مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 102 السنة السادسة والعشرون - نيسان 2006 - ربيع الثاني 1427
Updated: Monday, November 06, 2006 10:54 AM
فهرس العدد
 

ومن الغار يخرج بفنية عالية، تدل على حسن الالتفات، ومن لدغة الأفعى يستحضر الشاعر أهم جبلين في المكان، وكأنه يرى فيها لزوم ما يلزم للتغني بذكر جزئيات المكان الكبير (مكة)، والتي تمثلت بجبلي رضوى وثبير:

ليت شعري: أصبتَ حيّة وادٍ

 

تنفث السُمّ، أم أصبت حريرا([1])

نفثت سمّها فما هزّ رضوىً

 

من وقار، ولا استخفّ ثبيرا

وكما عرض الشاعر لشواهد ثابتة، ومعالم قائمة، تعرّض وهو في سياق التسلسل التاريخي للهجرة العظيمة إلى شواهد متحركة ـ طارئة، ترك للمخيلة تحديد مكانها في تساوق السرد التاريخي للحدث، فأوجد خلال إدرار الشاة بعد جفاف ويأس، وترميزاً للفقر ولقحط والإدقاع:

ما حديث لأم معبد تستسـ

 

ـقيه ظمأى النفوس عذباً نميراً

سائل الشاةَ كيف درَّت وكانت

 

كزّة الضّرع لا ترجى الدرورا

وتكون المحطة الأولى في (قباء)، والبدء في بناء المسجد، والشخوص الصحب الذين ساهموا في بنائه:

يا حياة النفوس، جئت قباءً

 

جيئة الروح تبعث المقبورا

ارفع المسجدَ المباركَ، واصنع

 

للبرايا صنيعك المشكورا

وبعد سرد وتفصيل حملته قواف مختلفة، وأبحرٌ خليلية، يصل في الصفحة /279/ إلى وقعة الفتح الأعظم، وفي تفاصيل الوقعة، وضمن خطط عسكرية محكمة، نتبين مواقع أمكنة السرايا، والألوية، والكراديس، وعلى رأس كل منها شخص من القادة، عقد له الرسول الراية؛ إذ جعل e لواء المهاجرين مع الزبير بن العوام وأمره أن يدخل مكة من (كداء)، وأن يركز رايته بـ (الحجون)، وبعث خالد بن الوليد في كتائب من قضاعة وبعض القبائل الأخرى، وأمره أن يدخل من أسفل مكة... ولما اشتد القتال على الخصوم، صاح حكيم بن حزام، وأبو سفيان: يا معشر قريش من دخل داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن... وهكذا دخل المسلمون مكة منتصرين:

ديار مكة هذا خالد دلفا

 

فما احتيالك بالطود الذي رجفا

ديار مكة أمّا من يسالمه

 

فلا أذى يتّقي منه ولا جنفا

تلك الوصية ما يرضى بها بدلاً

 

ولا يرى دونها معدى ومنصرفا

...هذا الزبير تراءى في كتائبه

 

كالسيل لا تمسك الأسداد ما جرفا

يلقى كداء به والخيل راكضة

 

ما قال حسان من قبلي وما ازدهفا

ونتعرف من خلال هذا المسرد الشعري على المحصّب وهو خيْف بني كنانة وهو الذي تحالفت فيه قريش وكنانة على مقاطعة بني هاشم وبني عبد المطلب حتى يسلموا النبي إليهم، وقد فتحت مكة، ونزل فيه الرسول لإثبات قوة الحق:

خذ المحصَّب إن وافيته نزلاً

 

واذكر به ذلك الميثاقَ والحُلَفا

أما الشاعر الذبياني([2]) في ملحمته الشعرية ـ التاريخية: (محمد، النبي العربي) فيبدأ بوصف مكة ويستقي صورها من روحه، وإيمانه بقدسيتها، ويحث المأزومين على زيارتها، لتطهير أنفسهم، وتنقية أرواحهم، لأنها المكان الآمن، وموطن الأمين، والارتباط الروحي بالتاريخ من خلال تملي معنى الأرض؛ ويورد بتبادلية فنية عالية، رموزاً يرى فيها علاج الروح من أدرانها، لأنها أصل المعنى، والوصول إلى الأصل يؤدي إلى الطمأنينة والسلام:

في مكة واحة الصحراء حيث بها

 

تندى العيون ويبدو تربها عَشِبُ

وحيثما تسكن الدنيا على أمل

 

زاه، يحنّ إليه الفرد والسربُ

في كل جاذبة سدّ تلوذ به

 

إن جار طقس، ربوعٌ حلوة هضب

...والمبرع الضاحكُ الزاهي الظليل حمى

 

تندى طبيعته خيراً وتحتلبُ

يرتاح في ركبه الركبان من شظفٍ

 

ويُشبع الجوع والجوعى به حلَبُ

ينساب في أمنه في كل ناحيةً

 

دربٌ، ويكثر فيه الأخذ والطلبُ

هذا إلى القدس والثاني إلى يمن

 

وذا لجدة والأقوام إن ذهبوا

فهو إذاً يصوّر طبيعتها، مياهها، نخيلها، أيكها، طرقها، وديانها، خيراتها، تجارتها، رفاهها، أي أنه يصور الطبيعة، والمواصلات، والحالة الاقتصادية فيها.

وفي مقطعه الذي وسمه بـ (بناء مكة) يعرض لتاريخها (كحاضرة إنسانية موغلة في القدم) وكشعيرة إعتقادية دينية، وكعلائق اجتماعية، وكحراك تاريخي منطقي يجري مجرى سلساً يتواءم مع التطور الحضاري  العمراني الإنساني:

بناء مكة لم يعرف به زمنٌ

 

ولم يحدده في تاريخه أجلُ

منذ القرون رأى التاريخ آهلها

 

ورانَ بين رباها مثقلاً أزل

إن قيل إن بها إسماعيل مسكِنه

 

فقل: عليها وفيها قامت الأول

وأنها بعبادات مضت حَفَلَت

 

وأنها بعرى الأزمان تتصل

وأن فوق منى عزًّ الفداء وقد

 

أُنيخ عمن تمنوا فدية حمل

وأنَّ هاجرَ لمّا وابنها ظمئا

 

انشق زمزم والعطشى به نهلوا

وعند زمزم سُرَّ الرائحون وفي

 

أجنابه بين من كانوا، ندى نزلوا

وأينع الأجرد الملتاع وانفتحت

 

على الثراء وحُسن العيشة السبل

وأزوجت جرهم اسماعيل واحدةً

 

منها وحامت على من أزوجت نُزُل

فشاء هذا عتيد البيت وابتدأت

 

قبائل العُرب في دنياه تنتقل

وخفّ للبيت من شاء الثواب ومن

 

من ربه قدراً في الخلد يأتمل

وأزهرت مكةٌ في المجد، وانتصبت

 

فيها البنايات بالإثراء تكتحل([3])

نلاحظ في شعر الحكاية والشعر التاريخي، وحتى في الشعر الوصفي، بأن مكة كحاضرة تشكّل المحرَق للغاية والسيرورة الشعرية في تناول الحدث، أو الشعريرة، أو الدعوة إلى التمسك بأهداب الدين، والكثير من الشعراء ـ على مختلف أهدافهم وأغراضهم الشعرية ـ انطلقوا من الحاضرة المقدسة لتسجيل الحراك الاجتماعي الذي أسس لقيامها، سواء في البنيان، أو المعنى. فضلاً عن تجليّ الحاضرة إياها في القصائد التي تتخذ من الحج، أو الهجرة، أو ميلاد الرسول e، أو تاريخ الإسلام موضوعاً، كما سبق وأسلفنا وتوضح ذلك في النماذج التي اخترناها لتبرز تجلي هذا المكان في الشعر، طبيعياً، معنوياً، جغرافياً، عقيدياً.

فهي قديمة قدم تاريخ إنسان هذه المنطقة، وزمزم الانبجاس المائي المعجزة التي تشير إلى قدرة الباري عزّ وجل،ن ومنى المذبح التي تجسد الفداء والصدق والمعاناة في القصيدة، واخضرار الطبيعة تدليلاً على الخصب وكرم الطبيعة وطيبة الأرض وسر التراب، والقبائل المقيمة والزائرة لممارسة الطقس الديني وثنياً أو توحيدياً، ولم يهمل الشاعر تجليات الرفاه والطمأنينة، بل حدد مواقع الأوثان التي سحقها الإيمان، فأزالها كاملة لتلغي المأخذ على الروح والعقل، فجعلها مجرد رمز اعتمد على الماضي الناقص (كان) ثم امّحى.

تجليات مكة مكانياً ومعنوياً:

تجلت مكة في الشعر لتبيّنِ سويات الوجدان والمعتقد والمشاعر، ولتجسم الرموز، وتمنح بعداً جوانياً للثقافة التي مرت بها من جهة، وثقافة الشاعر ووعيه لمعنى المكان من جهة ثانية وهذا مستجد على الشعر، إذ ألفنا الإحالات المكانية أكثر تجديداً، بينما وجدناها في مدارها حول مكة تجسد العلاقة ذات الخصوصية الشافّة مع المكان على ما نعرف من قبل (قبل عصر الإسلام)؛ عن (سقوط اللوى)، و(الدخول) و(حومل) و(توضح) و(المقراة) و(بُرقة) و(الريان) وأماكن كثيرة حفل بها الشعر الجاهلي الذي كان يستهل القصيدة إما بالوصف التجريدي ـ الصوري للمكان أو تمثل المكان بماضوية تعادل موته، فيقف الشعر على الأطلال.

بيد أن المكان الطبيعي الذي يخص مكة في متناول الشعر، تجلى بمعان روحية وطقسية وإيمانية محمولة على حاملات دلالية إيمانية.

العشق والحنين:

كثيراً ما ينفعل الشاعر في غايته الشعرية فتصدر حافلة بالحنين والشوق والعشق الصوفي، إذ تظهر علاقة تبادلية بين الصائغ (الشاعر) والمكان (مكة والطريق إليها) والدابة الوساطة للوصول إلى المكان، وثمة رابع هو (الشاهد ـ رفيق السفر)، وكثيراً ما تتماهى العلاقة بين المتحرك والجامد لتتحول بمجملها إلى توق روحي ووجداني يخلق بدوره علاقة حميمة بين المبدع والمتلقي.

وإذا كان في الحنين رجوع إلى الألفة، وتوق إلى الأمن والطمأنينة والاستقرار المكاني، فإن صورته تمثلت في قول الشاعر العشاري:

ويخطف أرواح العدى بحسامه

 

كما تجتني الفرصادَ طائلة الأيدي

...حبيبي متى أروي الفؤاد بلثمة

 

من الروضة الغنّاء في طالع السعد

حبيبي متى أزجي القلوص بطيبة

 

فتربتها كالكحل في الأعين الرمدّ

إذاً الفرصاد، التوت الأحمر البري وقد ألفه الشاعر في مكة أو خلال مسيرته باتجاهها، وذلك التوق الذي نراه، يعتمل في صدر الشاعر ليبل شوقه من ترب مكة ـ طيبة، وشواهدا وتربها... ليحقق الهدف من لقاء المنشود، وتحقيق المقصود.

أما عمر أبو ريشة([4])، فيجري تبادلية بين سمو المكان، وفاعلية الذات ويرى في مكة (المكان) سمواً يربو على الإحساس، ويسيطر على الروح، فهي تمتلك الذات الإنسانية المؤمنة، إذا ما حلَّ الحاج فيها:

حلُّ في مكة وجهك في الترب

 

خضيبٌ ووجهه في السماء

أما الشاعر أبو الفضل فيرى في مكة ما هو أبعد من المكان، وأشمل من التاريخ فهي التي تجلت للإنسان، ولم تتجل في شعره، وإنما صاغها (التجليات) قابساً من روحه وجدانية، لإبراز معانيها الشمولية الفذّة:

برزت وقد شقت حجاب الأعصر

 

بنتُ النبي الهاشمي الأكبر

وكأن صفحة ذي الفقار جبينها

 

ولحاظها من حدّه المتسعر

روحي الفداء لحرّة نشأت على

 

حبّ الأسنة والظبى والضّمر

ضاقت بها الصحراء فانفتحت لها

 

أبوابٌ كسرى والعزيز وقيصر

فغدت تقود إلى المعارك خيلها

 

وتجرجر الديباج فوق المرمر

واليوم قد ظهرت تعيد جمالها

 

وجلالها فتخضبت بالأحمرِ([5])

وفي القصيدة دلالات دون تسمية المكان، وأدل هذه الدلالات أنسنة المكان وإنزاله منزله فلذة الكبد، بالنسبة لابنها الرسول e، وثاني هذه الدلالات عمقها التاريخي، وقداستها، كذلك بساطتها، وصلابتها، وحراكها الجهادي، وانتصارها على إمبراطوريات وممالك العالم.

ويقدم في قصيدة أخرى المعنى الوجودي الشمولي لمكة كمكان في الظاهر وفي المبطن كفاعلية إيمانية دخلت صدور المؤمنين بفجرها السني:

ولا راية إلا التي طلعت لهم

 

مبشرة بالعتق بعد العبودية

بها أشرقت بطحاء مكة حرة

 

وقد ظللت أرضي وقومي وعترتي([6])

إن الصور التي بناها الشعراء الذين عرضنا لسيرورة مكة في شعرهم؛ تبدو بما وفروه لها من عناصر قادرة على الاستقلال عن ذواتهم الفردة، لتحل في المسافة الممتدة بينهم وبين المتلقين (كمرسلين  ومستقبلين)، مرسلة دلالات روحية تشع بالتوق واللهفة والتطلع إلى قداسة المكان وأسراره الروحية جوانياً وبرانياً، كذلك فهي تكشف عن وشيجة مجلة لها، وهي متموضعة في النفوس استبطاناً يعلقها بها، ويجذبها إليها، كما ينجذب العاشق إلى معشوقته.

فالشاعر المكي محمد حسن الفقي([7])يحن إليها وهو بين يديها، وهو حنين يعصف فيه العشق، عشقٌ صوفيٌ توحد بالمكان ورفعه إلى قمة إنسانية المحسوسة:

أنت عندي معشوقة ليس يخـ

 

ـزي العشق منها ولا يمل العشيق

الفضاء الروحي ومعانيه:

وهنا يمكن أن نقسم الجملة الدلالية الواردة في النص (المكّي) على حامل (الحنين، الشوق، الحراك الروحي المتعلق بهما) ومحمول هو الفضاء الروحي ومعانيه.

وامتداد القصيدة بعد ذلك، ليس إلا تكراراً للدلالات، وتبادلية حيوية بين صيروراتها في النص، وسيروراتها ضمنه، وهذه التبادلية بين البرانية والجوانية، تظهر النص أحياناً على شكل انطباعي، وأحياناً أخرى على شكل شعوري يمتح في أعماق الداخل.

يقول الشاعر طاهر النعسان:([8])

حيِّ الحجاز وحيِّ البيت والحرما

 

ورح به طائفاً والركن مستلما

واستشعرنْ عظم الخلاق مرتدياً

 

من الرداء جديداً فيه محتشما

وجدَّ في السعي بين المروتين ضحىً

 

وأدرك اليوم من مسعاك مغتنما

فالمرء من دونها مهما علا خُلقاً

 

ينحط قدراً ويبقى الدهر متهما

ونقِّ قلبك من غل ومن حسد

 

عند الصفا واطّرح إثماً به اكتتما

إن الصفا مشعر لله محترمٌ

 

فالزم به الصفو يا فوز الذي لَزَما

واصعد إلى عرفات ذاكراً صمدا

 

ملبياً حامداً مولاك لا سئما

وقف بموقف خير المرسلين على

 

صخر هناك وخل الدمع منسجما

واذكر إلهك عند المشعرين إذا

 

أفضت من عرفات خاشعاً ندما

عند المحصب من وادي منى اضطرح الـ

 

ـجَمرات واحذف بها سبعاً ولا جَرُما

هذه الدوال الإبدالية لمكة وأحيائها وشواهدها ومشاعرها (مفردات مشعر وليس شعور) "البيت الحرم، المروتان، الصفا، عرفات، الإشراف على الصخرة، المشعران، المحصّب...) بما تحمله من تنوع مكاني جزئي ضمن المكان الكبير (مكة)، وشعائري الحراك الذي يفصله الحاج، لم يرد الشعر منه إعطاء درس في مناسك الحج، وهو يعرف أن المتوجه لأداء الفريضة يعرف التعاليم كلها؛ بيد أنه أراد أن يرسم تجليات المعنى الروحي للأمكنة التي ذكرها، ومن خلال فعل الأمر (حيِّ، رُح، استشعرن جُد، أدرك، نق، اطرح، الزم، اصعد، قف، خلِّ، أذكر، الزم...الخ)، أفعال أمر قاطعة تدل الدوال قسراً في فضاء الروح، لتتبدل المعاني وتتجاوز حرفيتها المعجمية فتتحول إلى معانٍ روحية في إطار تاريخي طقوسي، وثمة حركة فنية أخرى لدلالات المعاني إذ تخلق بشفافية لافتة ثم علاقة مع البعد الماورائي للرمز الذي يمثل بدوره البعد الإيماني في الخلد الذي أصدر النص وعلّقه على خمسة عشر فعلاً جاءت بصيغة الأمر ضمن أحد عشر بيتاً من الشعر، وغايته ارتفاع النبرة الإيقاعية على حرف الميم المفتوح على الفضاء الشعوري والموجه أصلاً للمتلقي بأمر أيضاً لأنه يتمثل الفضاء الروحي ومعانيه في النص الحراكي.

إنه يرسم لوحة طقسية، كرقية أو تعويذة، تدفع الشك وتؤكد اليقين بقداسة المكان، وصدقية الفعل (ضمن ممارسة الشعيرة) مع ثمانية أمكنة تتموضع في المكان الكبير مكة المكرمة.

والدالة الأكيدة على صدقية ما ذهبنا إليه في تشريح القصيدة الآنفة، هو ختامها في تأكيد العلاقة بين المكان الذي أخذ عظمته من فجر إيماني، والإنسان الذي اعتمر قلبه بسنى الإيمان فمضى إليه يقتبس من معانيه الروحية.

لله أم القرى منها لنا انبثقت

 

أشعةُ النور تُهدي التائهِ البَرِما

ويغالي البعض، كنوع من العودة إلى الجاهلية في تقديس المكان وشواهده وقد عرفها الشعر الجاهلي في أساليب القسم (أقسمت بالبيت العتيق)، كذلك بالأصنام (اللات والعزى ومناةٍ وهبل...) فتكون العودة إلى مثل ديّاك القسم، وهنا أستطيع الزعم أن العودة هذه تمثل إنشاءً صادراً عن حرفية شعرية، تقوم على الصياغة، لا لخدمة موضوعة الغرض الإيماني، وإنما لخدمة موضوعة تجافي المعنى الذي عرضنا لـه، وجدنا هذه الغاية عند شعراء كثيرين آثرنا أن نقدم نموذجاً واحداً، لأنها تعدد المكان، فالتجلي المكاني هنا هو لمجرد الثقافة به، وليس لكونه بعداً ثقافياً أو إيمانياً أو تاريخياً، والدليل الذي يؤكد ما ذهبنا إليه آنفاً، أن القسم شمل المكان والأشخاص، وتجاوز الأكبر منها جميعاً.

يقول نديم محمد ([9]) في قصيدة بعنوان معابثة:

بشرفي ومذهبي

 

ودين أهل الكتب

ومن سرى في ليلة

 

من مكة ليثرب

وحمزةٍ... وحيدرٍ

 

وفاطم وزينب

والحل والإحرام في

 

محرّم أو رجب

والمشعرين والصفا

 

وزمزم والعرب

لم تعشقي مني ولم

 

يطربك غير الذهب

إنه مجرد قسم تجريدي لا يصدر عن إيمان؛ إنما جاء عن قناعة بقداسة رموز مكانية وإنسانية بالنسبة لمحيط الشاعر وكانت مكة وجزئيات من أمكنتها حاضرة في النص الشعري الذي هو أقرب إلى الصياغة الطريفة منه إلى الصياغة التي ترمز إلى عشق وحنين وفضاء روحي مفتوح على الذات.

المعاني الدلالية ـ الإيمانية:

"...تأخذ مكة في الشعر دلالة تفضيلية على غيرها من البلدان والأماكن، وهي دلالة تحيل إلى الصورة الذهنية التي تتبوأ مكة فيها، بموجب النصوص القرآنية والنبوية والتاريخية موقع المراكز والأولية، فأول بيت وضع للناس فيها، وهي قبلة المسلمين، ومحجهم، وعاصمة الجاهليين في عصرهم، وتاريخها منذ القديم ناطق بهذه المركزية في المستوى المدني، تجارة وثقافة واجتماعاً وسياسة، وقد سمّاها القرآن الكريم (أم القرى) لهذه الأسباب، يقول الزمخشري في تفسيره قوله تعالى: )ولتنذر أم القرى ومن حولها(([10]).

وسميت مكة (أم القرى) لأنها أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم الرقى شأناً([11]).

ونجد تفضيل مكة على غيرها مبثوثاً بصيغ مختلفة في كثير من القصائد الأمر الذي يجعل له صفة الموضوعة المكرورة التي تجاوز بالدلالة الفرد إلى المجموع، وإلى الثقافة، مختصرة النصوص السردية النثرية، ورامزة إلى ما تدخره من أسرار مكة وحراك القصائد فيها.

يقول محمد حسن فقي:([12])

مكتي أنت لا جلال على الأرض

 

يداني، جلالها أو يفوق

... لكِ فضل على المدائن يا مكـ

 

ـة ما يجتويه إلى المروق

لصقت بالتراب أجسامنا الغِلف

 

فأهوى إلى اللصيق اللصيقِ

الشاعر هنا يخص مكة بالجلال والفخار والخصوبة، ويصنعها مفضلة على المدائن الأخرى.

أما أحمد قنديل([13])، فيستوحي من (أم القرى) معاني الأمومة عندما يؤنس المكان وينطقه، ليجلس أمامه بجلال، يستمع إلى الحديث الحنون:

أنا أم القرى، بعدتم وغبتم

 

أم أتيتم قصد الزيارة أجراً

...تلك يا مكتي مقالة أمِّ

 

فاز فيها البنون بالحبّ طرّاً

هذان البيتان في سياق القصيدة توقفنا على أمومة رمزية تسبغها مكة على الناس منزلة أبنائها، وهي تحيل الأفضلية من الذاكرة إلى الشعور، ومن الباطن النفسي إلى التاريخ وبالعكس... وهكذا يطل الشاعر على مكة من نافذة الخيال، مشيراً إلى معناها (الحناني) مبتعداً عن الإشارة إليها بحسيّة.

الحراك الإيماني الجواني:

قد يقف مغرم بالتاريخ على أطلال آثار درست، وقد يتلمس ما تبقى منها، أو يقرأ على حجر من أحجارها كليمات تدل على حضارة أهلها؛ فإن الوقفة تلك قد تعيده إلى الوراء كثيراً أو قليلاً، وقد تتعب قدماه، أو تحرقه أشعة الشمس الطالعة في حمّارة القيظ، لكنه عندما يقف أمام مكة، يكون قلبه السابق إلى الرؤية، وتكون روحه المستفيضة من المعنى، وعيناه المشوقة إلى المبنى... هذا الحراك الذاتي مضافاً إليه ما شرّعه الإسلام لمكة من حُرمة وأمن، وما تمثل لها تاريخاً من عزة وحرية، ينتهي بنا التصور إلى تملي أفق المكان الذي يتجسم في موضوعة شاملة لها آفاقها ورموزها ودلالاتها ومناحيها النفسية والمعنوية، فيتوجه الخطاب إليها مباشرة، يقول الشاعر محمد حسن عواد:([14])

الأصابيح والأماسي ينبضـ

 

ـنَ حياةً، على ثراك شهيه

كم تشهت مذاقها أمم الغر

 

ب فطارت بها الأماني العتيه

كل أصبوحة تتيه بعمـ

 

ـلاق تباهي بشأنه أمسيّه

وجبال مفتونة بالرمال الـ

 

ـميث ممراحة الضباء الأبيه

يسرح الذئب في مساهبها الد

 

هم، وتهفو القطاة والأرويّه

فالأبيات جميعا قائمة على صورة لمكة تنفي الهيمنة والقهر والاحتكار، اجتماعياً وطبيعياً، وتعرض ذواتاً متحدة على الرغم من التنوع، وهو تنوع يقوم على الحرية بعيداً عن القسر والقولبة، وهذا ما يجعل مكة زمناً نابضاً بالحياة، وليس مكاناً فحسب للسكنى والتجمع والسمر، من هنا تكون التبادلية بين الفكر الخلاق والمكان العملاق.

لقد حفل الشعر العربي ـ قديمه وحديثه ـ وسيظل، في تقديم الصورة الإنسانية والصورة التاريخية، والصورة الاجتماعية لمكة، وعنها، وستظل مكة المدينة والمعنى تطفح بالمعاني والدلالات المعيارية للشعر الذي يتوجه إلى مكة.

الخاتمة:

إنها جولة في مجاني الشعر الذي طلع علينا مطبوعاً، وقد تناول مكة من خلال عدد من الموضوعات التي تستحيل بها إلى رمز ودلالة، بل تتبادل الدلالة مع الرمز الأمكنة والإيحاءات، مكة البدء بين الخرافة والأسطورة والحقيقة، حيث يمثلها الفضاء الزماني، ومكة المعنى بشقيه البراني والجواني وتمثله فضاء الحركة صامتة ـ ساردة، شاردة، وفي الحركة هذه تتجسد المعاني الروحية، والدينية، أحياناً بعقلانية، وأحياناً بتخيلية، وثالثة بخيالية، وأخرى بغنائية ظاهرة أو محسوسة، المهم أن المكان ينقلب من الشيئية الحيادية الصامتة، إلى كون ذاتية تمتد متعلقاتها إلى الروح والعقل كل على حدة، أو بتضافرهما معاً.

ناهيك عن أنّ مكة قد أخذت أو تحولت في النص الشعري إلى نبض ضاغط يلح على الوعي عند الشاعر وربما يتعداه إلى ما وراء الوعي.

المهم في الأمر، إن الشعر نظر إلى مكة جغرافياً وتاريخياً، ولكن نظرته التاريخية إليها تغلبت على النظرة الجغرافية، كذلك نظر إليها نظر مكانية إلى جانب نظرته إليها ثقافياً، لكن النظرة الثقافية باتت أشمل وأعم كلما تقدمت التقانة وحسن التعامل مع وسائلها، وكلما انتصر النقد الأدبي في مجالاته المختلفة.

فالشعر بوصفه أحد أبرز تجليات الثقافة، وأهم مظاهر التدليل على الذاكرة، وأدق وسيلة لتوليد كينونة الوعي الإنساني، تناول مكة من باب الرمز وتوليف الصورة واستنطاقها.

وأخيراً أسأل الله الستر والعافية للجميع، ولمكة الطمأنينة والسلام وأبدية الإشعاعِ.

ccc

المصادر والمراجع (مرتبة على كنية المؤلف فاسمه):

1 ـ أبو ريشة، عمر، الديوان، دار العودة، بيروت، عام 1978.

2 ـ ابن الفقيه ـ كتاب البلدان، طبعة أوربا، نقلاً عن د. شوقي ضيف، العصر الجاهلي، ط3 دار المعارف بمصر، عام 1976 (ص 50).

3 ـ إسماعيل، محمد قباري، علم الاجتماع والفلسفة (عن البحث).

4 ـ الأصفهاني، أبو الفرج، الأغاني، دار الفكر، بيروت، 1407هـ / 1986م.

5 ـ أبو غالي، د. مختار علي، المدينة في الشعر العربي المعاصر، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1995م.

6 ـ البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، مطابع دار الشعب، القاهرة، 1378هـ.

7 ـ بلاسي، د. محمد السيد علي، أسماء مكة والمدينة في اللسان العربي، دار الولاء للتراث، القاهرة ط1، 2003م.

8 ـ الجاحظ، أبو عثمان، بحر، الحيوان، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ط3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1388هـ.

9 ـ الجبل، بدوي، الديوان، دار العودة، بيروت ط1، 1978.

10 ـ الذبياني (ولم أعثر له على اسم صريح إطلاقاً)، محمد النبي العربي، (ملحمة شعرية)، منشورات المنشأة الشعبية للنشر والإعلام والتوزيع، ليبيا.

11 ـ الرازي، عمر بن عبد الله بن محمد، مسامرة الندمان ومؤانسة الأخوان، تح د. وليد مشوح، مراجعة وتصدير علي حمد الله، إصدار مركز زايد للتراث والتاريخ، ط1، 2003م.

12 ـ الرباعي، د. عبد القادر، الصورة الفنية في النقد الشعري، (بلا)، (بلا).

13 ـ الرسيوني، أحمد، مكّة المكرمة في الثقافة المغربية، مجلة التاريخ العربي، جامعة الأزهر، العدد (32)، خريف 1425هـ/ 2004م (الهامش رقم 5).

14 ـ الزمخشري، جار الله، الكشّاف، 2/ 35.

15 ـ الصاحبي، أحمد بن فارسى، في فقه اللغة وسر العربية، مطبعة المؤيد، القاهرة (بلا).

16 ـ ضيف، د.شوقي، (العصر الجاهلي)، دار المعارف بمصر، 1965.

17 ـ عدد من المؤلفين، المعجم الفلسفي المختصر، تح: توفيق سلوم، ط1، دار التقدم، موسكو، 1986م.

18 ـ عبد العالي، عبد السلام، درس الأبستيمولوجيا، دار توبقال، الدار البيضاء، 1998م.

19 ـ العشاري، حسين بن علي بن حسين بن فارس (البغدادي، الشافعي)، الديوان منشورات وزارة الأوقاف العراقية ضمن سلسلة إحياء التراث الإسلامي (رقم 25)، تحقيق وتعليق عماد بن عبد السلام الرؤوف، ووليد عبد الكريم الأعظمي، 1397هـ/ 1977م.

20 ـ عواد، محمد حسن، الديوان (قمم الأولمب).

21 ـ فقي، حمد حسن، الأعمال الشعرية الكاملة.

22 ـ قنديل، أحمد، الديوان (مكتي قبلتي).

23 ـ محرم، أحمد، الديوان (مجد الإسلام أو الإلياذة الإسلامية) (ملحمة شعرية)، إشراف وتدقيق ومراجعة محمد إبراهيم الجيوشي، مكتبة دار العروبة، القاهرة، 1963.

24 ـ النجار، محمد بن عبد العزيز، ضياء السالك إلى أوضح المسالك، مصر، 1401هـ/ 1981م.

25 ـ النصَّير، ياسين، إشكالية المكان في النص الأدبي، دار الشؤون الثقافية العامة، ط1، بغداد، عام 1986.

26 ـ الهيلة، محمد الحبيب، أثر الحج في الحياة الثقافية والاجتماعية عبر العصور، مجلة التاريخ العربي، 2004م.

27 ـ الوليد، أبو الفضل، الديوان، مراجعة وتقديم جورج مصروعة، دار الثقافة، بيروت، 1981 (ط2).

المجلات:

ـ مجلة التاريخ العربي، جامعة الأزهر، العدد 32، خريف 1425هـ/ 2004م ..وعنها اقتبسنا ق د. محمد سيد علي البلاسي (أسماء مكة...)، وأحمد الرسيوني (هامش البحث نفسه رقم (5)).

ومحمد الحبيب الهيلة (هامشس رقم 6).



([1])  وضع الرسول e رأسه في حجر أبي بكر الصديق، فنام على ركبتيه، وقد بقي في الغار شقّ لم يسدّ، فوضع الصديق قدمه فيه، فلدغته الحيّة، فاحتمل أذاها، وكره أن يتحرك فيوقظ النبي وقيل: إن عينيه دمعتا، فسقك الدمع على وجه النبي e فأيقظه.

([2])  الذبياني: الديوان ـ الملحمة (محمد)، ص 39.

([3]) حسين بن علي بن حسين بن فارس العشاري البغدادي الشافعي (ولد ببغداد) سنة (1150هـ /1737م) وتوفي فيها سنة (1195هـ)، الديوان، منشورات وزارة الأوقاف في العراق ـ سلسلة إحياء التراث الإسلامي، رقم /25/ تحقيق وتعليق عماد بن عبد السلام الرؤوف ووليد عبد الكريم الأعظمي، سنة 1397هـ ـ 1977م، الطبعة الأولى، ص 125، 124.

([4])  عمر أبو ريشة، الديوان، منشورات دار العودة، بيروت، 1998، ص 511.

([5])  أبو الفضل الوليد، الديوان، القصيدة المكية، ص85.

([6])  نفسه، قصيدة الرؤية النبوية، ص 366.

([7]) محمد حسن الفقي، ولد بمكة سنة 1332هـ/ 1912م، وتوفي سنة 1425هـ الموافق لسنة 2004م.

([8]) الشاعر الشيخ طاهر النعسان، ولد بحماة سنة 1887م وتوفي فيها سنة 1961.

([9]) شاعر من سورية، ولد بمحافظة طرطوس، على الساحل عام 1909 وتوفي في نهايات القرن العشرين، والقصيدة من كتاب جميل حسن، بعنوان (نديم محمد... سيرة حياة... وقراءة شعر)، منشورات وزارة الثقافة، سورية، دمشق سنة 2000م.

([10])  سورة الأنعام، الآية (92).

([11])  جار الله الزمخشري، الكشاف، 2/ 35.

([12])  محمد حسن فقي: الأعمال الكاملة، 6/ 63.

([13]) أحمد قنديل، شاعر سعودي، ولد بجدة سنة 1130هـ 1911م/ وتوفي في عام 1399هـ ـ 1979م، من ديوانه مكتي قبلتي، ص 37 ـ 39.

([14]) محمد حسن عواد، شاعر سعودي، ولد بجدة سنة 1320هـ/ 1902م، وتوفي سنة 1400هـ ـ 1980م، ديوانه (قمم الأولمب). ص 69 ـ 70.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244