|
||||||
| Updated: Sunday, December 14, 2003 02:21 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
ابن
سينا يَروي قصّة صباه من كتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء"[1]لابن أبي أصيبعة الجوزجاني هو
أبو علي الحسين بن عبد الله بن علي بن سينا، وهو إن كان أشهر من أن يذكر، وفضائله
أظهر من أن تسطر، فإنه قد ذكر من أحواله، ووصف من سيرته ما يغني غيره عن وصفه. ولذلك
إننا نقتصر من ذلك على ما قد ذكره هو عن نفسه، نقله عنه أبو عبيد الجوزجاني، قال،
قال: الشيخ الرئيس: إن
أبي كان رجلاً من أهل بلخ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام نوح بن منصور
واشتغل بالتصرف(1)، وتولى العمل في أثناء أيامه بقرية يقال لها خَرَمَيْثن من ضياع
بخارى، وهي من أمهات الْقُرَى، وبقربها قرية يقال لها آفشَنة، وتزوج أبي منها
بوالدتي وقطن بها وسكن، وولدت منها بها. ثم ولدت أخي، ثم انتقلنا إلى بخارى،
وأحضرت معلم القرآن ومعلم الأدب، وأكملت العشر من العمر، وقد أتيت على القرآن وعلى
كثير من الأدب، حتى كان يقضي مني العجب. وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين(2)، ويعد
من الاسماعيلية. وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه
هم، وكذلك أخي، وكانوا ربما تذاكروا بينهم وأنا أسمعهم وأدرك ما يقولونه ولا تقبله
نفسي، وابتدأوا يدعونني أيضاً إليه، ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة
وحساب الهند، وآخذ يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل، ويقوم بحساب الهند حتى أتعلمه
منه، ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله النائلي وكان يدعى المتفلسف، وأنزله أبي دارنا
رجاء تعلمي منه. وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه والتردد فيه إلى إسماعيل الزاهد،
وكنت من أجود السالكين، وقد ألفت طرق المطالبة ووجوه الاعتراض على المجيب على
الوجه الذي جرت عادة القوم به. ثم
ابتدأت بكتاب "ايساغوجي على النائلي"، ولما ذكر لي حد الجنس، إنه هو
المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ماهو، فأخذت في تحقيق هذا الحد بما لم
يسمع بمثله، وتعجب مني كل العجب وحذر والدي من شغلي بغير المعلم. وكان أي مسألة
قالها لي أتصورها خيراً منه، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه. وأما دقائقه فلم يكن
عنده منها خبرة. ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق.
وكذلك كتاب إقليدس فقرأت من أوله خمسة أشكال أو ستة عليه، ثم توليت بنفسي حل
بقية الكتاب بأسره. ثم انتقلت إلى المجسطي، ولما فرغت من مقدماته وانتهيت
إلى الأشكال الهندسية، قال لي النائلي تول قراءتها وحلها بنفسك، ثم اعرضها علي
لأبين لك صوابه من خطئه، وماكان الرجل يقوم بالكتاب. وأخذت أحل ذلك الكتاب فكم من
شكل ما عرفه إلى وقت ما عرضته عليه وفهمته إياه. ثم فارقني النائلي متوجهاً إلى
كركانج، واشتغلت بتحصيل الكتب من الفصوص(3)، والشروح، من الطبيعي والإلهي، وصارت
أبواب العلم تنفتح علي. ثم
رغبت في علم الطب وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه، وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة.
فلا جرم أني برزت فيه في أقل مدة حتى بدأ فضلاء الطب يقرأون علي علم الطب، وتعهدت
المرضى فانفتح عليَّ من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف،
وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه وأناظر فيه، وأنا في هذا الوقت من أبناء ستّ عشرة
سنة. ثم توفرت على العلم والقراءة سنة ونصفاً، فأعدت قراءة المنطق وجميع أجزاء
الفلسفة. وفي هذه المدة ما نمت ليلة واحدة بطولها، ولا اشتغلت النهار بغيره وجمعت
بين يدي ظهوراً، فكل حجة كنت أنظر فيها أثبت مقدمات قياسية، ورتبتها في تلك
الظهور. ثم نظرت فيما عساها تنتج، وراعيت شروط مقدماته حتى تحقق لي حقيقة الحق في
تلك المسألة، وكلما كنت أتحير في مسألة ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس
ترددت إلى الجامع، وصليت وابتهلت إلى مبدع الكل، حتى فتح لي المنغلق، وتيسر
المتعسر. وكنت
أرجع بالليل إلى داري وأضع السراج بين يدي، وأشتغل بالقراءة والكتابة، فمهما غلبني
النوم أو شعرت بضعف، عدلت إلى شرق قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي، ثم أرجع إلى
القراءة، ومهما أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها، حتى أن كثيراً من
المسائل اتضح لي وجوهها في المنام. وكذلك حتى استحكم معي جميع العلوم، وقفت عليها
بحسب الإمكان الإنساني. وكل ما علمته في ذلك الوقت فهو كما علمته الآن لم أزدد فيه
إلى اليوم، حتى أحكمت على المنطق والطبيعي والرياضي. ثم عدلت إلى الإلهي، وقرأت
كتاب مابعد الطبيعة. فما كنت أفهم ما فيه، والتبس عليَّ غرض واضعه، حتى أعدت
قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظاً. وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به، وآيست
من نفسي، وقلت: هذا الكتاب لا سبيل إلى فهمه. وإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت
العصر في الوراقين، وبيد دلال مجلد ينادي عليه، فعرضه علي فرددته رد متبرم، معتقد
أن لا فائدة من هذا العلم. فقال لي اشتر مني هذا فإنه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم.
وصاحبه محتاج إلى ثمنه، واشتريته فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما
بعد الطبيعة: ورجعت إلى بيتي وأسرعت قراءته. فانفتح عليّ في الوقت أغراض ذلك
الكتاب بسبب أنه كان لي محفوظاً على ظهر القلب. وفرحت بذلك وتصدقت في ثاني يومه
بشيء كثير على الفقراء شكراً لله تعالى. وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نوح بين
منصور، واتفق له مرض ثُلجَ(4)، الأطباء فيه، وكان اسمي اشتهر بينهم بالتوفر على
القراءة. فأجروا ذكري بين يديه وسألوه إحضاري، فحضرت وشاركتهم في مداواته وتوسمت
بخدمته فسألته يوماً الإذن لي في دخول دار كتبهم ومطالعتها وقراءة ما فيها من كتب
الطب. فأذن لي فدخلت داراً ذات بيوت كثيرة في كل بيت صناديق كتب منضدة بعضها على
بعض، في بيت منها كتب العربية والشعر، وفي آخر الفقه وكذلك في كلَّ بيت كتب علم
مفرد. فطالعت
فهرست كتب الأوائل، وطلبت ما احتجت إليه منها. ورأيت من الكتب مالم يقع اسمه إلى
كثير من الناس قط، وماكنت رأيته من قبل ولا رأيته أيضاً من بعد. فقرأت تلك الكتب
وظفرت بفوائدها، وعرفت مرتبة كل رجل في علمه. فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري،
فرغت من هذه العلوم كلها. وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ، ولكنه اليوم معي أنضج، وإلا
فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شيء. وكان في جواري رجل يقال له أبو الحسين العروضي.
فسألني أن أصنف له كتاباً جامعاً في هذا العلم، فصنفت له المجموع وسميته به. وأتيت
فيه على سائر العلوم سوى الرياضي، ولي إذ ذاك إحدى وعشرون سنة من عمري. وكان في
جواري أيضاً رجل يقال له أبو بكر البرقي، خوارزمي المولد، فقيه النفس، متوحد في
الفقه، والتفسير والزهد، مائل إلى هذه العلوم، فسألني شرح الكتب له فصنفت له كتاب
الحاصل والمحصول في قريب من عشرين مجلدة، وصنفت له في الأخلاق كتاباً سميته كتاب
"البر والإثم"، وهذان الكتابان لا يوجدان إلا عنده، فلم يعر أحداً ينسخ
منهما. ثم مات والدي وتصرفت بي الأحوال، وتقلدت شيئاً من أعمال السلطان، ودعتني
الضرورة إلى الإخلال ببخارى والانتقال إلى كركانج. وكان أبو الحسن السهلي المحب
لهذه العلوم بها وزيراً، وقدمت إلى الأمير بها وهو علي بن مأمون وكنت على زي
الفقهاء إذ ذاك بطيلسان وتحت الحنك(5)، وأثبتوا لي مشاهرة دارّة بكفاية مثلي، ثم
دعت الضرورة إلى الانتقال إلى نسا، ومنها إلى باورد، ومنها إلى طوس، ومنها إلى
شقان، ومنها إلى سمنيقان ومنها إلى جاجرم رأس حد خراسان، ومنها إلى جرجان، وكان
قصدي الأمير قابوس، فاتفق في أثناء هذا أخذ قابوس وحبسه، في بعض القلاع وموته
هناك، ثم مضيت إلى دهستان ومرضت بها مرضاً صعباً وعدت إلى جرجان، فاتصل أبو عبيد
الجوزجاني بي وأنشأت في حالي قصيدة فيها بيت القائل:
(الكامل). التلميذ
يتم قصة حياة أستاذه قال
أبو عبيد الجوزجاني، صاحب الشيخ الرئيس، فهذا ما حكى لي الشيخ من لفظه، ومن ههنا
شاهدت أنا من أحواله، وكان بجرجان رجل يقال له أبو محمد الشيرازي يحب
هذه العلوم، وقد اشترى للشيخ داراً في جواره وأنزله بها، وأنا أختلف إليه في كلِّ
يوم أقرأ المجسطي وأستملي المنطق. فأملى عليّ المختصر الأوسط في المنطق. وصنف لأبي
محمد الشيرازي كتاب المبدأ والمعاد، وكتاب الأرصاد الكلية. وصنف هناك كتباً كثيرة،
كأول القانون ومختصر المجسطي، وكثيراً من الرسائل ثم صنف في أرض الجبل بقية كتبه. وهذا
فهرست كتبه: كتاب المجموع مجلدة، الحاصل والمحصول عشرون مجلدة، الإنسان عشرون
مجلدة، البر والإثم مجلدتان، الشفاء ثمان عشرة(6)، مجلدة، القانون أربع عشرة
مجلدة، الأرصاد الكلية مجلدة، كتاب النجاة ثلاث مجلدات، الهداية مجلدة، القولنج
مجلدة، لسان العرب عشر مجلدات، الأدوية القلبية مجلدة، الموجز مجلدة، بعض الحكمة
المشرقية مجلدة، بيان ذوات الجهة مجلدة، كتاب المعاد مجلدة، كتاب المبدأ والمعاد
مجلدة، كتاب المباحثات مجلدة. ومن
رسائله: القضاء والقدر، الآلة الرصدية غرض قاطيغورياس. المنطق بالشعر القصائد في
العظمة والحكمة في الحروف. تعقب المواضع الجدلية.مختصر إقليدس، مختصر في النبض
بالعجمية. الحدود، الأجرام السماوية. الإشارة إلى علم المنطق. أقسام الحكمة في
النهاية واللا نهاية، عهد كتبه لنفسه حي بين يقظان في أن أبعاد الجسم غير ذاتية
له. خطب، الكلام في الهندبا. في أنه لا يجوز أن يكون شيء واحد جوهرياً وعرضياً. في
أن علم زيد غير علم عمرو. رسائل له إخوانية وسلطانية. مسائل جرت بينه وبين بعض
الفضلاء. كتاب الحواشي على القانون. كتاب عيون الحكمة، كتاب الشبكة والطير. ثم
انتقل إلى الري واتصل بخدمة السيدة وابنها مجد الدولة، وعرفوه بسبب كتب وصلت معه
تتضمن تعريف قدره. وكان بمجد الدولة إذ ذاك غلبة السوداء، فاشتغل بمداواته، وصنف
هناك كتاب المعاد، وأقام بها إلى أن قصد شمس الدولة(7)، بعد قتل هلال بن بدر بن
حسنوية وهزيمة عسكر بغداد. ثم اتفقت أسباب أوجبت الضرورة لها خروجه إلى قزوين(8)،
ومنها إلى همدان(9)، واتصاله بخدمة كذبانوية والنظر في أسبابها. ثم اتفق معرفة شمس
الدولة وإحضاره مجلسه بسبب قولنج كان قد أصابه، وعالجه حتى شفاه الله، وفاز من ذلك
المجلس بخلع كثيرة، ورجع إلى داره بعد ما أقام هناك أربعين يوماً بلياليها، وصار
من ندماء الأمير. ثم اتفق نهوض الأمير إلى قرمسين(10)، لحرب عناز، وخرج الشيخ في
خدمته، ثم توجه نحو همدان منهزماً راجعاً. ثم
سألوه تقلد الوزارة فتقلدها، ثم اتفق تشويش العسكر عليه، وإشفاقهم منه على أنفسهم،
فكبسوا داره وأخذوه إلى الحبس، وأغاروا على أسبابه، وأخذوا جميع ماكان يملكه،
وسألوا الأمير قتله، فامتنع منه وعدل إلى نفيه عن الدولة طلباً لمرضاتهم، فتوارى
في دار الشيخ أبي سعد بن دخدوك أربعين يوماً فعاود الأمير شمس الدولة القولنج(11)،
وطلب الشيخ فحضر مجلسه، فاعتذر الأمير إليه بكل الاعتذار، فاشتغل بمعالجته، وأقام
عنده مكرماً مبجلاً، وأعيدت الوزارة إليه ثانية، ثم سألته أنا شرح كتب أرسطو
طاليس، فذكر أنه لا فراغ له إلى ذلك في ذلك الوقت. ولكن إن رضيت مني بتصنيف كتاب
أورد فيه ما صح عندي من هذه العلوم بلا مناظرة مع المخالفين، ولا اشتغال بالرد
عليهم فعلت ذلك، فرضيت به. فابتدأ بالطبيعيات من كتاب سماه كتاب الشفاء، وكان قد
صنف الكتاب الأول من القانون. وكان يجتمع كل ليلة في داره طلبة العلم، وكنت أقرأ
من الشفاء. وكان يُقرِئ غيري من القانون نوبة. فإذا فرغنا حضر المغنون على
اختلاف طبقاتهم وهيئ مجلس الشراب بآلاته: وكنا نشتغل به، وكان التدريس بالليل لعدم
الفراغ بالنهار خدمة للأمير، فقضينا على ذلك زمناً، ثم توجه شمس الدين إلى طارم
لحرب الأمير بها، وعاوده القولنج قرب ذلك الموضع واشتد عليه، وانضاف إلى ذلك أمراض
أخر جلبها سوء تدبيره، وقلة القبول من الشيخ، فخاف العسكر وفاته، فرجعوا به طالبين
همدان في المهد فتوفي في الطريق في المهد. ثم بويع ابن شمس الدولة وطلبوا استيزار
الشيخ فأبى عليهم، وكاتب علاء الدولة سراً يطلب خدمته، والمصير إليه، والانضمام
إلى جوانبه. وأقام في دار أبي غالب العطار متوارياً. وطلبت منه إتمام كتاب الشفاء.
فاستحضر أبا غالب وطلب الكاغد والمحبرة فأحضرهما، وكتب الشيخ في قريب من عشرين
جزءاً على الثمن بخطه رؤوس المسائل. وبقي فيه يومين حتى كتب رؤوس المسائل كلها بلا
كتاب يحضره ولا أصل يرجع إليه، بل من حفظه، وعن ظهر قلبه. ثم ترك الشيخ تلك
الأجزاء بين يديه وأخذ الكاغد فكان ينظر في كل مسألة ويكتب شرحها، فكان يكتب كل
يوم خمسين ورقة حتى أتى على جميع الطبيعيات والإلهيات ما خلا كتابي الحيوان
والنبات. وابتدأ بالمنطق وكتب منه جزءاً. ثم اتهمه تاج الملك بمكاتبته علاء
الدولة، فأنكر عليه ذلك، وحث في طلبه فدل عليه بعض أعدائه، فأخذوه وأدوه إلى قلعة
يقال لها فردجان وأنشأ هناك قصيدة منها:
(الوافر). وبقي
فيها أربعة أشهر. ثم قصد علاء الدولة همدان وأخذها، وانهزم تاج الملك ومر إلى تلك القلعة
بعينها. ثم رجع علاء الدولة عن همدان، وعاد تاج الملك وابن شمس الدولة إلى همدان
وحملوا معهم الشيخ إلى همدان، ونزل في دار العلوي، واشتغل هناك بتصنيف
المنطق من كتاب الشفاء، وكان قد صنف بالقلعة كتاب الهدايات، ورسالة حي بين يقظان،
وكتاب القولنج، وأما الأدوية القلبية فإنما صنفها أول وروده إلى همدان، وكان قد
تقضى على هذا زمان، وتاج الملك في أثناء هذا يمنيه بمواعيد جميلة. ثم عن للشيخ
التوجه إلى أصفهان، فخرج متنكراً وأنا وأخوه وغلامان معه في زي الصوفية إلى أن
وصلنا إلى طبران على باب أصفهان، بعد أن قاسينا شدائد في الطريق، فاستقبلنا أصدقاء
الشيخ وندماء الأمير علاء الدولة وخواصه، وحمل إليه الثياب والمراكب الخاصة وأنزل
في محلة يقال لها كونكنبد في دار عبد الله بن بابي، وفيها من الآلات والفرش ما
يحتاج إليه. وحضر مجلس علاء الدولة فصادف في مجلسه الإكرام والإعزاز الذي يستحقه
مثله. ثم رسم علاء الدولة ليالي الجمعات مجلس النظر بين يديه بحضرة سائر العلوم
على اختلاف طبقاتهم، والشيخ من جملتهم. فما كان يطاق في شيء من العلوم. واشتغل
بأصفهان في تتميم كتاب الشفاء، ففرغ من المنطق والمسجطي، وكان قد اختصر أقليدس
والارثماطيقي والموسيقى. وأورد في كل كتاب من الرياضيات زيادات رأى أن الحاجة
إليها داعية. أما في المجسطي فأورد عشرة أشكال في اختلاف القطر وأورد في آخر
المجسطي في علم الهيئة أشياء لم يسبق إليها، وأورد في أقليدس شبها، وفي
الارثماطيقي خواص حسنة، وفي الموسيقى مسائل غفل عنها الأولون: وتم الكتاب المعروف
بالشفاء ما خلا كتابي النبات والحيوان فإنه صنفهما في السنة التي توجه فيها علاء
الدولة إلى سابور خواست (12)، في الطريق. وصنف أيضاً في الطريق كتاب النجاة، واختص
بعلاء الدولة وصار من ندمائه إلى أن عزم علاء الدولة على قصد همدان، وخرج الشيخ في
الصحبة، فجرى ليلة بين يدي علاء الدولة ذكر الخلل الحاصل في التقاويم المعمولة
بحسب الأرصاد القديمة، فأمر الأمير الشيخ الاشتغال برصد هذه الكواكب وأطلق له من
الأموال ما يحتاج إليه. وابتدأ الشيخ به وولاني اتخاذ آلاتها واستخدام صناعها حتى
ظهر كثير من المسائل، فكان يقع الخلل في أمر الرصد لكثرة الأسفار وعوائقها. وصنف
الشيخ بأصفهان الكتاب العلائي: وكان
من عجائب أمر الشيخ أني صحبته وخدمته خمساً وعشرين سنة فما رأيته إذا وقع له
كتاب مجدد ينظر فيه على الولاء، بل كان يقصد المواضع الصعبة منه والمسائل المشكلة،
فينظر ما قاله مصنفه فيها، فيتبين مرتبته في العلم ودرجته في الفهم. وكان الشيخ
جالساً يوماً من الأيام بين يدي الأمير وأبو منصور الجبائي حاضر فجري في اللغة
مسألة تكلم الشيخ فيها بما حضره، فالتفت أبو منصور إلى الشيخ يقول إنك فيلسوف
وحكيم، ولكن لم تقرأ من اللغة ما يرضي كلامك فيها، فاستنكف الشيخ من هذا الكلام
وتوفر على درس كتب اللغة ثلاث سنين، واستهدى كتاب تهذيب اللغة من خراسان من تصنيف
أبي منصور الأزهري، فبلغ الشيخ في اللغة طبقة قلما يتفق مثلها. وأنشأ ثلاث قصائد
ضمنها ألفاظاً غريبة من اللغة. وكتب ثلاثة كتب أحدها على طريقة ابن العميد، والآخر
على طريقة الصابي والآخر على طريقة الصاحب وأمر بتجليدها، وأخلاق جلدها. ثم أوعز
الأمير فعرض تلك المجلدة على أبي منصور الجبائي. وذكر أنا ظفرنا بهذه
المجلدة في الصحراء وقت الصيد فيجب أن تتفقدها وتقول لنا ما فيها، فنظر فيها أبو
منصور وأشكل عليه كثيراً مما فيها. فقال له الشيخ إن ما تجهله من هذا الكتاب فهو
مذكور في الموضع الفلاني من كتب اللغة، وذكر له كثيراً من الكتب المعروفة في اللغة
كان الشيخ حفظ تلك الألفاظ منها، وكان أبو منصور مجازفاً فيما يورده من اللغة غير
ثقة فيها، ففطن أبو منصور أن تلك الرسائل من تصنيف الشيخ، وأن الذي حمله عليه ما
جبهه به في ذلك اليوم، فتنصل واعتذر إليه. ثم صنف الشيخ كتاباً في اللغة
سماه لسان العرب لم يصنف في اللغة مثله ولم ينقله في البياض حتى توفي فبقي على
مسودته لا يهتدي أحد إلى ترتيبه. وكان قد حصل للشيخ تجارب كثيرة فيما باشره من
المعالجات عزم على تدوينها في كتاب القانون، وكان قد علقها على أجزاء فضاعت قبل
تمام كتاب القانون. من ذلك أنه صدع يوماً فتصور أن مادة تريد النزول إلى حجاب
رأسه، وأنه لا يأمن ورماً ينزل فيه فأمر بإحضار ثلج كثير ودقه ولفه في خرقة وتغطية
رأسه بها ففعل ذلك حتى قوي الموضوع، وامتنع عن قبول تلك المادة وعوفي. ومن ذلك أن
امرأة مسلولة بخوارزم أمرها أن لا تتناول شيئاً من الأدوية سوى
الجلنجبين(13) السكري حتى تناولت على الأيام مقدار مائة منه وشفيت المرأة. وكان
الشيخ قد صنف بجرجان المختصر الأصغر في المنطق وهو الذي وضعه بعد ذلك في أول
النجاة، ووقعت نسخة إلى شيراز فنظر فيها جماعة من أهل العلم هناك فوقعت لهم الشبه
في مسائل منها، فكتبوها على جزء. وكان القاضي بشيراز من جملة القوم، فأنفذ بالجزء
إلى أبي القاسم الكرماني صاحب إبراهيم بن بابا الديلمي المشتغل بعلم التناظر،
وأضاف إليه كتاباً إلى الشيخ أبي القاسم وأنفذهما على يدي ركابي (14)، قاصد، وسأله
عرض الجزء على الشيخ واستيجاز أجوبته فيه. وإذا الشيخ أبو القاسم دخل على الشيخ
عند اصفرار الشمس في يوم صائف، وعرض عليه الكتاب والجزء، فقرأ الكتاب ورده عليه،
وترك الجزء بين يديه وهو ينظر فيه والناس يتحدثون. ثم خرج أبو القاسم، وأمرني
الشيخ بإحضار البياض وقطع أجزاء منه، فشددت خمسة أجزاء كل واحد منها عشرة
أوراق بالربع الفرعوني وصلينا العشاء وقدم الشمع فأمر بإحضار الشراب وأجلسني
وأخاه وأمرنا بتناول الشراب، وابتدأ هو بجواب تلك المسائل. وكان يكتب ويشرب
إلى نصف الليل حتى غلبني وأخاه النوم، فأمر بالانصراف فعند الصباح قرع الباب فإذا
رسول الشيخ يستحضرني فحضرته وهو على المصلى، وبين يديه الأجزاء الخمسة، فقال خذها
وسر بها إلى الشيخ أبي القاسم الكرماني، وقل له استعجلت في الأجوبة عنها لئلا
يتعوق الركابي، فلما حملته إليه تعجب كل العجب وصرف الفيج(15) وأعلمهم بهذه
الحالة، وصار هذا الحديث تاريخاً بين الناس. ووضع
في حال الرصد آلات ما سبق إليها، وصنف فيها رسالة وبقيت أنا ثماني سنين مشغولاً
بالرصد، وكان غرضي تبين ما يحكيه بطليموس عن قصته في الأرصاد، فتبين لي بعضها.
وصنف الشيخ كتاب الإنصاف واليوم الذي قدم فيه السلطان مسعود إلى أصفهان نهب عسكره
رحل الشيخ وكان الكتاب في جملته، وما وقف على أثر. وكان الشيخ قوي القوى كلها،
وكانت قوة المجامعة من قواه الشهوانية أقوى وأغلب. وكان كثيراً ما يشتغل به فأثر في
مزاجه: وكان الشيخ يعتمد على قوة مزاجه حتى صار أمره في السنة التي حارب فيها علاء
الدولة تاش فراش على باب الكرخ إلى أن أخذ الشيخ قولنج، ولحرصه على برئه إشفاقاً
من هزيمة يدفع إليها، ولا يتأتى له المسير فيها مع المرض حقن نفسه في يوم واحد
ثماني كرات، فتقرح بعض أمعائه، وظهر به سحج(19)، وأحوج إلى المسير مع علاء
الدولة فأسرعوا نحو ايذج فظهر به هناك الصرع الذي يتبع علة القولنج، ومع ذلك كان
يدبر نفسه ويحقن نفسه لأجل السحج ولبقية القولنج، فأمر يوماً باتخاذ دانقين من بزر
الكرفس في جملة ما يحتقن به وخلطه بها طلباً لكسر الرياح، فقصد بعض الأطباء الذي
كان يتقدم هو إليه بمعالجته، وطرح من بزر الكرفس خمسة دراهم لست أدري أعمداً فعله
أم خطأ لأنني لم أكن معه، فازداد السحج به من حدة ذلك البزر. وكان يتناول المثرود
يطوس(17)، لأجل الصرع فقام بعض غلمانه وطرح شيئاً كثيراً من الأفيون فيه، وناوله
فأكله وكان سبب ذلك خيانتهم في مال كثير من خزانته، فتمنوا هلاكه ليأمنوا عاقبة
أعمالهم. ونقل
الشيخ كما هو إلى أصفهان، فاشتغل بتدبير نفسه، وكان من الضعف بحيث لا يقدر على
القيام فلم يزل يعالج نفسه حتى قدر على المشي وحضر مجلس علاء الدولة. لكنه مع ذلك
لا يتحفظ، ويكثر التخليط في أ مر المجامعة، ولم يبرأ من العلة كل البرء، فكان
ينتكس ويبرأ كل وقت. ثم قصد علاء الدولة همدان فسار معه الشيخ فعاودته في
الطريق تلك العلة إلى أن وصل إلى همدان، وعلم أن قوته قد سقطت، وأنها لا تفي بدفع
المرض فأهمل مداواة نفسه، وأخذ يقول المدبر الذي كان يدبر بدني قد عجز عن التدبير،
والآن فلا تنفع المعالجة. وبقي على هذا أياماً، ثم انتقل إلى جوار ربه. وكان عمره
ثلاثاً وخمسين سنة، وكان موته في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وكانت ولادته في سنة
خمس وسبعين وثلاثمائة، هذا آخر ما ذكره أبو عبيد من أحوال الشيخ الرئيس، وقبره تحت
السور من جانب القبة من همدان، وقيل إنه نقل إلى أصفهان ودفن في موضع على باب
كونكنبد.
الحواشي:
(1)ـ
للتصرف في تاريخ الحضارة العربية معان عدة منها الحكم والإدارة. (2)ـ
يعني الفاطميين. (3)ـ
يريد كتاب "الفصوص في الحكمة"، للفارابي. (4)ـ
بلد وذهب. (5)ـ
أي إلى ما تحت الذقن. (6)ـ
ورد ثمان في نسخة المطبعة الوهبية بدون ياء دائماً وهي لغة فقد تحذف ياء ثماني
ويجري إعرابها حتى النون وهو نادر. (7)ـ
أبو طاهر بن فخر الدولة البويهي حاكم همدان وكرمنشاه. (8)ـ
مدينة في إيران. (9)ـ
مدينة في إيران. جنوباً بغرب فيها قبر ابن سينا. (10)ـ
في معجم البلدان: قرميسين، أي كرمان شاهان أو كرمنشاه. (11)ـ
بضم القاف وفتحها مع فتح اللام وقد تكسر: مرض معوي مؤلم يعسر معه خروج ا لتفل
والريح وهو ما يقال له اليوم انسداد الأمعاء، وقد يكون الانسداد جزئياً. انظر تفصيله
في كتاب قاموس الأطباء وناموس الألبا للقوصوني وهو من مصورات مجمع اللغة العربية
بدمشق. (12)ـ
سابور كورة في فارس تنسب إلى سابور الملك فيها مدن عدة منها خشت أو خواست. (13)ـ
معجون يعمل من الورد والعسل. (14)ـ
نسبة إلى ركاب وهي الإبل أي ذي راحلة. (15)ـ
الرسول الذي يسعى بالكتب. (16)ـ
السحج هنا مرض في البطن وهو عند الأطباء وجع انجراد من سطح الأمعاء، والجارد إما
مواد صفراوية أو دموية أو صديدية أو مدّية تنبعث عن نفس المعاء، وهو أقرب إلى ما
ندعوه اليوم انثقاب الأمعاء. (17)ـ
ويقال له "مثرا" اختصاراً معناه المنقذ من ضرر السمِّ، وهو دواء شاع عند
اليونان والعرب، وقد يقابل بينه وبين الترياق ولكل منهما مزايا. انظر شرحه وتركيبه
في: "تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب". لداود الأنطاكي ـ
ص 291. [1]
جميع الحواشي من
المجلة. |