|
||||||
| Updated: Sunday, March 11, 2007 03:55 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
صورة القوة والإرادة في شعر المتنبي ـــ أ.د.حسين جمعة 1 ـ حدود وأبعاد: قبل أن أدخل في صميم البحث؛ أبيّن أن لكل صورة فلسفة خاصة بها، علماً أن مفهوم الفلسفة بقسميه النظري والعملي قديم، وهو متعلّق بالمعارف والفنون والعلوم والحقائق... ولذا عرف ابن سينا الفلسفة بقولـه: "إنها الوقوف على حقائق الأشياء كلها على قدر ما يمكن الإنسان أن يقف عليه"([1]). ولهذا تصبح الكلمة في الأدب مادة للصورة ( الهيئة) باعتبارها الحامل الحقيقي لعالم الوجدان والعقل، ومن ثم تأخذ الصورة الشعرية طبيعتها ووظائفها وأهدافها من خلال الحواس أو ما يعرف بالحسّ المشترك وامتزاجه بمضمون عقلي ومن ثم فقيمة كل شيء تكمن في وجوده وإدراكه في النفس.. وفي ضوء ذلك فالكلمة (لفظاً وتركيباً) تمدنا بدلالات رمزية تواضع عليها الناس في كل زمان ومكان بما يتوافق وحياتهم وفلسفتهم للحقائق والأشياء والفنون والآداب و .. أي إن الدلالة بكل أنماطها الذهنية والنفسية والاجتماعية و ... تصبح حالة تصورية خاصة بالإنسان وعلاقته بالوسط المحيط به. " ولا يمكن للشاعر المبدع أن يستخدم في شعره اللغة كما يستخدمها الناس في حياتهم المعاشية العادية، فالمفروض في لغة الشعر أن تكون ذات طاقة تعبيرية مصفّاة ومكثفة"([2]) وهنا يصبح للمبدع مزية خاصة على بقية الناس باعتبار ما وهب من ملكات التذوق والإدراك، ممّا يجعله يجدد في صورة الكلمة، ويفتق في أساليبها وأنواعها. إنها الرؤية الخاصة التي توجب تصوراً خاصاً لا يملكه الآخر ولا يتساوى فيه معه؛ وكذلك لا يتساوى معه في التعبير عنه، فإذا كانت اللغة مشتركة بين الناس فإنّ أساليب استخدام المبدعين لها ليست مشتركة ولا متطابقة. أما القوة فهي تؤسس للخصائص الذاتية والموضوعية للمبدع والإبداع، بما تمتاز به من الشمول والوحدة الجامعة لمختلف الصفات. والقوة ضد الضَّعف؛ وهي القدرة والشدّة والثبات والعزيمة، سواء كان هذا كله في الجسم والغريزة؛ أم العقل والتفكير، ومن ثم فمبدأ القوة المادية أو المعنوية استناده إلى الشعور والإرادة في القيام بفعل ما، وهو ما يطلق عليه الفعل المتهيئ للحدوث، باعتباره موجوداً بالقوة؛ فإذا صار في حيّز الإمكان فهو موجود بالفعل([3]). فالقوة مصدر النشاط والحركة، ومبدأ الخَلْق والفعل، وهي منبع الإرادة والعزيمة جسداً وعقلاً.والقوي من يتصف بامتلاك القدرة والتحمل والصبر، بما في ذلك قوة الذكاء والحافظة، وقوة التخييل والتحريك والتغيير؛ وقديماً قيل: من استولى على الشيء أسَر. وغَلَب الإنسان أو الشيء غيره إذا تغلّب عليه، وقهره من غير رضى. ومن ثم فالإرادة قوة نفسية تتوق إلى الفعل وتشتاق إليه فطرة ومخيلة وعقلاً؛ مهما كانت أشكالها جزئية أم كلية؛ خاصة أم عامة؛ فردية أم جماعية مشتركة. ولهذا قيل: إرادة الشعور؛ وإرادة القوة، وإرادة الحياة، فإرادة الشعور نزعة ذاتية أساسية تؤثر في حياة صاحبها وحياة المجتمع؛ وإرادة القوة نزعة تؤكد الثبات في الوجود الحر الذي لا يعرفه الضعفاء ـ ويستعين المبدعون في هذا الاتجاه بقوة المخيّلة لتجاوز المألوف ـ وإرادة الحياة ـ كما انتهى إليها شوبنهاور ـ مبدأ للقوة الشهوية الغريزية لاستبقاء العنصر الوجودي في الحياة، بصورته الخاصة([4]). وعليه؛ كان لزاماً علينا أن نشير إلى أنماط القوة وفلسفتها في شعر المتنبي أسلوباً وتخييلاً وأفكاراً، على اعتبار أن الأسلوب هو الإنسان وهو الذي يرسم خصال المرء وسجاياه([5]) وأن التخيّل أو التخييل قوة مصورة تريك صورة الأشياء الغائبة حتى يُخَيَّل إلينا أنها حاضرة وتسمى القوة المصوِّرة([6])، وأن الأفكار تجيء وفق أحوال النفس والأحداث والثقافة التي تحيط بها سواء كانت وفق مبدأ تداعي الأفكار، أم مبدأ الاقتران والاقتراض والخبرات؛ ممّا يؤدي إلى حصول معنى ما في الذهن يصاغ بلغة حقيقية أو رمزية أو مجازية أو إشارية لتدل على فكرة صاحبها ومشاعره([7]) ، فالمعنى ((هو الصورة الذهنية من حيث وضع بإزائها اللفظ))([8]) في إطار الجوهر اللغوي الذي يعيشه الذهن في ضوء تصوره لكل ما يريد التعبير عنه. ويرى الدكتور اليافي أن الفكرة تشتمل على الصورة وبهما يحصل الإبداع فيقول: " وإنما تحصل الجودة والإبداع حين تشتمل الفكرة الفنية على صورة تلونها، أو صنعة خفية تخدمها وتؤديها" ([9]) فاللغة صلة الوصل بين الإنسان والمحيط، وهي المكونة للمعنى باعتبارها وعاء الفكر. وعليه فإن " النشاط الذهني ينتج أفكاراً وإشارات حرفية ذات دلالات محددة، والنشاط الخيالي ينتج الأشكال الفنية، وعن طريق التعارض أو التقابل بين الصورة"([10]) وهذا يشي بالحصول على التشكيل الجمالي المؤلف من عناصر عدة تؤسس لمفهوم المتعة واللذة والفائدة؛ أي ((لا يوجد في الواقع فن معتمد على نوع واحد من الإحساسات مثل التصوير الخالص أو النحت الخالص؛ ففي التصوير قيم ليست كلها مستمدة من اللون كما يلاحظ (برنسون Berenson) ))([11]). ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى صياغة مكونات صورة القوة والإرادة وتجلياتها التي انتهجها المتنبي للكشف عن قيمتها باعتبارها صفة من صفات الإبداع ومن ثم الكشف عن موهبته وفرادته في شعره الذي يعدّ شاهداً حياً عن شخصيته التي ملأت الدنيا وشغلت الناس. فالمتنبي يمارس في إبداعه أنماط الإرادة التي أشرنا إليها، وقد انتقلت من إطار الذات إلى الموضوع، وهي ذات عارفة بقيمة ما يملك وبقيمة أشكال القوة في تموضعها الخارجي. لهذا كانت تشغله كينونة وجوده قبل أن تشغله كينونة الآخرين؛ ممّا جعل فنه ينمو ويتطور إضافة واستمراراً، ليصبح وجوده الإبداعي علامة للفن الأصيل الموسوم بالعلاقات الجمالية العديدة. ولهذا كله نجد أنفسنا مبهورين بقوة الإرادة التي كان المتنبي قد تميّز بها ووسم بها مواقفه وإنتاجه الأدبي الذي خلده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ممّا يجعلنا نبدأ بالكشف عن البعد الحقيقي لمكونات صورة القوة عند المتنبي باعتبارها الجامع للإرادات الثلاث التي تحدثنا عنها، وهو الأمر نفسه الذي جعلنا نختار عنوان (صورة القوة والإرادة في شعر المتنبي). 2 ـ مكونات صورة القوة والإرادة: نحاول في هذا الاتجاه الكشف عن الذاتية الفردية باعتبارها البعد الحقيقي لمكونات صورة القوة نفسياً واجتماعياً وثقافياً وفنياً على فَرَض أن المتنبي ينطلق منها إلى تشكيل فلسفته ومعانيه، وهو بُعد يتعانق فيه النفسي بالاجتماعي والثقافي والإنساني إلى درجة التعالق العضوي. هذا هو المكون الأول أما المكون الثاني لصورة القوة والإرادة فإنه يكمن في قوة المُصَوِّرة (المخيّلة) التي تميز بها دون غيره من الشعراء. وسنبدأ حديثنا ببيان الذاتية الفردية. أ ـ الذاتية الفردية: قد يتوهم كثير من الناس أن الذاتية لا تختلف عن الفردية، بيد أن الفرق بينهما كبير وشاسع. فالفردية تعبر عن بروز (الأنا) مقابل الآخر فرداً أم جماعة... وقد تتضخم الفردية على حساب الآخر... أما الذاتية فهي العنصر العاطفي الجوهري الممزوج بالاجتماعي والإنساني والثقافي والفني للتعبير عن رؤية مستقلة ومتميزة للكون والناس والأحداث... ومن ثم فالشاعر يرصد أحداث حياته وحياة مجتمعه وتجاربهما وفق رؤية خاصة تحقق له مجموعة من الوظائف والأغراض. وفي ضوء ذلك فالذاتية الفردية وفق ما يشي بها شعر المتنبي تنطلق من الطبع المؤاتي للفردية المتماهية في المجتمع على الرغم من الحس الفردي العالي لديه, على اعتبار أنه يتوق دائماً إلى أن تكون شخصيته موضوعاً عاماً, ما يعني أنه لم يستطع أن يعيش منفرداً على الرغم مما يتّصف به من نزوع فردي متعالٍ وبارز في فنّه؛ بيد أن هذا النزوع لا يمكن أن يبرز إلا بوجود الآخر ما يجعله على اتصال فاعل بأغلب الأوساط المحيطة به. فالشاعر مرتبط بجملة من العوامل التربوية والثقافية التي أسهمت في تكوين شخصيته الإبداعية المتفردة، إذ يقدّم رؤاه النفسية بأسلوب يدل عليه، وكأنه البصمة الخاصة به وفق ما يتضح للعالم بالشعر. من هنا نجد أن فلسفة القوة والتفاخر لديه ذات أشكال ومظاهر عديدة ترجع إلى الانطباعات دون أن نعدم وجود التراكم الفكري والفني الذي يعزز لديه استثارة من نوع آخر ليثبت استجابة مغايرة تتوافق مع رؤيته إلى الحياة والكون. ولهذا كلّه فإن رؤيته الذاتية المبدعة كانت تتفاعل مع بديهته وفطرته الإبداعية التي وهبها الله إياه، ومن ثم تمتزج برؤية موضوعية ملبية لها. ولا شيء أدل على ما تقدم من المقطع الآتي، وفيه تبرز ظاهرة (الأنا) الممتزجة بظاهرة (نحن) وإن كانت الطبيعة المجسدة بـ (أنا) طاغية في ألفاظه كما في قوله:([12])
فبُنية الحيّز النفسي/ الاجتماعي تتأطر في علاقات فنية تصوغها اللغة بإيقاعات جمالية يتحد فيها الدال والمدلول، لتصبح صيغة (الأنا) التي تمثل الذات الشاعرية ظاهرة فنية فكرية، ومن ثم ظاهرة مرتبطة بالوجود الإنساني من خلال الضمير (هو) المضمر أو الظاهر. فضمير (أنا) برز خمس مرات في البيتين، ولكن هذا لم يمنع ظهور الآخر المتعدد فرداً وجماعة (الأعمى ـ الكلمات ـ الأصم ـ الخَلْق) ولابأس من أن نعرض لمثال آخر من مدحه لسيف الدولة، إذ يقول:([13])
فالمتأمل لهذا النص الشعري يلفته الشكل الخارجي للغة التي تحمل جملة من الوظائف والدلالات في بنيتها الفردية (الكلمة) وبنيتها الكلية (التركيب). فاللغة بهذا البناء الفني عند المتنبي كانت مادة لدلالة ظاهرة وباطنة تتجاوز القرائن البعيدة لتقف عند سطوة المدرك الملموس الذي يستشعره المتنبي، ما جعله يوازن بينه وبين غيره من الشعراء. وحينما نشدد على طغيان الذاتية في شعر المتنبي، وهي ذاتية تعزز مفهوم الفخر الفردي، فإننا نؤمن بأنها ذاتية تختلف عما رأيناه في الشعر القديم ولا سيما الجاهلي منه. فالفخر الذاتي عند طرفة بن العبد وعنترة بن شداد ـ مثلاً ـ إنّما يعزز نزعة الاستعلاء من خلال القيم التي تواضع عليها المجتمع آنذاك؛ وعليه قول طرفة: ([14])
أما ذاتية المتنبي الفردية فإنها تظل معبرة عن فلسفته الخاصة في نزعة مثالية لما يراه من قيم المجتمع، وشتان بين فخره وفخر القدماء. ومن ثم تستند فلسفته إلى صورة القوة لديه إلى قوة الإرادة الذاتية والموضوعية لما يتصف به من ثقة بنفسه، وهمته العالية؛ وحكمته الرائعة، ورأيه الحازم، وشجاعته النادرة؛ فكلّها تجسد مكوّنات فلسفته في الوقت الذي تمثل نمطاً من تجليات الصورة الجمالية التي تؤكد قوته المادية والمعنوية. فالمتنبي تمكن بقدراته الإبداعية أن ينفذ إلى القوة الكامنة في اللغة المصورة ليشكلها في لغة جمالية تقدم وظائف عديدة. ولهذا فهو لا يثقل شعره بالألفاظ الجزلة، ولا يقع ـ في آن معاً ـ أسيراً للمباشرة والوضوح القاتل، وإنما يلجأ إلى قوة التعبير التي تستثمر وضوح الألفاظ وتراكيبها لصالح تعميق معاني الإرادة ووضعها في جذوة الألق الذاتي الشغوف بالعقل وتجاذباته؛ دون أن يفقد الانسجام (الهارموني) مع الشجاعة، وكل منهما محكوم باستثارة جمالية خاصة. هذا إذا تغافلنا عن قيمة الوزن في الشعر، فالوزن ليس "صورة موسيقية فرضت عليه فرضاً لتكون حلية تزينه، كلا، فالوزن ظاهرة طبيعية لتصوير العاطفة لا يمكن الاستغناء عنها مطلقاً، وذلك لأن العاطفة بطبيعتها قوة نفسية وجدانية لها مظاهر جسمية تبدو على الإنسان الغاضب أو الفِرح أو الحزِين فإذا به مضطرب ثائر، أو مبتهج طروب؛ أو متخاذل يبكي، وإذا لقلبه نبض خاص غير طبيعي ولأنفاسه ترديد غريب، ذلك دليل على انفعال يملك النفس"([15]) وهو القائل:([16])
فقوة إرادته وعزة نفسه تجعله يعيش بين حياتين حياة الامتناع من الأعداء أو حياة الموت الكريم في الحرب. وهما حالتان تحققان التوازن القوي للحفاظ على ذاته المبدعة، وفق ما هو مستمد من الحقول الدلالية للنص. فالقتل في المعركة يدل على الشجاعة، وهو خير من الذل؛ أي إن الوعي الجمالي القوي والبديع يمتد إلى العنصر التراجيدي ـ المعذب ليثبت مرجعية وظيفية تحاكي الوعي التاريخي الاجتماعي، ومن ثم يمتد إلى الجميل البطولي، وما يقتضيه من حيوية ذاتية عند الشاعر، فتمتلئ نفسه بإرادة القوة التي تتشبث بالمجد فينطلق من خلال المحمول النفسي والاجتماعي ليرفض الذل والخنوع. ولهذا لا يشفي صدر عدوه من الغيظ إلا أن تنال منه الرماح التي اتصفت بالتشخيص والأنسنة وكأنها هي الفاعل. وهو لا يتوانى عن طلب الجهاد والموت الجليل ليعيش في جنة الخلد بدل أن يموت على فراشه ميتة الذل فلا يفتقده الناس، لأنهم لا يبالون بموته وموتهم ولا يذكرونه بعده، ومن ثم يرى أن الجبان قد يموت على فراشه، على حين يسلم الشجاع الذي يخوض أشد الأهوال وأخوفها. ومن هنا نجده يرتد إلى ذاته الداخلية ليرى فيها أنها أخت الجود وصاحبة القصائد ومنشئة القوافي، وقاتلة الأعداء؛ ما يجعلها تسبق إلى قتلهم وكأنها السم الزعاف لهم. وكان قد قال من القصيدة نفسها:([17])
وجاء في قصيدة أخرى ما يعبّر عن قوّة إرادته في ركوب المصاعب، وقد استجاب لما يعتلج في أعماق نفسه في قلقها وحيويتها باعتبارها تكره الخوف، وتشمئز من الانكسار، ومنها:([18])
فالرؤية الذاتية للمتنبي تتفاعل في صور حسية فاقعة ومستندة إلى أسلوب التقابل مع أنموذجه المثالي الذي يؤكده في إظهار قدرته وتفوّقه على نفسه في الكرم والعطاء، وكأنه أكثر الناس سخطاً على البخل والظلم. فرؤيته الفلسفية هذه إنما توحي لنا أنه مهموم بالمصير الإنساني القلق؛ ولا سيما حين يعيد القيمة الحقيقية للرأي قبل الشجاعة؛ على حين كان المُعَوَّل عليه في عصره ـ وفق سيفياته في سيف الدولة ـ ينصب على الشجاعة. فانكسار قوة العقل انكسار للمصير الإنساني وخسارة كبرى للروح الفردية والجماعية، أما خسارة القوة البدنية، فهي خسارة فردية، بيد أنه لا يسقطها من حسابه.
وفي ضوء هذا الفهم فإن فلسفة القوة لديه تقدم الرأي على الشجاعة وأدوات القتال؛ واجتماعهما معاً أفضل من تفرقهما لبلوغ العلياء إذ قال:([19])
وقال هذه القصيدة عندما انصرف سيف الدولة من فتح بلاد الروم سنة (345هـ) ويصفه فيها بقوة القلب وشدة البأس؛ بيد أن حكمته وعقله تسبق شجاعته، أي إن شجاعته ملازمة لرجاحة عقله، ولكنها تأتي في مقام صفاته وفضائله بعد العقل والرأي؛ وبهما ينتهي صاحبهما إلى الكمال والعلياء. فقيمة أي شيء تكمن في إدراكه قبل وجوده، وفي كل ما يشي به من دلالات اجتماعية ونفسية، إذا تجاهلنا صلته بالقيم والفضائل. ولعل هذا كله يوحي بالعلاقة الصحيحة بين الواقع بكل قيمه وتجلياته وبين الواقع النفسي، باعتبار علاقة الأصل بظله. وهذه الفلسفة تستند عند المتنبي إلى المنطق والدليل وهو ما أورده في البيت الثالث والرابع إذ يرى أنه ربما طعن الفتى أقرانه من الأقوياء الشجعان بالمكيدة ولطف التدبير قبل أن يطعنهم بالرماح. ولولا العقل لكان أقل سبع قوة أقرب بالشرف والمكانة إلى الإنسان، ولولا العقل لما تفاضلت النفوس بعضها على بعض والآدمي أفضل من البهيمة لعقله وقال المأمون: الأجساد أبضاع ولحوم، وإنما تتفاضل بالعقول وهذه الرؤية من كلام الحكماء إذ يقال: الإنسان شبح نور روحاني، ذو عقل غريزي لا ما تراه العيون من ظاهر الصورة([20]) وكان قد قال في مدح كافور:([21])
فصورة كافور مرت بمدركات ذهنية وخبرات متتابعة أدت إلى انطباعات محددة، عبر عنها بها الشكل المنطلق من ذاته الفردية المفكرة. ولعل ما أشرت إليه كافٍ فيما أرمي إليه لأنتقل إلى الحديث عن القوة المصوّرة لدى المتنبي، وهي التي تبرز فنه بمثل ما تبرز فلسفته وشخصيته. ب ـ القوة المصوّرة ( المخيّلة): هناك توافق عجيب بين القدرة على الإبداع وبين الإبداع نفسه ليبرز نمطية الفلسفة التي تثبت العلاقة بين المبدع والإبداع. فالإبداع يرتبط بالقدرة على التخييل في الصور الحسية والمجردة، البعيدة والقريبة، البسيطة والمركبة والاختراع في الأفكار المنبثقة من خصوبة الذهن المشبع بالعناصر الأدبية والثقافية والاجتماعية والفنية فأي شيء خارج الذات أو داخلها لايمكن إلا أن يصدر عن الحواس التي تتكامل مع الحس المشترك لإنتاج صور تمدنا باللذة والإمتاع. وقد أثبت العلم الحديث ظاهرة الجلاء البصري اعتماداً على ترابط المراكز الحسية بعضها ببعض، ومن ثم تكاملها مع العمليات الإدراكية المركبة([22]). فالمبدع يرى صورة لشيء لا يراها غيره من خلال تميزه برؤية خاصة، وهي التي يقال لها ـ أحياناً ـ الحاسة السادسة، ما يجعله يرى الأشياء المغيّبة على صورة يتخيلها وتكون كذلك على الحقيقة ما يجعلك تعيش في حالة الإدهاش. ولعل هذه الحاسة تتقاطع مع ما قاله ابن سينا عن إدراك البصر للحرارة من خلال الحس المشترك للقوة المصورة على اعتبار أن المصوّرة هي الخزانة التي تختزن المحسوسات([23]). وإذا وقع الخطأ في التصوير فإنما يرجع إلى الوهم وما يضيفه التخيل إلى الإحساس نتيجة المعاني المكتسبة، والتجارب المعروفة، وفق ما انتهى إليه ابن سينا([24]) ؛ دون أن ننسى لحظة واحدة أن الفكر الإنساني عاجز عن إدراك الواقع إدراكاً تاماً، كما انتهى إليه الفيلسوف (عمانويل كانط)([25]). ومن يتعقب الصورة الشعرية عند المتنبي يدرك أنه يتجه إلى الفكرة والواقع باعتبارهما مظهرين لتجليات الذات التي تنطوي على مشاعر متأججة ومؤثرة؛ في الوقت الذي يتوافر لها مضامين جمالية تحرّض الآخرين على الولوج في معرفة كينونتها، وبديع صناعتها، والشعر ـ كما قال الجاحظ ـ: "صناعة، وضرب من النسيج، وجنس من التصوير"([26]) وكلها تحقق الفكرة المتخيلة عنده على اعتبار أن الصورة ذات وموضوع. وهذا يعني أن عملية "التخيّل الشعري ليست عملية حرّة وإنما هي مقيدة بشروط العقل، ولهذا يتحول الشعر إلى صناعة عقلية لا يسمح فيها للخيال بالانطلاق حتى لا يصبح مجرد إلهام أو تلويع مستلب"[27]. وربط عملية الإبداع بالعقل "لن يلغي وجود الوسائل التي تجعل القول مخيّلاً، لأن القدرات الإبداعية والابتكارية للتخيل الشعري سوف تستخدم في تحسين أو تقبيح ما يقرره العقل، وسوف تنحصر العملية إذاً في خلق تشكيلات جمالية مؤثرة"([28]) ولهذا فالإبداع التصويري نوع من الخَلْق الجمالي المعبّر عن حاجات ذاتية واجتماعية وثقافية وفنية تؤكد ذاتها في نظام يغلب على نظام آخر. فالنظام هو الحاضنة التي تضم المرجعيات والأبعاد التي يستند إليها إنتاج ما أدبياً كان أم فنياً أم فكرياً، أم لغوياً،... ومن يتتبع قصائد المتنبي يلحظ أن قوّة التخييل كانت تتوزع في دوائر إبداعية شتى داخلية وخارجية ولم تكن مجرّد ردّ فعل لظروف خارجية تحيط به، أو مجرد تأثّر ذاتي يصدر عن إعجابه بممدوح ما كسيف الدولة الحمداني، أو إعجابه الشديد بأي موضوع آخر وانغماسه فيه ما يجعل الكلمة المصورة تشبيهاً أو كناية أو استعارة تشكّل النواة والمركز المشع في الصورة الشعرية. فالقوة النفسية ـ مثلا ـ تواقة إلى تجاوز ما تعاور عليها الشعراء في مفهوم اللمحات والسوانح والخواطر، على أهميتها في الإبداع وارتباطها بالإشراق الذاتي والفني، ولكن المتنبي يؤكد ذاته بقوة المخيّلة المنبعثة من أعماق وجدانه وعقله على السواء لتصبح الصورة لديه قادرة على الإدهاش وهي تخرج الخفي غير المدرك إلى صورة مدركة بالحواس، ومن ثم تثير النفس والعقل معاً، ما يعني أن قوة العواطف لديه لا تلغي القوة الذهنية، وهذا شيء ربما يتفرد به دون غيره. ولعل الوقوف عند قصيدته التي وصف فيها الحُمَّى تشي بقدرة المخيّلة العجيبة لديه، باعتبارها قوة إدراك، وقوة بناء للعالم الشعري المكون للرؤيا([29]). فهو يفاجئنا مفاجأة غير متوقعة وفق ما يقال اليوم عن كسر أفق التوقع في الحديث عن الحمى ومكوناتها الشعرية، إذ يقول:([30])
فهذا المقطع جزء من كل يضعنا في حالة من تولّد الصورة الذهنية من خلال ربط المألوف بغير المألوف ولا سيما حين تحدث عن بذل كل ما هو ناعم من الوسائد والفرش ولكن توقعه في رغبات تلك الحمّى قد خانه. ومن يرغب في معرفة حقيقة هذه الصورة عليه أن يتمثل حقيقتها الثابتة في عناصرها الذاتية والموضوعية، تصور أو شعوراً، أي عليه إدراك الحالات النفسية التي يمر بها الشعور والعقل لكي يحصل على التأثير المطلوب. وكذلك نرى أن القوة النفسية كانت تتعانق بلغة شعرية مدهشة تنحرف عن كل ما هو مألوف لتمتزج بطريقة البناء المصورة المحاكية للنموذج البطولي المدحي، وهي التي منعت المتنبي من الوقوع في الاختراق السلبي المنظور في قيم القصائد المدحية، ولاسيما إذا قارنا مدائحه بمدائح غيره من الشعراء. ولا شيء أدل على ذلك كله من مدح المتنبي لسيف الدولة وعتابه في آن معاً في قصيدته المشهورة ومطلعها:([31])
وفيها يتغنى ممتدحاً شعره، من خلال تقنيات لغوية وتصويرية تتكئ على مكونات التنوع والتشويق الصادم للقارئ في دلالته الجمالية التي تحقق لـه التوازن، ولا سيما حين رأى أن وسائل المعرفة والعهود التي جمعت بينهما أعظم من أن تُضَيَّع فقال:
فما عهدنا شاعراً يعنّف ممدوحه بمثل ما نجده عند المتنبي، فهو يتحدث عن سيف الدولة لافتاً نظره إلى أنه أصغى إلى الطاعنين في المتنبي، يطلبون له عيباً يغضون به من منزلته عنده ولكنهم لن يجدوا شيئاً من ذلك. وحين كان يعرض لذلك كان يؤكد فاعلية الصورة الشعرية في تمثيلها لمشاعره التي تعتلج في نفسه، ما يوحي بأنه يحيل الوجدان الذي يملكه إلى مطالب تعبر عما يتراءى له من خلال الصورة. وبهذا تظهر القدرة الإبداعية عند الشاعر، فهو يقدم بين أيدينا رغباته المكبوتة بوساطة معادل موضوعي تصويري يحوّلها إلى واقع ملموس يجمع بين العقل والوجدان. ومن ثم فالتخييل الشعري نقل كل ما هو مجرد إلى كل ما هو محسوس ـ والعكس صحيح ـ بأسلوب طريف وتقنيات مدهشة، ووضع الأفكار والرؤى تحت أسماعنا وأبصارنا بكل قوة ووضوح ودقة؛ دون أن يخل بالعنصر العاطفي الانفعالي، ما يجعل التخييل فعلاً إبداعياً يصل بين المبدع والمتلقي لالتقاط نظرية فلسفة القوة عند المتنبي، وهي نظرية تحضر بكل عناصرها الجمالية لتخلق الصدمة المدهشة التي تجمع بين عنصرين أصليين (العاطفة والعقل). وبهذين المكونين يمكن أن نؤصل لمفهوم نظرية الشعر عند المتنبي، فعندما نستحضر أصل الإبداع ومنطلقه وتكونه ندرك قوة الفن وجاذبيته وجماليته الخاصة به على اعتبار أن العناصر الجمالية مرتبطة بعضها ببعض من خلال الإحساس بالجمال. ومن ثم نفهم طبيعة الفن الشعري عند المتنبي، وانطباقه مع ما انتهى إليه (جورج سانتيانا) في قوله: (( لذّات البصر والسمع والمخيّلة والذاكرة هي أكثر اللذات قدرة على التحول إلى موضوعات جمالية)) ([32]). ولهذا فإذا كانت الصياغة الفنية صياغة جمالية بما انتهت إليه من صور مبدعة، فإن الوجد والعاطفة تغدو في الوقت نفسه قيمة جمالية لأنها أبعدت عنا مرارة الحياة، وقرّبت التطلع إلى الأمل في المستقبل الجميل الذي ينشده. 3 ـ تجليات صورة القوة والإرادة في شعر المتنبي: يرى كثير من الناس أن تصور المفاهيم يتشكل بالخبرة والثقافة والتربية فضلاً عن مبدأ التأثر والتأثير بالبيئة أو الوسط الذي يعيش المرء فيه. وقد يقع بعض المبدعين في حالة صراع ذاتية وعقلية بين ما نشأ عليه المجتمع وبين ما يرغب فيه ويتصوره ما يجعله يتمرد على غالبية الأعراف والتقاليد والصور القديمة في الحياة والأدب والفن. ولا ريب في أن هذا التمرد يحتاج إلى قدرات خاصة في الإدراك والحس والخيال ما يؤهلهم لـه، ولعل هذا ما نفذ إليه المتنبي الذي يظل حقيقة ثابتة متفردة في وجوده الشخصي والإبداعي. وبناء على ذلك كلّه فإن المتنبي لم يعش يوماً حالة من الانكسار سواء تمثل في الاغتراب النفسي أم الاجتماعي أم غيرهما. فهو حاضر أبداً، يشدّه طموحه إلى أعماق نفسه ووجدانه ليطمس كل قلق أو اكتئاب مفتشاً عن آماله الكبرى بعد كل تجربة مخفقة يصاب بها كما ورد في مدح كافور الإخشيدي ولاسيما قوله:([33])
فالصورة الشعرية الحسية تنبئ بحالات شعورية داخلية ذات أبعاد دلالية مثيرة، فضلاً عن عناصرها الجمالية أسلوباً ولغة، من خلال ضمير المتكلم الذي يعدّ نواة الصورة والفكرة والمشاعر. فالحياة المقترنة بالرغبات تضج بحالة شعرية مدهشة في البحث عنها وسط ازدحام الكلمات وفق ما ذهب إليه كثير من الباحثين والمفكرين عن النفس العاقلة المفكرة، على اعتبار أن لكل موجود وجوداً حسياً وعقلياً في آن معاً، وهي لا تتعامل مع المحسوسات بأسلوب مباشر، بل تتأملها وتفكر فيها بحسب رغباتها وثقافتها وخبرتها. وكذلك نرى هذا الأسلوب التصويري في ممارسته لفلسفة القوة حين اختار نهايته بإرادته، إنها القوة التي تبرز في بيته الذي قتله:([34])
وهذا الاختيار الحر لممارسة فلسفة القوة؛ وفق مفهوم إرادة الاختيار؛ إنما يكشف عن الاستبطان الداخلي لحقيقة نفس المتنبي وما تملكه من تكوين يبرز تجليات القوة والإرادة باعتبار ما نشأت عليه من مفاهيم ومثل وما حملته من مبدأ التغذية الراجعة لثقافته ومبادئه ذاتياً وموضوعياً، وهي تغذية تحقق لـه عملية التوازن بين ما يؤمن به وما يفعله؛ على اعتبار أن فعله محاولة للاستجابة الذاتية بين ما يقوله نصّه الإبداعي وبين عالمه الخارجي. فالمعطى الحقيقي لمرجعية فلسفة القوة في النص المشار إليه ـ على ما يحمله من تقانة فنية أدبية وجمالية ـ أكّد ثباته شكلاً ومضموناً في صياغة واقعية أثبتت تناغمه مع فلسفته؛ ومن ثم كان انتماؤه إلى فلسفته سبباً في مقتله، وهو ما لا نجده عند شاعر آخر.
ومن ثم احتذى أبو الفضل الهمذاني حذوه حيث قال:([35])
وصور تجليات فلسفة القوة عديدة في صورة الدهر والحاكم الأمير والقائد والحرب والمرأة والإبداع ذاته تخييلاً وأسلوباً... 1 ـ صورة الدهر أو الزمان: سبق أن بيّنا تصور الذهن الإبداعي لكل من الحقائق والأفكار والأشياء والفنون و ... وكل صورة تكون محدودة بتصور ما في ذاكرة صاحبها وفي الذاكرة الجمعية للناس، ما يؤدي إلى تشكل جملة من الرموز الدلالية المشتركة للناس أو أغلبهم، ما يجعلنا نرى أن قيمة التعبير تكمن في دقة الملابسة أو المشاكلة بين التركيب والمعنى. وعلى الرغم من هذا فإننا نذهب إلى أن التصورات العديدة لا تستند إلى مبدأ التماهي في التراكم الثقافي العام وإنما تستمد فرادتها عند بعض المبدعين المتميزين من فعّالية النشاط الذاتي لديهم، فضلاً عن رهافة حساسيتهم ودقة وعيهم لإعادة صياغة واقعهم وثقافتهم انطلاقاً من استجابة حسية لموضوع ما. فالشاعر المبدع يستطيع الإفصاح عن مشاعره من خلال الأدوات اللغوية في صياغة الصورة المنشودة لديه، ويعتمد في ذلك على الموهبة والذاكرة الثقافية والفنية. ومن يقرأ شعر المتنبي فإنه سيقع على صورة شعرية حملت جملة من الأنساق الثقافية التي غايرت الأنساق القديمة ومفاهيمها الموروثة. فقد سادت في التراث العربي صورة نمطية للدهر أو الزمان الذي ينزل نوائبه وصروفه بالكون والحياة والإنسان؛ إنها صورة للخُصومة والنزاع المستمر، كما نجده عند تميم بن مقبل؛ حيث يقول:([36])
وقال:([37])
فهذه الصورة التقابلية بين الشاعر والدهر تبرز من خلال اللغة المتضادة كما يتضح في (وافٍ ـ مثلوم) و (تعويج ـ تقويم). ولعل هذا يضفي على النص أبعاداً درامية مستمدة من الموروث الشعري. وحين ننظر إلى فلسفة المتنبي ورؤيته للصورة المتوارثة للدهر في أدبيات العرب وفلسفتهم يتضح لنا أنها مغايرة لديه عما وجدناه فيها. وإن أقرَّ بصروف الدهر([38]) ـ حيناً ـ فإنه لا يستكين لها؛([39]) وإنما يدفعها بكل ما يملك من همّة عالية ومالٍ ورجال، فيقول:([40])
فالتقابل بينه وبين الدهر يمثل صورة القوي أمام الأقوى، وبهذا يذهب في التخييل إلى ما يؤدي به إلى الوقوف عند جزئيات كثيرة توطّن عنده مفهوم الانهزام أمام الدهر، وهو الذي لم يتخاذل أمام أحد. وكذلك يقر بطاعته للدهر لأن الحسين بن إسحاق التنوخي يطيعه؛ فيقول في مدحه له:([41])
ومن ثم فالدهر لا أمان لـه، وأمره مذموم، شديد مكره، ولا هو ممن يَشتاق فيه إلى نسل؛ لأن مآل الحياة فيه إلى الموت، والنسل إلى القبر بعد طول تعب ومعاناة فيقول:([42])
ويقر أيضاً بصحبة الناس للزمان وإصابتهم بغصصه، إذ مرة يحسن ومرة يكدّر ويسيء، بل إذا أحسن فإنه لا يتم إحسانه. أي أن واقعه النفسي يعاني أشكالاً عديدة من المسلمات التي تواضع عليها الناس؛ على اعتبار ما يعرف بالوسط الذي نشأ فيه وشكل العديد من آليات التحفيز (Incevtre) ما أدى به إلى مواجهتها بآلية الدفع لديه (Motire) وفضها ما لم تتوافق معها([43]). لهذا لابدّ من مجابهة الزمان بقوّة وثبات وشجاعة، والموت سينال من الشجاع والجبان، وشتان بينهما في المنزلة في الدنيا والآخرة فيقول:([44])
ولذلك فهو يدفع أذى الدهر بالشجاعة والكرم وتدبير شؤون الرعية في السلم والحرب([45]). وفي ضوء ما تقدّم فإن رؤية المتنبي للدهر تغاير المألوف من الرؤى القديمة، بل تثور عليها حين يجعل الممدوح أو نفسه صورة للدهر ومعنىً له؛ كما في قوله مادحاً أبا العشائر:([46])
والدهر قد يخطئ بحق ممدوحه ولابدّ له من الاعتذار إليه كما يشي به قوله:([47])
ومن ثم تنكسر الصورة النمطية لقوة الدهر ليصبح مطواعاً للممدوح ينفذ لـه ما يريد، كما يدل عليه قوله في مدح عبد الواحد بن العباس (الكاتب)؛ إذ يرى أن الممدوح إذا أراد شيئاً وافقه القضاء عليه، وأبلغه الدهر مراده؛ ولم يعصه أبداً:([48])
ولا عجب بعد ذلك كلّه أن تظهر قوة الممدوح في الإفناء والقتل والسيطرة مماثلة لقوة الزمان؛ إذ يقول في القصيدة السابقة:([49])
بل إنه لن يرضى من الدهر بما يجود به؛ وهمته لا تقبل برغبات الدهر ونوازعه، وإلا فأين طموحه وفضله عليه؟ إذ يقول:([50])
ومن ثم ينظر إلى الدهر نظرة غير محايدة باعتباره عدواً لـه يقاتله ويرميه بأحداثه وهو وحيد لا ناصر لـه، فيقول في مطلع قصيدة يمدح لها علي بن أحمد بن عامر:([51])
فلم يكن بقاؤه إلا لأمر عظيم سيتجلى على يديه، لأن المصائب والحوادث لم تصبه فيقول متابعاً:
ولهذا فهو يجعل الدهر من أتباعه يسخّره لإنشاد شعره فيقول:([52])
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||