|
||||||
| Updated: Sunday, December 14, 2003 02:21 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
تعليق - د.عبد الكريم اليافي ود.خضرزكريا من
ذا الذي لا يُزهى بأن يكون ابن سينا من سلالة قومه وهو ذلك العلم الشامخ في
تاريخ الحضارة والعلوم. لذلك نفهم زهوّ السيد نجماتوف في كون ابن سينا من الشعب
الطاجيكي أحد الشعوب الإيرانية التي يربطها بالشعب العربي وشائج ضاربة في أعماق التاريخ. بيد
أننا ننظر هل كان ابن سينا من الشعب الطاجيكي؟ هل نستطيع أن نؤكد ذلك؟ أن
أباه من مدينة بلخ. وبلخ مدينة مشهورة بخراسان، وهي اليوم بأفغانستان أعاد فتحها
الأحنف بن قيس في أيام عثمان بن عفان سنة إحدى وثلاثين للهجرة فهو خراسي(1) أو إن
شئت أفغاني. وأمه من أفشنة وهي من قرى بخارى فهي تورانية. لقد كان نهر جيحون الحد
الفاصل بين الأقوام الفارسية والتركية أي بين إيران وتوران. فما كان في شرقي جيحون
وشمالية دعي ما وراء النهر، ومكان في جنوبيه وغربيه فهو خراسان. ولقد رأى قتيبة بن
مسلم الذي أعاد فتح بخارى عدة مرات بعد أن انتقضت عليه أن يوطن فيها قبائل عربية
بعدد سكانها الأصليين وذلك سنة أربع وتسعين للهجرة فاحتمال أن تكون أم ابن سينا من
سلالة عربية بمقدار النصـ... في القرن الأول من الهجرة. والعرب كثيرو التناسل
ويزداد احتمال أن تكون عربية في القرن الرابع للهجرة. اسمها ستارة وفي رواية
استنارة وهو اسم عربي. ولقد كانت النساء العربيات منذ القديم مشهورات بالجمال
والرقة والعفاف والوفاء والإخلاص. ولذلك كن أثيرات لدى الرجال يفضلونهن على
من سواهن ولقد أورد المؤرخ التركي الشهير طاش كبرى زاده في كتابه "مفتاح
السعادة"، بعد أن عرف علم الغنج بأنه يبحث عن "كيفية صدور الأفعال التي
تصدر عن العذارى والنسوان الفائقات الجمال والمتصفات بالظرف والكمال. وإذا اقترن
الحسن الذاتي بالغنج الطبيعي كان كاملاً في الغاية". ثم يقول: "ونساء
العرب مشهورات بين الرجال بحسن الغنج ولطف الدلال". هذا وكانت القبائل
العربية تنزل في كل مدينة من مدن خراسان وما وراء النهر لأن المساكن كانت متوافرة
للنازلين فاحتمال أن يكون أبوه من أصل عربي وارد أيضاً وإن كنا لا نستطيع تقديره
بالأرقام ولكنه يزيد من احتمال نسب ابن سينا العربي. 2 ـ ولكن ما لنا
ولهذا الاتجاه العنصري العرقي الذي قضى عليه الإسلام حين ساوى بين الناس والشعوب
ولم يفضل بعضهم على بعض إلا في مدى تحقيق القيم الرفيعة، فسواء كان ابن سينا
طاجيكياً أو أفغانياً أو تورانياً أو عربياً فإنه أحد أبناء الحضارة العربية
الإسلامية الكبار قد أغنى تراثها العلمي والفلسفي في جملة العباقرة الكثيرين
كالنجوم الذين تألقوا في آفاقها الرحبة الواسعة. هذا وعندنا أن النسب الفكري
الروحي أعلى من النسب العضوي. 3 ـ إن المساواة
والحرية وازدهار الموارد الاقتصادية ووفرتها بتحسين أساليب الزراعة وسبل التجارة
وأفانين الصناعة في ظل الحضارة العربية الإسلامية جعل أهالي تلك المناطق ينشطون
نحو العلوم على اختلافها فنبغ بينهم ثلل كبيرة يزيد عددهم على عدد من نبغ منهم في
العهود الأخرى غير العربية قديماً وحديثاً فلا وجه إذاً للتهجم على العرب وعلى
الإسلام في هذا الصدد كما فعل نجماتوف في مقاله وقد أهملنا في ترجمة النص ما
رأيناه متداعياً في ذاته. وإذا كان عدد النوابغ وعلو نبوغهم ذا صلة ما بالنظام
الاجتماعي السائد في عهد من العهود فينبغي أن ينوه بذلك النظام القائم على العمل
والمساواة والتسابق في ميادين القيم الرفيعة. والثورات التي يدندن بها نجماتوف
والتي نشبت في تلك البلاد إبان الحضارة العربية الإسلامية لم تكن على العرب وعلى
الإسيلام بل كانت على الولاة وكبار الملاكين والمتمولين في تلك المناطق وعلى
الاستغلال الذي ناوأه الإسلام. ولقد نشأ بين سكان تلك المناطق الأصليين من لا تزال
كتبهم الدينية التي كتبوها بالعربية تدرس حتى العصر الحاضر في المعاهد الدينية في
مختلف البلاد العربية. هذا بالإضافة إلى آثارهم المتفوقة في سائر ضروب العلم والفن
والمعرفة. 4
ـ كثيراً ما يلوك بعض الباحثين كلمة الإقطاع ويعممونها على مختلف وجوه الإنتاج
خلال مراحل مسماة من التاريخ الاقتصادي في العالم دون تمييز أنواع الإقطاع ولابد
لنا من إيضاح بعض النقاط: آ
ـ اعتبر الإسلام الموارد الطبيعية الأساسية كالأرض والماء والمعادن أي مصادر
الثروة الطبيعية ملكاً للأمة، وبالتعبير الحديث ملكاً للشعب، وأنكر الاستغلال ومنع
الاحتكار ولاسيما السلع الغذائية وحرم الربا كما حرم كنز الذهب والفضة والمال وأكد
العدالة الاجتماعية، وكان بشيراً بنظام جديد تسوده العدالة والحرية والأخوة
الإنسانية دون أن يفرق بين إنسان وإنسان إلا في مدى تحقيق القيم الرفيعة ولاسيما
العلم والأخلاق والسياسة الحميدة. وقد حث على العمل المنتج والإتقان والتضامن
والتحاب والتقدم واعتبر عمارة الدنيا الفاضلة سبيل عمارة الآخرة أي سبيل الخلود. ب
ـ ولما حرر العرب كثيراً من البلاد قضوا على الإقطاع القديم الذي يملك الأرض
والفلاحين معاً فأعتقوا الفلاحين من رق الأرض. ولما انتقل النشاط العربي إلى
الأمصار الجديدة شرع فريق من القبائل يرتبطون بالأرض ويستقرون فيها فاهتموا بها
وبتملكها وذلك بإحياء الأرض الموات أو بالشراء أو باقطاع من أولي الأمر. ولم يكن
هذا الإقطاع مشبهاً للإقطاع الذي ساد أوربة والذي يجعل القن والأرض ملكاً للسيد
وإنما كان الإقطاع أنواعاً. فمنه
إقطاع التمليك يكون من الأرض الموات لإحيائها فيعطى صاحبه حق الملكية وتسمى تلك
الأرضون قطائع واحدتها قطيعة يدفع مالكها عنها العشر وهو زكاة الأرض ومنه إقطاع
الاستغلال وهو وقتي يشبه المزارعة يدفع صاحبه عنه الخراج. ومنه العسكري راج في عهد
البويهيين خلال عصر ابن سينا وهو إقطاع جزء كبير من الأرض التي لها زراعها وملاكها
للجند والقادة والوزراء تلقاء خدماتهم للدولة. وقد يتهم المقطع بسوء الاستغلال
فتصادر أرضه. وقد يقع في هذا بعض الحيف. ولم يكن الإقطاع وراثياً في الأغلب بل كان
مقابل خدمات مدنية أو عسكرية. فقد تدفع الضيعة إلى رجل ليعمرها ويؤدي عشرها وتكون
له مدة حياته فإذا مات ارتجعت من ورثته ويدعى ذلك "بالطُعمة"، على حين
أن القطيعة قد تبقى للذرية وهنالك نوع يدعى "الإيغار" وهو الحماية وذلك
أن تحمى الضيعة أو القرية فلا يدخلها عامل ويوضع عليها شيء يؤدى في السنة لبيت
المال في الحاضرة أو بعض النواحي وقد يسمى ضمان الخراج إيغاراً. كذلك قد يخشى
المالك الضعيف على ضيعته فيلجئها إلى قويّ يحامي عليها فتلك هي
"التلجئة" وهنالك صدقات الماشية وهي زكاة السوائم من الإبل والبقر
والغنم وكلها تصب في بيت المال وكذلك تحت تنظيمات أخرى يجدها القارئ في كتب الفقه
والتاريخ والموسوعات ولابد عند بحث الاقتصاد في الحضارة العربية من الاطلاع عليها
وتفهم جوانبها دون إطلاق الكلام على عمومه. ج
ـ كان الخلفاء الأقوياء في جميع العهود يحمون الفلاحين من عسف الجباة ومن سوء
الاستغلال ويعيدون النظر في الخراج لتخفيف وطأته كان عندهم ما يدعى التسويغ أي أن
يسوَّغ الرجل شيئاً من خراجه، وما يدعى العبرة وهي أن يعتبر مثلاً ارتفاع السنة
التي هي أقل ريعاً والسنة التي هي أكثر ريعاً ويجمعان ويؤخذ نصفهما وذلك بعد أن
تعتبر الأسعار وسائر العوارض الواقعة. ومع ذلك فالناس لا يأتمرون جميعاً بأوامر
الدين وبوازع الأخلاق بل قد يدفع الجشع بعضهم إلى تحصيل الملكيات الكبيرة وكنز
الثراء ولاسيما من كان منهم من أصحاب النفوذ السياسي أو العسكري أو الإداري من عرب
ومن فرس ومن ترك. وقد شبَّ بعض الثورات التي نادت بالعدالة وبأخذ أراضي الملاكين
الكبار وتوزيعها على الفلاحين كثورة (بابك الخرَّمي) كما شبت ثورات من قبل الرقيق
الذين كانوا يستغلون كثورة الزنج، ولكن هذه الثورات كانت مخربة ولم تكن بناءة. إن
الشاعر الكبير ابن الرومي هاجم في أشعاره الأثرياء من التجار والجند وأصحاب
الدواوين ووصف مجالسهم المترفة فهو يتفنن في وصف تلك المجالس التي تستهوي قلوب
الشعراء يقول من قصيدة طويلة جيدة:
لا
يلبث بعد أبيات كثيرة مثيرة أن يندد بالأثرياء الذين يجلسون تلك المجالس:
فلا
عجب أن يحفز على الثورة الدموية:
إلى
آخر هذه القصيدة الممتعة. هذا
الشاعر المبدع نراه هو نفسه يرثي خراب البصرة بأيدي الزنج أيّ رثاء. تلك
الحركات المناوئة للعرب والإسلام ترجع جذورها في تاريخها إلى المجتمع الساساني
الذي كان يرزح تحت وطأة التفاوت الطبقي وتحت براثن الاستغلال. لقد نشأت حركات
دينية فيه تعادي أصحاب الثروات الطائلة، وتدعو إلى الكفاف والزهد كالمانوية أو
تدعو إلى نوع من الاشتراكية كالمزدكية، ولما جاء الإسلام رفع ا لاضطهاد الذي كان
يتعرض له أصحاب تلك الدعوات فيسر لهم استئناف نشاطهم مقابل نشاط المتمولين المثرين
إذ ذاك على حساب الشعب. وقد ذكر أن أبا العتاهية الذي نادى بالزهد أشد النداء ولم
يكن بعيداً من التأثر بالمانوية. وقد كان مقرباً من هارون الرشيد. د
ـ ثم إن هنالك الأرض الواسعة أرض السواد التي وقفها عمر بن الخطاب على
المسلمين، وهي تمتد من عبادان إلى الموصل طولاً ومن القادسية إلى حلوان (مدينة في
العراق) عرضاً بقي خراجها ينصب إلى بيت المال ومصالح الشعب في زمن الخلافة
العباسية. ثم
هنالك كثير من المتمولين وأصحاب الثراء وقفوا الأوقاف وحبسوا الحبوس المختلفة
لإنفاق وارداتها على المصالح والمرافق العامة. وقد حفلت كتب الرحلات كرحلة ابن
جبير وابن بطوطة بالإشادة بتلك الحبوس والأوقاف المقصورة على الخير العام، وكان كل
انحراف أو استغلال يثير النقد الشديد من قبل العلماء والفقهاء(الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر). ولا
ننس ركناً كبيراً من أركان الإسلام وهو الزكاة بتفصيلاتها الواسعة فهي تدخل عاملاً
مهماً في تنظيم توزع الثروة، وإن كان تطور الحياة الاقتصادية العام يقتضي إحكام
هذا التنظيم بعدالة وفهم عميقين موائمين. هـ
ـ لقد جاء في مقال نجماتوف مصطلحات وتعابير مثل "انتصرت بصورة نهائية
العلاقات الإقطاعية"، "يرافق تشكل الشعب الطاجيكي وجهاز الدولة
تكوين التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الاقطاعية"، وكذلك "تحددت عملية
تأسيس المدينة الإقطاعية النموذجية وتشكلها"، و"كان القرنان السادس
والسابع قد برزا مرحلة أولية لتشكل الفن الإقطاعي"، و"الثقافة الطاجيكية
للعصر الإقطاعي"، وغيرها.. هذا
الإلحاح على الصفة الإقطاعية في ذلك العهد يدفع إلى السؤال هل ينسجم الإلحاح مع
فكرة التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية والإقطاعية في المادية التاريخية التي يعتزي
إليها المؤلف ويعتز فيما يبدو؟ لقد
أوضح ماركس وأنغلز في أكثر من موضع أن "المفتاح الحقيقي للشرق هو في عدم وجود
ملكية خاصة للأرض"، وأكد لينين أن "القوى الآسيوية المتقوقعة والمكتفية
اكتفاءاً ذاتياً (اقتصاد طبيعي) تؤلف أساس التقاليد الآسيوية بالإضافة للإشغال
العمومية للحكومة المركزية". أولاً:
تنطبق هذه اللمحات على حال آسية الوسطى في نظام الخلافة العربية الإسلامية؟ أو ليس
من الأفضل الإشارة إلى نوع من "نمط الإنتاج الآسيوي"، تسود فيه ملكية
الدولة للأرض والمياه والطرق والمعادن والموارد الطبيعية ويتبع فيه الأفراد لجهاز
لدولة لا للسيد الإقطاعي. إن
كان لدى المؤلف وثائق تاريخية تثبت سيادة "العلاقات الإقطاعية" فلماذا
لا يشير إليها. أليس بحثه يتناول الشؤون التاريخية الاقتصادية الأساسية في عصر ابن
سينا. يلوح
لنا أيضاً أن هنالك بعض التناقض بين إشارات المؤلف إلى هيمنة دولة الخلافة
من جهة وتأكيده على سيادة العلاقات الإقطاعية من جهة ثانية. ففي الإقطاعية
الكلاسية في أوربة الغربية لم تكن الدولة مهيمنة بل كان هنالك استقلال نسبي للسيد
الإقطاعي في إقطاعه. كان القن يقدم الريع للسيد الإقطاعي مباشرة (على طريق
السخرة أو الإتاوة أو كلتيهما كما كان لهذا السيد سلطة واسعة أخرى على القن. أما
في نمط الإنتاج الآسيوي أو "الإقطاعية الشرقية"، كما تسمى أحياناً
فكان الفلاح حراً في ارتباطه بالأرض، وكان في كثير من الأحيان يقدم الريع للدولة. وربما
كان مثل هذا الإشكال المنهجي قائماً أيضاً في بحث المؤلف عن العلاقة بين الثقافة
العربية الإسلامية والثقافة المحلية الطاجيكية. فعلى الرغم من الفقرات التي لم نجد
بداً من حذفها لمجانبتها الواضحة للحقائق التاريخية فقد بقيت في النص إشارات تدل
على ذلك التعارض الذي أصر المؤلف على تضخيمه بين الثقافتين. إننا لا نفهم هذا
الإصرار في الوقت الذي ما تزال الحضارة العربية الإسلامية تؤلف محوراً أساسياً في
ثقافة شعوب آسية الوسطى وحياتها اليومية حتى العصر الحاضر. إننا
نفهم ونقدر التأكيد على التعارض بين الثقافتين الأرستقراطية والثقافة الشعبية.
ولكن هل يجوز القول إن الحضارة العربية الإسلامية كانت تمثل الثقافة الارستقراطية
في مقابل الثقافة الشعبية الطاجيكية. نعتقد
بوجه عام أن المؤلف لم يحاول إثبات مقولاته بل اكتفى بتأكيدها وتكرارها. وحبذا لو
كانت إشارات المؤلف الحلوة إلى تطور الحرف والفن المعماري وجوانب الحضارة
المادية الأخرى مدعومة بشروح كافية عن علاقات الإنتاج والتجارة التي ازدهرت
في ضمنها تلك الحضارة، إذن لأغنانا عن بعض هذا التعليق. إن
المصادر التي استقى منها نجماتوف معلوماته أكثرها عربي إن لم يكن كلها عربياً. وقد
أشار في مقاله إلى كتاب "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" للبشاري
المقدسي. وكتب الرحلات والكتب الجغرافية والتاريخية والأدبية العربية هي
التي روت أخبار تلك المناطق في أبهى صورة، ويطيب لنا أن نذكره ببعض ما جاء في هذه
الكتب تنويهاً بتلك البلاد وأهاليها. ينقل ياقوت مؤلف معجم البلدان عن أحمد بن
سهيل البلخي صاحب "صور الأقاليم"، قوله: "وأما نزهة بلاد ما وراء
النهر فإني لم أرَ ولا بلغني في الإسلام بلداً أحسن خارجاً من بخارى لأنك إذا علوت
قهندزها(2) لم يقع بصرك من جميع النواحي إلى على خضرة متصلة خضرتها بخضرة
السماء فكأن السماء بها مكبة خضراء مكبوبة على بساط أخضر تلوح القصور فيما
بينها كالنواوير فيها.". ويقول
ياقوت في مادة بخارى: "وكان معاملة أهل بخارى في أيام السامانية بالدراهم ولا
يتعاملون بالدنانير فيما بينهم، فكان الذهب كالسلع والعروض، وكان لهم دراهم
يسمونها الغطريفية من حديد وصُفر وآنك(3)، وغير ذلك من جواهر مختلفة. وقد ركبت فلا
تجوز هذه الدراهم إلا في بخارى ونواحيها وحدها، وكانت سكتها تصاوير وهي من ضرب
الإسلام، وكانت لهم دراهم أخرى تسمى المسيبية والمحمدية جميعها من ضرب
الإسلام.". وجاء
في مادة ما وراء النهر من معجم البلدان أن "ما وراء النهر من أنزه الأقاليم
وأخصبها وأكثرها خيراً وأهلها يرجعون إلى رغبة في الخير والسخاء واستجابة لمن
دعاهم إليه مع قلة غائلة وسماحة بما ملكت أيديهم مع شدة شوكة ومنعة وبأس وعدة وآلة
وكراع(4)، وسلاح، فأما الخصب فيها فهو يزيد على الوصف ويتعاظم عن أن يكون في جميع
بلاد الإسلام، وغيرها مثله، وليس في الدنيا إقليم أو ناحية إلا ويقحط أهله مراراً
قبل أن يقحط ما وراء النهر. ثم إن أصيبوا في حر أو برد أو آفة تأتي على زروعهم ففي
فضل ما يسلم في عرض بلادهم ما يقوم بأودهم حتى يستغنوا عن نقل شيء إليهم من بلاد
أُخَر. وليس بما وراء النهر، موضع يخلو من العمارة من مدينة أو قرى أو مياه
أو زروع أو مراعٍ لسوائمهم. وليس شيء لابد للناس منه إلا وعندهم منه ما يقوم
بأودهم ويفضل عنهم لغيرهم. وأما مياههم فإنها أعذب المياه، وأخفها فقد عمت
المياه العذبة جبالها ونواحيها ومدنها. وأما الدواب ففيها من المباح مافيه كفاية
على كثرة ارتباطهم لها، وكذلك الحمير والبغال والإبل. وأما لحومهم فإن بها من
الغنم ما يجلب من نواحي التركمان الغربية وغيرها ما يفضل عنهم. وأما الملبوس ففيها
من الثياب القطن ما يفضل عنهم فينقل إلى الآفاق، ولهم القّزّ والصوف والوبر الكثير
والإبريسم(5)، الخَجَندي، ولا يفضل عليه إبريسم البتة. وفي بلادهم من معادن الحديد
ما يفضل عن حاجتهم في الأسلحة والأدوات. وبها معادن الذهب والفضة والزيبق الذي لا
يقاربه في الغزارة والكثرة معدن في سائر البلدان إلا بنجهير في الفضة. وأما الزيبق
والذهب والنحاس وسائر مايكون في المعادن فأغزرها ما يرتفع من ما وراء
النهر... وبها من المسك الذي يجلب إليهم من التبت وخرخيز ما ينقل إلى سائر الأمصار
الإسلامية، منها ويرتفع من الصغانيان وإلى واشجرد من الزعفران ما ينقل إلى سائر
البلدان، وكذلك الأوبار من السمور والسنجاب والثعالب وغيرها ما يحمل إلى الآفاق مع
طرائف من الحديد والحتر(6)، والبزاة وغير ذلك مما يحتاج إليه الملوك...". إلى
غير ذلك من سجايا أهل المنطقة وسماحتهم وشدة شوكتهم في إبان الخلافة العربية
الإسلامية حتى ورود التتر. والخلاصة
أن الشعب الطاجيكي وسائر الشعوب الإيرانية وشعوباً أخرى متعددة شاركت هي والشعب
العربي في إنشاء حضارة من أبدع الحضارات زانت وما تزال تزين مفرق التاريخ حتى
أشاعت القيم الإنسانية الرفيعة بين الشعوب والناس جميعاً. وإذا كان قد حصل انحراف
أو تيه وضلال أحياناً، فذلك من طبيعة الإنسان البهيمية. ولا حاجة للتهجم على الأصل
الذي نبعت منه تلك الحضارة، ولا على الشعب العربي الذي رفع رايتها الأولى. وإنما
هنالك حاجة دائمة إلى دراسة الشروط التي استطاعت فيها تلك الحضارة أن ينبغ في
ظلالها الوارفة آلاف الآلاف من الأعلام، في كل ضرب من ضروب المعرفة والعلم والفن
والخلق السامي والسياسة الحكيمة إبان مراحل متطاولة من الزمن. وابن سينا أحد أبناء
تلك الحضارة الأفذاذ. أما تلك الشعوب فهي كالأخوة المتحدرين من أب واحد. إنها بعد
مجدها التليد صابرة على نوائب الدهر متحدية غوائل الاستعمار تمشي متراصة كتفاً إلى
كتف آملة أن تعيد سيرتها العالية فتشارك في إنشاء إنسانية جديدة كريمة لا غلَّ
فيها ولا استغلال. والخلاصة
أنَّا نَمُدّ يد التقدير للأستاذ الفاضل نجماتوف في بحثه الدقيق واهتمامه بالتراث
العربي الإسلامي الطاجيكي. الحواشي:
(1)ـ
النسبة إلى خراسان خُرَسي وخراسي وخراساني ويجمع على خراسين بتخفيف ياء
النسبة. (2)ـ
في اصطلاح ياقوت الحمي القهندز اسم جنس لكل حصن في وسط المدينة. (3)ـ
الآنك الاسرب أي الرصاص. ويقال
"فلان ما ينضح الكراع"، أي ضعيف الدفاع. (4)ـ
الكراع من الدواب ما دون لكعب. ويطلق على الخيل ومنه "احبس الكراع". (5)ـ
الابريسم: الحرير. (6)ـ
يجوز أن يكون بضمتين جمع حتار بمعنى الحبل الذي تشد به الأطناب ويجوز أن يكون بكسر
فسكون وهو ما يتصل بأسفل الخباء إذا ارتفع عن الأرض وقلص ليكون ستراً. |