|
||||||
| Updated: Sunday, December 14, 2003 02:21 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
أجوبة
الشيخ الرئيس عن مسائل أبي الريحان البيروني - د.عبد الكريم اليافي توطئة جرت
في تاريخ الفكر العربي الإسلامي الزاخر مراسلات كثيرة بين العلماء والفلاسفة،
ومذاكرات أعربوا فيها عن آرائهم وسجلوا نقاشهم وتجادلهم وذلك على أعلى المستويات
الفكرية، وتشفَّ تلك المذكرات والمراسلات عن غنى ذلك التراث، كما تشفّ عن بروز بعض
المشكلات الحادة في الفلسفة والميتافيزياء والعلوم الطبيعية واللغوية وأمثالها. نذكر
هنا عرضاً رسائل أبي العلاء المعري ولاسيما "رسالة الغفران" إلى ابن
القارح، ورسالة عمر الخيام إلى القاضي أبي نصر عبد الرحيم النسوي تلميذ ابن سينا،
وقد سأله هذا عن حكمة الخالق في خلق العالم، ورسالة ابن عربي إلى فخر الدين
الرازي، ورسائل نصير الدين الطوسي، وصدر الدين القونوي تلميذ ابن عربي، وغيرها
الكثير.... وذلك إلى جانب المعارضات والمساجلات الفكرية في التأليف والفلسفة وفي
أغراض الشعر المختلفة. من
أهم الرسائل المتبادلة بين الفلاسفة والعلماء سلسلة السؤالات والجوابات التي جرت
بين (أبي الريحان البيروني والشيخ الرئيس ابن سينا)، وشارك فيها تلميذ ابن سينا
أبو سعيد أحمد بن علي المعصومي. ولاشك في أن هذه الرسائل من قمم الفكر العربي الإسلامي
العلمي، وهي أيضاً سبيل لتفهم بعض الجوانب من أفكار ذينك العالمين الفيلسوفين
ووسيلة لإيضاح المشكلات الفكرية التي تخالجهما. ومن المعروف أن ابن سينا والبيروني
ألف كلاهما جملة من الأسئلة والأجوبة، ولكنَّ أهمها جميعاً ما ننشره هنا ونقدم بين
يديه بهذه التوطئة. أشار
البيروني إلى هذه المراسلة في كتابه: "الآثار الباقية"، فكتب في صدد
كلامه على حرارة الأشعة: "وقد ذكرت ذلك في موضع آخر أليق به من هذا الكتاب
وخاصة فيما جرى بيني وبين الفتى الفاضل أبي علي الحسين بن عبد الله بن سينا من
المذاكرات في هذا الباب...."(1). وهذه
الفقرة تدلّ على أن تلك المذاكرات حصلت حين كان المفكران البارزان شابين.
كان البيروني (362/973م ـ 443هـ/1051م). أسن من ابن سينا بنحو سبع سنين،
ووفاة البيروني أكثر المؤرخين على أنها في سنة 440هـ. وقد ناقشنا هذا التاريخ
وآثرنا عليه 443هـ(انظر بحثنا: "البيروني العالم"، في أعمال مهرجان
البيروني الذي جرى خلال أسبوع العلم الرابع عشر 2-7 تشرين الثاني ـ 1974م في
دمشق). أول
ما نشرت هذه الرسائل في مجموعة بعنوان "جامع البدائع"، مطبعة السعادة في
مصر سنة (1330هـ-1917م)، ثم نشرها الأستاذ التركي حلمي ضيا أولكن في استانبول 1953
ضمن مجموعة بعنوان "رسائل ابن سينا"، رقم 2، ثم قام بتحقيقها ونشرها مع
مقدمتين إحداهما باللغة الفارسية والثانية بالإنكليزية العالمان الإيرانيان
المعروفان سيد حسين نصر ومهدي محقق عام (1352هـ-1972م). ونحن
نعتمد الطبعات الثلاث ولاسيما الطبعة الإيرانية لأنها أكمل وإن اعتورها جميعاً
التصحيف الذي تلافيناه ما استطعنا. تتضمن هذه الرسائل عشرة سؤالات تتعلق
بكتاب أرسطو "السماء والعالم"، وثماني سؤالات أخرى طرحها أبو ريحان
وأجاب عنها جميعاً ابن سينا واحداً واحداً. ثم اعترض البيروني على جوابات ابن سينا
مناقشاً من الجوابات العشرة الأولى ثمانية ومن الثمانية الثانية سبعة. تمس المسائل
الأولى كتاب أرسطو كما ذكرنا، ولكن الرسائل تشير إلى كتب أرسطو المتعلقة
بالطبيعيات وعرفها العرب وهي كتاب "السماع الطبيعي"، أو "سمع
الكيان"، ويليه كتاب "في السماء"، وسماه العرب كتاب "السماء
والعالم"، إذ أضيف إليه فصول زائدة على الأصل ثم "كتاب
الكون والفساد"، وكذلك "كتاب الآثار العلوية".
وقد وردت الإشارة في الأجوبة إلى كتاب "النفس" وكتاب "الحس"
وكتاب "ماطا فوسيقا"، أي ما وراء الطبيعة، وهي لأرسطو ولكن علاقتها
بالرسائل قليلة. كذلك وردت أسماء كتب قليلة يونانية وإسلامية معروفة يصادفها
القارئ. تتناول
تلك المسائل العشر الأولى القضايا الآتية: 1
ـ نقد البيروني الأسباب التي تقدمها فلسفة أرسطو في إنكار أن يكون للفلك أو
الأجرام السماوية ثقل أو خفة. ذلك أنه يمكن تصور الخفة أو الثقل لتلك الأجرام في
رأي البيروني. ثم
إن أرسطو ذهب إلى أن الحركة المستديرة (الدائرية) للفلك طبيعية له، على حين أن مثل
هذه الحركة في رأي البيروني قد يكون بالقسر أو الإرادة. ولكن الحركة الطبيعية
للأجسام بالذات تكون مستقيمة. وقد
أجاب ابن سينا عن هذا النقد بإيراد الأدلة التي تقدمها الفلسفة الطبيعية المشائية
والتي التزمها هو تماماً في كتابه "الشفاء". هذا
ونحن نعلم اليوم أن الأجرام السماوية ذات ثقل وأنها في مداراتها تخضع لقوى
التجاذب. وكذلك
يفيد مبدأ العطالة أن الأجسام الساكنة تبقى ساكنة مالم تؤثر فيها قوة خارجية وأن
الأجسام المتحركة تبقى متحركة حركة مستقيمة منتظمة مالم تؤثر فيها قوة ما وأن
الحركات المستديرة لابد أن تكون حاصلة من تأثير قوة فيها أي بالإكراه ولها تسارع
محسوب. وقد
جاء الفيلسوف أبو البركات هبة الله بن علي البغدادي المتوفى سنة 547هـ/ بعد ابن
سينا والبيروني فأثبت أيضاً خلافاً لأرسطو أن "الحركة المستديرة المتصلة لا
تكون طبيعية. وكيف تكون وليس شيء من الأوضاع والأيوان (جمع أين) التي يتحرك
المستدير عنه إلا ويتحرك إليه، ولا يكون ما عنه وما إليه بالطبع واحداً، إذ الأول
متروك والثاني مطلوب. فلا يهرب المتحرك بالطبع عن أمر يطلبه بالطبع. والحركات
المستديرة إنما تكون إما من أسباب من خارج وإما عن قوة غير الطبع ولا محرك غير
الطبع من تلقاء الشيء سوى الإرادة. والحركة المستديرة إذا لم تكن من أسباب من خارج
فهي حركة إرادية"، (المعتبر في الحكمة، ج2، ص 105). كتب
الميكانيك مشحونة بدراسة الحركات ومنها الحركة المستديرة فلا حاجة للشرح هنا.
ولكنا نسجل سبق البيروني إلى اعتبارها حاصلة بالإكراه، أي بقوة تؤثر فيها. والحركة
المستديرة ذات تسارع ولما كان لكل ظاهرة طبيعية وحدة قياسية فإننا نقترح أن تسمى
وحدة التسارع أو التعجيل في الفيزياء باسم البيروني. 2
ـ انتقد البيروني تعويل أرسطو المفرط على أقاويل الأقدمين والأحقاب السالفة في
الفلك دون الاعتماد على ملاحظاته الخاصة. وضرب البيروني مثلاً علىذلك أن وصف
الهنود وأمثالهم في الزمن الخالي لا يمكن الاعتمادعليه في القضايا الطبيعية لأن التغير
أمر واقع. أن أشكال الجبال قد تغيرت والحدوث ظاهر في بعضها. وأجاب
ابن سينا بالتفاوت بين الجبال التي تتغير كوناً وفساداً والأجسام السماوية التي لا
يقع ذلك فيها، واتهم البيروني أنه أخذ هذا الاعتراض أما من يحيى النحوي الذي خالف
أرسطو، بعد أن تنصَّر وأما من محمد بن زكريا الرازي الذي كان ينبغي له أن يبقى
طبيباً ولا يعالج القضايا الميتافيزيائية التي ليس ضليعاً فيها. وواضح أن ابن سينا
حريص على الانتصار للمعلِّم الأوّل. 3
ـ ينتقد البيروني رأي أرسطو بأن هنالك ست جهات للمكان بتمثيله على المكعب، لأن
المرء يستطيع أن يتصور أكثر من ستة مكعبات مماسة له حتى تصير جملة المكعبات كلها
مع المكعب الأصلي سبعة وعشرين مكعباً.ويرى أن تلك الجهات الست معدومة في الكرة. ويرد
ابن سينا موضحاً ما عناه أرسطو بالجهات الست وهي التي تحاذي نهايات الأبعاد
الثلاثة للجسم وهي الطول والعرض والعمق.فللمكعب ستة وجوه، وما يحاذي الوجوه الستة
ست جهات. أما الجهات الأخرى التي يتصورها البيروني فهي تلامس الحروف لا الوجوه
ويطبق ذلك على الكرة أيضاً.(2). 4
ـ هاجم البيروني أرسطو في استشناعه القائلين بالجزء الذي لا يتجزأ ودافع عن
المتكلمين المسلمين الذين يثبتونه. وهو يعترف بوجود مصاعب في هذه النظرية ولكنه
يرى أن رأي المشائين الذي يوافقون أرسطو أشنع وأحق بالنقد. ويجيب
ابن سينا أن أرسطو إنما اعتبر المادة قابلة للتجزئة إلا ما لا نهاية بالقوة لا
بالفعل. وبذلك يكون المثل الذي أورده البيروني عن عدم الاحتمال الظاهري لجسم متحرك
أن يدرك جسماً آخر بسبب وجود عدد لا متناه من النقاط عليه أن يجتازها غير صالح في
مشكلة كهذه. إن
هذه القضية هي اتصال المادة وانفصالها وهي ذات تاريخ فلسفي وعلمي طويل. والمثل
الذي ضربه البيروني يذكِّر أغراب زينون الايلي تلميذ بارمنيدس حين أبان الخلف
المنطقي في فكرة الحركة والحركة متصلة. يمثل زينون آخيل ذا القدمين الخفيفتين يلحق
بسلحفاة. فلو كان الطريق متصلاً لوجب أن يشتمل على ما لا نهاية له من النقاط.
ولنفرض أن آخيل يقطع دائماً نصف المسافة الفاصلة بينه وبين السلحفاة وعندئذٍ كلما
وصل إلى النقطة التي كانت بها السلحفاة لزم أن تكون السلحفاة قد قطعت مسافة ما.
وهكذا لا يمكن له منطقياً أن يلحق بها مع أن الواقع بلوغه مكانها. فيا لواقع لا
ينسجم مع المنطق!!. والذين
يريدون أن يطالعوا فكرة الجزء الذي لا يتجزأ في تاريخ الحضارة العربية
الإسلامية يسعهم أن يرجعوا خاصة إلى كتاب "مذهب الذرة عند المسلمين"
لمؤلفه بينيس نقله إلى العربية محمد عبد الهادي أبو ريدة. وقد
بقيت مشكلة انفصال المادة أو اتصالها تشغل أفكار كثير من المفكرين في العصور
الحديثة. يقص مثلاً الفيلسوف الإنكليزي رسل في كتابه "العقل والمادة"،
عند لقائه الفيلسوف اليوغسلافي برانسلاف بترونيفك كيف كان متشوقاً أن يعرف منه قصة
انسحاب الصرب أمام الغزاة الألمان، ولم يرد برانسلاف إلا أن يبسط رأيه في أن عدد
النقاط في المكان محدود.(3). هذا
وقد لخص أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي هذه المشكلة في كتابه
"مفاتيح العلوم" تلخيصاً جيداً أتى منه على رأي المتكلمين وعلى رأي
الفلاسفة فقال: "عند المعتزلة المتكلمين أن الأجسام مؤلفة من أجزاء لا تتجزأ
أو هي الجواهر عندهم والخط عندهم المجتمع من الجواهر طولاً فقط، والسطح ما اجتمع
من الجواهر طولاً وعرضاً فقط، والجسم عندهم المجتمع من الجواهر طولاً وعرضاً
وعمقاً".(ص23). أما التجرؤ عند الفلاسفة فهو "ضربان: ضرب تعليمي أي وهمي
ولا نهاية له لأنه يمكن أن يتوهم أصغر من كل صغير يتوهم، وضرب طبيعي أي مادي وله
نهاية، لأن المتجزئ من الأجسام يتناهى بالفعل إلى صغير هو أصغر شيء في الطبع وهو
لطف عن إدراك الحسّ إياه".(ص138). كان
العلماء قبل كشف بنية الذرة يعتبرون عدد العناصر التي في الطبيعة 92 عنصراً، حسب
التصنيف الدوري أو تصنيف مندلييف ويعتبرون الذرة في كل عنصر أصغر جزء منه وأن هذه
الذرة لا تتجزأ ثم كشفوا في الذرة الكهرب (الكترون) والاويل (بروتون) والأديشم
(نيوترون) فحسبوا أنهم أحاطوا بأجزاء المادة القصوى. ثم كشفوا جسيمات دقيقة أخرى
متعددة كالميزون والباريون والهادرون ولكن قلة ثبوت بعضها جعلهم يتجافون عن كل
اعتبار تقريري حاسم في هذا الموضوع. إن
بعض الجسيمات دقيق جداً قد بلغ الغاية في الدقة بحيث لا يستطيع العلماء تبين
علاقات بعضها ببعض تبيناً تاماً. وقد نشأت اعتبارات علمية حديثة تعتبر الهادرون
صيغاً ناشئة من ثلاثة أنماط من الجسيمات دعوها "كوارك" ويتساءل الباحثون
أجسيمات في الواقع تلك أم اعتبارات رياضية صرف. وكذلك
الأمر في طبيعة النور، فبعد أن راجت النظريات الكهرطيسية للعالم مكسويل ظهرت آثار
في النور تدل على صفة جسيمية له دعي أدق جسيم فيه سنيَّة(4)، (فوتون) أي أن النور
ذو بنية منفصلة. كالمادة. ثم قرن الكهرب بموج كما قرنت السنيَّة بموج وكلا
المَوْجَيْنِ ذو تعبير رياضي صرف. ولجلاء
الموقف الفكري المعاصر هذا الذي لخصناه في العلم والفلسفة حول الانفصال والاتصال
نرجع القارئ الكريم إلى كتابينا "الفيزياء الحديثة والفلسفة"،
و"تقديم العلم"، حيث شرحنا فكرة الانفصال التي ظهرت حديثاً في المادة
(قانون النسب المحدودة وقانون النسب المضاعفة وفرضية أفوغادرو والنظرية الحركية
للغازات)، وفي الكهرباء (تجربة ميلكان والأشعة المهبطية تشفان عن وجود الكهرب
(الإلكترون)، وفي الطاقة (نظرية بلنك)، وفي الضوء (الظاهرة الكهرضوئية والأثركمتون
والأثررامان) كل ذلك يفضي إلى الانفصال في هذه الظواهر. كما
عقدنا فصلاً في كل من الكتابين أنفسهما عن نظريات الجزء الذي لا يتجزأ فيه بيّنا مختلف المذاهب الفكرية في هذا الشأن وأصولها
التي نجمت منها. وكذلك أظهر العالم النمساوي شرودنغر مصاعب المتصل في
كتابه الموجز "العلم والثقافة الإنسانية"، وقد نقلناه منذ
حين إلى العربية. ذلك أنه يمكن في المتصل أو المتجزئ إلا ما لا نهاية أن
يساوي الجزء الكل كما يمكن أن يساوى ضلع المربع قطرة كما جاء في هذه الرسائل على
حد اعتراض البيروني مادام كل منها يتجزأ إلى ما لا نهاية. وفي كتاب شرودنغر برهان
رياضي طريف على إمكان هذا التساوي. ولكن العلم الحديث بعد هذا الاتجاه الانفصالي اضطر في
نظرية الميكانيك الموجبة للويس دوبرولي وفي نظرية الكم الجديدة لهيزنبرغ أن يبقي
فكرة الاتصال أيضاً بسبب الموج المقرون بالكهرب والموج المقرون بحبة النور وهي
التي دعوناها السَّنَيَّة كما سلف بحيث نجد العلم يرجع إلى حدس البيروني وهو أن
الاقتصار على أحد الوجهين المتصل والمنفصل ذو مشكلات. أما الجمع بينهما فقد دُعيَ
في العصر الحاضر بالتتاميَّة وهي ضرب من الجدل العلمي الحديث. وقد فصلنا ذلك وغيره
في كتابينا الآنفين. 5 ـ انتقد البيروني رفض المشائين لاحتمال وجود عوالم
أخرى مختلفة تماماً عن عالمنا الذي نعرفه. إن تلك العوالم لا نعرفها لعدم استطاعة
حواسنا الكشف عنها كالذي ولد أعمى لا يستطيع أن يفهم معنى الرؤية لو لم يسمع من
الناس ذكر البصر. يقبل ابن سينا احتمال وجود عوالم أخرى تختلف عن
عالمنا. ولكنه يدافع عن رأي أرسطو بأنه لا يمكن أن يوجد عالم آخر مثل هذا العالم
له عناصره وطبيعته أنفسها. 6 ـ إن الاعتراض الذي ذكره أرسطو وردده شراحه أنه لو
كانت حركة الفلك إهليلجية على شكل بيضي أو عدسي ولم تكن كرية للزم أن يكون هنالك
خلاء في دورانها. وقد رفض البيروني هذا الاعتراض. إن الشكل البيضي متولد عن دوران
القطع الناقص على محوره الكبير، والشكل العدسي متولد عن دوران القطع الناقص على
محوره الصغير. ودورانهما كدوران الكرة لا حاجة فيه إلى الخلاء إن كنا نمنع وجود
الخلاء ونعتبره باطلاً. ويرى البيروني احتمال أن تكون حركة السماء كرية، ولكنه
يعجب للبراهين التي يقدمها أرسطو ليرفض أن يكون للفلك حركة بيضية أو عدسية. يثني ابن سينا على البيروني حين يجيب عن هذا السؤال
ويجد نفسه محرجاً إزاء تمجيد شراح أرسطو لرأي الفيلسوف الاسطاغيري. هذا ونجد البيروني في كتبه ينتهي إلى فرضين متكافئين
حركة الأرض حول الشمس وحركة الشمس حول الأرض وهو يعتمد الفرض الثاني لمجرد سهولة
الحساب عنده وهذا بالإضافة إلى حركة الأرض حول نفسها، وبالتالي حركة كرة الفلك
كلها التي يجيز البيروني أن تكون ناقصية (نسبة إلى القطع الناقص). وفي العصر الحاضر ماز العلماء للأرض حركات كثيرة أهمها
دورانها حول محورها ومنه منشأ الليل والنهار ودورانها حول الشمس بحسب نظرية كوبر
نيقوس الذي ظهر أنه تأثر بكتب العرب التي ترجمت إلى اللاتينية ولاسيما كتاب جابر
بن أفلح الذي أصلح فيه كتاب المجسطي لبطليموس كما تأثر بزيج الزرقاني إلى جانب
كتاب البتاني. وقد نقل كوبر نيقوس من زيج الزرقاني أشياء متعددة دون أن يذكر
المصدر، هذا ومن المعروف أن دوران الأرض حول الشمس يتم بشكل قطع ناقص وتلخصه
قوانين كبلر المعروفة في كتب الفلك ويبدو أن كبلر نفسه قد تأثر بالكتب العربية. وللفائدة نذكِّر هنا أن الشمس تقع في أحد محرقي قطع
الناقص الذي تدور عليه الأرض. نسبة البعد بين محرقيه أو بؤرتيه إلى طول محوره
الكبير تساوي (0.01673) وهذا يدل على أنه مفلطح قليلاً فلو كان المدار دائرياً
لكانت النسبة صفراً. وهذه النسبة تدعى الاختلاف المركزي.ونصف محوره الكبير يعادل
(149598600)كم، ويعتبر هذا الرقم وحدة فلكية للأبعاد وأقرب ماتكون الأرض من الشمس
في 2/كانون الثاني/ يكون بعدها عندئذ (147100000)كم، وأبعد ماتكون حول
2/تموز/(152100000)كم. ثم إن محور دوران الأرض يقطع سطحها في القطبين
ولكن هذا المحور ليس ثابتاً، بل يختلج ضمن مربع طول ضلعه عشرون متراً. هذا ويساور
دوران الأرض محورها تباطؤ ضئيل جداً ولكنه محسوب. 7 ـ ينتقد البيروني تأكيد أرسطو أن الحركة تبدأ من
اليمين حتى إذا تكلم على السماء ذكر حركتها من الشرق. ويستتبع هذا أن الشرق هو
اليمين وأن اليمين هو الشرق ويفضي ذلك إلى الدور أو الحلقة المفرغة. ويجيب ابن سينا مدافعاً عن رأي أرسطو أن الفيلسوف أراد
أن يبيِّن أن الشرق أصل حركة السماء وهو أيضاً يمين السماء فلا دور. 8 ـ يلتفت البيروني نحو مسألة فيزيائية أرضية فيعرض أنه
ما دامت حركة الفلك تولد الحرارة ومادام يلزم أن يكون تولد الحرارة في خط الاستواء
أكثر من تولدها في القطبين فكيف يعتبر أرسطو عنصر النار ذاً شكل كرِّيّ. يذكِّر ابن سينا البيروني أن أرسطو على خلاف من تبعه
يعتبر النار عنصراً مستقلاً كالعناصر الثلاثة الأخرى وأنه لا ينجم عن الحرارة التي
تولدها حركة الفلك. 9 ـ يسأل البيروني إذا كان من طبيعة الحرارة أن تصعد
فكيف يتسنى لحرارة الشمس أن تصل إلينا وكذلك يسأل ما الشعاعات أهي أجسام أم أعراض
أم غير ذلك!؟... ويجيب ابن سينا أن الحرارة لا تصعد ولا تهبط لأنها غير
متحركة إلاَّ أن ينقلها ناقل كأن تكون في جسم متحرك كما قد يوجد إنسان ساكن في
سفينة متحركة، وهي ناجمة من انعكاس الضوء والشعاعات. ثم إن الشعاع ليس جسماً لأنه
لو كان جسماً لَوُجِدَ جسمان في مكان واحد يعني الهواء والشعاع، وإنما هو صفة
الجسم الشفاف أو المشف. هذا وقد صنف العلماء العرب الحرارة أصنافاً ولنذكر
كلامهم لزيادة الإيضاح فهي عندهم "إما عنصرية وهي المحسوسة في جرم
النار، وأما فلكية وهي المحسوسة من تأثير الشمس وإما غريزية واختلف فيها فذهب
جالينوس إلى أنها العنصرية وذهب ابن أبي صادق (5)، إلى أنها كيفية الروح وذهب
أرسطو إلى أنها كيفية تفاض على البدن كما تفاض النفس وهذا هو المذهب الحق وبعضهم
يسميها بالحرارة السماوية وقال أبو البركات: الحرارة الغريزية حرارة مناسبة
للحياة، وأفعالها تقوى بقوتها وتضعف بضعفها وتقصر في الشيخ وتزاد في الشباب ولا
تفسد ولا تؤذي البتة انتهى، وإما غريبة وهي المتولدة فينا عن أغذيتنا وهي المعفنة
لرطوباتنا الغريزية، وإما حرارة أخرى وهي المستفادة من الحركة". (قاموس الأطبا وناموس الألبا للقوصوني المصري). والحرارة التي كانت موضوع النقاش بين العالمين
الفيلسوفين هي الفلكية كما يبدو من السؤال والجواب. وقد عرض البيروني للموضوع نفسه في كتابه "الآثار
الباقية"، فرفض الرأي الذي يذهب إلى أن الحرارة ناجمة من انعكاس الشعاع
ونبَّه إلى أنها في الشعاع نفسه: "وقد قيل في سبب الحرارة الموجودة مع شعاع
الشمس أنه احتداد زوايا انعكاسه وليس ذلك كذلك بل هو موجود معه". (ص256 طبعة ليبزيغ عام 1878). ومن المعلوم في الوقت الحاضر أن الحرارة ضرب من ضروب الطاقة
المتعددة بل هي أخسَّ ضروبها وأن انتقالها يكون بأحد السبل الثلاثة إما إشعاعاً
كإشعاع الشمس وإما نقلاً كما تفعل المعادن وإما حملاً كما في غليان الماء وسخونة
الهواء. وأن الضوء أو الشعاع يتألف من جسيمات هي السُنيَّات على
حد تعبيرنا (مصغر سنا ثم تأنيثه أو فوتون) مقرونة بأمواج يدخل في معادلاتها أرقام
تخييلية (انظر كتبينا الآنفين). هذا وقد انتبه البيروني لسرعة الضوء فذكر من قال أن
حركة الشعاع تقع "بزمان سريع لكنه ليس شيء أسرع منها فيحسّ السرعة به كما أن
حركة القرع الصوتي في الهواء كانت أثقل من حركة الشعاع فقيس إليه وعرف به
زمانه(6)، (المصدر نفسه، ص 256)، ومن المعروف أن سرعة الضوء في الخلاء ثلاثمائة
ألف كم في الثانية. 10 ـ يسأل البيروني عن طبيعة استحالات الأجسام أي
تحويلها من شكل إلى شكل أهي تداخل وامتزاج أم غير ذلك؟.. كالماء مثلاً إذا تبخر
أيصير هواء أم تتفرق أجزاؤه حتى تغيب عن إدراك البصر؟... ويجيب ابن سينا بالجواب المشائي المعهود وهو أن
التغيُّر يتمّ بخلع الجسم صورته وملابسته صورة أخرى وذلك عن طريق قبول الهيولى
ثورة ثانية. وقد أشار ابن سينا إلى استحالة كل من العناصر الأربعة
إلى غيره في كتاب "الإشارات"، فبعد أن ذكر أمثلة عليها استخرج حكماً
فقال:"فهذه الأربعة قابلة للاستحالة بعضها إلى بعض فلها هيولى مشتركة"،
(ج2،ص298، تحقيق سليمان دنيا). وموقف العلم من هذا معروف وقد تفيد التذكرة ذلك أن
الأجسام توجد في الأحوال الثلاث: صلبة، أو جامدة، وسائلة وغازية، وهي تستحيل من
حال إلى حال محافظة على طبيعتها وتركيبها. يسيل الجامد بالحرارة وبدرجة ما من
الضغط إما فوراً كالجليد والرصاص والفسفور وإما شيئاً فشيئاً فيستحيل إلى شكل
عجيني لزج كالشمع والزجاج والحديد ثم يسيل وبالعكس إذا جمد السائل انقلب إلى شكل
عجيني ثم جمد أو جمد فوراً. ثم تحصل الاستحالة إلى غاز بالتبخر وهو حاصل في كل
درجة من درجات الحرارة، وبالغليان فينقلب السائل انقلاباً سريعاً إلى
بخار، وبالتحبحب حين يصب السائل على سطح حار جداً فيؤلف السائل كريَّاتٍ صغيرة
موّارة لا تكاد تمسّ السطح الحار. ولكل ذلك بحوث واسعة في الفيزياء. وقد نوّه
المفكر الفرنسي بشلار بالحالة الذرورية لبعض خواصها وأشرنا إلى ذلك في كتابنا
"تقدم العلم"، علماً أن العلماء يعدونها في الحالة الصلبة. وفي الفيزياء الحديثة وجدت في العصر الحاضر حال رابعة
هي ما يدعي "البلاسما" أو المصورة وهو اسم مشترك بين هذه الحال
ومصورة الدم. وهي هنا غاز مائع في درجة عالية من الحرارة تتألف من شوارد موجبة
وكهارب سالبة ولكنها في جملتها معتدلة. وتعتبر الشمس كتلة ضخمة من البلاسما. إن الغاز إذا حصل فيه انفراغ شحنة كهربائية تشرد بعض
جزيئاته إلى شوارد أو أيونات موجبة وإلى كهارب. نرمز بحرف ن إلى عدد الجزئيات
المعتدلة من هذا الغاز في واحدة الحجم وبحرف ن إلى الجزئيات المتشردة فدرجة التأين
أو التشرد
حتى إذا تشردت جزيئات الغاز كلها كان
وألَّف الغاز عندئذٍ ما يدعى "البلاسما". هذا
في أصل التعبير. ولكن العلماء غالباً ما يطلقون لفظ البلاسما على كل غاز متشرد. هذا وقد يتحول الجسم الصلب أو الجامد إلى بخار أو
غاز دون المرور بحال السيولة فيدعى ذلك بالتصعيد. ولما انتهى البيروني من طرح هذه المسائل العشر التي هي
اعتراضات على كتاب أرسطو عمد إلى طرح ثماني مسائل وضعها هو نفسه تتعلق بعلم
الطبيعة وهي: 1 ـ إذا ملئت زجاجة مدورة كالكرة ماء صافياً قامت مقام
ما ندعوه اليوم بالعدسة فجمعت الأشعة التي تجتازها في بؤرة لها يمكن أن يتمَّ فيها
حادثة الإحراق. أما إذا خلت من الماء وامتلأت بالهواء فلم تحرق ولم تتجمع الأشعة
التي تجتازها. فكيف نفسر ذلك مع العلم أن الماء ألصق بالرطوبة؟ ويجيب ابن سينا أن
الماء جسم كثيف صقيل يعكس الضوء (نقول اليوم يكسر الضوء أما العكس فهو حال أخرى
غير هذه في المصطلحات الدارجة)، ويتراكم الضوء بعد اجتيازه في موضع واحد فيحصل
الإحراق ولا يحصل ذلك في الهواء. 2 ـ يرى فريق أن الماء والأرض أي التراب حركتهما
الطبيعية نحو الأسفل، والهواء والنار حركتهما الطبيعية نحو الأعلى. ويرى فريق آخر
أن جميع هذه العناصر تتحرك نحو الأسفل. فما الرأي الصحيح؟ ويرى ابن سينا الرأي
الأول ويدافع عنه. 3 ـ كيف تتم الرؤية وكيف نبصر ما يكون تحت الماء مع أن
الماء جسم صقيل والنور ينعكس عن الأجسام الصقيلة؟... يرجع
ابن سينا السائل إلى رأي أفلاطون ورأي أرسطو في الرؤية ثم إلى رأي الفارابي الذي
يوفق بينهما، ثم يقرر أن الرؤية عند أرسطو تحصل حين تتأثر العين بصفات الألوان
المرئية التي يتضمنها الهواء الملامس. وفي هذا الرأي لاتوجد عنده مشكلة للرؤية لأن
الماء والهواء جسمان مشفان تجتازهما الألوان إلى حاسة البصر فتصبح الرؤية ممكنة. 4 ـ لِمَ كان ربع الكرة الأرضية من نصفها الشمالي
معموراً والباقي وهو الربع الخالي الشمالي والنصف الجنوبي يكاد يكون خالياً مع أن
أحكامها جميعاً واحدة؟ يرى ابن سينا أن أسباب المنع هي في الأصل إما شدة الحر
وإما شدة البرد وإما وجود البحار. أما الأسباب الرئيسية فيجب أن تأتي من علماء
الرياضة الفارهين ومن بينهم البيروني نفسه الذي طرح السؤال. 5 ـ نأخذ مربعاً ونقسمه أربعة مربعات. يسأل البيروني
كيف يمكن لمربعين منها متقابلين أن يكونا متماسين؟ يجيب ابن سينا إجابة طويلة موضحاً أن الخط له طول فقط
وليس له عرض وأن السطح له طول وعرض وليس له عمق. لذلك لا يمكن أن يكون مربعان
متقابلان متماسين أو متصلين بل تجتمع السطوح في نقطة واحدة هي نهاية خطوط ثلاثة. 6 ـ إذا كان لا يوجد خلاء داخل العالم ولا خارجه فلم
إذا مصصنا قارورة وقلبناها داخل الماء صعد الماء فيها؟ يجيب ابن سينا بأن هذا لا يرجع إلى وجود الخلاء بل إن
قسماً من الهواء الباقي في القارورة يتقلص لبرودة الماء فيسبب صعود الماء داخل
القارورة. 7 ـ إذا كانت الأشياء تنبسط أي تتمدد بالحرارة
وتنقبض أي تتقلص بالبرودة فلم تنصدع القوارير إذا جمد الماء فيها؟ يرى ابن سينا أن الانقباض يستدعي خلاء ما ولما كان
الخلاء محالاً انصدع الإناء. هذا ومن المعروف الآن أن الماء الصافي يبلغ كثافته
الدنيا في الدرجة /4/سانتغراد فإذا هبطت برودته عن هذه الدرجة ازداد حجمه، وكذلك
إذا سخن وزادت حرارته على 4 انبسط وتمدد. فانصدع الإناء من ازدياد الحجم بالتجمد.
ومن الطريف اعتراض أبي الريحان على جواب ابن سينا إذ لو كان السبب في الانصداع
الخوف من الخلاء للزم أن يكون الانصداع إلى الداخل ولكن الأمر على خلافه وهو أن
الانصداع يقع في الخارج. 8 ـ لم يطفو الجمد أو الجليد على الماء مع أنه أجزاء
صلبة (أرضية)، وهي اكثر صلابة من الماء وينبغي أن يكون لذلك أثقل منه؟ يجيب
ابن سينا أن الماء حين يجمد تنحصر فيه أجزاء هوائية تمنعه من الرسوب إلى أسفل. إن
هذا السؤال متعلق فوراً بسابقه وذلك لأن الكثافة تنقص والحجم يزداد فيطفو
الجمد على الماء حسب دافعة أرخميدس. هذا
وجواب ابن سينا وإن لم يكن كافياً ذو نصيب ما من الصحة، وهو أن الهواء المنحل في
الماء إذا جمد الماء يعطي فقاعات أو حباباً هوائياً ينحصر فيه. وإذا سخن الجمد أو
نفذ إليه شعاع شمسي سكنته حبات ماء سائل يقال له باللغة العربية سيعٌ تقع في قاعدة
البلورة الجامدة. فإذا برد الجمد مرة جديدة هاجر السيع المتولد في الشقوق الدقيقة
نحو الجانب الذي هو أقل برودة على حين بخاره وقد انعزل في الجليد يأخذ شكل
نجم ثلجي. هذا والهواء المنحل في الماء السائل أغنى بالأوكسجين وبالغازات النادرة
وبغاز الفحم من هواء الجو(7). ولم
يقف الجدال عند هذا الحدّ. فلما تلقَّى البيروني جوابات ابن سينا أعد اعتراضات على
جوابات المجموعة الأولى العشرة ماعدا السادس والثامن وعلى جوابات سبعة من المجموعة
الثانية هي اعتراضات موجزة تظهر عدم رضاه عن جوابات ابن سينا كما ذكرنا
آنفاً. ويبدو
أن ابن سينا ضاق ذرعاً فكلَّفَ تلميذه أبا سعيد المعصومي أن يجيب عنه باعتماد
الفلسفة الطبيعية المشائية. والخلاصة
أن هذه المناقشات ذات مكانة في تاريخ العلوم لأنها تجلو بعض القضايا الفكرية التي
كانت موضوع تأمل العلماء والفلاسفة في الطبيعة وفي غيرها. إن
آراء أرسطو مع شروحها ومع بعض عناصر الأفلاطونية الحديثة كانت شائعة عند كثير من
فلاسفة العرب والمسلمين وعلمائهم وهي ما يطلق عليه لفظ الفلسفة المشَّائية
التي كان ابن سينا أكبر ممثليها، وإن تجاوزها في بعض الأحيان. ولكن كانت هنالك
تيارات فكرية أخرى تنأى عن التقليد وتناهض الاتجاه الأرسطي وتعتمد إلى ثقافتها
الواسعة المختلفة على الاستقلال في التفكير العلمي ومن أبرز ممثليها أبو الريحان
البيروني. إن
الفلسفة اليونانية ومنها فلسفة أرسطو وشراحه كانت من جملة العناصر التي ازدهرت في
الحضارة العربية الإسلامية. بَيْدَ أن هذه الحضارة من أهم خصائصها الإبداع في
مختلف الجوانب المادية والفكرية إذ كانت تقصد إلى تحرير الإنسان وتحكيم
العقل واعتماد المشاهدة والتجربة وتزكية الروح إلى جانب الاطلاع على التراث
الإنساني هندياً وسريانياً وقبطياً وفارسياً ويونانياً وحفظه ومناقشته. وقد
نوّه ابن خلدون بتلقف المسلمين لترجمات الكتب اليونانية وتجاوزهم لها فكتب:
"وعكف عليها النظَّار من أهل الإسلام وحذقوا في فنونها وانتهت إلى الغاية
أنظارهم فيها، وخالفوا كثيراً من آراء المعلم الأول واختصوا بالرد والقبول لوقوف
الشهرة عنده، ودوّنوا في ذلك الدواوين وأربوا على من تقدمهم في هذه العلوم. ومن
أكابرهم في الملَّة أبو نصر الفارابي وأبو علي بن سينا بالمشرق والقاضي أبو الوليد
بن رشد والوزير أبو بكر بن الصائغ بالأندلس إلى آخرين بلغوا الغاية في هذه العلوم
(المقدمة تحقيق علي عبد الواحد وافي ج/3، ص 1090). هذا
وإن ابن سينا الذي ذكرنا أنه أبرز من مثل الفلسفة المشائية لم يقف عندها بل
تجاوزها في كثير من النقاط وإن بقي معجباً بها. وقد كتب ابن خلدون في هذا الشأن:
"وكتب أرسطو فيه (في علم الطبيعيات) موجودة بين أيدي الناس ترجمت مع ما ترجم
من علوم الفلسفة أيام المأمون وألَّف الناس على حذوها. وأوعب من ألَّف في ذلك ابن
سينا في كتاب الشفاء جمع فيه العلوم السبعة (8)، للفلاسفة كما قدمنا، ثم لخَّصه
في كتاب النجاة وفي كتاب الإشارات وكأنه يخالف أرسطو في كثير من مسائلها
ويقول برأيه فيها. وأما ابن رشد فلخَّص كتب أرسطو وشرحها متبعاً له غير
مخالف. وألَّف الناس في ذلك كثيراً."(المصدر السالف ص 1108). هذا
وقد رأينا كيف يثني ابن سينا على البيروني في نقده شكل حركة الفلك وليس البيروني
وحده هو الذي تناول آراء أرسطو بالنقد وثار عليها بل ثمّة مفكرون متعددون أولو
اتجاهات متفاواتة. لقد ذكرنا آنفاً أبا البركات البغدادي في كتابه
"المعتبر في الحكمة"، ولابد من أن نشير هنا عرضاً إلى الغزالي والسهروردي
والقطب الشيرازي والنخجواني وابن تيمية وابن الهيثم، وغيرهم. إن
مناظرة البيروني لابن سينا كان لها وقع متفاوت لدى جماعات المفكرين والعلماء
إذ ذاك. كان
أبو الفرج بن الطيب معاصراً لابن سينا وكان فيلسوفاً وطبيباً من حكماء بغداد. وكان
ابن سينا "يذمه ويهجن تصانيفه"(10). وقد كتب مقالة في الرد عليه جاء
فيها: "إنه كان يقع إلينا كتب يعملها الشيخ أبو الفرج بن الطيب في الطب
ونجدها صحيحة مرضية خلاف تصانيفه التي في المنطق والطبيعيات وما يجري معها".
وقد كتب ظهير الدين البيهقي في "تتمة صوان الحكمة"، يظهر شماتة أبي الفرج
بابن سينا بعد مناظرة البيروني له إذ جاء فيه: "وقد
بعث أبو الريحان مسائل إلى أبي علي فأجاب عنها أبو علي واعترض أبو الريحان على
أجوبة أبي علي وهجَّنَّه وهجَّن كلامه وأذاقه مرارة التهجين وخاطب أبا علي بما لا
يخاطب به العوامّ فضلاً عن الحكماء فلما تأمل أبو الفرج الأسئلة والأجوبة قال:
"من نجل الناس نجلوه(11)، ناب عني أبو ريحان (12)، ويقول
البيهقي في هذا الشأن مندداً بالطعن والتجريح: "وليس الذم والتثريب
والتهجين من دأب الحكماء المبرزين بل تقرير الحق ومن قرر الحق استغنى عن تهجين أهل
الباطل.".(13). ويقول
البيهقي نفسه في ترجمة البيروني منوهاً بشأن ابن سينا "وله مناظرات مع أبي
علي ولم يكن الخوض في بحار المعقولات من شأنه، وكل ميسر لما خلق له"(14).وهذا
الحكم نفسه ورد بالألفاظ أنفسها في كتاب "نزهة الأرواح وروضة الأفراح في
تاريخ الحكماء والفلاسفة"، لمحمد بن محمود الشهرزوري.(15). هذا
والذي نراه أن ابن سينا بعد اطلاعه الواسع على فلسفة اليونان ولاسيما فلسفة
المشائين وتعصبه لها وإفاضته فيها شعر بما يتخللها من هنوات ويداخلها من هفوات
فحاول أن يتلافى ذلك أو يتجاوزه ويتغافل عنه. وكأنه يعتذر من تغافله السالف. وقد
أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه "منطق المشرقيين قائلاً: "وبعد فقد نزعت
الهمة بنا إلى أن نجمع كلاماً فيما اختلف أهل البحث فيه لا نلتفت فيه لَفْتَ عصبية
أو هوى أو عادة أو ألف ولا نبالي من مفارقة تظهر منا لما ألفه متعلمو اليونان
الفاً عن غفلة وقلة فيهم ولمَّا سَمِعَ منا في كتب ألفناها للعاميين من المتفلسفة
المشغوفين بالمشائين الظانين أن الله لم يهد إلا إياهم ولم يُنل رحمته سواهم، مع
اعتراف منا بفضل أفضل سلفهم (يعني أرسطو) في تنبهه لما نام عنه ذووه وأستاذوه وفي
تمييزه أقسام العلوم بعضها عن بعض وفي ترتيبه العلوم خيراً مما رتبوه وفي إدراكه
الحق في كثير من الأشياء...."، ثم يقول: "ولما كان المشتغلون بالعلم
شديدي الاعتزاء إلى المشائين من اليونان كرهنا شق العصا ومخالفة الجمهور فانحزنا
إليهم وتعصبنا للمشائين إذ كانوا أولى فرقهم بالتعصب لهم وأكملنا ما أرادوه وقصروا
فيه ولم يبلغوا منه وأغضينا عمّا تخبطوا فيه وجعلنا له وجهاً ومخرجاً ونحن بدخلته
شاعرون وعلى ظله واقفون. فإن جاهرنا بمخالفتهم ففي الشيء الذي لم يكن الصبر عليه.
وأما الكثير فقد غطيناه بأغطية التغافل.". وإذا
كنا قد مهدنا لتلك المناظرة هذا التمهيد الذي تطاول بعض الشيء فلكي نحفز إلى
مطالعة النص نفسه لأن في المطالعة ممارسة لتفهم النصوص القديمة وتعرَّفاً لأساليب
تفكير القدماء وإيراد حججهم وجلاء لبعض النقاط في تاريخ العلم الزاخر الواسع علماً
منا أن التعابير قد تغير بعضها والاعتبارات قد تبدل جلها، على أن الحديث منها
مرتبط ارتباطاً جدلياً بالقديم والطريف متصل اتصالاً منهجياً بالتليد. الحواشي:
(1)ـ
الآثار الباقية طبع ليبزيغ عام 1878 ص 257. (2)ـ
هؤلاء الفلاسفة العلماء في واد والشعراء في واد. يقول البهاء زهير:
وقد
اكتفى ابن الرومي قبله بالجهات الأربع:
هذا
وينزه المسلمون الذات العلية من عشرة أشياء: الجهات الست، والقبل والبعد، والكل
والبعض. وهنا ننتبه كيف جمعوا المكان والزمان أما الكل والبعض فهما مستغرقان في
اللا نهاية التي يتساوى فيها الجزء والكل. (3)ـ
العقل والمادة ـ ترجمة أحمد الشريف مراجعة الدكتور زكي نجيب محمود ص
46. (4)ـ
تصغير سنا ثم الحاق تاء التأنيث بالمصغر وهو من وضعنا. (5)ـ
هو أبو القاسم عبد الرحمن بن علي النيسابوري طبيب بارع من معاصري ابن سينا وممن
يروى أنه قرأ عليه وأخذ عنه انظر ترجمته في عيون الأنباء ص 32. (6)ـ
انتبه قبله الجاحظ لسرعة الضوء وسرعة الصوت (انظر كتاب الحيوان تحقيق عبد
السلام هارون ج4 ص 408، على حين حسب ديكارت مؤسس الفلسفة الحديثة أن ليس
للنور سرعة. (7)ـ
إن الماء لا يجمد مع مادة أخرى كانت ماكانت ما عدا حمض الفلور والامونياك وعندئذٍ
ينشأ ما نستطيع أن ندعوه الجمد المدُوف. ويتجمد
الماء الملح ببطء شديد كان التجمد يتحامى القطرات الملحة. فإذا ذاب وانساع غدا
الماء الذائب أو السيْع ماءً عذباً وهذه إحدى الطرق في تحلية الماء الملح. ونلاحظ
هنا استعمال البيروني لفظ الجمد وهو لفظ عام يطلق على الماء الجامد ويميز العلم
تسعة أشكال له. ومنه الجليد والثلج والبرد والصقيع والضريب والخشف أو الخشيف وغير
ذلك ويتبع شكل الجمد مقدار الضغط الواقع عليه أيضاً. وإنما ذكرنا هذه الألفاظ
لبيان سعة اللغة واستطاعتها تلقي المصطلحات الحديثة التي نترك اختيار
مقابلها للباحثين المشتغلين في هذا المجال. (8)ـ
هي المنطق والطبيعيات والإلهيات والتعاليم التي هي أربعة: الهندسة
والارتماطيقي والموسيقى والهيئة. (9)ـ
المصدر السابق، ص 1108. (10)ـ
تتمة صوان الحكمة للبيهقي ص 27 طبع لاهور سنة 1351هـ. (11)ـ
نجل: خاصم وشار. (12)ـ
المصدر نفسه، ص 29-30. (13)ـ
المصدر نفسه، ص29. (14)ـ
المصدر نفسه، ص 62-63. (15)ـ
طبع حيدر أباد الدكن ج2، ص 86. هذا ونصوص الجزء الثاني من هذا الكتاب تماثل
متن تتمة صوان الحكمة. ماعدا عشرين ترجمة انفرد بها نزهة الأرواح زيادة على تتمة
صوان الحكمة. والبيهقي متوفى سنة 565 هـ والشهرزوري متوفى سنة 687هـ. والتماثل
راجع في رأينا إلى أن المؤلفين كانا يأخذان عن مرجع واحد. وقد قيل إن كتاب نزهة
الأرواح مأخوذة من كتاب "مختار الحكم"، لأبي الوفاء مبشر بن فاتك. وقد
اعتمد المؤلفون القدماء على النسخ والوراقة وربما جمعوا بعض المواد لأنفسهم ليرجعوا
إليها عند الحاجة وزادوا عليها فنسبت جميعاً إليهم. وليس الظن بهم أنهم كانوا
ينتحلون أعمال غيرهم. هذا
وكتاب تتمة صوان الحكمة. عني بنشره وتحقيقه محمد كرد علي عام 1365هـ بعنوان تاريخ
حكماء الإسلام، وهو من مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق. وقد بدل اسم المجمع
العلمي فأصبح في الوقت الحاضر يدعى مجمع اللغة العربية بدمشق. |