مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 102 السنة السادسة والعشرون - نيسان 2006 - ربيع الثاني 1427
Updated: Monday, November 06, 2006 10:55 AM
فهرس العدد
 

الأدب العربي الحديث و التراث تحولات العلاقة وخصوصيات الأجناس ـــ د.أحمد جاسم الحسين*

1ـ إشارات أولية:

مستجدات

كل عصر تقتضي إشكاليات فكرية واجتماعية، وتفاعلات أدبية وفنية خاصة به، منها ما هو مطروق سابقاً ومنها ما هو مستجد؛ تصنع للعصر الذي تنمو فيه تمايزاً يجعله مختلفاً عن العصور الأخرى، وفي نظرة عجلى إلى تاريخ الأدب العربي في عصوره المختلفة من خلال قضاياه التي مايزت عصراً عن الآخر نكتشف أن هذه القضايا/ الظواهر أثير بعضها من النقاد، وبعضها من الأدباء، وقسم انتُبه إليه في عصره، وقسم في عصور لاحقة بحيث يمكن أن تشكل هذه القضايا روائز نستطيع أن ندرس من خلالها الأدب في كل عصر، وما تفرد به عن سواه.

في الأدب العربي الحديث الذي يمتد نحو قرنين من الزمن (القرن التاسع عشر والعشرون بحسب ما يرى عدد من الباحثين) وُلِدتْ مجموعة من الأجناس الأدبية النثرية، وحدثت تحولات جوهرية في مفهوم الشعر؛ مما أدى إلى نهوض ثلة من القضايا الشعرية والنثرية المرتبطة بسياقاتها الاجتماعية وحواضنها الفكرية، وقد عرفت هذه القضايا بتعددها، وتنوعها، وتداخلها، وتجدّدها الدائم سواء أكانت قضايا نقدية أم قضايا فكرية؛ حيث أثرت وتأثرت بحركة الأدب العربي الحديث، إذ نشأ بعضها على أنه ثنائيات ذات طابع نقدي أدبي، وبرز بخاصة: القديم والجديد، والتراث والمعاصر، والوطني والقومي، وقسم ظهر بهيئة قضايا فنية: الوحدة العضوية، التجريب، توظيف الأسطورة، ومنها ما ظهر بصورة أسئلة إشكالية من مثل: ما هي العوامل التي تتحكم في رحيل الأجناس الأدبية أو ظهورها؟ وهل الأجناس الأدبية الجديدة قادمة من الغرب أم أنها منبثقة من تراثنا؟ وما مدى صلة هذه الأجناس بالواقع؟ وما هي العوامل التي تؤدي إلى ظهور تحولات جوهرية في الأجناس الأدبية؟

لا تسلم قضية مما سبق في أسباب ظهورها أو تجليات هذا الظهور من التداخل والتقاطع مع القضايا الأخرى أياً كان العامل الرئيس في ظهورها سواء أكان من إفرازات الواقع، أو بفعل المثاقفة مع الغرب، أو التفاعل مع التراث.

وقد نالت علاقة الأدب مع الواقع، وكذلك علاقته مع الغرب اهتماماً نقدياً وأدبياً كبيراً طرحها النقاد والمهتمون عبر مفاهيم عديدة منها: الانعكاس والمرجعية والتبعية والانقياد والمثاقفة..

أما التفاعل مع التراث فكان هو الآخر مكوناً رئيساً، وعاملاً فاعلاً في حركة الأدب العربي الحديث حيث حكمته تصورات، وأثرت فيه آليات مختلفة تنوعت، وتبدلت وفقاً للجو النقدي والفكر السائد؛ إذ تأثرت بالمذاهب الرائجة عبر تاريخ الأدب العربي الحديث من اتباعية وواقعية ورومانسية... وكذلك تأثر بالمناهج النقدية الحديثة التي ساهمت في إخصاب قراءة جديدة فيه؛ ولم ينفصل عن حركة الواقع العربي مما أدى نتيجة لكل ما سبق إلى إحداث تحولات متتالية في تاريخ النظر إليه.

لقد استعملت مفاهيم ومصطلحات عديدة لمقاربة التفاعل وفقاً لظروف كل مرحلة منها: المحاكاة والتقليد والاستلهام والهروب والتناص والمثاقفة والجدلية.. لكن معظم هذه المقاربات اقتصر على علم أو جنس أو مرحلة من مراحل الأدب العربي الحديث، وكثير من تلك المقاربات كانت عبر موازنة التفاعل مع التراث مع قضايا أخرى كالعلاقة مع الواقع أو التفاعل مع الغرب، مما أسهم في كشف أهميتها قياساً لغيرها وكيف كان الموقف منها؛ بخاصة أن هذه الظواهر الثلاث عوملت أحياناً كأقطاب متعارضة، فهم منها أن حضور إحداها يلغي الأخرى بحيث انعكس ذلك على السمة الأبرز التي تعرف بها التجربة الإبداعية؛ كأن توسم بأنها تراثية أو واقعية و تغلب حضور الآخر مع ما جرّه ذلك من أحكام قيمة وتبعات تحكمت فيها عوامل أدبية وغير أدبية.

بيد أن هذه المقاربة تحاول أن تستمد خصوصيتها من خلال التركيز على جوانب في هذه الظاهرة لم تلتفت إليها أعين الباحثين كثيراً من مثل تناول الظاهرة في تحولاتها، وخصوصية كل جنس أدبي في التخويض فيها، وكذلك النظرة الكلية الشمولية والسعي للإمساك بالملامح العامة أكثر من الانشغال بالتفاصيل، غير أن هذا لم يسمح لهذه المقاربة بالنأي عن الأمثلة، والإشارة السريعة إلى جهود أبرز الأعلام المؤثرين من خلال نماذج مختارة في كل جنس أدبي في كل طور بهدف تشخيص المقولات وتجسيد النتائج، وهذا يدخل في لب أهداف هذه المقاربة حيث تسعى لتوصيف التحولات والملامح الرئيسة أكثر من سعيها لاستقصاء النماذج، والوقوف عند مختلف الجهود.

ولتحقيق بعض مما سبق كان الاعتماد على التوصيف؛ واللجوء إلى الفرش التاريخي المكثف للأطوار بهدف تحديد ملامح السياق المحيط بالظاهرة، وكذلك اللجوء إلى التحقيب عبر استعمال مصطلح الطور لعله يشير إلى التغيرات المتتالية التي حدثت، وهو ما تفترضه طبيعة هذا النمط من المقاربات التي لا تتغيا أكثر من أن تكون محاولة في فلسفة الظاهرة والقبض على تحولاتها، ولعل هذا يدفعها للافتراض أنها لبنة قابلة للتطوير، وأن انشغالها بملامح الظاهرة المفصلية لا يمنع الدخول لاحقاً في التفاصيل سواء من الباحث نفسه أو من سواه.

وقد استدعى ذلك الاستفادة من بعض المقاربات السابقة التي تناولت الظاهرة بخاصة تلك التي تصب في الأهداف نفسها، أو تحمل توجهات متقاطعة مما سترد الإحالات إليه في سياق البحث.

2ـ التراث وتعدد المفاهيم:

"التراث من القضايا الفكرية التي بقيت مشتعلة طوال فترة حياة ما يدعى بالأدب العربي الحديث إذ شكل الشاغل الأبرز لمفكري عصر النهضة العرب بخاصة وتباينت المواقف منه، ومن مفاهيمه، وكانت المشكلة الأبرز في كيفية التعامل معه، إذ إن الموقف منه يتطلب رؤى وأفكاراً لها تبعاتها الفكرية والدينية والاجتماعية، لذا فإن المنهج المقترح للتعامل معه استحضر رؤى تنظمه وتحدد وجهته؛ لأن العلاقة معه علاقة بقضية أمة وفكر ومنهج في التحليل مثلما هي علاقة بقضية أدبية وفكرية ونقدية([1])"

وقد تحول التراث مثله مثل قضايا كثيرة إلى قضية ذات طابع جدلي نتيجة كثرة المشتغلين فيه وشعورهم بضرورة بلورة موقف منه، وتحديد آلية للتواصل معه؛ لأن الأمم في مرحلة إعادة البلورة غالباً ما تستنجد بتراثها.

أثبت الواقع أنه كلما نهضت فلسفة حديثة أو آلية قراءة وتفكير تطلب ذلك مقاربة جديدة لإشكالية التراث ولغيره من الشواغل الفكرية للأمة التي تعيش حالة غير متوازنة لشعورها بالضعف ولأنها تعيش على الفتات العالمي بعد أن كانت أمة مصدرة للحضارة والفكر.

وبناء على ما سبق فإن عرض بعض مفاهيمه عند ثلة من المفكرين والنقاد ربما يكون مفيداً لأنها البناء الفكري الذي تؤسس عليه التصورات الأخرى، وقد عرف التراث تعريفات متعددة منها أنه: "الجانب الفكري في الحضارة العربية الإسلامية: العقيدة والشريعة واللغة والأدب والفن والكلام والفلسفة والتصوف"([2]) وهذا المفهوم يقصر التراث على ما أنتجته الأمة العربية والإسلامية وبذلك يقترب من فهمه في الطور الأول في الأدب العربي الحديث حيث كان ذا بعد عربي وإسلامي ربما لقلّة الترجمة والإطلاع آنئذ ولإشكالية تكوين الهوية التي أخذت بالتبلور بصورة جديدة، وقد قصره هذا المفهوم على الجانب الفكري الذي تتسع رقعة دلالته ليشمل معظم ما أنتجته الأمة.

وميز باحث آخر بين نوعين منه الحي والميت: "هو كل ما مضى من قيم ووصل إلينا حياً أو ميتاً فهو تراث، ونميز فيه بين نمطين: ما وافق عصره وصلح له وانقضى بانقضائه، وما وافق الإنسان واستمر به ولمصلحته وعاش حتى الوقت الراهن"([3]) وهذا التعريف يشتكي من قصره على القيم وإهماله لمنتجات الشعوب الأخرى إلا إن كان قصد بالقيم منتجات الحضارة، ومما يسجل لهذا التعريف تفريقه بين الحي والميت في التراث؛ إذ ليس كل ما في التراث قابلاً للحياة دائماً وذا عمر لا ينفد.

ووسّع باحث آخر فهمه له ليعني: "التقاليد والعادات والتجارب والخبرات؛ إذ هو جزء أساس من موقف الإنسان، وعد بأنه تراكم خبرات وخزان أفكار ورؤى"([4]).

وفرّق مهتمون بين جزأين من التراث: الجزء الموجود في التراث الذي يميز أمة من الأمم، والجزء الذي يشكل مشتركاً ليكون قسماً من التراث الإنساني، بخاصة أننا أمة ـ كما يرى أحد الباحثين ـ تمتاز ثقافتها منذ عصر التدوين إلى يومنا هذا "أن الحركة داخلها لا تنسجم في إنتاج الجديد بل في إعادة إنتاج القديم"([5]) وهذه مقولة خطيرة يبدو التسليم بها صعباً؛ لأن الواقع والماضي يمدنا بصور تناقض هذه المقولة، ولعل صحتها في مرحلة تاريخية أو في بلد أو انطباقها على شريحة اجتماعية لا يجعل منها أيقونة يوصف فيها فكر أمة.....!

وقد أعطاه بعض الباحثين أهمية كبيرة تبعاً لفهمهم له حيث رأوا أنه روح الأمة ومتى ما تخلت عنه تكون قد تخلت عن هويتها، ولا نعتقد أن شخصاً أو أمة يمكنها أن تفعل ذلك([6]).

وفهم التفاعل مع التراث أحياناً على أنه الأصالة التي قيل إنها العودة إلى الجوانب المشرقة في التراث للانطلاق نحو المستقبل، وهي مؤشر على أن الحاضر لم يقطع صلته بالماضي([7]). وقد ترافق ذلك بدعوات للتأصيل الذي هو إحياء للذاكرة وليس اجتراراً أو إعاقة للتجديد، ولعل هذا هو التعامل الأمثل معه فلا الحاضر يقطع مع الماضي ولا الماضي يسعى إلى جر الحاضر إليه.

وتاريخ النظر إلى التراث لم يخلُ من حدة أحياناً، مما دعا نفراً إلى القطيعة معه ظناً منهم أنها الحل؛ لأنه ـ كما يرون ـ يخل بمعطيات الأمة والعودة إليه هروب من مواجهة الواقع كما يرى دعاة ذلك([8])، وقد كشف التراث ـ على عكس هذه الدعوة ـ أن لديه القدرة على تقبل كل وجهات النظر التي طرحت فيه، وهذا ينم على غنى في نصوصه وقابلية للتعددية.

وقد مر الموقف منه وتحديد مفهومه بأطوار عديدة في القرن العشرين تبعاً لحالة الأمة ومتطلباتها ومعاناتها، وهي التي تعتاش على التراث الحضاري للأمم الأخرى، ولعله من حقها أن تبحث لها عن مخرج ملائم.

ولعل التغيرات التي أصابت مفهوم التراث طبيعية، فهذا شأن القضايا الإشكالية التي تتفاعل مع السياق المحيط، وهو سياق شهد كثيراً من التغيرات التي كان لابد أن تترك أثرها في مفهومه؛ بخاصة دور التحولات الرقمية والتقنية والإنترنت والفضائيات، وهذا جعل الحديث عن ثبات المفاهيم في ظل العولمة أمراً أقرب إلى الخيال منه للواقع، دون أن ننسى دور ما يضيفه الباحثون المتميزون من أفكار إلى المفاهيم مما يسهم في تحولها الدائم، وهاهنا لابد من التساؤل ـ وهو تساؤل غير بريء ـ عن بعض القضايا التي تمس هذه المقاربة من بعيد أو من قريب: هل ما أنتج في القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين هو أدب حديث؟ ألم يدخل في أنّه أصبح هو الآخر تراثاً لما ينتج الآن؟ وبالتالي هل تسمية أدب حديث لا تزال تنطبق عليه؟ وهل هناك إمكانية لطرح تسمية ذات بعد زماني مثل: الأدب في القرن التاسع عشر والأدب في القرن العشرين؟ أليس من الضروري التفريق بين أدب معاصر وحديث؟

3ـ تفاعل الأدباء العرب المحدثين والتراث

كل تغير في الفكر الإنساني في العصر الحديث ـ وما أكثر تلك التغيرات ـ كان يفتح آفاقاً لقراءة العلاقة مع التراث من جهة، وإنارة جوانب متعددة من هذا التراث من جهة أخرى، وقد تأثر هذا التفاعل بالقراءة الساعية إلى الهرب إليه طوراً؛ واستعادته لإسقاطه على الحاضر تارة؛ والبحث عن محايث فيه لما يحدث في الواقع أحياناً، أما التراث الذي قصده الأدباء العرب كما يظهر في نصوصهم فهو الآخر له خصوصيته؛ إذ كان في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين يعني من جملة ما يعني النصوص الشعرية القديمة وكذلك النصوص النثرية المكرسة مثل المقامات إضافة إلى التأثر اللغوي، وفي الطور اللاحق تم توسيع المفهوم ليصل إلى الإنساني وكذلك ليلتفت إلى نصوص أخرى غير شهيرة، وسرعان ما صار يحمل في الطور الأخير ـ انسجاماً مع التغير في مفهومه ـ دلالات متعددة اتسعت لأنواع مختلفة مما أنتجته الحضارات الإنسانية، ولتتنوع طرق حضوره من طور إلى آخر، وتتعدد آليات مقاربة هذا الحضور، وليتغير الموقف من وجوده ليصبح أوسع وأكثر تنوعاً...

يمكن اقتراح تقسيم تفاعل الأدب العربي الحديث مع التراث إلى ثلاثة أطوار رئيسية متكاملة غلب على كل منها عدد من السمات، إذ إن كل طور يحمل عدداً من التجاذبات وإن بدا بعض التداخل أحياناً؛ لكن هذا لم يمنع من حدوث تحولات متتالية، إضافة إلى أنه قد ظهر كثير من التمايز الذي صنعه كل جنس أدبي لنفسه، ففي الفترة التي أنجز فيها الشعر مثلاً الكثير من التفاعل كانت القصة القصيرة لم تكرّس كجنس أدبي معترف به.

4/1 ـ الطور الأول: التراث مجيباً عن أسئلة الواقع

يمتد هذا الطور ليشمل القرن التاسع عشر إلى بداية الحرب العالمية الأولى ويكاد ينحصر في بلاد الشام والعراق ومصر، وقد كان السعي دائباً لإيجاد مخرج من المأزق الذي اكتشفه المثقفون العرب إبان المثاقفة مع الغرب؛ إذ وجدوا أن هناك بوناً شاسعاً بين حركة أدبنا وحركة الأدب العالمي، وكان من غير المناسب التسليم بأن الأدب النثري الجديد القادم إلينا من الآخر ـ مثلاً ـ لم يكن لدينا مثله، ويتقاطع في هذا نفر كبير من الكتاب والمتلقين الذين حرضهم على هذا الظن التحديات المتنوعة يومذاك؛ فتواشجت رغبات المتلقين مع رؤى الأدباء للبحث عن المخلص في التراث حيث توجهوا إليه بصفته منقذاً ومحدداً لمعالم الهوية التي راحت تتبلور؛ وترافق هذا مع بداية وعي جديد للشخصية العربية قادت إليه عوامل مختلفة منها بدء الموازنة مع الآخر، وساعد على ذلك تغير ظروف الحياة وتبدل الموضوعات الشعرية ونشوء أجناس نثرية مع ما صاحب ذلك أو سبقه من جمود كان يحياه الشعر وتفتت أنماط السرد العربي القديم،([9]) وانسجم ذلك فكرياً مع شيوع الفكر ذو [ذي] الطابع الإتباعي عربياً وعالمياً بخاصة أن هذا كله في الوقت الذي راحت تتكشف جوانب عديدة في التراث من خلال تحقيقه وطباعته ونشره. ولعله من الطبيعي أن يهرع الكتاب إلى تراثهم يستنجدون فيه على حالة الخور التي يعانون فبحثوا في جوانبه المتعددة، ولجئوا إليه المرة تلو الأخرى لأن أسئلة الواقع كانت تترى، وقد تولد حرص على ألا تكون أجوبة هذه الأسئلة من الغرب؛ فلابد أن يكون التراث هو حمال الأجوبة وهذا شأن الأمم في فترات نهضتها، لكن هاهنا لابد من التفريق بين العودة بهدف التقديس والعودة بهدف التحاور والنقاش.

1/1 المسرح: بما أن المسرح جنس أدبي جديد على حياة الأدب العربي فقد كان تفاعله مع التراث ليس قضية فنية فحسب؛ بل ضرورة اقتضاها كل شيء فيه: علاقته بالواقع، قيامه على الحوار، كونه نص [نصَّاً] للفرجة، لذا فزع الكتاب الذين اهتموا بكتابة المسر ح وتكريسه إلى التراث يبحثون عن أجوبة للأسئلة المؤرقة التي واجهتهم منذ البداية، وقد أثيرت تلك الأسئلة من المتلقين، والواقع، والمشتغلين في المسرح أنفسهم.

وقد حاول المسرحيون استثمار استعدادات مسرحية موجودة لدى المتلقين من مثل معرفتهم بالحكواتي والراوي، فسعوا لإيجاد صيغة مسرحية ترضي متطلبات الفن وتنال اهتمام الجمهور، وكان أحد وجوهها إسقاط الماضي على الحاضر أو جر الحاضر إليه؛ وكان تصرفهم ذكياً لأن الفن جديد وإشباعه بما يتوافق مع الذائقة يجعل الجمهور يتفاعل أكثر([10]).

وقد كان التعامل مع قضايا الواقع مباشرة دون ترميز يهز قناعات بعض الحضور الذين لا يغفرون ذلك، مما جعل من الفرجة المكونة للمسرح عبئاً على المسرحيين، فهي التي تجسد الأحداث التي تمس التابوات أحياناً، من هنا كان إغلاق مسرح أبي خليل القباني في دمشق واضطراره للسفر إلى مصر([11])... ولعل ذلك عناوين بعض المسرحيات في هذا الطور يكشف مدى التفاعل مع التراث: أبو الحسن المغفل، ثارات العرب، مهلهل بن أبي ربيعة، المعتمد بن عباد عنترة....([12])

ومما يسجل لمسرحيي هذا الطور انشغالهم بتكريس تقاليد مسرحية أكثر من الانشغال بأفكار أريق فيها حبر كثير في المراحل اللاحقة من مثل: هل كان لدينا مسرح أم لم يكن لدينا؟([13]).

ولعل الإشارة إلى إحدى أهم التجارب التي تمثل هذا الطور وقضاياه توضح شيئاً من خصوصيته وهي تجربة مارون النقاش الذي حاول أن يزاوج بين ما يتوفر عند العرب من حكايات وما تتطلبه المقتضيات الفنية للمسرح معتمداً على الإرث العربي في البذور التي تحمل نكهة المسرح على المسرح مثل خيال الظل.. وكذلك أدخل أشياء تعجب الجمهور وتنال رضاه من مثل الغناء والرقص والشعر وعلى الرغم مما شابَ مسرحياته من خلل فني تمثل في كثرة الصدف وعدم الإقناع أحياناً إلا أنه تمكن من إقامة علاقة مع التراث متوافقة مع ظروف العصر، وقد تأخر الشعور بأهمية ذخيرة الحكايات الأبرز أي: ألف ليلة وليلة التي صارت ملاذاً لا ينضب للمسرحيين وغيرهم في الأدب العربي الحديث.

لقد أرسى مسرحيو هذا الطور لبنات مهمة في تاريخه كانت كافية لبدء تحضير الذائقة لهذا الفن الأدبي القادم ليأخذ موقعاً متقدماً في حركة الأدب العربي الحديث.

2/1 الرواية: كانت هي الأخرى معركتها الوجودية مزدوجة جانبها الأول: إثبات فنيتها وبالتالي شرعيتها في الوجود، وجانبها الثاني: تلبية أسئلتها الوجودية في علاقتها مع المرجعيات الواقعية والغربية والتراثية، وموازنة بالمسرح بصفتهما أجناساً وليدة فإن ما حققته لا يقل عما حققه المسرح وإن أعاقها الظن بأننا نملك ما يشابهها في تراثنا: لذا فقد أثير السؤال المر: هل هي شكل جديد أم أنها مستوحاة من تراثنا لكن بصبغة جديدة؟

وما سبب نشوئها: هل هو ناجم عن الاحتكاك بالغرب أم نتج عن تفتت الأشكال السردية القديمة؟ أم لحاجة المجتمع لسرد جديد يعبر عنه...([14])؟ وفي البحث عن أجوبة اختلف الباحثون والأدباء دون أن يغفل بعضهم عن أن كل ما سبق يدخل في عوامل النشأة!

لقد كان التفاعل مع التراث مدخلاً مهماً لبدء تشكل بذور حكائية توحي بإمكانية تولد رواية، وكذلك مدخلاً فاعلاً لقبول المتلقي لها، وقد ظهر هذا التفاعل في معظم ما أنتج آنئذ تحت صيغة فن الرواية، ومن المهم التأكيد على أن هذه الجهود وغيرها ذات مكانة تاريخية أكبر بكثير من المكانة الفنية، ولعل عين الرضا هي التي تسمح بوصف هذه الكتابات بمحاولات روائية!.

وبدا هذا التفاعل مع التراث جلياً فيما قدمه فرنسيس المراش مثلاً في (غابة الحق) و (در الصَدَف في غرائب الصُدف) إذ يظهر تأثره من خلال الحرص على تقليد القدماء في أسلوب الحكاية وفخامة اللغة التي كانت ميزة أسلوبية لكثير مما أنتج نثراً في هذا الطور.

أما ما كتبه جرجي زيدان فيما دعي بالرواية التاريخية من مثل (شجرة الدر، الحجاج بن يوسف...) فهو تجاوزاً يعد رواية؛ لكن كونه منتجاً في فترة الريادة فإن الشروط الفنية التي تطلب منه تأتي مخففة، ويشفع لهذه النصوص إسهامها في تعويد المتلقي على وجود هذا النمط من السرد.

إن أحد أهداف ما كتبه زيدان قراءة التاريخ من وجهة نظر خاصة، وتحقيق مقاصد متعددة منها: التسلية، والتربية، والتعريف بالتراث([15]).

لقد سعت الأشكال الموحية بالرواية منذ البداية أن توجد تواصلاً مع الأشكال الحكائية القديمة بخاصة المقامة حيث لم تتم الالتفاتة الموازية لأهمية نص إلى ألف ليلة وليلة بصفتها معبرة عن الأدب الشعبي، وكان الانتباه يومذاك مركزاً أكثر على الأدب المكرّس (المقامات مثلاً) وقد تبدّى هذا في أكثر من محاولة؛ من ذلك ما قدمه محمد المويلحي في (حديث عيسى بن هشام) التي نشرت بداية منجّمة في إحدى الصحف على شكل مقالات فيها تركيز على إظهار عيوب المجتمع ونقدها من خلال استحضار شخصية الوزير في عهد (محمد علي) أحمد باشا المنيكلي ليتقابل مع عيسى بن هشام الذي يتطابق اسمه مع اسم راوي مقامات الهمذاني لتجري موازنة بين الظروف القديمة والحديثة، ويتم الكشف عن كثير من عيوب المجتمع، ومما يلفت النظر في هذه المحاولة الروائية: الجدية في الطرح، والابتعاد عن غرض التسلية كما كان يطلب من هذا النمط من النثر آنئذ؛ لكنه اشتكى مثلما اشتكت نصوص مجايلة له من السجع، والإسهاب، والاهتمام بالبلاغة الشكلية...([16])

لقد طالت الفترة حتى تمكن اللاحقون الذين درسوا في الغرب، أو طلعوا عن كثب على ما أنتجه الغرب من نفض أثر الماضي؛ ليبدؤوا بداية فنية تظهر الأثر الغربي في الرواية، وتقدم محاولات أكثر فنية في كتابتها لعل من طلائعها الفطرية في هذا الطور رواية زينب لمحمد حسين هيكل مما أفسح المجال لحدوث نقلة فنية لاحقة وجدت فيها الرواية طريقها بعد مدة من تأتأة البدايات.

3/1 الشعر: يعد خير جنس يمثل إشكاليات التفاعل مع التراث في هذا الطور لأنه الجنس الوحيد الراسخ الذي تملك الأمة  موروثاً فيه مئات الآلاف من الأبيات، إضافة إلى كونه أحد خصوصيات الهوية العربية في بعض مراحل التاريخ العربي؛ لذا فإن تفاعله مع التراث كان أمراً طبيعياً أسهم في مدّه بأسباب التجديد، وليس كالأجناس الأخرى التي عادت إلى التراث وهي تريد استمداد أسباب القبول من المتلقين والبحث عن شرعية وجودية.

وبقي التراث مدار أسئلة متنوعة لم تنغلق أبوابها، فتح بابها عليه شعراء القرن التاسع عشر منهم ناصيف اليازجي ومحمود سامي البارودي من ضمن رؤية حسبت أن الحل الوحيد للدخول في العصر الحديث تكمن في العودة إلى التراث وهو ما دعي من قبل بعض المهتمين بالهرب إلى التراث، وهو ربما ليس هرباً بقدر كونه محاولة إيجاد أجوبة لأسئلة جديدة من باب آمن قريب معروف، وقد ظن السياق الملاصق آنئذ أن خصوصية للشعر لا يمكن أن تتحقق دون العودة إلى هذا التراث، وقد بدت في شعرهم مياسم الشعر العربي القديم ملفتة على الأصعدة الفنية والموضوعية وهي إن كانت مسوغة فنياً؛ لكنها ليست كذلك من جهة الأغراض.

وقد كانت الاختيارات الشعرية التي قام بها بعض الأدباء (البارودي مثلاً) جزءاً من الاحتفاء بهذا الشعر القديم وتكريسه حيث كانت العودة شرطاً لازماً للإبداع ومتطلباً للتميز.

ولعل أبرز تجل للتفاعل مع التراث تبدى من خلال ما دعي بـ (تيار الإحياء) عبر ممثليه المختلفين في أطوارهم المتتابعة، وذلك من خلال تقليد القديم، ومعارضته باعتباره الذروة الفنية، وقد ظهرت آثار التفاعل مع التراث في: المعجم الشعري والتركيز على وحدة البيت وبناء القصيدة، كذلك بقيت الأغراض الشعرية القديمة جاثمة على معظم شعرهم، وربما هذا هو الذي دفع شاعراً في العصر الحديث (البارودي) لكي يبدأ قصيدته كما كان يبدؤها الشاعر الجاهلي:

ألا حيّ من أسماء رسم المنازل

 

وإن هي لم تُرجع بياناً لسائل

خلاءٌ تعفّتها الرواسم والتقت

 

عليها أهاضيب الغيوم الحوافل([17])

وقد اعتمد في معظم ما كتب على القصيدة العربية القديمة حيث نجد الوقوف على الأطلال، والبكاء على الراحلين.. ويشعر القارئ في معظم نصوصه أنه إزاء معان وأفكار شائعة قديمة، لقد كانت المعارضات أبرز خصائص تجربته، وقد عارض تجارب ذات مستويات مختلفة منها (المتنبي وأبو نواس وأبو فراس والشريف الرضي وامرؤ القيس) إلا أن تجربته لم تبق على ما هي عليه، فقد كانت في المراحل المبكرة محاكاة وتقليداً، لكن بعد أن اكتوى بتجربة الحياة بدت خصوصيته تظهر بخاصة بعد النفي والمشاركة في ثورة عرابي حيث اكتشف ـ ربما ـ أن صوت الحاضر أقوى من صوت الماضي، ولعله اقتنع متأخراً قليلاً أننا لا يمكن أن نعبر عن الحاضر بلغة الماضي وأساليبه، وأن هناك إمكانية للاستفادة من التراث مع الانغماس بمستجدات حياتنا غير أن سمة التقليد لم ينفضها عن شعره، بل بقيت جاثمة على تجربته لغة وأسلوباً ورؤية أحياناً.

إن الدور الكبير للبارودي كشأن كثير من الرواد يكمن في تمهيد أرضية لمن جاؤوا من بعده ليبدؤوا من حيث انتهى، وليولد أحياناً نوعاً من ردة الفعل على ما قام به بحيث سيسعى أولئك لتجاوز تجربته، والعمل أكثر على الاندماج في حياة مجتمعاتهم بخاصة تجارب كل من أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران إذ اتسعت دائرة التفاعل مع التراث عند شوقي لتشمل التاريخ المصري والإنساني، وقد وسم شعره بطابع كلاسيكي مع ولع بالتشبيهات أسوة بتقاليد البلاغة العربية، إضافة إلى تعامله مع الأحداث بصفتها أحداثاً خارجية وقد حمل شعره آثار كل من البحتري وامرئ القيس وابن الرومي وابن زيدون.. ووسّع دائرة التفاعل مع التراث لتشمل الجانب الديني بخاصة وهذا يبدو مسوغاً نظراً لجذوره العرقية غير العربية متخذاً من المعارضات وسيلة متكررة لإثبات شعريته وخصوصيته:

نادمت يوماً في ظلالك فتية

 

وسَمُوا الملائك في جلال ملوك([18])

وفي مسرحياته الشعرية حرص على العودة إلى الأحداث التاريخية من التاريخ المصري القديم والتاريخ الإسلامي ومنها (مصرع كليوباترة، عنترة، أميرة الأندلس).

أما حافظ إبراهيم فقد بدا موقفه متوازياً من التراث إذ استعاد الجانب المشرق فيه من خلال قصيدته الشهيرة في عمر بن الخطاب:

حسب القوافي وحسبي حين ألقيها

 

أني إلى ساحة الفاروق أهديها([19])

لكنه بدا أحياناً أميل للاحتجاج على هذا التعلق الشديد بالماضي؛ لذا لم يتردد في الإشارة إلى سلبيات التفاعل الأعمى مع التراث:

ملأنا طباق الأرض وجداً ولوعة

 

بهند ودعد والرباب وبوزع

وملت بنات الشعر منا مواقفا

 

بسقط اللوى والرقمتين ولعلع

عرفنا مدى الشيء القديم فهل مدى

 

لشيء جديد حاضر النفع ممتع؟([20])

ولم يكن هذا شأنه وحده، فهذا صوت أحمد الصافي النجفي يأتي من العراق مطالباً الشعراء المحدثين بالعزوف عن تقليد القدماء:

إن كنت تتبع القديم وأهله

 

فاركب بعيرك واطوينّ البيدا

لكن هذه الآراء لا تدعو إلى التخلي عن التفاعل مع التراث، بل تهدف إلى تقنين هذه العودة وألا تتسبب بجر الحاضر إلى الماضي؛ لأن تلك العودة سلاح ذو حدين والتطرف في أحدهما له أضراره على حركة الأدب والفكر، إن امتلاكنا ماضياً شعرياً مشرقاً يجب أن يكون عاملاً محفزاً على التجديد ومقاربة حركة الواقع.

إن قراءة المنتوج الشعري في هذا الطور تكشف أن أبرز فاعلٍ فيه كان التراث حيث هو الملاذ الذي لا ينضب والأقرب للشعراء، وقد تمكنوا من البناء عليه لأنهم إزاء جنس أدبي راسخ في التجربة الفنية، وإن اختلف الباحثون في جدوى عودة الأجناس الأخرى للتراث فإن ما مارسه الشعر ضرورة، ولم يكن مقبولاً أن يبحث الشعر عن مؤيدات في الواقع أو أن يسعى إلى الغرب لإيجاد روافد له وهو يمتلك هذا الماضي الأبيض المتجذر.

5/2 ـ الطور الثاني: قلق الأجناس في التفاعل مع التراث

يمتد هذا الطور ليشمل فترة ما بين الحربين العالميتين ويكاد يمتد أحياناً في بعض البلدان وبقليل من المرونة إلى نكسة حزيران، وقد اتسعت رقعة البلاد العربية المشاركة بفعالية في حركة الأدب العربي لتصل إلى المغرب العربي، وكذلك شهد هذا الطور دخول جنس القصة القصيرة على الساحة الأدبية بفعالية عالية، وقد تنوعت مصادر التراث وبدأ يدخل التراث العالمي، ولم يعد الأثر الواقعي أو الغربي في الأدب هامشياً بل صار مركزياً، ويعد هذا الطور طور قلق للأجناس الأدبية بخاصة النثرية حيث لم تخطُ الخطوات التي كانت منتظرة منها بعد المحاولات المبكرة للتشكل في الطور السابق، ولعل مجمل التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية السائدة قد زادت الأوضاع تردداً وقلقاً، ومن العوامل الفاعلة في تحول النظرة إلى التراث كان الاحتكاك بالغرب وبدء عودة المبعثين من هناك وأثر الرومانسية، هذا كله اسهم في التحول الذي أصاب التفاعل مع التراث، إضافة إلى وعي المتلقين وبدء ترسخ الأجناس مما مكنها لتنطلق نحوه ونحو سواه؛ لكن انطلاقة الواثق الذي أخذ شرعيته وليس عودة الباحث عن شرعية!.

أتاح هذا الطور لكل جنس أدبي أن يتفاعل مع التراث تبعاً لما تستدعيه ظروفه الخاصة به والنمو الذي وصل إليه كل جنس، وقد تحكم في هذا المستوى الذي حط فيه كل جنس ومدى تلامحه في كل بلد عربي، إذ شهد هذا الطور بدء تشكل أجناس أدبية جديدة، ونجح في أن يكون إعلاناً فنياً متميزاً للشعر الآخذ بأسباب التجديد الذي يتفاعل مع التراث بطرائق مختلفة عما سبق، وفسح المجال ليكون خطوة أخرى ـ لا تخلو من بطء ـ في تاريخ كل من الرواية والمسرح.

وقد أخذ مفهوم التراث عند الأدباء يتسع ليشمل التراث الإنساني مستفيدين من الترجمة التي راحت آنئذ تدخل بقوة في سيرورة الحياة الأدبية لتؤمن عاملاً منافساً أو بديلاً أحياناً عن التفاعل مع التراث وكذلك أخذ الانتباه يتسع إلى تاريخ المنطقة العربية السابق لما يسمى بفترة العصر الجاهلي، وبدأت تطرح أسئلة كانت محرمات فيما سبق من مثل: هل العلاقة مع التراث ضرورية؟ لذا فقد بحث بعض المهتمين عن مخرج موائم حيث وجدوا إمكانية للتجديد والتعبير عن الحاضر والتواصل مع التراث، وفي الوقت نفسه التفاعل مع الغرب...

إذاً ثمة محاولات عديدة بذلت لبدء تعامل جديد مع التراث، غير أن التردد والحيرة وكثرة المؤثرات وتعدد التيارات أسهم إسهاماً غير إيجابي، إذ قيد الحركة بدلاً من أن يفعلها لذا بدا هذا الطور باباً واسعاً للاضطراب والإقبال والإدبار، لذا لم تبرز تجارب كثيرة في التفاعل مع التراث بقدر ما وجدت أطياف من التفاعل في الوقت الذي نجد فيه أدباء عرفوا في هذه الفترة بكونهم ميالين للتجديد أو منغمسين بهموم الواقع...

1 / 2 ـ الشعر: تابع الشعر آنئذ حجز مكانته المتقدمة في هذا الطور، وخطا خطوات فنية لافتة في تاريخه الحديث على العكس من الأجناس الأخرى التي كانت لا تزال تبحث عن طريق وعن متلقين يتذوقونها ويشجعونها للمضي في طريقها، وربما هذا يعود إلى ترسخه من جهة وكذلك كونه بلغ مبلغاً مهماً في التفاعل مع التراث منذ الطور السابق، وارتبط التفاعل مع التراث عند الشعراء آنئذ بجملة من المواقف الفكرية والشعرية والقضايا الوجودية؛ حيث راح الشعراء انسجاماً مع الوعي العام يحاولون تكوين رؤيا مما حولهم، وباتت مسلمات الطور السابق المتعلقة بالتراث مثلاً تتحول إلى قضايا قابلة للنقاش أي أن مقدسات كثيرة راحت تتحول إلى محور للمساءلة، وكذلك العوامل المؤثرة فيه وفي مفهومه، وهو على كل حال شهد في هذا الطور عدداً من التحولات وهي إرهاصات أنبأت بالتغيير الكبير الذي شهده الطور اللاحق.

ومع أن هذا الطور كما سبق أن أشرنا لا يوسم بأنه طور تأثر شعري كبير بالتراث، وهو الذي عرف ولادة بذور الرومانسية بما تتطلبه من خصائص محددة وقضايا جديدة راحت تطرق الباب مثلا المرأة والطبيعة والروح التي باتت شاغلاً رئيسياً، إلا أن سؤال التراث لم يغب عن الشعر حيث ظهرت في المجهر (العصبة الأندلسية) بوصفها تياراً محبذاً للتمسك بالتراث، واتضح هذا في المعجم الشعري والموقف من اللغة، وهو ما صرحوا به شعراً ونثراً، ولعل مشاعر الغربة قد أسهمت في تمسكهم وتأكيدهم على أهمية التواصل مع التراث، فهذا الشاعر فوزي المعلوف يقول:

عشت بين المنى، يراود نفسي

 

خُلَّب من طيوفها وعقام

أقتفيها وفي يديّ فؤادي

 

ثم ألوي وفي يدي حطام([21])

أما تجمُّع (الديوان) فظهر تأثرهم بالتراث واضحاً، مع أن موقفهم بالنسبة لسابقيهم الذين تعد السمة التراثية الأبرز في شعرهم ممن دعوا بالاتباعيين الجدد كان حاداً حيث حاولا الاستخفاف بجهودهم. وبدت علاقتهم مع التراث بحاجة لتأمل بخاصة عند عبد الرحمن شكري الذي كان تأثره واضحاً بابن الرومي وغيره بخاصة في المعجم الشعري مثلما نجد أثر الأدب الإنكليزي الرومانسي في طبيعة الموضوعات التي عالجها حيث نلحظ نوعاً من التنازع:

 

يحوطني منك بحر لست أعرفه

 

ومَهْمَهٌ لست أدري ما أقاصيه([22])

وهذا لم يكن خاصاً به إذ شكل الشعراء الإنكليز الرومانسيون ثيمة من ثيمات هذا الطور، بخاصة عند شعراء (أبولو) الذين يعدون النموذج الأكثر شهرة في تمثيل الشعر الرومانسي، وهم الذين اختاروا اسماً إغريقياً ليتميزوا به، ربما بهدف الإشارة إلى الانفتاح على الثقافات الإنسانية، وقد كانت تتجاذب ما يكتبون تيارات متعددة وقد حاولوا تقديم قيم شعرية وتصورات مختلفة يقول إبراهيم ناجي:

دار أحلامي وحبي لقيتنا

 

في جمود مثلما تلقى الجديد

أنكرتنا وهي كانت إن رأتنا

 

يضحك النور إلينا من بعيد([23])

وهذا لم يقتصر على تلك التجمعات التي ظهرت في مصر في المهجر، إذ هي ليست الحامل الوحيد للوحة الشعر يومذاك؛ فالتجارب الأخرى التي ظهرت في العراق كانت هي الأخرى قد تفاعلت بطرق متعددة مع التراث فهذا الزهاوي في قصيدته (ثورة في الجحيم) يعود إلى رسالة الغفران و (الرصافي) يعلن عن رغبته بالعودة إلى الأغراض القديمة....

وفي تونس طرح أبو القاسم الشابي مفاهيم جديدة لها علاقة بمفهوم الشعر من خلال كتابه الخيال الشعري عند العرب وعبر عن هذا في شعره الذي أراد أنْ يكون فيه مجدداً لكن اللمسات التراثية لم تغب عنه. وكذلك في (لبنان) برز لدينا كل من: إيليا أبو ماضي و إلياس أبو شبكة والأخطل الصغير كممثلين للاتجاه الرومانسي الذي لم يقطع صلته بالقديم وبرز لديهم حضور التراث الأسطوري والمسيحي....

أما عمر أبو ريشة (سورية) فكانت المؤثرات التراثية بادية في شعره مع ثقافته المتنوعة، وينكشف الأثر التراثي في شعره عبر إحكام العبارة والألفاظ القوية المهيبة، وقد تأثر بخاصة بالبحتري وأبي تمام (على ما في التجربتين من اختلاف فني) وابن زريق البغدادي وغيرهم، وتقدم كثير من نصوصه نموذجاً للنص الفني المراوغ الذي يحتار الباحث في نسبته إلى تياره أو اتجاه معين؛ حيث نجد ملامح من أثر الاتباعية والرومانسية والرمزية مثلما نجد تحسساً لغليان الواقع وكذلك الأثر التراثي في اللغة والأسلوب خاصة من ذلك قصيدة النسر التي يقول فيها:

أصبح السفح ملعباً للنسور

 

فاغضبي يا ذرى الجبال وثوري

إن للجرح صيحة فابعثيها

 

في سماع الدنى فحيح سعير([24])

 



* أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية ـ كلية المعلمين بتبوك ـ السعودية.

([1])  انظر: قراءة جديدة لتراثنا النقدي، مجموعة من المؤلفين.

([2])  انظر: التراث والتجديد، حسن حنفي ص 24.

([3])  انظر: أوهاج الحداثة، د. نعيم اليافي ص 50.

([4])  انظر: المعجم الأدبي، جبور عبد النور ص 63.

([5])  انظر: التراث والتجديد، حسن حنفي ص 15.

([6])  انظر: التراث والمجتمع الجديد، ناصر الدين الأسد ص 11.

([7])  انظر: بنية القصيدة العربية المعاصرة، د. خليل الموسى ص ص 15 ـ 46.

([8])  أبرز من دعا إلى ذلك رواد قصيدة النثر.

([9])  انظر: السردية العربية، د. عبد الله إبراهيم في مواضع متعددة بخاصة ص ص 79 ـ 115.

([10])  انظر: المسرحية في الأدب العربي الحديث، د. محمد يوسف نجم، ص ص 193 ـ 383.

([11])  المرجع نفسه ص 36.

([12])  المرجع نفسه ص ص 193 ـ 290 وتجدر الإشارة إلى أنه نظراً لكون عدد المسرحيات والروايات والمجموعات القصصية التي تفاعلت مع التراث في الأطوار الثلاثة كبيراً (ما تمت الإشارة إليه في هذا البحث تجاوز المئة) فقد اكتفينا بالإشارة إلى مضمون بعضها وإلى بعض الكتب التي تناولتها هرباً من إثقال كاهل البحث بهوامش أخرى...

([13])  انظر: الظواهر المسرحية عند العرب، د. علي عقلة عرسان.

([14])  انظر: السردية العربية د. عبد الله إبراهيم في مواضع متعددة بخاصة ص ص 79 ـ 115.

([15])  انظر: تاريخ الأدب العربي: الأدب العربي الحديث، ص ص 267 ـ 275.

([16])  المرجع نفسه ص ص 271 ـ 273.

([17]) ديوان البارودي ـ البارودي، ج3 ص 136

([18])  ديوان البارودي ـ البارودي، ج 3 ص 136.

([19])  انظر الشوقيات ـ شعر أحمد شوقي، ج1 ، ص 163.

([20])  انظر: ديوان حافظ إبراهيم ج / 1 ص 59.

([21]) على بساط الريح، فوزي معلوف ص 117.

([22])  ديوان عبد الرحمن شكري ص 397.

([23])  ديوان إبراهيم ناجي ص 21.

([24])  ديوان عمر أبو ريشة مج ص 158.

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244