط مثل علم التوحيد وعلم الهيئة، والقسم العملي هو الذي ليس الغاية فيه حصول الاعتقاد اليقيني بحال الموجودات، بل ربما يكون المقصود فيه حصول صحة رأي في أمر يحصل بكسب الإنسان ليكتسب ما هو الخير منه، فلا يكون المقصود حصول رأي فقط بل حصول رأي لأجل عمل. فغاية النظري الحق وغاية العملي هو الخير. أقسام الحكمة النظرية ثلاثة: العلم الأسفل: ويسمى العلم الطبيعي. العلم الأوسط: ويسمى العلم الرياضي. والعلم الأعلى: ويسمى العلم الإلهي. وأقسام الحكمة العملية ثلاثة أيضاً: علم الأخلاق، وعلم سياسة المنزل، وعلم السياسات المدنية. ثم يعمد الشيخ الرئيس إلى كل قسم من تلك الأقسام فيتبين فيه أقساماً أصلية وأقساماً فرعية. ويكرر ابن سينا في تصنيفه العلوم الطبيعية التقسيمات السابقة التي نجدها إلى حدّ كبير عند الفارابي والخوارزمي، إلا أنه يضيف إليها في الحقيقة فروعاً من المعرفة كانت متعارفة في القرون الوسطى فقط كعلم الطلسمات والنيرنجيات وأمثالها. إلا أنَّ الأقسام الفرعية للعلوم الرياضية نجدها في تصنيف ابن سينا واسعة، فهي ذات أهمية كبيرة، فقد ذكر من فروع العدد علم الجمع والتفريق بالهندي وعلم الجبر والمقابلة، ومن فروع الهندسة علم المساحة وعلم الحيل المتحركة وعلم جر الأثقال وعلم الأوزان والموازين وعلم الآلات الجزئية وعلم المناظر والمرايا وعلم نقل المياه أي ما ندعوه اليوم بالهيدرولوجيا ومن فروع علم الهيئة عمل الزيجات والتقاويم ومن فروع علم الموسيقى اتخاذ الآلات العجيبة الغريبة مثل الأرغل وما أشبهه. بعض هذه الفروع لا نجدها عند سابقيه. وقد حلَّل هذا التصنيف تحليلاً أولياً وترجم جزئياً في الأبحاث السوفييتية المقدمة إلى مؤتمر المستشرقين والصادرة في طشقند عام 1954م. إن مؤلفات الفارابي والخوارزمي وابن سينا يكمل بعضها بعضاً، وتشكل لوحة واحدة تمثل عمق العلم في القرون الوسطى وحجمه ونظامه وإمكاناته، وأدوات المعرفة وأشكالها المتعددة، والمعارف العلمية التي كان ما يسمى الشرق الإسلامي يملكها في ظروف تطور الإقطاعية. وبالإجمال يمكننا أن نعتبر أنَّ خصائص هذه المنهجية وهذا التصنيف للعلوم وفضلهما تقوم في التالي: ـ يقوم في أساس تصنيف العلوم بوجه عام مبدأ موضوعي أي نزوع للانطلاق في تحديد فروع العلوم من العلائق والصفات الطبيعية الموجودة فعلاً في المادة والأشياء والظواهر، كالعلاقات الكمية وحركة الكواكب والعمليات المعرفية التي يقوم بها الإنسان على سبيل المثال. ـ المقاربة المتكاملة للوجود بمساعدة مختلف العلوم مع محاولة تصور الوجود كلاً واحداً متتاماً، وميلها من خلال تصنيف العلوم إلى تحديد تدرج عناصر الوجود وأجزائه المختلفة وأهميتها والعلاقات القائمة بينها. ـ نزوع إلى توسعة آفاق الإنسان المعرفية، والغوص الأعمق في العلاقات السببية لعمليات الواقع، وزيادة حجم وسائل المعرفة العملية وأشكالها وأدواتها، وإيجاد مناهج معرفة علمية أعمّ وأكثر عقلانية، وجعل المنطق أداة ووسيلة شاملة في معرفة الحقيقة وتلافي الأخطاء والضلال. ـ جعل العلوم الدينية مستقلة، وزيادة شأن العلوم الفلسفية والطبيعية وتوسعة إمكاناتها، وتحديد القيمة والأهمية العمليتين للعلاقات التجارية والمالية والإعمار والإنتاج الحرفي الخ في حلّ المهام المشخصة المطروحة. إن منّهجية العلوم وتصنيفها فيما يسمى الشرق الإسلامي في عهد تطور الإقطاعية لا يشفان بالطبع عن منجزات حياة القرون الوسطى الفكرية وحسب، بل أيضاً عن حدودها وأشكالها ووسائلها. لكنهما كانا بإجمالهما منجزات الفكر العلمي القديم وخصوصاً فكر اليونان وأفكار القرون الوسطى، واستخلاصهما أحكاماً عامة منها جميعاً، مرحلة جوهرية جديدة في التطور والمعالجة اللاحقين لمسائل العلم المنهجية في أوربة. فقد أسهما في فصل الفلسفة نهائياً عن الدين، وفي تأكيد فكرة الحقيقة الثنائية التي وجدت تعبيراً ساطعاً لها في فلسفة ابن رشد، وساعدا في نموّ حرية الفكر والاعتبارات المادية العلمية. الحواشي: (بقلم المجلة). (1)ـ المعروف أنهما بنيتا في سنة (17هـ ـ 638م) المجلة. (2)ـ يخطئ الكاتب هنا إذ يحسب أنَّ هنالك انفصالاً بين المعرفة الدينية والعلوم الطبيعية والعلوم الدقيقة. ذلك أن الدين الإسلامي يحفز على دراسة هذه العلوم ويعتبر هذه الدراسة فرضاً على المجتمع ـ (المجلة)ـ. (3)ـ ابن خلدون هو المتأخر عن هؤلاء الفلاسفة. وهذا سهو من المؤلف لا وجه للعذر عنه فيه. (4)ـ تاريخ ميلاده مختلف فيه والراجح أنه 980م ـ المجلة ـ. (5)ـ يذكر مؤرخو العلوم العرب كتاب الفارابي باسم "إحصاء العلوم " والمعنى واحد. وقد ترجم إلى اللغة اللاتينية أكثر من مرة وعنواناه باللاتينية (De scientis) ، أي في العلم و(Compendium Omnium scientarium)، أي ملخص جميع العلوم، وهما ترجمة لكتاب إحصاء العلوم، ويظن المؤلف أن الكتابين إحصاء العلوم ومراتب العلوم مختلفة ـ المجلة ـ. (6)ـ هو أبو عبد الله بن أحمد بن يوسف الخوارزمي، والمؤلف يسهو فيذكر اسمه عبد الله ـ المجلة ـ. 1 بحث قدم إلى ندوة برلين في المهرجان الألفي لميلاد ابن سينا. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |